مباحث في علوم القرآنالجزء 1 · ص 100 - 107

نزول القرآن

نزول القرآن

مدخل

7- نزول القرآن:

أنزل الله القرآن على رسولنا محمد -ﷺ- لهداية البشرية، فكان نزوله حدثًا جللًا يؤذن بمكانته لدى أهل السماء وأهل الأرض، فإنزاله الأول في ليلة القدر أشعر العالم العُلوي من ملائكة الله بشرف الأمة المحمدية التي أكرمها الله بهذه الرسالة الجديدة لتكون خير أمة أخرجت للناس، وتنزيله الثاني مفرَّقًا على خلاف المعهود في إنزال الكتب السماوية قبله آثار الدهشة التي حملت القوم على المماراة فيه، حتى أسفر لهم صبح الحقيقة فيما وراء ذلك من أسرار الحكمة الإلهية، فلم يكن الرسول -ﷺ- ليتلقى الرسالة العظمى جملة واحدة ويُقنع بها القوم مع ما هم عليه من صَلَفٍ وعِناد، فكان الوحي يتنزل عليه تباعًا تثبيتًا لقلبه، وتسلية له، وتدرجًا مع الأحداث والوقائع حتى أكمل الله الدين، وأتم النعمة.

100

نزول القرآن جملة

يقول الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ 1.

ويقول: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ 2.

ويقول: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ 3.

ولا تعارض بين هذه الآيات الثلاث، فالليلة المباركة هي ليلة القدر من شهر رمضان، إنما يتعارض ظاهرها مع الواقع العملي في حياة رسول الله -ﷺ- حيث نزل القرآن عليه في ثلاث وعشرين سنة.. وللعلماء في هذا مذهبان أساسيان:

  • 1 البقرة: 185.
    2 القدر: 1.
    3 الدخان: 3.
100

1- المذهب الأول: وهو الذي قال به ابن عباس وجماعة وعليه جمهور العلماء: أن المراد بنزول القرآن في تلك الآيات الثلاث نزوله جملة واحدة إلى بيت العزة من السماء الدنيا تعظيمًا لشأنه عند ملائكته، ثم نزل بعد ذلك مُنَجَّمًا على رسولنا محمد -ﷺ- في ثلاث وعشرين سنة1 حسب الوقائع والأحداث منذ بعثته إلى أن توفي صلوات الله وسلامه عليه، حيث أقام في مكة بعد البعثة ثلاث عشرة سنة، وبالمدينة بعد الهجرة عشر سنوات: فعن ابن عباس قال: "بُعِثَ رسول الله -ﷺ- لأربعين سنة، فمكث بمكة ثلاث عشرة سنة يُوحى إليه، ثم أُمِرَ بالهجرة عشر سنين، ومات وهو ابن ثلاث وستين"2.

وهذا المذهب هو الذي جاءت به الأخبار الصحيحة عن ابن عباس في عدة روايات:

أ- عن ابن عباس قال: "أُنزل القرآن جملة واحدة إلى السماء الدنيا ليلة القدر. ثم أُنزل بعد ذلك في عشرين سنة، ثم قرأ: ﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ 3.. ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ 4..

ب- وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: "فُصِلَ القرآن من الذكر فوُضِعَ في بيت العزة من السماء الدنيا، فجعل جبريل ينزل به على النبي، ﷺ"5.

جـ- وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: "أُنزل القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا، وكان بمواقع النجوم، وكان الله يُنزله على رسوله -ﷺ- بعضه في إثر بعض"6.

  • 1 وقدَّر بعض العلماء مدة نزول القرآن بعشرين سنة، وبعضهم بخمس وعشرين سنة لاختلافهم في مدة إقامته، ﷺبعد البعثة- بمكة، أكانت ثلاث عشرة سنة، أم عشر سنين، أم خمس عشرة سنة؟ مع اتفاقهم على أن إقامته بالمدينة بعد الهجرة عشر سنوات - والصواب الأول - انظر "الإتقان" جـ1 ص39.
    2 رواه البخاري.
    3 الفرقان: 33.
    4 رواه الحاكم والبيهقي والنَّسائي [والآية من سورة الإسراء: 106] .
    5 رواه الحاكم.
    6 رواه الحاكم والبيهقي.
101

د- وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: "أُنزل القرآن في ليلة القدر في شهر رمضان إلى سماء الدنيا جملة واحدة، ثم أُنزل نُجومًا"1.

2- المذهب الثاني: وهو الذي رُوِيَ عن الشعبي2: أن المراد بنزول القرآن في الآيات الثلاث ابتداء نزوله على رسول الله -ﷺ- فقد ابتدأ نزوله في ليلة القدر في شهر رمضان، وهي الليلة المباركة، ثم تتابع نزوله بعد ذلك متدرجًا مع الوقائع والأحداث في قرابة ثلاث وعشرين سنة، فليس للقرآن سوى نزول واحد هو نزوله مُنَجَّمًا على رسول الله -ﷺ- لأن هذا هو الذي جاء به القرآن: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ 3، وجادل فيه المشركون الذين نُقِلَ إليهم نزول الكتب السماوية السابقة جملة واحدة: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا، وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ 4. ولا يظهر للبشر مزية لشهر رمضان وليلة القدر التي هي الليلة المباركة إلا إذا كان المراد بالآيات الثلاث نزول القرآن على رسول الله -ﷺ- وهذا يوافق ما جاء في قوله تعالى بغزوة بدر: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ 5. وقد كانت غزوة بدر في رمضان. ويؤيد هذا ما عليه المحققون في حديث بدء الوحي، عن عائشة قالت: "أول ما بُدئ به رسول الله -ﷺ- من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فَلَق الصبح، ثم حُبِّبَ إليه الخلاء فكان يأتي حِراء فيتحنث فيه الليالي ذوات العدد ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة - رضي الله عنها - فتزوده لمثلها، حتى فاجأه الحق وهو في غار حِراء. فجاءه المَلَكُ فيه فقال: اقرأ، قال رسول الله، ﷺ: "فقلت: ما أنا بقارئ

  • 1 رواه الطبراني.
    2 الشعبي: هو عامر بن شراحبيل، من كبار التابعين -وأكبر شيوخ أبي حنيفة- كان إمامًا في الحديث والفقة، وتوفي سنة 109 هجرية.
    3 الإسراء: 106.
    4 الفرقان: 32، 33.
    5 الأنفال: 41.
102

فأخذني فغطَّنِي حتى بلغ مني الجَهْد ثم أرسلني" فقال: اقرأ، فقلت: "ما أنا بقارئ، فغَطَّنِي الثانية حتى بلغ مني الجَهْد ثم أرسلني" فقال: اقرأ، فقلت: "ما أنا بقارئ، فغَطَّنِي الثالثة حتى بلغ مني الجَهْد ثم أرسلني فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ .. حتى بلغ: ﴿مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ " 1. فإن المحققين من الشراح على أن الرسول -ﷺ- نُبِئ أولًا بالرؤيا في شهر مولده شهر ربيع الأول، ثم كانت مدتها ستة أشهر، ثم أُوِحي إليه يقظة في شهر رمضان بـ "اقرأ" وبهذا تتآزر النصوص على معنًى واحد.

3- وهناك مذهب ثالث: يرى أن القرآن أُنزل إلى السماء الدنيا في ثلاث وعشرين ليلة قدر2 في كل ليلة منها ما يُقَدِّرُ الله إنزاله في كل السنة، وهذا القدر الذي ينزل في ليلة القدر إلى السماء الدنيا لسنة كاملة ينزل بعد ذلك مُنَجَّمًا على رسول الله -ﷺ- في جميع السنة.

وهذا المذهب اجتهاد من بعض المفسرين، ولا دليل عليه.

أما المذهب الثاني الذي رُوِيَ عن الشعبي فأدلته -مع صحتها والتسليم بها- لا تتعارض مع المذهب الأول الذي رُوِيَ عن ابن عباس. فيكون نزول القرآن جملة وابتداء نزوله مفرقًا في ليلة القدر من شهر رمضان، وهي الليلة المباركة.

فالراجح أن القرآن الكريم له تنزلان:

الأول: نزوله جملة واحدة في ليلة القدر إلى بيت العزة من السماء الدنيا.

والثاني: نزوله من السماء الدنيا إلى الأرض مفرقًا في ثلاث وعشرين سنة.

وقد نقل القرطبي عن مقاتل بن حيان حكاية الإجماع على نزول القرآن جملة واحدة من اللَّوْحِ المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا. ونفى ابن عباس التعارض بين الآيات الثلاث في نزول القرآن والواقع العملي في حياة الرسول -ﷺ- بنزول القرآن في ثلاث وعشرين سنة بغير شهر رمضان: عن ابن عباس:

  • 1 رواه البخاري ومسلم وغيرهما [والآيات من سورة العلق: 1-5] .
    2 أو عشرين، أو خمس وعشرين ليلة قدر، بناء على الخلاف السابق في مدة إقامته بمكة.
103

"أنه سأله عطية بن الأسود فقال: أوقع في قلبي الشك قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ 1، وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ 2، وهذا أنزل في شوال، وفي ذي القعدة، وفي ذي الحجة، وفي المحرم وصفر وشهر ربيع، فقال ابن عباس: إنه أُنزل في رمضان في ليلة القدر جملة واحدة ثم أُنزل على مواقع النجوم3 رَسْلًا4 في الشهور والأيام"5.

وأشار بعض العلماء إلى حكمة ذلك في تعظيم شأن القرآن، وتشريف المنزَّل عليه، قال السيوطي: "قيل: السر في إنزاله جملة إلى السماء تفخيم أمره وأمر من نزل عليه، وذلك بإعلام سكان السموات السبع أن هذا آخر الكتب المنزلة على خاتم الرسل لأشرف الأمم قد قربناه إليهم لينزله عليهم. ولولا أن الحكمة الإلهية اقتضت وصوله إليهم مُنَجَّمًا بحسب الوقائع لهبط به إلى الأرض جملة كسائر الكتب المنزَّلة قبله، ولكن الله باين بينه وبينها، فجعل له الأمرين: إنزاله جملة، ثم إنزاله مفرقًا، تشريفًا للمُنَزَّل عليه". وقال السخاوي في جمال القراء: "في نزوله إلى السماء جملة تكريم بني آدم وتعظيم شأنه عند الملائكة وتعريفهم عناية الله بهم، ورحمته لهم، ولهذا المعنى أمر سبعين ألفًا من الملائكة أن تُشَيِّع سورة الأنعام6، وزاد سبحانه في هذا المعنى بأن أمر جبريل بإملائه على السَّفَرَةِ الكرام، وإنساخهم إياه، وتلاوتهم له"7.

  • 1 البقرة: 185.
    2 القدر: 1.
    3 على مواقع النجوم: أي على مثل مساقطها في نزوله مفرقًا يتلو بعضه بعضًا.
    4 رَسْلًا: أي على تُؤدَة ورِفق.
    5 أخرجه ابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات.
    6 المشيَّع من القرآن: ما نزل منه محفوفًا بالملائكة. أخرج الطبراني وأبو عبيد في فضائل القرآن، عن ابن عباس قال: "نزلت سورة الأنعام بمكة ليلًا جملة حولها سبعون ألف مَلَك يجأرون بالتسبيح".
    7 انظر "الإتقان" جـ1 ص40، 41.
104

4- ومن العلماء مَن يرى أن القرآن نزل أولًا جملة إلى اللَّوح المحفوظ مستدلًَا بقوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيد فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ 1.. ثم نزل من اللَّوح المحفوظ جملة كذلك إلى بيت العزة، ثم نزل مفرقًا، فهذه تنزلات ثلاثة.

وهذا لا يتعارض مع ما سبق أن رجحناه، فالقرآن الكريم مثبت في اللَّوح المحفوظ شأن سائر المغيبات المثبتة فيه، والقرآن الكريم نزل جملة من اللَّوح المحفوظ إلى بيت العزة من السماء الدنيا -كما رُوِيَ عن ابن عباس- في ليلة القدر، والقرآن الكريم بدأ نزوله مُنَجَّمًا -كما يرى الشعبي- على رسول الله -ﷺ- في الليلة المباركة ليلة القدر من شهر رمضان، إذ لا مانع يمنع من نزوله جملة، ومن ابتداء نزوله على رسول الله -ﷺ- مفرَّقًا في ليلة واحدة، وبهذا ينتفي التعارض بين الأقوال كلها إذا استثنينا المذهب الاجتهادي الثالث الذي لا دليل له.

  • 1 البروج: 21، 22.
105

نزول القرآن مُنَجَّمًا

يقول تعالى في التنزيل: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ، عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ، بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ 1.

ويقول: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ 2.

ويقول: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ 3.

ويقول: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِه﴾ 4.

  • 1 الشعراء: 192-195.
    2 النحل: 102.
    3 الجاثية: 2.
    4 البقرة: 23.
105

ويقول: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ 1.

فهذه الآيات ناطقة بأن القرآن الكريم كلام الله بألفاظه العربية، وأن جبريل نزل به على قلب رسول الله -ﷺ- وأن هذا النزول غير النزول الأول إلى سماء الدنيا، فالمراد به نزوله مُنَجَّمًا، ويدل التعبير بلفظ التنزيل دون الإنزال على أن المقصود النزول على سبيل التدرج والتنجيم، فإن علماء اللغة يُفَرِّقون بين الإنزال والتنزيل، فالتنزيل لما نزل مفرقًا، والإنزال أعم2.

وقد نزل القرآن مُنَجَّمًا في ثلاث وعشرين سنة منها ثلاث عشرة بمكة على الرأي الراجح، وعشر بالمدينة، وجاء التصريح بنزوله مفرَّقًا في قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ 3، أي جعلنا نزوله مفرقًا كي تقرأه على الناس على مهل وتثبت، ونزَّلناه تنزيلًا بحسب الوقائع والأحداث.

أما الكتب السماوية الأخرى -كالتوراة والإنجيل والزبور- فكان نزولها جملة، ولم تنزل مفرقة، يدل على هذا قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ 4، فهذه الآية دليل على أن الكتب السماوية السابقة نزلت جملة، وهو ما عليه جمهور العلماء، ولو كان نزولها مفرقًا لما كان هناك ما يدعو الكفار إلى التعجب من نزول القرآن مُنَجَّمًا، فمعنى قولهم: ﴿لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾: هَلَّا أُنزل عليه القرآن دفعة واحدة كسائر الكتب؟ وماله أُنزل على التَّنْجِيمِ؟ ولم أُنزل مفرقًا؟ ولم يرد الله عليهم بأن هذه سُنته في إنزال الكتب السماوية كلها كما رد عليهم في قولهم: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ 5، بقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ﴾

  • 1 البقرة: 97.
    2 انظر: مفردات الراغب.
    3 الإسراء: 106.
    4 الفرقان: 32.
    5 الفرقان: 7.
106

﴿الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ 1، وكما رد عليهم في قولهم: ﴿أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ 2، بقوله: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ 3، وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ 4، بل أجابهم الله تعالى ببيان وجه الحكمة في تنزيل القرآن مُنَجَّمًا بقوله: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ أي كذلك أنزل مفرَّقًا لحكمة هي: تقوية قلب رسول الله ﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ أي قدرناه آية بعد آية بعضه إثر بعض، أو بيناه تبيينًا، فإن إنزاله مفرقًا حسب الحوادث أقرب إلى الحفظ والفهم وذلك من أعظم أسباب التثبيت.

والذي استقرئ من الأحاديث الصحيحة أن القرآن كان ينزل بحسب الحاجة خمس آيات وعشر آيات وأكثر وأقل، وقد صح نزول العشر آيات في قصة الإفك جملة، وصح نزول عشر آيات في أول المؤمنين جملة، وصح نزول: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ وحدها وهي بعض آية"5.

  • 1 الفرقان: 20.
    2 الإسراء: 94.
    3 الإسراء: 95.
    4 الأنبياء: 7.
    5 نقل هذا السيوطي عن "مكي بن أبي طالب" المتوفى سنة 368 هجرية، في كتاب له يسمى "الناسخ والمنسوخ" انظر "الإتقان" جـ1 ص42-[والآية من سورة النساء: 95] .
107