التفسير الموضوعي 2الجزء 1 · ص 247 - 257

الدرس: 14 قصة موسى والخضر.

الدرس: 14 قصة موسى والخضر.

247

بسم الله الرحمن الرحيم

الدرس الرابع عشر

(قصة موسى والخضر)

بين يدي قصة موسى والخضر

حمدًا لله، وصلاة وسلامًا على رسول الله، أما بعد:

فهذه قصة موسى والخضر:

وهي -كالقصتين السابقتين- لم ترد في القرآن إلا في سورة "الكهف"، فدراستنا لها سيكون من خلال الآيات التي تناولتها في السورة الكريمة.

وقبل أن نبدأ في عرض أحداث هذه القصة، أود أن أشير إلى ضبط كلمة الخِضْر. يقول ابن منظور: "يقول أهل العربية: الخَضِر، بفتح الخاء وكسر الضاد، ويجوز في العربية: الخِضْر، كما يقال: كَبِد وكِبْد. قال الجوهري: وهو أفصح". فمن نطق الخَضِر فهو صحيح، ومن نطق الخِضْر فهو صحيح، بل هذا هو الأفصح -كما قال صاحب (لسان العرب).

والقصة لا تذكر اسم الخضر، ولا تخبرنا عن المكان الذي حصل فيه اللقاء، سوى أنه مجمع البحرين، كما لا نعرف متى كان ذلك في حياة موسى، هل حدث هذا حين كان في مصر، أو بعد أن عبر ببني إسرائيل إلى سيناء، كما لم تذكر السبب الذي من أجله كان بحث موسى عن هذا العبد الصالح، وبعد أن ذكر لموسى الأسباب التي جعلته يفعل ما يفعل، لم تخبرنا الآيات أين ذهب ولا ماذا كان من أمره، فالقصة كما ترون كلها مفاجآت، تنتقل بك في عالم مجهول وأسرار لا تتضح لموسى نفسه، ولم يعرف عنها شيئًا إلا بعد أن آذنه العبد الصالح بفراقه؛ لأن موسى لن يستطيع معه صبرًا.

ولو تأملت في مجمل القصة وما فيها من أسرار، تستطيع أن تدرك سر ارتباطها بما قبلها من الآيات في السورة، فالسورة بدأت بعد مقدمتها بقصة أصحاب الكهف، وأمرهم عجب لم تفصح القصة عن أسمائهم، ولا عن مكانهم ولا عن ملكهم، وترد علم ذلك وغيره لله، فالفتية بعد استيقاظهم قالوا:

249

﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ﴾ (الكهف: 19) والمتنازعون في أمرهم قالوا: ﴿رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ﴾ (الكهف: 21) أو أن هذا من كلام الله ردًّا على هؤلاء المتنازعين.

ولما ذكر اختلاف الناس في عددهم قال: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ (الكهف: 22) وفي مدة بقائهم في الكهف قال: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾ (الكهف: 26) مع أنه قال: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ (الكهف: 25) لكن هذا يجب ألا يشغل بال المسلم؛ لأنه لا يترتب على طول المدة أو قصرها فائدة، فهذا عالم الغيب يتضح كله في هذه القصة.

وبعد جملة من التوجيهات تأتي قصة صاحب الجنتين، فلا نعرف من هو ولا من صاحبه، ولا في أي مكان ولا في أي زمان كان ذلك، وفيها ما يجب أن يكون عليه المؤمن من الثقة في الله، وتفويض الأمر له بعد شكره على ما أنعم: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ (الكهف: 39).

وبعد هذه القصة يأتي الحديث عن يوم القيامة وحساب الخلائق، وما كان في الملأ الأعلى من قصة الخلق الأول، وموقف إبليس من السجود لآدم، وكل ذلك غيب، بل إن خلق السموات والأرض وخلق المخلوقات سر لا يعلمه إلا الله، وما طلب رب العزة والجلال من هؤلاء المضلين مساعدة ليخلق ما خلق.

ويأتي الحديث عن موقف المشركين يوم القيامة من شركائهم، وما ينتظرهم من عذاب النار، وأن الله -جل وعلا- لم يترك حجة لمحتج، وصرف في هذا القرآن من كل مثل، وكان الإنسان أكثر شيء جدلًا، وأن الناس لجهلهم لم يستجيبوا للمرسلين، وإنما جادلوا بالباطل ﴿لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا﴾ (الكهف: 56) -كما قال ربنا.

250

والله يبين سنته في المكذبين، ويفتح لهم أبواب رحمته إن استجابوا لأمر الله، ومن رحمته أنه لا يعاجلهم بالعقوبة، إنما يؤخرهم لموعد لن يجدوا من دونه موئلًا، وإهلاكه لمن يهلكهم لا يكون باستعجال العذاب منهم استهزاء وسخرية، إنما لكل أمة أجل: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾ (الكهف: 59).

لما ذكر الله ذلك كله، وبين أن الأمور تجري في هذا الكون بعلمه وقدرته ومشيئته، وأن مرد الخلائق له ليحاسبهم على ما كان منهم في هذه الدنيا، لما ذكر ذلك أراد أن يضرب لنا مثلًا بما كان بين موسى وعبد صالح، آتاه الله رحمة من عنده وعلمه من علمه؛ لنتعلم كيف يكون التواضع، وكيف نرد علم الأشياء إلى الله العليم الخبير، وما يجب على المتعلم مع معلمه من الصبر على طلب العلم، إلى غير ذلك مما توحي به هذه القصة، من قصص القرآن العظيم.

فكيف سارت أحداث هذه القصة؟:

لو تأملتم لوجدتم أن: الشوط الأول منها: يبدأ برحلة البحث عن العبد الصالح.

والثاني: رحلة الأسرار مع العبد الصالح.

والثالث: علم الله المكنون وكشف الأسرار لموسى، وفي الختام تأتي الدروس المستفادة.

رحلة البحث عن العبد الصالح

فلنبدأ بالشوط الأول في رحلة البحث عن العبد الصالح، وفي ذلك يقول ربنا: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا * فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا * فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا * قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا * قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ (الكهف: 60 - 64).

251

وقد جاءت الروايات توضح سبب هذه الرحلة، يروي الإمام البخاري وغيره عن سعيد بن جبير قال: "قلت لابن عباس: إن نوفًا البِكالي يزعم أن موسى صاحب الخضر - عليه السلام - ليس هو موسى صاحب بني إسرائيل، فقال: كذب عدو الله؛ سمعت أبي بن كعب يقول: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «قام موسى - عليه السلام - خطيبًا في بني إسرائيل، فسئل: أي الناس أعلم؟ فقال: أنا أعلم. قال: فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه، فأوحى الله إليه: إن عبدًا من عبادي بمجمع البحرين هو أعلم منك. قال موسى: أي رب كيف لي به؟ فقيل له: احمل حوتًا في مِكتل، فحيث تفقد الحوت فهو ثَمَّ فانطلق معه فتاه وهو يوشع بن نون، فحمل موسى حوتًا في مكتل، فانطلق هو وفتاه يمشيان حتى أتيا الصخرة ...» الحديث".

وابن عباس لا يقصد بقوله: "كذب عدو الله" سبًّا لنوف البكالي؛ لأن نوفًا هذا تابعي صدوق، وهو ابن امرأة كعب الأحبار، وإنما كذب ابن عباس ما رواه نوف عن أهل الكتاب، فهذا القول من ابن عباس إنما جاء على وجه التغليظ والزجر.

وفتى موسى ليس عبدًا له، كما رأى ذلك بعض المفسرين، إنما هو كما قال الإمام النووي صاحبه؛ لأن يوشع هو يوشع بن نون بن إفراييم بن يوسف - عليه السلام، ومجمع البحرين الذي هو موضع اللقاء، هو هذا الموضع الذي أخبر الله موسى بأنه سيجد عنده العبد الصالح، لكن في أي مكان يلتقي البحران؟ عن قتادة قال: "بحر فارس والروم". وقيل: بحر الأردن والقلزم، أي: البحر الأبيض والأحمر، ومجمعهما مكان التقائهما في منطقة البحيرات المرة وبحيرة التمساح، أو أنه مجمع خليجي العقبة والسويس في البحر الأحمر، كما ذكر ذلك صاحب (الظلال) وابن حجر في (الفتح).

252

وقال محمد بن كعب القرظي: "مجمع البحرين بطنجة". وعن أبي بن كعب قال: "بإفريقية". وهذه أقوال ضعيفة ولا تعبر عن الواقع؛ إذ كيف يسير موسى وفتاه إلى أقصى بلاد المغرب أو إلى إفريقية، والرحلة إلى المغرب أو إلى إفريقية تستغرق زمنًا طويلًا، فأقرب ما قيل هو ما ذكر أولًا، وأن مجمع البحرين في منطقة البحيرات، أو عند خليج العقبة، مما يدل على أن الرحلة كانت في داخل مصر.

واصطحب موسى صديقه وصاحبه يوشع بن نون، وقال له: ﴿لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾ (الكهف: 60) حيث الموعد الذي ذكره الله لموسى أَوْ أَمْضِيَ سائرًا حُقُبًا، أي: زمنًا طويلًا مهما طال هذا الزمن، وفي السفر والرحلات تحسن الصحبة، وبخاصة إذا ما كانت الصحبة من أمثال يوشع بن نون في إخلاصه وحبه لموسى، واستعداده أن يتحمل معه مشقات السفر، وفي قوله موسى ليوشع بأنه لن يشغل نفسه بغير هذا الأمر، وسوف يبذل فيه كل ما عنده من قوى، حتى يتحقق له ما يريد، تصميم على بلوغ الهدف، وهكذا يكون من يريد تحقيق أهداف، وكلما سمت هذه الأهداف كلما سمت مقاصدها، وكلما عظمت المقاصد عظمت الوسائل.

والقصة تترك مساحة للتدبر لاستكمال الصورة، إذ قالت: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ (الكهف: 61) وتستطيع أن تقول بأن موسى بعد أن أفضى لفتاه بما علمتَ، بدأ رحلتهما وسارا في جد ونشاط حتى وصلا مجمع البحرين، وهناك نسيا حوتهما، ولم يسبق للحوت ذكر كما ترى، لكن السنة أوضحت ذلك، وبينت أن الله أمر موسى أن يحمل معه حوتًا يضعه في مكتل، وفي رواية: حوتًا مالحًا، أي: مملحًا، ومعنى هذا أن الحوت كان مشويًا؛ لأنه لو كان حيًّا

253

فخرج من المكتل إلى البحر، لما كان هناك ما يدعو إلى العجب، لكن العجب أن يكون الحوت مشويًا فتدب فيه الحياة، وينطلق إلى البحر في قوة.

وهذا لا يتعارض مع ما ورد من أن الحوت كان ميتًا؛ لأنه تم شواؤه وهو ميت، بل إن الحوت حين انطلق إلى الماء، فعل ما لم يكن معهودًا في جريان الحيتان في الماء، فقد شق في البحر سربًا، أي: طريقًا كأنه السرداب في الجبل، إذ أمسك الله عنه كما جاء في الحديث جِرْيَة الماء في البحر، حتى كأن أثره في حجر، وإنما قفز الحوت إلى البحر وموسى نائم، أما يوشع فكان يقظان.

وما إن استيقظ موسى حتى واصل رحلته، فكان على عجلة من أمره، مما جعل يوشع ينسى أن يخبره بأن الحوت خرج من المكتل إلى البحر، وما إن جاوزا المكان حتى أحسا بالجوع، فقال موسى لفتاه: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ (الكهف: 62) ولم يشعرا بهذا النصب وبتعب المسير إلا بعد أن تجاوزا هذا المكان، فكان هذا أيضًا آية من آيات الله.

قال يوشع لموسى ما ذكره الله - عز وجل -: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا﴾ (الكهف: 63) فقد ذكر يوشع لموسى ما كان من أمر الحوت، وما أظهر الله فيه من عظيم آياته، إذ أحياه وكان ميتًا مشويًا، وانطلق في الماء، وإذا بالماء يتجمد حتى كأنه الصخور، والحوت قد شق له فيه طريقًا يبسًا، فكان ذلك مثار العجب، ولا عجب من قدرة الله، فسُر موسى بذلك، وعلم أنه قد قارب على وصول مبتغاه، فقال لفتاه: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ (الكهف: 64) أي: فرجعا يقصان أثرهما حتى وصلا إلى المكان الذي فقدا فيه حوتهما ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ (الكهف: 65).

254

رحلة الأسرار مع العبد الصالح

وهنا يبدأ الشوط الثاني أو الفصل الثاني من القصة، وقد عنونا له بهذا العنوان: رحلة الأسرار مع العبد الصالح، فانظروا إلى ما وصف الله به هذا العبد، إن القرآن يصف هذا الرجل بأنه عبد من عباد الله، والعبودية لله أشرف صفة يتصف بها إنسان، إنها ليست عبودية التسخير، فكل الكائنات مسخرة له والكل عبيد لله، ولكنها عبودية الطاعة والقرب والإخلاص للواحد الأحد، وأول العابدين هو محمد -ﷺ- وقد وصف الله أنبياءه وأولياءه وأحبابه بهذا الوصف الكريم، ووصف رسوله محمدًا بذلك في أجل المقامات وأعلاها، وصفه بذلك في إسرائه، وفي إنزال الوحي عليه، وفي تبليغه لرسالة ربه، والآيات في ذلك واضحة ظاهرة.

كما بين الله أنه آتى هذا العبد رحمة من عنده، أي: رحمة عظيمة كان بها صاحب هذه المكانة، وهذا الفضل من الله، وهذه الرحمة كما تعلمون وهبها الله لأصفيائه من الأنبياء والمرسلين وغيرهم، ومما تذكرونه في ذلك ما قال في زكريا: ﴿ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا﴾ (مريم: 2) وما قال في إبراهيم وإسحاق ويعقوب: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ (مريم: 50) وفي موسى يقول: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾ (مريم: 53) إلى غير ذلك من الآيات.

وأمر آخر منحه الله لهذا العبد الصالح، هو هذا العلم الإلهي اللدني، إذ قال: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ (الكهف: 65) ولذلك ورد في الحديث ما ذكره أئمة الحديث: "أن موسى - عليه السلام - حين أتى هو وفتاه يوشع إلى الصخرة، رأى رجلًا مسجى عليه بثوب، فسلم عليه موسى فقال له الخضر: أنى بأرضك السلام. قال: أنا موسى. قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم. قال: إنك على علم من

255

علم الله علمكه الله لا أعلمه، وأنا على علم من علم الله علمنيه لا تعلمه. قال له موسى: هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدًا ... " إلى آخر القصة.

إذًا فلنقرأ هذا الجزء لنرى ما فيه من أسرار، كما عبرت عنه كلمات وآيات هذه القصة، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا * فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا * قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا * قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا * وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا * قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا * قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا * فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا * قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا * قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا * فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا * قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا * قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا * فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا * قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ (الكهف: 65 - 78).

لعلنا رأينا رحلة الأسرار فيما كان بين موسى وهذا العبد الصالح، وقد جاءت السنة توضح هذا وتذكره، فتقول حين قال له موسى: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا * قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا * وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا * قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ (الكهف: 66 - 69) قال له الخضر: ﴿فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ (الكهف: 70) قال: نعم.

فانطلق موسى والخضر يمشيان على ساحل البحر، فمرت بهما سفينة فكلموهم أن يحملوهما، فعرفوا الخضر فحملوهما بغير نَوْل، أي: بغير أجرة، فعمد الخضر إلى

256

لوح من ألواح السفينة فنزعه، فقال له موسى: قوم حملونا بغير نول عمدت إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلها، لقد جئت شيئًا إمرًا ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا * قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾ (الكهف: 72، 73).

ثم خرجا من السفينة، فبينما هما يمشيان على الساحل، إذا غلام يلعب مع الغلمان، فأخذ الخضر برأسه فاقتلعه بيده فقتله، فقال موسى: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا * قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ (الكهف: 74، 75) وهذه أشد من الأولى ﴿قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا * فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ (الكهف: 76، 77).

يقول: مائل، قال الخضر بيده هكذا، ﴿فَأَقَامَهُ﴾ قال له موسى: قوم أتيناهم فلم يضيفونا ولم يطعمونا، ﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا * قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ (الكهف: 77، 78).

قال رسول الله -ﷺ-: «يرحم الله موسى، لوددت أنه كان صبر حتى كان يقص علينا من أخبارهما» قال: وقال رسول الله -ﷺ-: «كانت الأولى من موسى نسيانًا» قال: وجاء عصفور حتى وقع على حرف السفينة، ثم نقر في البحر فقال له الخضر: "ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور من البحر" زاد في رواية: "وعلم الخلائق".

قال سعيد بن جبير: "وكان يقرأ -أي ابن عباس: وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة غصبًا، وكان يقرأ: وأما الغلام فكان كافرًا". وفي رواية: "بينما موسى - عليه السلام - في قومه يذكرهم بأيام الله، وأيام الله: نعماؤه وبلاؤه، إذ قال: ما أعلم في الأرض رجلًا خيرًا أو أعلم مني". قال: وذكر الحديث.

وفي الحديث أيضًا أن رسول الله -ﷺ- قال: «رحمة الله علينا وعلى موسى، لولا أنه عَجّل لرأى العجب، ولكنه أخذته من صاحبه ذَمامة -أي: غضبة- لما رأى. قال: إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرًا، ولو

257