التفسير الموضوعي 2الجزء 1 · ص 27 - 42

الدرس: 2 مفهوم العلة.

الدرس: 2 مفهوم العلة.

27

بسم الله الرحمن الرحيم

الدرس الثاني

(مفهوم العلة)

"الصفح" و"العفو" في معاجم اللغة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فنتحدث عن الأمر بالصفح كما جاء في كتاب الله:

أولًا: الصفح والعفو في معالم اللغة:

ذكر ابن منظور في (لسان العرب) عدَّة معاني للصفح: منها الجنب، وعرض الوجه، وعرض السيف، وعرض صدر الرجل. والمصافحة: الأخذ باليد، وصفح عنه يصفح صفحًا أعرض عن ذنبه، والصفوح الكريم؛ لأنه يصفح عمن جنى عليه، واستصفحه ذنبه استغفره إيَّاه، وطلب أن يصفح له عنه. وأما الصفوح من صفات الله فمعناه: العفو، يقال: صافحت عن ذنب فلان، وأعرضت عنه فلم أءخذه به، وضربت عن فلان صفحًا إذا أعرضت عنه، وتركته، فالصفوح في صفة الله العفوّ عن ذنوب العباد، معرضًا عن مجازاتهم بالعقوبة تكرمًا.

أما العفو فقد ذكر ابن منظور كلامًا كثيرًا خلاصته: أن العفو هو محو الشيء حسيًّا ومعنويًّا، فيقال: عفت الرياح الآثار إذا درستها ومحتها، وعفا عن ذنبه إذا تجاوز عنه ولم يؤاخذه به، والعفو في أسماء الله فعول من العفو، وهو التجاوز عن الذنب وترك العقاب عليه، وأصله المحو والطمس، وهو من أبنية المبالغة، وكل من استحقَّ عقوبة فتركتها؛ فقد عفوت عنه.

فإذا ما انتقلنا إلى صاحب (القاموس المحيط) لنرى ماذا يقول، يقول: الصفح الجانب، وصفح أعرض وترك، وصفح عنه عفا، والصفوح الكريم والعفو، ويقول في بيان معنى العفو: العفو عفو الله -جلّ وعزَّ- عن خلقه، والصفح، وترك عقوبة المستحق، عفا عنه ذنبه، وعفا له ذنبه وعن ذنبه، والمحو والإمحاء، وأحل المال وأطيبه، وخيار الشيء وأجوده، والفضل والمعروف.

29

ومن قبل ابن منظوم وصاحب (القاموس) يجمع ابن فارس في معجم (مقاييس اللغة) معاني هذه الكلمات، فيقول في الصفح ما خلاصته: الصاد والفاء والحاء أصل صحيح مضطرد يدل على عَرْض وعِرَض، ويسوق في ذلك بعض ما ورد في اللغة ثم يقول: ومن الباب المصافحة باليد، كأنه ألصق يده بصفحة يد ذاك، ويقول: فأما قولهم صفح عنه، وذلك إعراضه عن ذنبه فهو من الباب؛ لأنه إذا أعرض عنه فكأنه قد ولَّاه صفحته، ويقول في بيان المعنى العفو: العين والفاء والحرف المعتل أصلان يدل أحدهما على ترك الشيء، والآخر على طلبه، ثم يرجع إليه فروع كثيرة لا تتفاوت في المعنى.

فالأول: العفو عفو الله تعالى عن خلقه، وذلك تركه إياهم فلا يعاقبهم، فضلًا منه، قال الخليل: وكل من استحق عقوبة فتركته فقد عفوت عنه، والأصل الآخر الذي معناه الطلب قول الخليل: إن العفاة طلاب المعروف.

وأخيرًا يأتي حديث صاحب (معجمي المفردات) في بيان معاني هذه الكلمات فيقول: صفح الشيء عرضه وجانبه كصفحة الوجه وصفحة السيف، وصفحة الحجر والصفح ترك التثريب وهو أبلغ من العفو، ولذلك قال: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾، وقد يعفو الإنسان ولا يصفح، قال: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ﴾، ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾، ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾، وصفحت عنه: أوليته مني صفحة جميلة معرضًا عن ذنبه، أو لقيته صفحته متجافيًا عنه، أو تجاوزت الصفحة التي أثبتُّ فيها ذنبه من الكتاب إلى غيرها من قولك: تصفَّحت الكتاب إلى آخر ما قال.

ومما قال في معنى العفو: العفو القصد لتناول الشيء، وعفوت عنه قصدت إزالة ذنبه صارفًا عنه، وقوله في الدعاء «أسألك العفو والعافية» أي: أسأل ترك العقوبة والسلامة، هذا أيها الأبناء هو بعض ما ورد في كُتب اللغة.

30

كلمة الصفح في القرآن الكريم

وقد وردت كلمة الصفح في القرآن الكريم في ستّ مواضع:

الموضع الأول: في قول الله تعالى في سورة "البقرة": ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (البقرة: 109) ففي هذه الآية الكريمة يُبيّن الله - عز وجل - أن أمل كثير من أهل الكتاب أن يُخرجوا المسلمين من دينهم، وأن يردُّوهم من بعد إيمانهم كفارًا، وهذا كله بسبب الحسد الذي سيطر على قلوبهم فجعلهم لا يقبلون هذا الدين، ولا يدخلون هذا الدين، مع أن الحق قد تبيَّن لهم وهم أعرف الناس بأن الإسلام هو دين الحق، وقد قال الله للمسلمين: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ فذكر أن العفو والصفح هو الرد العملي على كيد هؤلاء الحاقدين الحاسدين، وهذا العفو والصفح موقوتٌ بوقت محدد ألا وهو ﴿حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، وقد كانت هذه مرحلة من مراحل الجهاد الإسلامي، وهي مرحلة العفو والصفح إلى أن جاء الأمر بقتال هؤلاء الناس وقتال أهل الكتاب فقال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ (التوبة: 36) إلى آخر الآية الكريمة.

الموضع الثاني: جاء في سورة "المائدة" في قول الله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (المائدة: 13) فهذا الأمر بالعفو والصفح عن

31

هذا الفريق من أهل الكتاب من اليهود خاصة، الذين يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظًّا عظيمًا مما ذُكّروا به، وما يزال هؤلاء يخونون أهل الإسلام ويدبِّرون لهم المؤامرات إلا من عصمه الله فدخل الإسلام كعبد الله بن سلام وأمثاله عليهم رضوان الله. وأن على الإسلام أن يواجهوا هذا الكيد بالعفو والصفح؛ لأنه لا قتال ولا شيء إنما هي الدسائس والمؤامرات، ومواجهة هذه المؤامرات إنما يكون بأن يعفو عنهم رسول الله -ﷺ- والمؤمنون، وأن يصفحوا عن كيد هؤلاء الماكرين الحاقدين، وعليهم أن يلتزموا جانب الإحسان في دينهم، فإن جانب الإحسان تجويد وتعلية، وإعلاء بما جاء به هذا الدين في سلوك منضبط بشرع الله وهدي الله، وبهذا يستطيع أهل الإسلام أن يردُّوا كيد هؤلاء الكائدين الحاقدين الحاسدين.

الموضع الثالث: جاء في سورة "الحجر" في قول الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ (الحجر: 85)، وكم في هذه الآية الكريمة من تهديد ووعيد لهؤلاء؛ لأن الله - سبحانه وتعالى - بيَّن أنه الإله القوي القادر القاهر حين قال: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ وذكر سبحانه أن الموعد هو الساعة، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وعلى رسول الله -ﷺ- بل وعلى المؤمنين مع رسول الله -ﷺ- أن يصفحوا الصفح الجميل.

والصفح الجميل هو الذي لا عتاب فيه، فهذا من الرَّدّ العملي على كيد الكائدين، وحقد الحاقدين وحسد الحاسدين أنه لا يعاتبهم، ولا يتحدَّث إليهم، ولا يناقشهم، ولا يسألهم عن الأسباب التي دعتهم لكل هذا الكيد الرهيب العجيب الذي تآمر فيه أهل الكتاب مع كل أعداء الإسلام، يريدون إطفاء نور الله، ويأبى الله إلا أن يتمّ نوره ولو كره الكافرون.

32

الموضع الرابع: في قول الله تعالى في سورة "النور": ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (النور: 22)، وهذه الآية الكريمة جاءت في سياق الحديث عما كان من أمر الكريمة العظيمة السيدة الشريفة أم المؤمنين عائشة -رضي الله تعالى عنها- حين رماها أهل الإفك بما نطقوا به، وقد فتن بهذه المسألة بعض المسلمين، ومنهم واحد من هؤلاء الذين كان أبو بكر يتعهَّدهم بالرعاية والعناية والإنفاق عليه، ذلكم هو مسطح بن أثاثة وهو ابن الخالة أبو بكر الصديق -رضي الله تعالى- عن أبي بكر؛ إذ صار في ركاب هؤلاء الذين تحدَّثوا بما تحدَّثوا به من رمي السيدة عائشة بجريمة بشعة هي جريمة الزنا، فأقسم أبو بكر أن يقطع نفقته على مسطح هذا جزاء بما صنع، فجاء قول الله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا﴾، ثم قال مرغبًا في العفو والصفح: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، فلما نزلت هذه الآية قال أبو بكر: "والله إني لأحب أن يغفر الله لي؛ فأعاد نفقته على مسطح هذا"، فرضوان الله على أبي بكر الصديق.

أما الموضع الخامس: ففي سورة "الزخرف" في قوله تعالى: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ (الزخرف: 5)، وهذا في الواقع ليس من باب الصفح والعفو، وإنما يقول الله - سبحانه وتعالى - معاتبًا ومهددًا المشركين الذين أسرفوا في عداءهم لرسول الله -ﷺ- قال لهم: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ في عداءكم وإشراككم وإجرامكم. إننا لن نضرب عنكم الذكر صفحًا وإنما سنوالي إنزال هذا القرآن حتى تفيئوا إلى دين الله وإلى شرع الله وإلى هدي الله، فهذا القرآن نزل ليكون آخر الكُتب التي أنزلها الله لهذه الدنيا.

33

الموضع السادس: وهو في سورة "التغابن" في قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (التغابن: 14) فماذا نرى في هذه الآيات الكريمة نرى أن الله - سبحانه وتعالى - يُنادي المؤمنين، يحذّرهم من فتنة الأزواج والأولاد؛ لأن الإنسان بطبيعته مشدودٌ إلى زوجته وأبنائه، وقد يَدْعُه هذا إلى أن يرتكب ما حرم الله، وأن يكتسب لهم من المال الحرام، فالله - سبحانه وتعالى - نبَّه إلى هذا، وبيَّن أن الإنسان عليه أن يحذر هذا الأمر، بل إن هذه الآية نزلت في هؤلاء الذين منعهم أبناؤهم وأزواجهم من الهجرة مع رسول الله -ﷺ- فلما هاجروا ووجدوا ما وصل إليه الذين هاجروا من قبلهم من خير ومن علم ومن إحاطة بالقرآن الكريم، ومن حضور المشاهد مع رسول الله -ﷺ- في غزواته حزنوا لذلك، وانقلبوا إلى أبنائهم وأزواجهم يلومونهم فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾.

ولكن هذا الذي حدث ليس فيه ما يدعو إلى أن يُعَاقب هؤلاء، وإنما على هؤلاء الأزواج وهؤلاء الآباء أن يعفوا وأن يصفحوا عما كان من هؤلاء، وأن يغفروا لهم خطأهم؛ إذ كانوا سببًا في عدم إسراعهم في اللحاق برسول الله -ﷺ- قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لكم ولهم، هذا إذا هو العفو وهو الصفح كما جاء في كتاب الله عز وجل.

أيضًا كلمة العفو وردت في كتاب الله وصفًا لله تعالى، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ﴾، ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ عفو الله عنك كما جاءت وصفًّا للمؤمنين: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾، ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾،

34

﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾، ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾، ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾، فنرى من خلال هذه الآيات أن كلمة العفو تعني شيئًا زائدًا على مجرد الصفح، والذي هو كما رأينا في معانيه اللغوية يعني: أن يدير الإنسان صفحته بعيدًا عن هذا الذي أساء إليه، أو أخطأ، أو وقع منه ذنب.

أما العفو فهو المحو التام للذنب وآثاره، ومن هنا جاءت هذه الآيات كما نرى وصفًا لله - سبحانه وتعالى -، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾، ﴿إِنَّ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾، وأن الله سبحانه كما قال: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ﴾، ﴿عَفَا اللهُ عَنْكَ﴾ بمعنى: أنه أزال هذا الذنب فلا تثريب، ولا مؤاخذة، ولا عتاب؛ فالمؤمنون حين يصفون بهذا ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ إلى آخر الآيات، ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ فهذا معناه: أن المؤمن يكظم غيظه، ولا يكفي هذا إنما يحتاج إلى أن يعفو عمن أساء إليه، ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾، فهذا العفو يعني: ألا يبقى للذنب أثر في نفس هذا الإنسان. وهذا هو الإسلام الذي جاء بالدعوة إلى الصفح وإلى العفو.

العفو في السنة المشرفة

يروي الإمام البخاري بسنده عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: «كنت أمشي مع النبي -ﷺ- وعليه برد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي فجذبه جذبة شديدة حتى نظرت صفحة عاتق النبي -ﷺ- قد أثرت به حاشية الرداء من شدة جذبته، ثم قال: مُرْ لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه فضحك، ثم أمر له بعطاء» فما أكرم هذا الرسول هذا الأعرابي يصنع هذا الصنيع بمن؟ برسول الله -ﷺ- وهو مع

35

أصحابه، وأنس بن مالك خادمه كان معه يشاهد هذا الموقف ويرى أن هذه الجذبة قد أثَّرت في صفحة عاتق رسول الله -ﷺ- وكان بإمكان هذا الأعرابي أن يطلب من رسول الله -ﷺ- دون أن يصنع هذا، ولكن الرسول - عليه الصلاة والسلام - مع ذلك التفت إليه فضحك، مما يدل سعة صدره، وحلمه، وحسن خلقه، وعظم صفحه وعفوه عما أساء إليه، ولم يكتفِ بهذا إنما أمر له بعطاء، فأعطاه ما أعطاه حتى رضي.

أيضًا يروي الإمام البخاري بسنده عن أسامة بن زيد - رضي الله عنه -: «أن رسول الله -ﷺ- كان راكبًا على حمارٍ على قطيفة فدكيه، وأنه أردف أسامة بن زيد وراءه يعود سعد بن عبادة في بني الحارث بن خزرج قبل وقعة بدر، قال: حتى مر بمجلس فيه عبد الله بن أبي بن سلول، وذلك قبل أن يُسلم عبد الله بن أبي، فإذا في المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين عَبَدة الأوثان واليهود والمسلمين، وفي المجلس عبد الله بن رواحة، فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة -أي: الغبار الذي يكون من أثر سير دابة الرسول -ﷺ- خمَّر عبد الله بن أبي أنفه بردائه -أي: غطاه- ثم قال: لا تغبّروا علينا، فسلم رسول الله -ﷺ- عليهم ثم وقف، فنزل فدعاهم إلى الله، وقرأ عليهم القرآن، فقال عبد الله بن أبي بن سلول: أيها المرء إنه لا أحسن مما تقول إن كان حقًّا فلا تؤذنا به في مجلسنا، ارجع إلى رحلك فمن جاءك فاقصص عليه، فقال عبد الله بن رواحة: بلى يا رسول الله فاغشنا به في مجالسنا، فإنا نُحبّ ذلك، فاستبَّ المسلمون والمشركون واليهود حتى كادوا يتساورون -أي: يمسك بعضهم برقاب بعض- فلم يزل النبي -ﷺ- يُخفّضهم حتى سكتوا، ثم ركب النبي -ﷺ- دابته فسار حتى دخل على سعد بن عبادة، فقال له النبي -ﷺ-: يا سعد ألم تسمع ما قال أبو حباب؟ -يريد عبد الله بن أبي قال: كذا وكذا- قال سعد بن عبادة: يا رسول الله اعفُ واصفح عنه، فو الذي أنزل عليك الكتاب

36

لقد جاء الله بالحق الذي أنزل عليك، وقد اصطلح أهل هذه البحيرة على أن يتوِّجُوه فيعصِّبوه بالعصابة -أي: ليتوجوه ملكًا عليهم، أو رئيسًا عليهم- فلما أبى الله ذلك بالحق الذي أعطاك الله؛ شرك بذلك، فذلك فعل به ما رأيت، فعفى عنه رسول الله -ﷺ» كان النبي -ﷺ- وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب كما أمرهم الله، ويصبرون على الأذى، قال الله - عز وجل -: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾ (آل عمران: 186) الآية، وقال الله: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ (البقرة: 109) إلى آخر الآية.

وكان النبي -ﷺ- يتأوَّل العفو ما أمره الله به حتى أذن الله فيهم، فلما غزا رسول الله -ﷺ- بدرًا فقتل الله به صناديد كفار قريش قال ابن أبي بن سلول ومن معه من المشركين وعبدة الأوثان: هذا أمر قد توجَّه، فبايعوا الرسول -ﷺ- على الإسلام فأسلموا، ولكن إسلام هؤلاء كان إسلامًا في الظاهر، أما الباطن فهو ما زال مظلمًا بظلام الكفر، فهؤلاء أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر، وما زالوا يكيدون للإسلام بكل ألوان الكيد، ولكن الله - سبحانه وتعالى - كان يأمر رسوله -ﷺ- بأن يعفو عن هؤلاء المنافقين، وأن يصفح عنهم ما وقعوا فيه من نفاق.

أيضًا يروي الإمام البخاري بسنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - أن هذه الآية التي في القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ قال في التوراة: "يا أيها النبي إن أرسلناك شاهدًا ومبشرًا وحرزًا للأمين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل ليس بفظٍّ، ولا غليظ، ولا صخَّاب بالأسواق، ولا يدفع السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويصفح، ولن يقبضه الله حتى يُقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا: لا إله إلا الله، فيفتح به أعينًا عميًا، وأذانًا صمًّا، وقلوبًا غلفًا"، فالعفو والصفح إذًا -كما نرى- في هذا الحديث صفة أو صفتان ملازمتان لرسول الله -ﷺ- أخبر الله بهما في التوراة.

37

وأيضًا إذا ما انتقلنا إلى ما رواه الإمام الترمذي سوف نجد جملة من الأحاديث، منها ما رواه الإمام الترمذي بسنده عن أبي إسحاق قال: سمعت أبا عبد الله الجدلي يقول: سألت عائشة عن خُلق رسول الله -ﷺ- فقالت: «لم يكن فاحشًا ولا متفحشًا، ولا صخَّابًا في الأسواق، ولا يجزئ بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح» قال أبو عيسى الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وأبو عبد الله الجدلي: اسمه عبد الله بن عبد، ويقال: عبد الرحمن بن عبد.

أن السيدة عائشة -رضي الله تعالى عنها- قد ذكرت من صفات رسول الله -ﷺ- بأنه لا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح، وهذا ما ذكره أيضًا عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - في الحديث السابق حين ذكر أنه قرأ في التوراة "أن رسول الله -ﷺ- لا يدفع السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويصفح"، فتحقق ما أخبر الله به في الكُتب المنزلة السابقة على القرآن مما سيكون من أمر الرسول -ﷺ- فتحقق ما أخبر به ربنا في كتبه المنزلة، وأخبرت السيدة عائشة بما كان من خلق رسول الله -ﷺ.

أيضًا في هذا السياق يروي الإمام أحمد بسنده عن رسول الله -ﷺ- أنه قال: «أفضل الفضائل: أن تصل من قطعك، وتعطي من منعك، وتصفح عمن شتمك» كما يروى أيضًا عن عائشة أنها قالت: «لم يكن رسول الله -ﷺ- فاحشًا ولا متفحشًا، ولا صخابًا في الأسواق، ولا يجزئ بالسيئة مثلها، ولكن يعفو ويصفح» كما سبق أن ذكر ذلك الإمام الترمذي، هذا في الصفح.

أما في العفو فهناك جملة منها الأحاديث، منها ما رواه الإمام البخاري بسنده عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: "قدم عُينية بن حصن بن حذيفة، فنزل على ابن أخيه الحر بن قيس وكان من النفر الذين يُدنيهم عمر، وكان القراء أصحاب مجالس عمر ومشاورتهم، كهولًا كانوا أو شبانًا، فقال عيينة لابن أخيه: يا ابن أخي

38

هل لك وجه عند هذا الأمير فاستأذن لي عليه قال: سأستأذن لك عليه، قال ابن عباس: فأستأذن الحر بن عيينة فأذن له عمر، فلما دخل عليه قال: ها يا ابن الخطاب، فوالله ما تعطينا الجزل، ولا تحكم بيننا بالعدل، فغضب عمر حتى همَّ أن يُوقع به -أي: أن يوقع به عقابًا- فقال له الحر: يا أمير المؤمنين، إن الله قال لنبييه -ﷺ-: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (الأعراف: 199)، وإن هذا من الجاهلين، والله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقَّافًا عند كتاب الله".

ففي هذا الحديث ما يبين كان عليه أصحاب النبي -ﷺ-، ومنه عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- من التزام ما جاء في كتاب الله - عز وجل.

أيضًا يروي الإمام البخاري عن عبد الله بن الزبير -رضي الله تعالى عنهما- في قول الله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ قال: ما أنزل الله إلا في أخلاق الناس، وقال عبد الله بن براد: حدثنا أبو أسامة، حدثنا هشام عن أبيه عن عبد الله بن الزبير قال: "أمر الله نبيه -ﷺ- أن يأخذ العفو من أخلاق الناس" أو كما قال. ومعنى أن يأخذ العفو من أخلاق الناس أي: أن يتجاوز عما يكون منهم من سوء خلق، وإنما يقبل منهم عذرهم، وعليه أن يعفو عنهم، وقال ابن عباس في قول الله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَن﴾ (المؤمنون: 96): "الصبر عند الغضب، والعفو عند الإساءة، فإذا فعلوك عصمهم الله وخضع لهم عدوهم".

وعند الإمام مسلم نقرأ ما يلي: يروي الإمام مسلم عن أبي هريرة عن رسول الله -ﷺ- قال: «ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدًا بعفوٍ إلا عزًّا، وما توضع أحد لله إلا رفعه الله»،

39

وعند الترمذي يروي بسنده عن شيخ من بني مرّة فقال: "قدمت الكوفة وأُخبرت عن بلال بن أبي بردة، فقلت: إن فيه لمعتبر؛ فأتيته وهو محبوس في داره التي قد كان بنى قال: وإذا كل شيء قد تغيَّر من العذاب والظرب، وإذا هو في قشاش فقلت: الحمد لله يا بلال، لقد رأيتك وأنت تمرّ بنا تُمسك بأنفك من غير غبار، وأنت في حالك هذا اليوم فقال: ممن أنت؟ فقلت: من بني مرة بن عباد، فقال: ألا أحدثك حديثًا عسى الله أن ينفعك به قلت: هات. قال: حدثني أبي أبو بردة عن أبيه أبي موسى -أي: الأشعري- أن رسول الله -ﷺ- قال: «لا يصيب عبدًا نكبة فما فوقها أو دونها إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر»، قال: وقرأ ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ ".

فهذا عفو الله عن عباده مع ارتكابهم للذنوب، ويروي عن عائشة -رضي الله تعالى عنها- أنها قالت: «قلت يا رسول الله: أرأيت أن علمت أي ليلة ليلةُ القدر ما أقول فيها قال: قولي اللهم إنك عفوّ كريم تحب العفو فاعفُ عني»، ويروي الإمام أبو داود بسنده عن ابن عمر أنه قال: لم يكن رسول الله -ﷺ- يَدَع هؤلاء الدعوات حين يُمسي وحين يصبح: «اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة، اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي، اللهم استر عورتي -وقال عثمان: "عوراتي، وآمن روعاتي"- اللهم احفظني من بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي ومن فوقي، وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي» فهذا هو ما كان يدعو به رسول الله -ﷺ-، وأنه كان يسأل الله العافية، وكان يسأل الله العفو ... والعفو هو محو الذنب بكل ما في هذا الذنب من مساوئ، ولكن الأمل في الله كان عظيمًا في أن الله الإله الكريم يعفو ويصفح.

40

ويروي الإمام أحمد عن الحسن -رضي الله تعالى عنه- قال: «استشار رسول الله -ﷺ- الناس في الآثار يوم بدر، فقال: إن الله - عز وجل - قد أمكنكم منهم، قال: فقام عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله اضرب أعناقهم، قال: فأعرض عنه النبي -ﷺ-، ثم عاد رسول الله -ﷺ- فقال: يا أيها الناس إن الله قد أمكنكم منهم، وإن ما هم أخوانكم بالأمس، قال: فقام عمر فقال: يا رسول الله؛ اضرب أعناقهم، فأعرض عنه النبي -ﷺ-، قال: ثم عاد النبي -ﷺ- فقال للناس مثل ذلك، فقام أبو بكر فقال: يا رسول الله إن ترى أن تعفو عنهم وتقبل منهم الفداء، قال: فذهب عن وجه رسول الله -ﷺ- ما كان فيه من الغمّ، قال: فعفا عنهم، وقبل منهم الفداء قال: وأنزل الله - عز وجل -: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (الأنفال: 68») إلى آخر ما نزل من الآيات.

ففي هذا الحديث ما يبين عظم خلق رسول الله -ﷺ-، وأنه مع شدة عداء أعدائه، ومع أنهم حاربوه وقتلوا من أصحابه من قتلوا إلا أنه - عليه الصلاة والسلام - عفا عنهم، وقبل منهم الفداء -فصلوات الله وسلامه- على هذا الرسول الذي لا يدفع السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويصفح.

الإمام أبو الحسن الماوردي في (أدب الدنيا والدين)، ذكر كلامًا كثيرًا في الفصل الرابع في كتابه في الحلم والغضب، وذكر لنا أسباب الحلم الذي يؤدّي إلى الصفح وإلى العفو، فمما ذكر في ذلك قال: روى سفيان بن عيينة: أن النبي -ﷺ- حين نزلت هذه الآية: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (الأعراف: 199) قال: «يا جبريل ما هذا؟ قال: لا أدري حتى أسأل العالم، ثم عاد جبريل وقال: يا محمد، إن ربك يأمرك أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك»، ثم يذكر ما رواه هشام عن الحسن أن النبي -ﷺ- قال: «أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ضمضم، كان

41

إذا خرج من منزله قال: اللهم إني تصدَّقت بعرضي على عبادك»، ويروي أيضًا عن النبي -ﷺ- أنه قال: «إن الله يُحب الحليم الحيي ويبغض الفاحش البذيء»، وقال - عليه الصلاة والسلام -: «من حَلُم ساد، ومن تفهَّم ازداد»، ويذكر عن بعض الأدباء قول من غرز شجرة الحلم اجتنى شجرة السلم، وقال بعض البلغاء: ما ذبَّ عن الأعراض كالصفح والإعراض، وذكر عن بعض الشعراء قوله:

أُحبّ مكارم الأخلاق جهدي ... وأكره أن أعيب وأن أعاب

وأصفح عن سباب الناس حلمًا ... وشر الناس من يهوي السباب

ومن هاب الرجال تَهيَّبوه ... ومن حقر الرجال فلن يهاب

ثم يقول: فالحلم من أشرف الأخلاق وأحقها بذوي الألباب لما فيه من سلامة العرض، وراحة الجسد، واجتلاب الحمد، وقد قال علي -رضي الله تعالى عنه-: "أول عوض الحليم عن حلمه أن الناس أنصاره، وحدّ الحلم ضبط النفس عند هيجان الغضب"، وهذا هو ما نذكره من الصفح والحلم.

وقد ذكر الإمام الماوردي عشرة أسباب تؤدّي إلى ضبط النفس؛ منها" الرحمة بالجهال، والقدرة على الانتصار، والترفع عن السباب ... إلى آخر ما ذكر من هذه الأسباب، والتي تحتاج إلى قراءتها في هذا الكتاب.

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

42