منهج القرطبي في دفع ماالجزء 1 · ص 70 - 77

رأي الباحث

رأي الباحث

أنَّ آيَة "البَقَرة" مَنْسُوخَة، وأنَّ القِتَال في الأشْهُر الْحُرُم لا يَحْرُم دفعًا وابْتِداءً.

وأن تَحْرِيم ذَلك كَان في أوَّل الأمْر، ثم نُسِخ، وأُبِيح القِتَال في جَمِيع الأزْمِنَة.

وهو قَول جَمَاهِير العُلَمَاء مِنْ الْمُفَسِّرين والفُقَهَاء (^1)، فقد أخْرَج ابن أبي شيبة (^2) وعبدُ بن حُميد (^3) وأبو داود في ناسِخِه عن قَتادة أنَّ قَوله: (وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) [البقرة: 191]، وقَولَه: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ) [البقرة: 217]، فَكان كَذلك حَتى نَسَخ هَاتين الآيَتَين جَمِيعًا في "بَرَاءة" قَوله: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) و(وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً) (^4).

ورَوَى البيهقي مِنْ طريق أبي إسحاق قال: سَألتُ سُفيان عن قَولِ الله: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ) قال: هَذا شَيء مَنْسُوخ، وقد مَضَى، ولا بَأس بالقِتَال في الشَّهْر الْحَرَام وغَيره (^5).

قَال الشنقيطي في قَوله تعالى: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا) [البقرة: 190] مَا نَصّه:

هذه الآية تَدُلّ بِظاهِرِها على أنَّهُم لم يُؤمَروا بِقتَال الكُفَّار إلَّا إذا قَاتَلوهُم، وقَد جَاءت آيَات أُخَر تَدُلّ عَلى وُجوبِ قِتَال الكُفَّار مُطْلَقًا؛ قَاتَلُوا أم لا، كَقوله تَعالى:

  • (^1) وإن كان ابن القيم نَصَر القول بِعَدم النَّسْخ وأنّ الآية مُحكمة، وذلك في مَوضِعَين من "زاد المعاد" (3/ 341، 391).
    (^2) المصنَّف (ح 36652).
    (^3) لم أقِف عليه. وكذلك الذي يَليه.
    (^4) فتح القدير، الشوكاني (1/ 192).
    (^5) السنن الكبرى (ح 17526).
70

(وَقَاتِلُوهُم حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ) [البقرة: 193]، قَوله: (فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ) [التوبة: 5]، وقَوله تَعالى: (تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ) [الفتح: 16].

والْجَوَاب عن هَذه بأمُور:

الأوَّل: - وهو مِنْ أحْسَنها وأقْرَبها - أنّ الْمُرَاد بِقَوله: (الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ) تَهْيِيج الْمُسْلِمِين، وتَحْرِيضهم على قِتَال الكُفَّار، فَكأنَّه يَقُول لَهُمْ: هَؤلاء الذين أمَرْتُكم بِقِتَالِهِم هُمْ خُصُومُكم وأعْدَاؤكم الذين يُقَاتِلُونَكم. ويَدُلّ لِهَذا الْمَعْنَى قَوله تعالى: (وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً) [التوبة: 36]، وخَيْر مَا يُفَسّر بِه القُرْآن القُرآن.

الوَجْه الثَّاني: أنها مَنْسُوخَة بِقَوله تَعالى: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِين حَيْثُ وَجْدْتُمُوهُمْ) [التوبة: 5]، وهَذا مِنْ جِهَة النَّظَر ظَاهِر حَسَن جِدًّا.

الوَجهُ الثَّالِث: - وهو اخْتِيَار ابن جرير - ويَظهر لي أنه الصَّواب: أنّ الآية مُحْكَمة، وأنّ مَعْنَاهَا: قَاتِلُوا الذين يُقَاتِلونكم، أي: مَنْ شَأنهم أن يُقَاتِلُوكم، أمَّا الكَافِر الذي لَيس مِنْ شأنه القِتَال كالنِّساء، والذَّراري، والشّيوخ الفانية، والرُّهبان، وأصْحَاب الصَّوامِع، ومَن ألْقَى إلَيْكُم السَّلَم؛ فلا تَعْتَدُوا بِقِتَالِهم؛ لأنهم لا يُقَاتِلُونَكُم، ويَدلّ لِهذا الأحَادِيث الْمُصَرَّحَة بالنَّهْي عن قِتَال الصَّبي، وأصْحَاب الصَّوامِع، والْمَرْأة، والشَّيْخ الْهَرِم إذا لم يُستَعَن بِرأيه (^1)، أمَّا صَاحِب الرَّأي فيُقْتَل كَدُرَيدِ بن الصِّمَّة، وقَد فَسَّرَ هذه الآية بهذا الْمَعْنَى عُمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وابن عباس والحسن البصري (^2)

  • (^1) مِنْ ذلك مَا رَوَاه مسلم (ح 1731) وفيه: كان رَسول الله ﷺ إذا أمَّر أميرًا على جَيْش أوْ سَرِيَّة أوْصَاه في خَاصَّتِه بتَقْوَى الله ومَن مَعه مِنْ الْمُسْلِمِين خَيرًا، ثم قال: اغْزُوا بِاسْم الله في سبيل الله، قَاتِلوا مَنْ كَفَرَ بِالله، اغْزُوا ولا تَغُلُّوا ولا تَغْدِرُوا ولا تُمثّلُوا ولا تَقْتُلُوا وَليدًا. ومَا رَواه البخاري (ح 2852)، ومسلم (ح 1744) أن النبي ﷺ نَهَى عن قَتْل النِّسَاء والصِّبْيَان.
    (^2) دفع إيهام الاضطراب، مرجع سابق (ص 27، 28) باختصار يسير.
71

المثال الرابع: الإكْرَاه في الدِّين وقِتَال الكَافِرِين

قوله تعالى: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) [البقرة: 256] مع قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ) [التوبة: 73].

صورة التعارض

أنَّ آيَة "البقرة" فِيها عَدم الإكْرَاه، وآيَة التَّوبَة فيها الإكْرَاه والإغْلاظ.

و"لأنَّ النَّبيَّ ﷺ قَدْ أكْرَه العَرب على دِين الإسْلام وقَاتَلَهم، ولم يَرضَ مِنهم إلَّا بالإسْلام" (^1).

جَمْع القرطبي

قال القرطبي: اخْتَلَف العُلَمَاء في مَعْنَى هَذه الآيَة على سِتَّة أقْوال:

الأوَّل: قِيل: إنها مَنْسُوخَة؛ لأنَّ النبي ﷺ قد أكْرَه العَرَب على دِين الإسْلام، وقَاتَلهم ولَم يَرضَ مِنهم إلَّا بالإسْلام، قَاله سُليمان بن موسى. قَال نَسَخَتْها: (يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ) [التوبة: 73]، ورُوي هَذا عَنْ ابنِ مَسعود وكَثِير مِنْ الْمُفَسِّرِين.

الثَّاني: لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَة، وإنما نَزَلَتْ في أهْل الكِتَاب خَاصَّة، وأنهم لا يُكْرَهُون على الإسْلام إذا أدَّوا الْجِزْية، والذين يُكْرَهُون أهل الأوْثَان، فلا يُقْبَل مِنْهم إلَّا الإسْلام، فَهُمْ الذين نَزَل فِيهم: (يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ) .... والْحُجَّة لهذا القَول مَا رَواه زَيد بن أسْلَم عن أبيه قال: سَمِعْتُ عُمر بن الخطاب يَقُول لِعَجُوز نَصْرَانِيَّة:

  • (^1) الجامع لأحكام القرآن، مرجع سابق (3/ 268). والمراد بالإكراه عدم قبول غير الإسلام، وقتالهم على ذلك. وسيأتي في تفسير الآية ما يُوضِّح المراد.
72

أسْلِمي أيتها العَجُوز تَسْلَمِي، إنَّ اللهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا بالْحَقّ. قَالتْ: أنا عَجُوز كَبِيرَة والْمَوت إليّ قَرِيب! فَقَال عُمر: اللهم اشْهَد (^1)، ولا: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ).

الثَّالِث: مَا رَوَاه أبو دَاود (^2) عَنْ ابن عباس قَال: نَزَلَتْ هذه في الأنْصَار، كَانَتْ تَكُون الْمَرْأة مِقْلاتًا، فَتَجْعَل على نَفْسِها إن عَاش لها وَلَد أن تُهَوِّده، فلما أُجْلِيتْ بَنَو النَّضِير كَان فِيهم كَثير مِنْ أبْنَاء الأنْصَار، فَقَالُوا: لا نَدَع أبْنَاءنَا، فأنْزَل اللهُ تَعالى: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ). قَال أبو دَاود: والْمِقْلات التي لا يَعِيش لَها وَلَد.

قال النَّحَّاس: قَول ابنِ عَباس في هَذه الآيَة أوْلى الأقْوال لِصِحَّة إسْنَادِه، وأنَّ مِثْلَه لا يُؤخَذ بالرَّأي.

الرابع: قال السُّدّي: نَزَلَتْ الآيَة في رَجُل مِنْ الأنْصَار يُقَال لَه أبو حصين (^3)، كَان له ابْنَان، فَقَدِم تُجَّار مِنْ الشَّام إلى الْمَدِينَة يَحْمِلُون الزَّيْت، فَلَمَّا أرَادُوا الْخُرُوج أتَاهُم ابْنَا الْحُصَين فَدَعَوهما إلى النصرانية فَتَنَصَّرا ومَضَيا مَعَهم إلى الشَّام، فأتى أبُوهما رَسُولَ الله ﷺ مُشْتَكِيًا أمْرَهما، ورَغِبَ في أن يَبْعَثَ رَسُول الله ﷺ مَنْ يَرُدّهما، فَنَزَلَتْ: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) (^4)، ولم يُؤمر يَومَئذٍ بِقِتَال أهْل الكِتَاب، ثم إنه نُسِخَ (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ)، فأُمِرَ بِقِتَال أهْل الكِتَاب في سُورة بَراءة.

الْخَامِس: وقِيل: مَعْنَاها: لا تَقُولُوا لِمَنْ أسْلَم تَحْت السَّيْف مُجْبَرًا مُكْرَهًا.

  • (^1) إلى هنا رواه الدارقطني في (السنن (ح 63، 64).
    (^2) (ح 2682)، ورواه ابن جرير في "جامع البيان" (3/ 14).
    (^3) في الإصابة، ابن حجر (7/ 77): أبو حُصَين الأنْصَارِي السَّالِمِي. وَقَع ذِكْرُه في كتاب "أحْكَام القُرْآن" لإسْمَاعِيل القَاضِي مِنْ طَرِيق أسْبَاط بن نصر عن السدي، أسْنَدَه إلى رَجُل مِنْ قَومِه أنَّ أبا الْحُصَين كان له ابنان فَقَدِم تُجَّار مِنْ الشَّام إلى الْمَدِينَة فَتَنَصَّرَا ولَحِقَا مَعهم بالشَّام .... فَذَكَرَه. ويُنظَر (2/ 82، 83) مِنْه.
    (^4) قال عبد الرزاق المهدي: أخرجه ابن جرير عن السُّدّي، وهذا مُعْضَل لا حُجّة فيه. وَفَاتَه أنَّ ابن جرير رَوَاه قَبْل ذلك (3/ 14) عن ابن عباس مُخْتَصَرًا.
73

السَّادِس: أنها وَرَدَتْ في السَّبْي مَتَى كَانُوا مِنْ أهْل الكِتَاب لَم يُجْبَرُوا إذا كَانُوا كِبَارًا، وإن كَانُوا مَجُوسًا (^1) صِغَارًا أو كِبَارًا، أوْ وَثَنِيِّين فَإنهم يُجْبَرُون عَلى الإسْلام .... فأمَّا سَائر أنْوَاع الكُفْر مَتى بَذَلُوا الجِزْيَة لم نُكْرِههم على الإسْلام، سَواء كَانُوا عَرَبًا أم عَجَمًا، قُرَيْشًا أوْ غَيرهم (^2).

مُلخَّص جواب القرطبي

1 - أنَّ آيَة "البقرة" مَنْسُوخَة ورُوي هَذا عَنْ كَثِير مِنْ الْمُفَسِّرِين.

2 - أنها خَاصَّة في أهْل الكِتَاب.

3 - أنها نَزَلتْ في الأنْصَار، وأنهم أرَادُوا إكْرَاه أوْلادَهم الْمُسْتَرْضَعِين في اليَهُود.

4 - نَزَلتْ في رَجُل مِنْ الأنْصَار.

5 - لا تَقُولُوا لِمَنْ أسْلَم تَحْت السَّيف مُجْبَرًا مُكْرَهًا.

6 - أنها وَرَدَتْ في سَبْي أهْل الكِتَاب، وأنهم لا يُجْبَرُون.

  • (^1) قال قتادة: ولا يُكْرَه اليَهُودي ولا النَّصْرَاني ولا الْمَجُوسِيّ إذا أعْطَوا الجزية (تفسير عبد الرزاق 1/ 102) وروى مالك في الموطأ (ح 616) ومن طريقه الشافعي في مُسنده (ص 209)، وفي الأم (4/ 174) عن جعفر بن محمد بن علي عن أبيه أن عُمر بن الخطاب ذَكَرَ الْمَجُوس، فقال: ما أدري كَيف أصْنَع في أمْرِهم؟ فقال له عبد الرحمن بن عوف: أشْهَد لَسَمِعْتُ رسول الله ﷺ يقول: سُنُّوا بِهم سُنَّة أهْل الكِتَاب.
    قال في الأم (4/ 174): إن كان ثابتًا فَنُفْتِي في أخْذ الْجِزْية؛ لأنهم أهْل كِتَاب، لا أنه يُقال: إذا قَال: سُنُّوا بهم سُنَّة أهل الكِتاب - والله تعالى أعلم - في أن تُنكح نساؤهم، وتُؤكَل ذبائحهم. اهـ.
    والحديث ثابت كما في صحيح البخاري (ح 2987)؛ فالشافعي إذًا يُفْتي به.
    وقال البيهقي في السنن الكبرى (7/ 172): وهذا الأثر المشهور عن عبد الرحمن بن عوف عن النبي ﷺ سُنُّوا بهم سنة أهل الكتاب، فَحَمَله أهل العلم مع الاستدلال برواية بِحَالة على الجزية، فهم مُلْحَقون بهم في حَقْن الدّم بالْجِزْية دون غيرها. ويُنظَر: "الاسْتِذْكَار"، ابن عبد البر (3/ 241) وما بعدها، و"تفسير ابن كثير" (5/ 80)، و"أحْكَام أهْل الذِّمَّة"، ابن القيم (1/ 81) وما بعدها.
    (^2) الجامع لأحكام القرآن، مرجع سابق (3/ 269) باختصار.
74

مُقارنة جوابه وجَمْعه بين الآيات بجَمْع غيره من العلماء

أطَال ابنُ جرير في تَقْرِير حُكْم آية "البقرة"، فَقَال - بَعْد أنْ ذَكَر الأقْوَال فِيها -: وأوْلى هَذه الأقْوَال بالصَّوَاب: قَوْل مَنْ قَال: نَزَلَتْ هَذه الآيَة في خَاصٍّ مِنْ النَّاس، وقَال: عَنَى بِقَولِه تَعالى ذِكْرُه: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) أهْل الكِتَابَين والْمَجُوس، وكُلّ مَنْ جاء إقْرَاره عَلى دِينِه الْمُخَالِف دِين الْحَقّ، وأَخْذ الْجِزْيَة مِنه.

وأَنْكَرُوا أن يَكُون شَيء مِنْها مَنْسُوخًا.

وإنما قُلْنا هَذا القَوْل أوْلى الأقْوال في ذلك بالصَّوَاب لِمَا قَدْ دَلَّلْنا عَليه ..... مِنْ أنَّ النَّاسِخِ غَير كَائن نَاسِخًا إلَّا مَا نَفَى حُكْم الْمَنْسُوخ، فلم يَجُز اجْتِمَاعُهما.

فأمَّا مَا كَان ظَاهِره العُمُوم مِنْ الأمْرِ والنَّهي، وبَاطِنه الْخُصُوص فَهو مِنْ النَّاسِخ والْمَنْسُوخ بِمَعْزِل (^1).

وإذْ كَان ذَلك كَذَلك وكَان غَير مُسْتَحِيل أن يُقَال: لا إكْرَاه لأحَد مِمَّنْ أُخِذَتْ مِنه الْجِزْية في الدِّين، ولم يَكُنْ في الآيَة دَلِيل عَلى أنَّ تَأوِيلَها بِخِلاف ذَلك، وكَان الْمُسْلِمُون جَمِيعًا قَدْ نَقَلوا عَنْ نَبِيِّهم أنه أَكْرَه عَلى الإسْلام قَوْمًا فَأبَى أن يَقْبَل مِنهم إلَّا الإسْلام، وحَكَم بِقَتْلِهم إن امْتَنَعُوا مِنه، وذَلك كَعَبَدَةِ الأوْثَان مِنْ مُشْرِكي العَرَب، وكالْمُرْتَدّ عَنْ دِينه دِين الحقّ إلى الكُفْر، ومَن أشْبَههم، وأنه تَرَك إكْرَاه آخَرِين عَلى الإسْلام بقَبولِه الْجِزْية مِنه، وإقْرَاره عَلى دِينِه البَاطِل، وذلك كَأهْلِ الكِتَابَيْن ومَن أشْبَهَهم؛ كان بَيِّنًا بذلك أنّ مَعنى قَوله: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) إنما هو: لا إكْرَاه في الدِّين لأحَد مِمَّنْ حَلّ قَبول الْجِزْية مِنه بأدَائه الْجِزْية، ورِضَاه بِحُكْم الإسْلام.

ولا مَعْنَى لقَوْل مَنْ زَعَم أنَّ الآيَة مَنْسُوخَة الْحُكم بالإذْن بالْمُحَارَبَة (^2).

  • (^1) يُنظر لهذه المسألة الأصُولِيَّة: شرح مُخْتَصَر الرَّوْضة، مرجع سابق (2/ 584 - 587).
    (^2) جامع البيان، مرجع سابق (4/ 553، 554) باختصار.
75

في حِين اخْتَصَر السَّمَرْقَندي الْجَوَاب بِقَولِه: يَعْنِي: لا تُكْرِهُوا في الدِّين أحَدًا بَعْد فَتْح مَكَّة، وبَعْد إسْلام العَرَب. (قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) يَعْنِي: قَدْ تَبَيَّن الْهُدَى مِنْ الضَّلالَة ويقال: قَدْ تَبيّن الإسْلام مِنْ الكُفْر، فَمَنْ أسْلَم وإلَّا وُضِعتْ عليه الْجِزْية، ولا يُكْرَه على الإسْلام (^1).

فهو لم يَذكر نَسْخًا في الآية، وإنما ذَكَر تَخْصِيصًا لِمَعْنَاهَا.

وأما السَّمعاني فَذَكَر قَول ابن عباس في سَبَب نُزُول الآيَة (^2)، ونَقَل عن الشَّعبي قَوله: هَذا في أهْل الكِتَاب، لا يُجْبَرُون على الإسْلام إذا بَذَلُوا الْجِزْيَة. ثم قَال: وفِيه قَول ثَالِث: أنه كَان في الابْتِدَاء، ثم صَار مَنْسُوخًا بآيَة القِتَال (^3).

وذَكَر الثعلبي أقوالًا في الآية، فَذَكَر قول مُجاهِد: وكان هذا قَبل أن يُؤمَر رَسول الله ﷺ بِقِتَال أهل الكِتَاب، ثم نُسِخ قوله: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ)، وأُمِر بِقِتَال أهْل الكِتَاب في سُورة بَراءة.

ثم قال الثعلبي: وهَكذا قَال ابن مسعود وابن زيد إنها مَنْسُوخَة بآيةِ السَّيف، وقَال البَاقُون: هي مُحْكَمَة (^4).

"ومَعْنَى الآيَة: لا تَقُولُوا لِمَنْ دَخَل بعد الْحَرْب في الإسْلام أنه دَخَل مُكْرَها، ولا تَنْسِبُوا مَنْ (^5) دَخَل في الإسْلام إلى الكُرْه" (^6).

  • (^1) بحر العلوم، مرجع سابق (1/ 195).
    (^2) تقدّم قول ابن عباس ﵄، وتقدم تخريجه.
    (^3) تفسير القرآن، مرجع سابق (1/ 260).
    (^4) الكشف والبيان، مرجع سابق (2/ 234).
    (^5) في المطبوع: (فَمَنْ) وهو خطأ فيما يظهر.
    (^6) الكشف والبيان، مرجع سابق (2/ 236).
76

وذَكَر البَغَوي في الآيَة ثَلاثَة أقْوَال، وكأنه ضَعَّف القَوْل بِالنَّسْخ، فإنه قَال بَعْد سِيَاق الأقْوَال في الآيَة: وقِيل: كَان هَذا في الابْتِدَاء قَبْل أن يُؤمَر بالقِتَال، فَصَارَتْ مَنْسُوخَة بِآيَة السَّيف، وهَو قَول ابن مسعود رضي الله عنه (^1).

وقال ابن عطية: ويَلْزَم عَلى هَذا أنَّ الآيَة مَكِّيَّة، وأنها مِنْ آيَات الْمُوادَعَة التي نَسَخَتْها آيَة السَّيف. وقال قَتادة والضحاك بن مُزاحم: هَذه الآيَة مُحْكَمَة خَاصَّة في أهْل الكِتَاب الذين يَبْذُلُون الْجِزْيَة ويُؤدُّونها عن يَدٍ صُغرة. وذَكَر قَول ابن عباس وقول السُّدّي (^2).

وقال النسفي: أي: لا إجْبَار عَلى الدِّين الْحَقّ، وهو دِين الإسْلام. وقِيل: هو إخْبَار في مَعْنَى النَّهْي (^3).

وأبَان ابنُ جُزي الْمَعْنَى بِقَولِه: الْمَعْنَى أنَّ دِين الإسْلام في غَاية الوُضُوح، وظُهُور البَرَاهِين عَلى صِحَّتِه، بِحَيث لا يَحْتَاج أن يُكْرَه أحَد عَلى الدُّخُول فِيه، بل يَدْخُل فِيه كُلّ ذِي عَقل سَليم مِنْ تِلْقَاء نَفْسِه دُون إكْرَاه، ويَدُلّ عَلى ذَلك قَوله: (قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ)، أي: قَدْ تَبَيَّن أنَّ الإسْلام رُشْد، وأنّ الكُفْر غَيّ، فلا يَفْتَقِر بَعد بَيَانِه إلى إكْرَاه.

وضَعَّفَ القَول بالنَّسْخ، حيث قَال: وقِيل: مَعْنَاها الْمُوادَعَة، وأنْ لا يُكْرَه أحَد بالقِتَال عَلى الدّخُول في الإسْلام، ثم نُسِخَتْ بالقِتَال، وهذا ضَعِيف لأنها مَدَنية، وإنما آيَة الْمُسَالَمَة وتَرْك القِتَال بِمَكَّة (^4).

  • (^1) معالم التنْزيل، مرجع سابق (1/ 240).
    (^2) الْمُحرَّر الوجيز، مرجع سابق (1/ 343).
    (^3) مدارك التنْزيل، مرجع سابق (1/ 125).
    (^4) التسهيل لعلوم التنْزيل، مرجع سابق (1/ 90).
77