التفسير الموضوعي 2الجزء 1 · ص 273 - 282

أحداث القصة

أحداث القصة

وتبدأ القصة بحديث يدور بين إخوة يوسف، فقد أخذوا في البحث عن حلٍّ لمشكلة نفسية سيطرت عليهم: ﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (يوسف: 8) ومع أنّ أباهم لم يقصِّر في واجب لهم، ولم يحرمهم من محبته، إلّا أنهم وجدوه يخص يوسف وأخاه بنيامين بلونٍ من العطف والمحبة أكثر منهم؛ لما يرى في يوسف من شيم الصلاح والنجابة وحسن الخلق، ومن أجله أحبّ بنيامين، فأمهما واحدة، ورأوا أنهم أحق بهذه المحبة لأنهم القائمون على مصالحه، فهم عصبة -أي: جماعة- قوية بمثلهم يفخر الآباء، وتأمل قولهم: ﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (يوسف: 8) فهذا من سوء الأدب؛ إذ كيف يقول أبناء لأبيهم هذا، فما بالكم وهذا الذي يذكرون فيه ذلك نبي من أنبياء الله، والآيات تصور هؤلاء الأبناء في هذه الصورة المزرية في كل مواقفهم من أبيهم.

انظر إلى ما قالوه له بعد أن عادوا إليه من مصر بغير بنيامين، فاشتد حزنه ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ * قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ * قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: 84 - 86).

وتأمّل حالهم حين جاء البشير بقميص يوسف، فلما ألقي على وجه يعقوب رجع إليه بصره، ولما قال لهم: ﴿إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ * قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ﴾، وأخذ هؤلاء الإخوة

273

يديرون الرأي فيما يصنعون لإبعاد يوسف عن أبيه، حتى تكون لهم الحظوة وحدهم، قال فريق منهم: اقتلوا يوسف، وقال آخرون: اطرحوه أرضًا، أي خذوه واتركوه في أرض بعيدة لا يستطيع العودة منها إلى أبيه، فإن فعلوا ذلك خلا لهم وجه أبيهم، ثم هناك يستغفرون الله من ذنبهم، وهذا من الحمق وسوء الأدب مع الله؛ إذ إن هذا يفتح الباب لكلِّ من أراد المعصية ليقول: أقتل أسرق أزني، ثم أتوب، إنما يقع من يقع في المعصية في لحظة من لحظات الضعف البشري، وكأنه ساهٍ ولاهٍ وجاهل، فإذا ما انكب على وجهه وألقاه الشيطان في بحر الخطيئة نهض من كبوته ضارعًا باكيًا على ذنوبه كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ (آل عمران: 135، 136)

وعرض عليهم أحد الإخوة وهو أكبرهم اقتراحًا ثالثًا، هو أن ينزلوه إلى قاعِ بئر عميق على طريق القوافل، فلعل قافلة تمرّ بهذا البئر، وتستقي منه الماء، فترى يوسف فتأخذه، فتحقق ما نهدف إليه من إبعاد يوسف عن أبيه، ولا نرتكب جريمة القتل، فاتفقوا على ذلك.

وتنتقل القصة إلى المشهد الثاني، وتترك فراغًا يملؤه الفكر، وهو يتساءل كيف استطاعوا تنفيذ مخططهم بكل ما فيه من قسوة وغلظة، تستطيع أن تقول بأنهم بعد هذا الاجتماع الشيطاني ذهبوا إلى أبيهم ليحتالوا عليه في الحصول على يوسف، فعرضوا عليه أنهم يريدونه أن يقضي معهم وقتًا يأنسون به، فارتاب في أمرهم، فماذا فعلوا؟ ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ * أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (يوسف: 11، 12) فقال لهم:

274

﴿إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ﴾ (يوسف: 13) فكأنّه حين قال لهم ذلك دلّهم على عذر يعتذرون به إليه حين يعودون وقد نفذوا ما اتفقوا عليه، وقد أكدوا لأبيهم أنهم سيكونون قائمين على حفظه، وطمأنوه بحسن رعايتهم لأخيهم ﴿قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ (يوسف: 14).

وأخذوا يوسف من أبيه، وذهبوا به إلى البئر، وهناك ربطوه بحبل ودلوه فيه، فكان إذا لجأ إلى واحد منهم لطمه وشتمه، وإذا تشبث بحافات البئر ضربوا على يديه، ثم قطعوا به الحبل من نصف المسافة، فسقط في الماء فغمره، فصعد إلى صخرة كانت في وسط البئر فقام فوقها، فأيّ أناس هؤلاء! وأي جريمة تلك التي ارتكبها هؤلاء الإخوة! وأي قلوب هذه القلوب في غلظتها وقسوتها! ولكنّ الذي يتولى الصالحين ألقى في قلب يوسف برد الأمان، وأعلمه أنه سينجو من هذه المحنة، وسوف يكون له شأن، وسوف يأتون إليه فيخبرهم بما فعلوه به، ولكن هؤلاء الإخوة الغلاظ الأكباد لا يخطر ببالهم ذلك، قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ (يوسف: 15).

وقد تحقق وعد الله له حين جاءوا إليه يطلبون إكرامه لهم، بعد أن جاءوا إليه يطلبون الميرة المرة تلو المرة، فقال لهم: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ * قَالُوا أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾ (يوسف: 89 - 91) لقد تركوا يوسف في الجب وحيدًا وانصرفوا، والجب يختلف عن البئر؛ لأن الجب تراه يضيق من أعلاه ويتسع من أسفله، أما البئر فهو على ميزان واحد

275

متسع من فوق، كما هو واسع من أسفله، لكنهم اختاروا هذا الجب بكل ما فيه من ظلام ووحشة، ورجعوا إلى أبيهم. فماذا قالوا لأبيهم؟ وماذا قال لهم؟

هنا ينتقل القرآن لعرض مشهد من مشاهد القصة مثير، وكأنّي بك تتصورهم وقد جاءوا جميعًا لأبيهم وقت العشاء، أو قل في جنح الظلام، دون أن يكون معهم يوسف، والمشهد يصورهم وهم يبكون، وقد اختاروا وقت الليل حتى لا تبدو آثار تمثيلهم على أبيهم على وجوههم، وذكروا له أنهم ذهبوا يتسابقون وتركوا يوسف قريبًا منهم عند ملابسهم ومتاعهم، فعدا عليه الذئب فأكله، ولإحساسهم بأنّهم يكذبون قالوا: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ أي: بمصدق ﴿وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾، وإمعانًا في إخفاء معالم جريمتهم جاءوا لأبيهم بقميص يوسف وهو ملوث بالدماء، وهذا الدم دم سخلة ذبحوها، ولطخوا بدمها القميص.

كما روي عن ابن عباس ومجاهد، وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة، أنهم أخذوا ظبيًا فذبحوه فلطخوا بدمه القميص، ولما جاءوا به جعل يقلبه فيقول: ما أرى به أثر ناب ولا ظفر، إن هذا السبع رحيم، وفي رواية أنه أخذ القميص وألقاه على وجهه وبكى حتى خضّب وجهه بدم القميص، وقال: تالله ما رأيت كاليوم ذئبًا أحلم من هذا، أكل ابني ولم يمزق عليه قميص.

وهنا تتوقف الآيات لترسم مشهدًا آخر من مشاهد هذه القصة، ويبدأ هذا المشهد بيوسف في الجب، لا طعام معه، وقد تمر عليه أيام فيموت جوعًا، وبينما هو على حاله هذا؛ إذ مرت قافلة بهذا المكان، هذه القافلة متجهة إلى مصر، فأرسلوا واحدًا منهم ليأتي لهم بماء من هذا الجب، فكانت المفاجأة؛ إذ وجد من يتعلق بالدلو، فنظر وصاح: ﴿يَا بُشْرَى هَذَا غُلامٌ﴾ فأخرجه، وأراد أن يحتفظ به لنفسه، فادعى أنه اشتراه من أصحاب الماء،

276

وعن ابن عباس أن الذين أسروه بضاعة هم إخوة يوسف، أسروا شأنه وكتموا أن يكون أخاهم، وكتم يوسف شأنه مخافة أن يقتله إخوته، واختار البيع، فذكره إخوته لوارد القوم، فنادَى أصحابه: يا بشرى هذا غلام يباع، فباعه إخوته بثمن بخس دراهم معدودة، وكانوا فيه من الزاهدين، ولو أراده أصحاب القافلة بلا ثمن لأعطوهم إياه.

وسار القوم إلى مصر، وأوقفوه في سوق العبيد، فباعوه في مصر، وكان الذي اشتراه عزيز مصر، أي: وزيرها، ويبدو أنه لم يرزق بولد، لذلك قال لامرأته: ﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾، وبهذا يبدو تدبير الله ليوسف؛ إذ بوجوده في بيت عزيز مصر سيحظى بالرعاية والأمن والاطلاع على أحوال البلاد، وقد أخبر الله بأمرين: أنّ الله بقدرته مكّن ليوسف في الأرض، أي أرض مصر، وثانيهما: أنّ الله علمه من تأويل الأحاديث، أي الرؤى، وذكر سبحانه أنه غالب على أمره، وإذا أراد أمرًا هيأ له الأسباب، ولكن أكثر الناس لا يعلمون، وقد حقّق الله وعده، فما إن بلغ يوسف مبلغ الرجال حتى آتاه الله حكمًا وعلمًا، فاختاره نبيًّا، وكذلك نجزي المحسنين.

يوسف مع امرأة العزيز

وتجري أحداث قصة يوسف مع امرأة العزيز بعد هذه المشاهد والمقدمات، فتذكر ما تذكر بعيدًا عن إسفاف كتاب القصة، وما يسمونه بالأدب المكشوف، فتصل إلى تحقيق أهدافها دون أن تصرح بكلمة تثير شهوة أو تحركها، إنما تدعوها إلى العفة والطهر في ضبط يوسف لمشاعره وغرائزه بمعيار تقوى الله، وفي كبح جماح امرأة العزيز بالاستغفار والتوبة والرجوع عمّا همّت به وأرادته وحاولت، فترى كلمات القرآن نورًا يضيء الطريق.

277

هذا يوسف في بيت وزير مصر مع امرأته في بيت واحد، وقد أعطي يوسف شطر الحسن، فإذا أضيف إلى حسن السمت وبهاء الطلعة ونضارة الوجه جمالُ الخلق وعفة اللسان وحسن الأدب؛ فإن ذلك مما دعا امرأة العزيز إلى حب يوسف والتعلق به، ولو أن هذا الحب كان مجرّد إعجاب وإكبار وتقدير من سيدة القصر لخادمها، لكان أمرًا لا بأس به، ولكنه انقلب إلى شهوة عارمة ورغبة طاغية في الحصول على متعة الجسد، فأخذت تراوده عن نفسه وتحاول أن يقع معها فيما أرادت من الفاحشة، وهو منصرفٌ عنها لا يلتفت إلى ذلك، ولم يكن هناك بُدّ من التصريح إذ لم ينفع التلميح.

واتخذت لذلك كل العدة، فغلّقت أبواب المكان عليها وعلى يوسف، وكانت قد تهيأت لذلك بكل ما للنساء من ألوان الزينة، ودعته إلى نفسها ﴿وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ أي: هلمّ تعال فقد تهيأت لك، فماذا كان من موقف يوسف في هذه اللحظات العصيبة التي قلّ أن يثبت لها رجل، إلا من كان معصومًا محفوظًا بحفظ الله، ومنهم يوسف؛ إذ قال لها: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ﴾ أي: إني أعوذ بالله وألجأ إلى حماه من أن أفعل ما يغضبه، وذكر لها ما كان من إكرام زوجها له، وفي خيانته في بيته وأهله ظلم، والظالمون إلى الخسارة صائرون ﴿إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ (يوسف: 23).

ولمّا لم تنجح وسائل الإغراء، ولمّا لم تفد الدعوة الصريحة، انتقلت إلى استعمال القوة فأخذت تجذبه إليها وهو يفر منها، ومن رحمة الله به أنه حين أخذت تهُمّ به لم تقدَّ قميصه، إنما حدث ذلك وهي تجري خلفه، حتى أمسكت به فقدَّت قميصه من جهة ظهره، والآيات تصور هذا المشهد بما لا يخدش الحياء أو يستثير الغرائز، إنما جاءت الكلمات تصف عفّة يوسف وحفظ الله له فتقول:

278

﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ * وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ (يوسف: 23، 24).

وقد أكثر المفسّرون ونقلوا عن أهل الكتاب ما يتنافى مع عصمة الأنبياء، مع أنّ الله شهد في هذه الآيات لنبيه بما يُعلِي قدره ويطهّر ثوبه، ويرفعه عن الدنايا، فذكرت الآيات أنه رأى برهان ربه، وهذا البرهان هو الدليل القاطع الذي يصل إلى درجة اليقين، الذي كأنه يراه رأي العين، وهذا البرهان هو حجة الله الدالة على حرمة الزنا وفحشه وقبحه، وهذا كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ (الأعراف: 201).

فهَمُّ يوسف بها هو الميل الفطري إلى مثل هذا الأمر، ولكن هذا الأمر لم يكن سوى خاطر عارض صرفه الله عنه، وعصمه من الوقوع فيه، بما أودعه في قلبه من علم يقيني بحرمة هذا الفعل، ومن يقع في مثل هذا الفعل لا يجهل أنه حرام، كما أن من يقع في المعاصي كالقتل والسرقة وشرب الخمر لا يخفى عليه أن هذا حرام، ولكن المهمّ أن يبقى الإحساس بحرمة هذه المحرمات شعلة في قلب المؤمن وإحساسه، كلما همَّ بالوقوع في واحد منها أضاءت له هذه الشعلة طريقه، فرأى برهان ربه وآياته الدالة على بشاعة الذنب؛ كأنها مكتوبة بين عينيه.

كما يدفع ما قاله به بعض المفسرين مما يطعن في عصمة يوسف قول الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ (يوسف: 24) أي: هذا ديدن الله مع هذا الشاب المبارك والنبي الكريم، أي: كما أنه رأى برهان ربه فانصرف عنها، يصرفه الله دائمًا عن السوء والفحشاء، ومع ما في قوله:

279

﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ من دليل على سبب حفظ الله له من الوقوع في الذنوب، إلّا أنه كذلك شهادة من الله بأنّ يوسف عبد مصطفى ونبي مجتبى ورسول مخلص منتقى من بين الناس؛ ليكون موضع وحي الله وواسطة بين الله والناس، ومن كان كذلك هل يعقل أن يقال في همِّه بامرأة العزيز ما قيل.

وتواصل القصة عرض مشاهدها، فترسم صورة يوسف يحاول الفرار والإفلات من امرأة العزيز الهائجة الفائرة، التي نسيت في هذه اللحظات مكانتها ومنزلتها، وهي تجري وراءه حتى أمسكت بقميصه فقدّته، وقد وصل إلى الباب، وهو يحاول أن يسبقها ليفتحه ليهرب منها، وهي تحاول أن تصل قبله حتى تمنعه من الخروج، وإذا بسيدها -أي: زوجها- لدى الباب، فلما رأته تمالكت نفسها، وألقت التهمة على يوسف وقالت لزوجها: ﴿قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا﴾ وقبل أن يجيب لقنته ما يفعل فقالت: ﴿إِلّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، ولم تطلب من زوجها كما ترون أن يقتله جزاء فعلته، فقد كان قلبه ما زال معلقًا به، وتخشى عليه أن يقتل، وعلى الفور قال يوسف: ﴿قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ وهو قول خادم في بيت السيد، والواقعة مع زوجة هذا السيد، فمن أين له الدليل ليدفع عن نفسه هذه التهمة، وليثبت أنها هي التي بذلت قصارى جهدها للوصول إلى غرضها الخبيث.

هنا تبرز القصة عناية الله بالمخلصين من عباده، فينطق الله رجلًا كان مع العزيز من أهلها فيقول: ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ﴾ لأن هذا يعني أنها كانت تدفعه عن نفسها فقدت قميصه من قبل، ﴿فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنْ الْكَاذِبِينَ﴾، ﴿وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾، فهذا دليل أنه كان يحاول الفرار والهرب منها، وهي تعدو خلفه، وتمسك به حتى قدّت قميصه

280

من دبر، ﴿فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ﴾ أي: العزيز ﴿إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ أي لا تتكلم به، ولا تذكره لأحد، واتجه إلى امرأته يلومها قائلًا ﴿وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾ (يوسف: 29).

ويسدل الستار على هذا المشهد ليبدأ مشهد آخر، هؤلاء نسوة في بيوت كبار الدولة يجلسن يتحدثن ويقلن: ﴿امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (يوسف: 30) وانتشر الحديث في المدينة ﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ * قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ * قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ * فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (يوسف: 31 - 34).

ومع ظهور براءته وعفته بدا لهم لمصلحة راجحة عندهم، هي إخفاء معالم هذه الجريمة وقطع الألسنة التي تتحدث بها، أن يودعوا يوسف في السجن لفترة من الزمان، ولكن الأيام مرّت والسنوات توالت، ورأى الملك رؤيا لم يستطع المؤولون للرؤى أن يفسروها، إلى أن تذكر واحد ممن كان في السجن مع يوسف وخرج، أنّ بالسجن يوسف، وأنه كان يفسر لهم ما يرونه في منامهم، فجاء إليه وذكر له هذه الرؤيا ففسرها، وطلبه الملك، فكانت فرصة لإظهار براءته، ورفض - عليه السلام - أن يخرج من السجن حتى يأتي الملك بالنسوة اللاتي قطعن أيديهن ويسألوهنّ عما كان من أمرهن، فجاء بهم الملك ومعهنّ امرأة العزيز وسألهن ﴿مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ﴾ (يوسف: 51).

281

حينذاك نطقت امرأة العزيز قائلة: ﴿الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾ أي ظهر ووضح ﴿أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ (يوسف: 51) وإنه لمن الصادقين فيما قال، ثم واصلت قائلة: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ﴾ (يوسف: 52) أي زوجي ﴿أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ (يوسف: 52) ولم أقع في الفاحشة ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾ (يوسف: 52) وإنما كانت المسألة مراودة، لم تصل إلى حد الوقوع في الجريمة الكبرى، وكان هذا من وساوس النفس والشيطان ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (يوسف: 53).

وبعد أن استمع الملك إلى هذه البراءة الناصعة قال: ﴿ائْتُونِي بِهِ﴾ (يوسف: 54) أي بيوسف أستخلصه لنفسه، فلما كلمه وجد عقلًا وعلمًا وأدبًا وحكمة ﴿قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ (يوسف: 54) ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ (يوسف: 55) و﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ﴾ سارت -أيها الأبناء- أحداث قصة يوسف بعد أن تولى يوسف وزارة مصر، ومكن الله له فيها، سارت الأحداث في طريقها إلى أن جمع الله له أبويه وإخوته، فحمد الله وأثنى عليه وقال: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ (يوسف: 101).

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

282