منهج القرطبي في دفع ماالجزء 1 · ص 173 - 181

رأي الباحث

كَسُجُود الْمَلائكَة لَه - عليه السلام - بل مِنْ الأمُور السَّارِية إلى ذُرِّيَّتِه جَمِيعًا، إذْ الكُلّ مَخْلُوق في ضِمْن خَلْقِه عَلى نَمَطِه، ومَصْنُوع عَلى شَاكِلَتِه، فَكَأنهم الذي تَعَلَّق به خَلْقه وتَصْويره، أي: خَلَقْنا أَبَاكُم آدَم طِينًا غَير مُصَوَّر، ثم صَوَّرْناه أبْدَع تَصْوير وأحْسَن تَقْويم؛ سَارَ إليكُم جَمِيعًا (^1).

رأي الباحث

آدَم خُلِق مِنْ طِين - كما هو معلوم - ثم صُوِّرَ وأُكْرِم بالسُّجُود، وذُرِّيَّته صُوِّرُوا في أرْحَام الأمَّهَات.

وأمَّا إخْرَاج ذُرِّيَّة آدم مِنْ ظَهْرِه أمْثَال الذَّرّ، فهذا بَعْد خَلْقِه، وبعد سُجُود الملائكة، ويَدُلّ عليه قوله ﷺ: لَمَّا خَلَق اللهُ آدَم مَسَحَ ظَهْرَه فَسَقَطَ مِنْ ظَهْرِه كُلّ نَسَمَة هُو خَالِقُها مِنْ ذُرِّيَّتِه إلى يَوم القِيامَة، وجَعَل بَيْن عَيْنَيّ كُلّ إنْسَان مِنْهم وَبِيصًا مِنْ نُور، ثم عَرضَهم على آدَم، فقال: أيْ رَبّ! مَنْ هؤلاء؟ قال: هؤلاء ذُرِّيَّتُك، فَرَأى رَجُلًا منهم فأعْجَبَه وَبِيص مَا بَين عَينَيه، فقال: أيْ رَبّ! مَنْ هَذا؟ فقال: هذا رَجُل مِنْ آخِر الأمُم مِنْ ذُرِّيَّتِك يُقَال له: دَاود، فقال: رَبّ كَمْ جَعَلْتَ عُمُرَه؟ قال: سِتِّين سَنَة. قال: أيّ رَبّ! زِدْه مِنْ عُمُري أرْبَعين سَنَة، فلما قَضَى عُمُر آدَم جَاءه مَلَك الْمَوْت، فقال: أوَ لَم يَبْقَ مِنْ عُمُرِي أرْبَعُون سَنَة؟ قال: أوَ لَم تُعْطِها ابْنَك دَاود؟ قال: فَجَحَد آدَم فَجَحَدَتْ ذُرِّيَّتُه، ونَسِي آدَم فَنَسِيَتْ ذُرِّيَّتُه، وخَطِئ آدَم فَخَطِئَتْ ذُرِّيَّتُه (^2).

  • (^1) تفسير أبي السعود (3/ 214، 215)، ومحاسن التأويل، مرجع سابق (7/ 13).
    (^2) رواه الترمذي (ح 3076) وقال: هذا حديث حسن صحيح، وقد رُوي مِنْ غَير وَجْه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ. ورواه أحمد (ح 2270) من حديث ابن عباس. وقال الألباني: صحيح (صحيح الجامع 5208).
173

ويَدُلّ على أنَّ هَذا كَان بَعْد خَلْق آدَم ما جَاء في الرِّوَاية الثَّانِية، وفيها: لَمَّا خَلَق اللهُ آدَم ونَفَخَ فِيه الرُّوح عَطَس، فقال: الْحَمْد لله، فَحَمِد الله بإذْنِه، فقال له رَبُّه: رَحِمَك الله يا آدَم. اذْهَب إلى أولَئك الْمَلائكَة - إلى مَلإٍ مِنْهم جُلُوس - فَقُلْ السَّلام عَليكم، قَالُوا: وعَليك السَّلام ورَحْمَة الله، ثم رَجَع إلى رَبِّه، فَقال: إنَّ هَذِه تَحِيَّتُك وتَحِيَّة بَنِيك بَيْنَهم، فَقَال اللهُ لَه، ويَدَاه مَقْبُوضَتَان: اخْتَر أيهُمَا شِئت. قال: اخْتَرْتُ يَمِين رَبِّي، وكِلْتا يَدَيّ رَبِّي يَمِين مُبَارَكة، ثم بَسَطَها فإذا فِيها آدَم وذُرِّيَّتُه، فقال: أيْ رَبّ! ما هؤلاء؟ فقال: هَؤلاء ذُرِّيَّتُك (^1).

والقَول بالتَّقْدِيم والتَّأخِير مُتَّجِه، أي أنَّ الْمَعْنى: أنَّ الله خَلَق آدَم عليه السلام، ثُمَّ قَال للمَلائكَة: اسْجُدُوا لآدَم، ثُمّ صَوَّر بَنِي آدَم.

والقول بأنَّ (ثُم) تَأتي بِمَعْنى (الواو) لَه حَظّ مِنْ النَّظَر.

قال الفَيّومي: (ثم) حَرْف عَطْف، وهي في الْمُفْرَدَات للتَّرْتِيب بِمُهْلَة. وقَال الأخْفَش: هي بِمَعْنى (الواو)، لأنها اسْتُعْمِلَتْ فيما لا تَرْتِيب فِيه، نَحو: وَالله ثُمَّ وَالله لأفْعَلَنّ .... وأمَّا في الْجُمَل فلا يَلْزَم التَّرْتِيب، بَلْ قَدْ تَأتي بِمَعْنى (الواو)، نَحْو قَوله تَعالى: (ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ) [يونس: 46] أي: والله شَاهِد عَلى تَكْذِيبِهم وعِنَادِهم، فإنَّ شَهادَة الله تعالى غير حَادِثة، ومِثْله: (ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا) [البلد: 17] (^2).

  • (^1) رواه الترمذي (ح 3368). وقال الألباني: صحيح (صحيح الجامع 5209).
    (^2) المصباح المنير (1/ 84) بتصرّف يسير.
174

المثال الخامس: تِكْرَار السُّؤَال عن السَّاعة

قوله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) [الأعراف: 187].

صورة التعارض

في نَفْس الآية، حَيث زُعِم أنَّ فِيها تِكْرَارًا، والتِّكْرَار يُعَارِض الفَصَاحَة.

في الْمَوْضِعِ الأوَّل: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ)، وفي الْمَوْضِع الثَّاني: (يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا).

وفي الْمَوْضِع الأوَّل: (قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي)، وفي الْمَوْضِع الثَّاني: (قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ).

جمع القرطبي

قال القرطبي:

(يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا) أيْ: عَالِم بها كَثير السُّؤال عنها. قال ابن فارِس: الْحَفِيّ العَالِم بِالشَّيء، والْحَفِيّ الْمَسْتَقْصِي في السُّؤال.

قال الأعشى:

فإن تَسْألي عَنِّي فيا رُبّ سَائل حَفِيّ عن الأعْشى به حَيث أصْعَدَا

يُقال: أحْفَى في الْمَسْألة وفي الطَّلَب فَهو مُحْفٍ، وحَفِيّ على التَّكْثِير، مِثْل مُخْصِب وخَصِيب.

قال محمد بن يزيد: الْمَعْنى: يَسْألُونَك كَأنَّك حَفِي بالْمَسْألة عَنها، أي مُلِحّ. يَذْهَب إلى أنه لَيس في الكَلام تَقْدِيم وتَأخِير.

وقال ابن عباس وغيره: هُو عَل التَّقْدِيم والتَّأخِير.

والْمَعْنى: يَسْألُونَك عَنها كَأنك حَفِيّ بهم، أي حَفِيّ بِبِرّهم، وفَرِحٌ بِسُؤالِهِم، وذَلك لأنهم قَالُوا: بَيْنَنا وبَيْنَك قَرَابة فأسِرَّ إلَيْنَا بِوَقْتِ السَّاعَة. (قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا

175

عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) لَيْس هَذا تَكْرِيرًا، ولَكِنّ أحَد العِلْمَينِ لِوُقُوعِها، والآخَر لِكُنْهِها (^1).

مُلخَّص جواب القرطبي

1 - الْمَعْنَى: يَسْألُونَك كَأنك حَفِيّ بالْمَسْألة عنها.

2 - على التَّقْدِيم والتَّأخِير: والْمَعْنَى: يَسْألُونك عَنها كَأنك حَفِيّ بهم.

3 - ليس في الآية تِكْرَار، لأنَّ قَولَه: (قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي) لِوُقُوعِها، وقوله: (قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ) لكُنْهِها وحَقِيقَتِها.

مُقارنة جوابه وجمعه بين الآيات بجمع غيره من العلماء

قال قتادة: قَالَتْ قُريش للنَّبِيِّ ﷺ: نَحْن أقْرِباؤك فأسِرَّ إِلَيْنَا مَتَى السَّاعَة، فأنْزَل الله جَلَّ وَعَزَّ: (يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا) أي: حَفِيّ بهم. والْمَعْنَى عَلى هذا: التَّقْدِيم والتَّأخِير، أي: يَسْألُونَك عَنها كَأنك حَفِيَّ لهم، أي: فَرِحٌ لِسُؤالِهم (^2).

قال ابن جرير: يَقول تَعالى ذِكْرُه: يَسألُك هَؤلاء القَوم عن السَّاعَة كَأنك حَفِيّ عنها.

فقال بَعضهم: يَسْألُونَك عنها كَأنك حَفِيّ بهم، وقَالُوا: مَعْنى قَوله: (عَنْهَا) التَّقْدِيم، وإن كَان مُؤَخَّرًا.

وقال آخَرُون: بل مَعْنى ذَلك كَأنك قَدْ اسْتَحْفَيْتَ الْمَسألة عَنها، فَعَلِمْتَها.

  • (^1) الجامع لأحكام القرآن، مرجع سابق (7/ 294).
    (^2) معاني القرآن، مرجع سابق (3/ 112).
176

ثم قال: وأوْلى القَولين في ذلك بالصَّواب قَول مَنْ قَال: مَعْنَاه كَأنك حَفِيّ بالْمَسْأَلَة عنها، فَتَعْلَمها. فإن قَال قَائل: وكَيف قِيل: (حَفِيٌّ عَنْهَا) ولم يَقُل: حَفِيّ بها، إنْ كَان ذلك تَأوِيل الكَلام؟ قِيل: إنَّ ذَلك قِيل كَذلك، لأنَّ الْحَفَاوة إنما تَكُون في الْمَسْألة، وهي البَشَاشَة للمَسْؤول عِند الْمَسْألة، والإكْثَار مِنْ السُّؤال عنه، والسُّؤال يُوصِل بـ (عن) مُرّة وبـ (الباء) مَرّة، فيُقَال: سَألْتُ عنه، وسَألْتُ به، فَلَمَّا وَضِع قَوله حَفِيّ مَوْضِع السُّؤال وُصِل بأغْلَب الْحَرْفَين اللَّذَين يُوصَل بِهِما السُّؤال، وهْو (عن) كما قال الشَّاعر:

سُؤال حَفِيّ عن أخِيه كَأنه بِذِكْرَتِه وَسْنَانُ أوْ مُتَوَاسِنُ

وأمَّا قَوله: (قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ)، فإنَّ مَعْنَاه: قُلْ يا مُحَمَّد لِسَائلِيك عَنْ وَقْت السَّاعَة، وحِين مَجِيئها: لا عِلْمَ لي بِذَلك، ولا يَعْلَم بِه إلَّا الله الذي يَعْلَم غَيْب السَّمَاوات والأرْض (^1).

وقال السمرقندي: قَوله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ) يَعني عَنْ قِيام السَّاعة. (أَيَّانَ مُرْسَاهَا) يَعني مَتى حِينها وقِيامها. ويُقال: هَذا الكَلام على الاخْتِصَار، وَمَعْنَاه: أي أَوَان قيامها. ثم قال: (قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي) يَعني علْم قيَام السَّاعَة عند رَبي، ومَا لِي بِها مِنْ عِلْم .... ثم قال: (يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا) قال مُقاتل: كَأنك اسْتَخْفَيْتَ عنها السُّؤال حتى عَلِمْتَها.

وقال القَتَبي: أي كَأنك حَفِيّ تَطْلُب عِلْمها، ومِنه يُقَال: تَحَفّى فُلان بالقَوم، إذا بَالَغ في البِرّ. ويُقَال: (كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا) يَعْني كَأنك جَاهِل بها. ويُقال: في الآية تَقْدِيم، ومَعْنَاه: يَسْألُونَك عَنْها كَأنك عَالِم بها (قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي) .... ثم قال:

  • (^1) جامع البيان، مرجع سابق (10/ 610 - 615) باختصار.
177

(قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ) يَعني عِلْم قِيامِها عِنْد الله، (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) أنها كَائنَة، ولا يُصَدِّقُون بها (^1).

وقال السمعاني: (يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا) أي: كَأنك مَسْرُور بِسُؤالِهِم عنها.

يُقَال: تَحَفَّيْتُ فُلانًا في الْمَسْألة، إذا سَألْته وأظْهَرْت السُّرُور في سُؤالِك، فَعَلَى هَذا تَقْدير الآية: يَسْأَلُونَك عَنها كَأنك حَفِيّ بِسُؤالِهِم. وقِيل: مَعْنَاه: يَسْألُونَك كَأنك حَفِيّ عَنها، أي عَالِم بها. يُقال: أحْفَيْت فُلانًا، إذا مَا بَالَغْتُ في الْمَسْألة عَنه حَتَّى عَلِمْتَ، فَعَلى هذا مَعْنى الآية: كَأنك حَفِيّ عَنها، أي: كَأنك بَالَغْتَ في السُّؤال عَنها حتى عَلِمْتَ (^2).

وبالقَول بالتَّقْدِيم والتَّأخِير قال الثعلبي، فإنه قال: (يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا) قَال أهْل التَّفْسِير: في الآية تَقْدِيم وتَأخِير، تَقْدِيرُها: يَسْألُونَك عَنها كَأنك حَفِيّ، أي بَارّ فِيهم، صَدِيق لَهُمْ قَرِيب، قاله ابن عباس وقتادة. وقال مجاهد والضحاك: كَأنك عَالِم بِهَا. وقد يُوضع (عن) موضع مع (^3) الياء (^4).

واخْتَار ابن عَطِيَّة أنَّ التِّكْرَار في الآية للتَّأكِيد، فَقَال: أمَرَهُ ثَانِية بأن يُسْلِم العِلْم تَأكِيدًا للأمْر وتَهَمُّمًا به .... وقِيل: العِلْم الأوَّل عِلْم قِيَامِهَا، والثَّاني عِلْم كُنْهِها وحَالِها (^5).

  • (^1) بحر العلوم، مرجع سابق (1/ 585) باختصار يسير.
    (^2) تفسير القرآن، مرجع سابق (2/ 237، 238).
    (^3) كذا في المطبوع، ويظهر أنّ صوابه: (وقد يُوضَع (عن) موضع الباء).
    (^4) الكشف والبيان، مرجع سابق (4/ 313).
    (^5) المحرر الوجيز، مرجع سابق (2/ 485) باختصار يسير.
178

وبِمِثْل ذَلك قال النَّسَفيّ: وكَرَّرَ (يَسْأَلُونَكَ) و(إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ) للتَّأكِيد، ولِزِيَادَة (كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا)، وعَلى هذا تَكْرِير العُلَمَاء في كُتُبِهم لا يَخْلُوَنَّ الْمُكَرَّرُ مِنْ فَائدَة (^1).

وبِمِثْلِه قال الشوكاني: أمَرَه اللهُ سُبحانه بأن يُكَرِّر مَا أجَاب بِه عَليهم سَابِقا، لِتَقْرِير الْحُكْمِ وتَأكِيدِه. وقِيل: لَيْس بِتَكْرِير، بَلْ أحَدُهُما مَعْنَاه الاسْتِئْثَار بِوُقُوعِها، والآخَر الاسْتِئْثَار بِكُنْهِها نَفْسِها (^2).

ورَجَّح ابن كثير أنَّ مَعْنى الآيَة: كَأنك بِها عَالِم.

فإنه ذَكَر الأقْوَال في الآية ثم قَال: وقال عَبد الرحمن بن زَيد بن أسْلم: (كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا): كَأنك بِهَا عَالِم، وقَد أخْفَى الله عِلْمَها عَلى خَلْقِه، وقَرأ (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ) [لقمان: 34] الآيَة. وهَذا القَول أرْجَح في الْمَعْنى مِنْ الأوَّل (^3).

رأي الباحث

لَيْس في الآيَة تِكْرَار، لأنَّ قَولَه: (قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي) لِوُقُوعِها، وقَولَه: (قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ) لكُنْهِها وحَقِيقَتِها.

أوْ أنَّ التِّكْرَار في الآية للتَّأكِيد.

وأنَّ في الآية تَقْدِيمًا وتَأخِيرًا: والْمَعْنَى: يَسْأَلونَك عَنها كَأنك حَفِيّ بِهِمْ.

  • (^1) مَدَارِك التَّنْزِيل وحَقائق التَّأْويل، مرجع سابق (2/ 50).
    (^2) فتح القدير، مرجع سابق (2/ 273).
    (^3) تفسير القرآن العظيم، مرجع سابق (6/ 471).
179

المبحث الرابع: اختلاف المناسبة

"الْمُنَاسَبَة في اللُّغَة: الْمُشَاكَلَة والْمُقَارَبَة، ومَرْجِعُها في الآيات ونَحْوها إلى مَعْنَى رابِط بَيْنَهما عَامّ أوْ خَاصّ، عَقليّ، أوْ حِسِّيّ، أوْ خَيَالِيّ، أوْ غَير ذلك مِنْ أنْوَاع عِلاقَات التَّلازُم الذِّهْني، كالسَّبَب والْمُسَبَّب، والْعِلّة والمعلُول، والنَّظِيرين والضِّدّين ونحوه" (^1).

"وفَائدَته: جَعْل أجْزَاء الكَلام بَعْضها آخِذًا بأعْنَاق بَعْض، فَيَقْوَى بذلك الارْتِبَاط ويَصِير التَّألِيف حَاله حَال البِنَاء الْمُحْكَم الْمُتَلائم الأجْزَاء" (^2)، فَنَقُول: ذِكْر الآيَة بَعْد الأخْرَى إمَّا أن يَكُون ظَاهِر الارْتِبَاط لِتَعَلّق الكَلِم بَعْضه بِبَعْض وعَدَم تَمَامه بِالأُولى؛ فَوَاضِح، وكَذلك إذا كَانت الثَّانية للأولى عَلى وَجْه التَّأكِيد، أوْ التَّفْسِير، أوْ الاعْتِراض، أوْ البَدَل، وهَذا القِسْم لا كَلام فِيه" (^3).

"وعِلْم الْمُنَاسَبَة عِلْم شَرِيف قَلّ اعْتِنَاء الْمُفَسِّرِين بِه لِدِقَّتِه، ومِمَّن أكْثر مِنْه الإمَام فَخْر الدِّين، وقال في تَفْسِيره: أكْثر لَطَائف القُرآن مُودَعَة في التَّرْتِيبَات والرَّوَابط" (^4).

"وقَال الشَّيخ عِزّ الدِّين بن عبد السلام: الْمُنَاسَبة عِلْم حَسَن، لَكِن يُشتَرَط في حُسْن ارْتِبَاط الكَلام أن يَقَع في أمْر مُتَّحِد أوّله بآخِره، فإن وَقَع على أسْبَاب مُخْتَلِفَة لَم يَقَع فيه ارْتِبَاط، ومَن رَبَط ذَلك فَهو مُتَكَلِّف بِمَا لا يَقْدِر عليه إلَّا بِربْطٍ رَكيك، يُصَان

  • (^1) مُعتَرك الأقران، مرجع سابق (1/ 57)، و"الإتقان"، مرجع سابق (3/ 323، 324)، وأصْل هذا القول للزركشي في "البرهان" (1/ 36).
    (^2) البرهان في علوم القرآن، مرجع سابق (1/ 37) مُعتَرك الأقران، مرجع سابق (1/ 57)، والإتقان، مرجع سابق (3/ 323).
    (^3) مُعتَرك الأقران، مرجع سابق (1/ 57)، و"الإتقان"، مرجع سابق (3/ 323).
    (^4) مُعتَرك الأقران مرجع سابق (1/ 55)، و"الإتقان" (3/ 322)، وأصْل هذا القَول للزركشي في "البرهان" (1/ 36)، والمقصود بـ "فخر الدين" هو الرازي ولم أقِف على هذا القَول في تَفْسيره.
180

عن مِثْله حَسَن الْحَدِيث، فَضْلًا عن أحْسَنه، فإنَّ القُرآن نَزَل في نَيِّف وعِشْرِين سَنَة، في أحْكَام مُختلِفَة، ومَا كان كَذلك لا يَتَأتّى رَبْط بَعْضِه بِبَعْض" (^1).

وقال الشيخ وليّ الدين الملوي: قَدْ وَهِم مَنْ قَال: لا يُطلَب للآية الكَرِيمة مُناسَبَة؛ لأنها على حَسَب الوَقَائع الْمُتَفَرِّقَة، وفَصْل الْخِطَاب أنها على حَسَب الوَقَائع تَنْزِيلًا، وعلى حَسَب الْحِكْمَة تَرْتِيبًا وتَأصِيلًا (^2).

وتقدَّم في الْمَبْحَث السَّابِق أنَّ مِنْ أسْبَاب التَّقْدِيم والتَّأخِر: الْمُنَاسَبَة؛ وهي إمَّا مُنَاسَبة الْمُتَقَدِّم لِسِيَاق الكَلام، وإمَّا مُنَاسَبة لَفْظ هُو مِنْ التَّقَدُّم أوْ التَّأخُّر (^3).

والذي يَظْهَر أنه يُقْصَد بـ (الْمُنَاسَبَة) أمْرَان:

الأول: مُناسَبة الآي والسُّوَر، وهو ما يُعَبَّر عنه - أحيانًا - بـ (التَّنَاسُب) (^4).

الثاني: مُناسَبة ذلك اللَّفْظ، أوْ تِلك العِبَارة لِذَلك الْمَوْضِع دُون غيره (^5)، وهو مَا يَعْنِي البَاحِث في هَذا الْمَبْحَث.

وقد يُتوَهَّم التَّعَارُض بِسَبَب اخْتِلاف الْمُنَاسَبة، وقد أشْكَلَتْ مَواضِع منها على بَعْض التَّابِعين - كما سَيأتي في هَذا الْمَبْحَث -.

  • (^1) البرهان في علوم القرآن، مرجع سابق (1/ 37)، "مُعتَرك الأقران"، مرجع سابق (1/ 57)، و"الإتقان"، مرجع سابق (3/ 323).
    (^2) مُعتَرك الأقران، مرجع سابق (1/ 55، 56)، و"الإتقان" (3/ 322، 323)، ويُنظَر: "البرهان"، مرجع سابق (1/ 37).
    (^3) مُعتَرك الأقران، مرجع سابق (1/ 174 - 180).
    (^4) وفيه أُلّف البقاعي كتابه "نَظم الدُّرَر في تناسُب الآيات والسُّوَر"، والسيوطي "أسْرَار القرآن".
    (^5) وفيه مؤلّفات، منها: "درّة التَّنْزِيل وغرّة التأويل"، الخطيب الإسكافي، و"البرهان في مُتَشَابه القرآن"، الكِرماني، و"كَشْف الْمَعَاني في الْمُتَشَابِه والْمَثَاني"، ابن جماعة، و"التعبير القرآني"، فاضِل السَّامُرائي.
181