مباحث في علوم القرآنالجزء 1 · ص 142 - 150

- ترتيب السور

- ترتيب السور

اختلف العلماء في ترتيب السور:

أ- فقيل: إنه توقيفي، تولاه النبي -ﷺ- كما أخبر به جبريل عن أمر ربه، فكان القرآن على عهد النبي -ﷺ- مرتب السور، كما كان مرتب الآيات على هذا الترتيب الذي لدينا اليوم، وهو ترتيب مصحف عثمان الذي لم يتنازع أحد من الصحابة فيه مما يدل على عدم المخالفة والإجماع عليه.

ويؤيد هذا الرأي: أن رسول الله -ﷺ- قرأ بعض السور مرتبة في صلاته، رَوَى ابن أبي شيبة: أنه عليه الصلاة والسلام كان يجمع المفصَّل في ركعة، ورَوَى البخاري عن ابن مسعود أنه قال في بني إسرائيل والكهف ومريم وطه والأنبياء: "إنهن من العتاق الأُوَل، وهن من تِلادى" فذكرها نسقًا كما استقر ترتيبها.

ورُوي من طريق ابن وهب عن سليمان بن بلال قال: "سمعت ربيعة يسأل: لم قُدِّمت البقرة وآل عمران وقد نزل قبلهما بضع وثمانون سورة مكية، وإنما أنزلتا بالمدينة؟ فقال: قُدِّمتا وأُلِّف القرآن على علم ممن أَلَّفه به، ثم قال: فهذا مما يُنْتَهى إليه ولا يُسأل عنه"1.

وقال ابن الحصار: "ترتيب السور ووضع الآيات مواضعها إنما كان بالوحي، كان رسول الله -ﷺ- يقول: ضعوا آية كذا في موضع كذا، وقد حصل اليقين من النقل المتواتر بهذا الترتيب من تلاوة رسول الله -ﷺ- ومما أجمع الصحابة على وضعه هكذا في المصحف"2.

ب- وقيل: إن ترتيب السور باجتهاد من الصحابة بدليل اختلاف مصاحفهم في الترتيب.

  • 1 أخرجه ابن أشته في كتاب "المصاحف" والمراد بالتأليف: الجمع.
    2 انظر الإتقان جـ1 ص62.
142

فمصحف "علي" كان مرتبًا على النزول، أوله: اقرأ، ثم المدثر، ثم ن والقلم، ثم المزمل وهكذا ... إلى آخر المكي والمدني.

وكان أول مصحف ابن مسعود: البقرة، ثم النساء، ثم آل عمران.

وأول مصحف أُبَي: الفاتحة، ثم البقرة، ثم النساء، ثم آل عمران.

وقد رَوَى ابن عباس قال: "قلت لعثمان: ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني، وإلى براءة وهي من المئين، فقرنتم بينهما. ولم تكتبوا بينهما سطر: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ووضعتموها في السبع الطوال، فقال: كان رسول الله -ﷺ- تنزل عليه السور ذوات العدد، فكان إذا أنزل عليه شيء دعا بعض من يكتب فيقول: ضعوا هذه الآية في السورة التي فيها كذا وكذا، وكانت الأنفال من أوائل ما نزل بالمدينة، وكانت براءة من آخر القرآن نزولًا، وكانت قصتها شبيهة بقصتها فظننت أنها منها، فقُبِض رسول الله -ﷺ- ولم يبيِّن لنا أنها منها، فمن أجل ذلك قرنت بينهما، ولم أكتب بينهما سطر ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ووضعتها في السبع الطوال"1.

جـ- وقيل: إن بعض السور ترتيبه توقيفي وبعضها باجتهاد الصحابة: حيث ورد ما يدل على ترتيب بعض السور في عهد النبوة، فقد ورد ما يدل على ترتيب السبع الطوال والحواميم والمفصَّل في حياته عليه الصلاة والسلام.

ورُوِيَ أن رسول الله -ﷺ- قال: "اقرءوا الزهراوين: البقرة وآل عمران" 2.

ورُوِيَ: "أنه كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه ثم نفث فيهما، فقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ و"المعوذتين"3.

وقال ابن حجر: "ترتيب بعض السور على بعضها أو معظمها لا يمتنع أن يكون توقيفيًّا" واستدل على ذلك بحديث حذيفة الثقفي حيث جاء فيه: "فقال

  • 1 أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي والنَّسائي وابن حبان والحاكم.
    2 رواه مسلم.
    3 رواه البخاري.
143

لنا رسول الله، ﷺ: "طرأ عليَّ حزب من القرآن فأردت أن لا أخرج حتى أقضيه"، فسألنا أصحاب رسول الله -ﷺ- قلنا: كيف تُحزِّبون القرآن، قالوا: نُحزِّبه ثلاث سور، وخمس سور، وسبع سور، وتسع سور، وإحدى عشرة، وثلاث عشرة، وحزب المفصَّل من "ق" حتى نختم1، قال ابن حجر: فهذا يدل على أن ترتيب السور على ما هو في المصحف الآن كان على عهد رسول الله -ﷺ- قال: ويحتمل أن الذي كان مرتبًا حينئذ حزب المفصَّل خاصة بخلاف ما عداه".

وإذا ناقشنا هذه الآراء الثلاثة يتبين لنا:

أن الرأي الثاني الذي يرى أن ترتيب السور باجتهاد الصحابة لم يستند إلى دليل يُعتمد عليه.

فاجتهاد بعض الصحابة في ترتيب مصاحفهم الخاصة كان اختيارًا منهم قبل أن يُجمع القرآن جمعًا مرتبًا، فلما جُمِع في عهد عثمان بترتيب الآيات والسور على حرف واحد واجتمعت الأمة على ذلك تركوا مصاحفهم، ولو كان الترتيب اجتهاديًّا لتمسكوا بها.

وحديث سورتي: الأنفال والتوبة الذي رُوِيَ عن ابن عباس يدور إسناده في كل رواياته على "يزيد الفارسي" الذي يذكره البخاري في الضعفاء، وفيه تشكيك في إثبات البسملة في أوائل السور. كأن عثمان كان يثبتها برأيه وينفيها برأيه. ولذا قال فيه الشيخ أحمد شاكر في تعليقه عليه بمسند الإمام أحمد: "إنه حديث لا أصل له". وغاية ما فيه أنه يدل على عدم الترتيب بين هاتين السورتين فقط2.

  • 1 أخرجه أحمد وأبو داود، وانظر "الإتقان" جـ1 ص63.
    2 وحُكي أن البسملة ثابتة لبراءة في مصحف ابن مسعود، وفي المستدرك للحاكم أن علي بن أبي طالب سُئِل: لِم لمْ تُكتب في براءة: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾؟ قال: لأنها أمان. وبراءة نزلت بالسيف.
144

أما الرأي الثالث الذي يرى أن بعض السور ترتيبها توقيفي، وبعضها ترتيبه اجتهادي. فإن أدلته ترتكز على ذكر النصوص الدالة على ما هو توقيفي. أما القسم الاجتهادي فإنه لا يستند إلى دليل يدل على أن ترتيبه اجتهادي. إذ إن ثبوت التوقيفي بأدلته لا يعني أن ما سواه اجتهادي. مع أنه قليل جدًّا.

وبهذا يترجح أن ترتيب السور توقيفي كترتيب الآيات. قال أبو بكر بن الأنباري: "أنزل الله القرآن كله إلى سماء الدنيا، ثم فرَّقه في بضع وعشرين، فكانت السورة تنزل لأمر يحدث، والآية جوابًا لمستخبِر، ويوقف جبريل النبي -ﷺ- على موضع الآية والسورة، فاتساق السور كاتساق الآيات والحروف كله عن النبي -ﷺ- فمن قدَّم سورة أو أخرها فقد أفسد نظم القرآن" وقال الكرماني في "البرهان": "ترتيب السور هكذا هو عند الله في اللَّوح المحفوظ على هذا الترتيب، وعليه كان -ﷺ- يعرض على جبريل كل سنة ما كان يجتمع عنده منه. وعرضه عليه في السٌّنَّة التي توفي فيها مرتين. وكان آخر الآيات نزولًا: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ 1، فأمره جبريل أن يضعها بين آيتي الربا والدَّيْن"2.

ومال السيوطي إلى ما ذهب إليه البيهقي قال: "كان القرآن على عهد النبي -ﷺ- مرتبًا سوره وآياته على هذا الترتيب إلا الأنفال وبراءة لحديث عثمان".

  • 1 البقرة: 281.
    2 انظر "الإتقان" جـ1 ص62.
145

سور القرآن وآياته

سور القرآن أقسام أربعة: 1- الطوال. 2- والمئين. 3- والمثاني. 4- والمفصَّل.. نوجز أرجح الآراء فيها.

1- فالطوال: سبع: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، والسابعة، قيل: هي الأنفال وبراءة معًا لعدم الفصل بينهما بالبسملة. وقيل: هي يونس.

145

2- المئون: التي تزيد آياتها على مائة أو تقاربها.

3- والمثاني: هي التي تليها في عدد الآيات، سميت بذلك لأنها تُثنَّى في القراءة وتُكرَّر أكثر من الطوال والمئين.

4- والمفصَّل: قيل: من أول سورة "ق"، وقيل: من أول "الحجرات"، وقيل غير ذلك، وأقسامه ثلاثة، طواله، وأوساطه، وقصاره.

فطواله: من "ق" أو "الحجرات" إلى "عم" أو "البروج"، وأوساطه: من "عم" أو "البروج" إلى "الضحى" أو إلى "لم يكن"، وقصاره: من"الضحى" أو "لم يكن" إلى آخر القرآن. على خلاف في ذلك.

وتسميته بالمفصَّل لكثرة الفصل بين سوره بالبسملة.

وتعداد السور: مائة وأربع عشرة سورة، وقيل: وثلاث عشرة بجعل الأنفال وبراءة سورة واحدة.

أما تعداد الآيات فستة آلاف ومائتا آية، واختلفوا فيما زاد عن ذلك.

وأطول الآيات آية الدَّيْن، وأطول السور سورة البقرة.

وهذه التجزئة تيسر على الناس الحفظ، وتحملهم على الدراسة، وتشعر القارئ لسورة من السور بأنه قد أخذ قسطًا وافيًا وطائفة مستقلة من أصول دينه وأحكام شريعته.

146

الرسم العثماني

سبق الحديث عن جمع القرآن في عهد عثمان - رضي الله عنه - وقد اتبع زيد بن ثابت والثلاثة القرشيون معه طريقة خاصة في الكتابة ارتضاها لهم عثمان، ويسمي العلماء هذه الطريقة "بالرسم العثماني للمصحف" نسبة إليه، واختلف العلماء في حكمه.

146

1- فذهب بعضهم إلى أن هذا الرسم العثماني للقرآن توقيفي يجب الأخذ به في كتابة القرآن، وبالغوا في تقديسه، ونسبوا التوقيف فيه إلى النبي -ﷺ- فذكروا أنه قال لمعاوية، أحد كتبة الوحي: "ألق الدواة، وحرِّف القلم، وانصب الياء، وفرِّق السين، ولا تعوِّر الميم، وحسِّن الله، ومد الرحمن، وجوِّد الرحيم، وضع قلمك على أذنك اليسرى، فإنه أذكر لك" ونقل ابن المبارك عن شيخه عبد العزيز الدباغ أنه قال له: "ما للصحابة ولا لغيرهم في رسم القرآن ولا شعرة واحدة، وإنما هو توقيف من النبي وهو الذي أمرهم أن يكتبوه على الهيئة المعروفة بزيادة الألف ونقصانها لأسرار لا تهتدى إليها العقول، وهو سر من الأسرار خص الله به كتابه العزيز دون سائر الكتب السماوية. وكما أن نظم القرآن معجز فرسمه أيضًا معجز".

والتمسوا لذلك الرسم أسرارًا تجعل للرسم العثماني دلالة على معان خفية دقيقة، كزيادة "الياء" في كتابة كلمة "أيد" من قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ 1، إذ كتبت هكذا "بأييد" وذلك للإيماء إلى تعظيم قوة الله التي بنى بها السماء. وأنها لا تشبهها قوة على حد القاعدة المشهورة، وهي: زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى2.

وهذا الرأي لم يرد فيه شيء عن رسول الله -ﷺ- حتى يكون الرسم توقيفيًّا، وإنما اصطلح الكتبة على هذا الرسم في زمن عثمان برضًا منه، وجعل لهم ضابطًا لذلك بقوله للرهط القرشيين الثلاثة: "إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنه إنما نزل بلسانهم" وحين اختلفوا في كتابة "التابوت" فقال زيد: "التابوه" وقال النفر القرشيون: "التابوت" وترافعوا إلى عثمان قال: "اكتبوا "التابوت" فإنما أُنزل القرآن على لسان قريش".

  • 1 الذاريات: 47.
    2 انظر"مناهل العرفان" للزرقاني جـ2 ص370 وما بعدها.
147

2- وذهب كثير من العلماء إلى أن الرسم العثماني ليس توقيفيًّا عن النبي -ﷺ- ولكنه اصطلاح ارتضاه عثمان، وتلقته الأمة بالقبول، فيجب التزامه والأخذ به، ولا تجوز مخالفته. قال أشهب: "سُئل مالك: هل يُكتب المصحف على ما أحدثه الناس من الهجاء؟ قال: لا، إلا على الكتبة الأولى" رواه أبو عمرو الداني في "المقنع" ثم قال: "ولا مخالف له من علماء الأمة"، وقال في موضع آخر: سُئل مالك عن الحروف في القرآن مثل الواو والألف، أترى أن تُغيَّر من المصحف إذا وُجِدا فيه كذلك قال: لا، قال أبو عمرو: يعني الواو والألف المزيدتين في الرسم المعدومتين في اللفظ نحو "أولوا" وقال الإمام أحمد: "تحرم مخالفة خط مصحف عثمان في واو أو ياء أو ألف أو غير ذلك"1.

3- وذهب جماعة إلى أن الرسم العثماني اصطلاحي، ولا مانع من مخالفته! إذا اصطلح الناس على رسم خاص للإملاء وأصبح شائعًا بينهم. قال القاضي أبو بكر الباقلاني في كتابه "الانتصار": "وأما الكتابة فلم يفرض الله على الأمة فيها شيئًا. أولم يأخذ على كتَّاب القرآن وخُطَّاط المصاحف رسمًا بعينه دون غيره أوجبه عليهم وترك ما عداه، إذ وجوب ذلك لا يُدرك إلا بالسمع والتوقيف، وليس في نصوص الكتاب ولا مفهومه أن رسم القرآن وضبطه لا يجوز إلا على وجه مخصوص وحدٍّ محدود لا يجوز تجاوزه، ولا في نص السٌّنَّة ما يوجب ذلك ويدل عليه، ولا في إجماع الأمة ما يوجب ذلك، ولا دلت عليه القياسات الشرعية، بل السٌّنَّة دلت على جواز رسمه بأي وجه سهل، لأن رسول الله -ﷺ- كان يأمر برسمه ولم يبيِّن لهم وجهًا معينًا ولا نهى أحدًا عن كتابته. ولذلك اختلفت خطوط المصاحف، فمنهم من كان يكتب الكلمة على مخرج اللفظ، ومنهم من كان يزيد وينقص لعلمه بأن ذلك اصطلاح، وأن الناس لا يخفى عليهم الحال، ولأجل هذا بعينه جاز أن يُكتب بالحروف الكوفية والخط

  • 1 انظر "الإتقان" جـ2 ص167، و"البرهان" للزركشي جـ1 ص379.
148

الأول، وأن يُجعل الكلام على صورة الكاف، وأن تُعوَّج الألفات، وأن يُكتب على غير هذه الوجوه، وجاز أن يكتب المصحف بالخط والهجاء القديمين، وجاز أن يُكتب بالخطوط والهجاء المحدَثة، وجاز أن يُكتب بين ذلك، وإذا كانت خطوط المصحف وكثير من حروفها مختلفة متغايرة الصورة، وكان الناس قد أجازوا أن يكتب كل واحد منهم بما هو عادته، وما هو أسهل وأشهر وأولى. من غير تأثيم ولا تناكر، عُلِمَ أنه لم يؤخذ في ذلك على الناس حد محدود مخصوص، كما أُخِذَ عليهم في القراءة، والسبب في ذلك أن الخطوط إنما هي علامات ورسوم تجري مجرى الإشارات والعقود والرموز. فكل رسم دال على الكلمة مقيد لوجه قراءتها تجب صحته وتصويب الكاتب به على أية صورة كانت.. وبالجملة فكل من ادعى أنه يجب على الناس رسم مخصوص وجب عليه أن يقيم الحجة على دعواه، وأنَّى له ذلك".

وانطلاقًا من هذا الرأي يدعو بعض الناس اليوم إلى كتابة القرآن الكريم وفق القواعد الإملائية الشائعة المصطلح عليها، حتى تسهل قراءته على القارئين من الطلاب والدارسين، ولا يشعر الطالب في أثناء قراءته للقرآن باختلاف رسمه عن الرسم الإملائي الاصطلاحي الذي يدرسه.

والذي أراه أن الرأي الثاني هو الرأي الراجح، وأنه يجب كتابة القرآن بالرسم العثماني المعهود في المصحف.

فهو الرسم الاصطلاحي الذي توارثته الأمة منذ عهد عثمان - رضي الله عنه - والحفاظ عليه ضمان قوي لصيانة القرآن من التغيير والتبديل في حروفه، ولو أبيحت كتابته بالاصطلاح الإملائي لكل عصر لأدى هذا إلى تغيير خط المصحف من عصر لآخر، بل إن قواعد الإملاء نفسها تختلف فيها وجهات النظر في العصر الواحد، وتتفاوت في بعض الكلمات من بلد لآخر.

واختلاف الخطوط الذي يذكره القاضي أبو بكر الباقلاني شيء والرسم الإملائي شيء آخر، فاختلاف الخط تغير في صورة الحرف لا في رسم الكلمة.

149

وحجة تيسير القراءة على الطلاب والدارسين بانتفاء التعارض بين رسم القرآن والرسم الإملائي الاصطلاحي لا تكون مبررًا للتغيير الذي يؤدي إلى التهاون في تحري الدقة بكتابة القرآن.

والذي يعتاد القراءة في المصحف يألف ذلك ويفهم الفوارق الإملائية بالإشارات الموضوعة على الكلمات، والذين يمارسون هذا في الحياة التعليمية أو مع أبنائهم يدركون أن الصعوبة التي توجد في القراءة بالمصحف أول الأمر تتحول بالمران بعد فترة قصيرة إلى سهولة تامة.

قال البيهقي في شُعب الإيمان: "من يكتب مصحفًا فينبغي أن يحافظ على الهجاء الذي كتبوا به تلك المصاحف، ولا يخالفهم فيه، ولا يُغيِّر مما كتبوه شيئًا، فإنهم كانوا أكثر علمًا وأصدق قلبًا ولسانًا، وأعظم أمانة منا، فلا ينبغي أن نظن بأنفسنا استدراكًا عليهم"1.

  • 1 انظر "الإتقان" جـ2 ص167.
150