مباحث في علوم القرآنالجزء 1 · ص 265 - 272

تعريف الإعجاز وإثباته

تعريف الإعجاز وإثباته

الإعجاز: إثبات العجز. والعجز في التعارف: اسم للقصور عن فعل الشيء. وهو ضد القدرة، وإذا ثبت الإعجاز ظهرت قدرة المعجز، والمراد بالإعجاز هنا: إظهار صدق النبي -ﷺ- في دعوى الرسالة بإظهار عجز العرب عن معارضته في معجزته الخالدة -وهي القرآن- وعجز الأجيال بعدهم.

والمعجزة: أمر خارق للعادة مقرون بالتحدي سالم عن المعارضة.

والقرآن الكريم تحدى به النبي -ﷺ- العرب، وقد عجزوا عن معارضته مع طول باعهم في الفصاحة والبلاغة، ومثل هذا لا يكون إلا معجزًا.

265

فقد ثبت أن الرسول -ﷺ- تحدى العرب بالقرآن على مراحل ثلاث:

أ- تحداهم بالقرآن كله في أسلوب عام يتناولهم ويتناول غيرهم من الإنس والجن تحديًّا يظهر على طاقتهم مجتمعين، بقوله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ 1.

ب- ثم تحداهم بعشر سور منه في قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِين َفَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾ 2.

جـ- ثم تحداهم بسورة واحدة منه في قوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ 3، وكرر هذا التحدي في قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِه﴾ 4.

ومن عنده إلمام قليل بتاريخ العرب وأدب لغتهم يدرك العوامل السابقة لبعثة الرسول -ﷺ- التي رقت بلغة العرب وهذبت لسانها وجمعت خير ما في لهجاتها من أسواق الأدب والمفاخرة بالشعر والنثر، حتى انتهى مصب جداول الفصاحة وإدارة الكلام بالبيان في لغة قريش التي نزل بها القرآن، وما كان عليه العرب من صَلَف يعلو بأحدهم على أبناء عمومته أنفًا وكبرًا مضرب مثل في التاريخ الذي سجل لهم أيامًا نُسِبت إليهم لما أحدثوه فيها من معارك وحروب طاحنة أشعلها شرر من الكبرياء والأنفة.

ومثل هؤلاء مع توفر دواعي اللسان وقوة البيان التي يوقدها حماس القبيل

  • 1 التحدي إنما وقع للإنس دون الجن؛ لأن الجن ليسوا من أهل اللسان العربي الذي جاء القرآن على أساليبه، وإنما ذُكروا في قوله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ﴾ تعظيمًا لإعجازه؛ لأنه إذا فُرض اجتماع الإنس والجن وظاهر بعضهم بعضًا وعجزوا عن المعارضة كان الفريق الواحد أعجز – [والآية من سورة الإسراء: 88] .
    2 هود: 13، 14.
    3 يونس: 38.
    4 البقرة: 23.
266

ويؤججها أتون الحميَّة لو تسنى لهم معارضة القرآن الكريم لأُثِرَ هذا عنهم، وتطاير خبره في الأجيال، فالقوم قد تصفحوا آيات الكتاب وقلبوها على وجوه ما نبغوا فيه من شعر ونثر فلم يجدوا مسلكًا لمحاكاته، أو منفذًا لمعارضته، بل جرى على ألسنتهم الحق الذي أخرسهم عفو الخاطر عندما زلزلت آيات القرآن الكريم قلوبهم كما أُثِرَ ذلك عن الوليد بن المغيرة، وعندما عجزت حيلتهم رموه بقول باهت فقالوا: سحر يُؤثر، أو شاعر مجنون، أو أساطير الأولين. ولم يكن لهم بد أمام العجز والمكابرة إلا أن يعرِّضوا رقابهم للسيوف، وكأن اليأس القاتل ينقل بنيه من نظرتهم للحياة الطويلة والعمر المديد إلى ساعة الاحتضار فيستسلمون للموت الزؤام - وبهذا ثبت إعجاز القرآن بلا مراء.

وكان سماعه حجة ملزمة: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ 1، وكان ما يحتويه من نواحي الإعجاز يفوق كل معجزة كونية سابقة ويُغني عنها جميعًا: ﴿وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ 2.

وعجز العرب عن معارضة القرآن مع توفر الدواعي عجز للغة العربية في ريعان شبابها وعنفوان قوتها.

والإعجاز لسائر الأمم على مر العصور ظل ولا يزال في موقف التحدي شامخ الأنف، فأسرار الكون التي يكشف عنها العلم الحديث ما هي إلا مظاهر للحقائق العليا التي ينطوي عليها سر هذا الوجود في خالقه ومدبره، وهو ما أجمله القرآن أو أشار إليه - فصار القرآن بهذا مُعجزًا للإنسانية كافة.

  • 1 التوبة: 6.
    2 العنكبوت: 50، 51.
267

وجوه إعجاز القرآن

1

لقد كان لنشأة علم الكلام في الإسلام أثر أصدق ما يقال فيه: إنه كلام في كلام، وما فيه من وميض التفكير يجر متتبعه إلى مجاهل من القول بعضها فوق بعض. وقد بدأت مأساة علماء الكلام في القول بخلق القرآن، ثم اختلفت آراؤهم وتضاربت في وجوه إعجازه:

أ- فذهب أبو إسحاق إبراهيم النظام2 ومن تابعه - كالمرتضى من الشيعة - إلى أن إعجاز القرآن كان بالصرفة، ومعنى الصرفة في نظر النظام: أن الله صرف العرب عن معارضة القرآن مع قدرتهم عليها، فكان هذا الصرف خارقًا للعادة، ومعناها في نظر المرتضى: أن الله سلبهم العلوم التي يُحتاج إليها في المعارضة، ليجيئوا بمثل القرآن - وهو قول يدل على عجز ذويه، فلا يقال فيمن سُلِب القدرة على شيء أن الشيء أعجزه ما دام في مقدوره أن يأتي به في وقت ما، وإنما المعجز حينئذ هو قدر الله، فلا يكون القرآن معجزًا، وحديثنا عن إعجاز مضاف إلى القرآن سوف يظل ثابتًا له في كل عصر، لا عن إعجاز الله.

قال القاضي أبو بكر الباقلاني: "ومما يُبطل القول بالصرفة، أنه لو كانت المعارضة ممكنة، وإنما منع منها الصرفة، لم يكن الكلام معجزًا، وإنما يكون المنع معجزًا، فلا يتضمن الكلام فضلًا على غيره في نفسه".

والقول بالصرفة قول فاسد يرد عليه القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ 3، فإنه يدل على عجزهم مع بقاء

  • 1 ذكر العلماء في وجوه الإعجاز ما يربو على عشرة أوجه، وسنقتصر على أهمها.
    2 هو أبو إسحاق إبراهيم بن سيار النظام شيخ الجاحظ، وأحد رءوس المعتزلة، وإليه تنسب الفرقة النظامية، توفي في خلافة المعتصم سنة بضع وعشرين ومائتين.
    3 الإسراء: 88.
268

قدرتهم، ولو سُلبوا القدرة لم يبق فائدة لاجتماعهم، لمنزلته منزلة اجتماع الموتى، وليس عجز الموتى بكبير يُحتفل بذكره.

ب- وذهب قوم إلى أن القرآن مُعجز ببلاغته التي وصلت إلى مرتبة لم يُعهد لها مثيل - وهذه النظرة نظرة أهل العربية الذين يولعون بصور المعاني الحية في النسج المحكم، والبيان الرائع.

جـ- وبعضهم يقول: إن وجه إعجازه في تضمنه البديع الغريب المخالف لما عُهِد في كلام العرب من الفواصل والمقاطع.

د- ويقول آخرون: بل إعجازه في الإخبار عن المغيبات المستقبلة التي لا يُطَّلع عليها إلا الوحي. أو الإخبار عن الأمور التي تقدمت منذ بدء الخلق بما لا يمكن صدوره من أمي لم يتصل بأهل الكتاب.

كقوله تعالى في أهل بدر: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ 1.

وقوله: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ﴾ 2.

وقوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ 3.

وقوله: ﴿الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ 4.

وقوله: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾ 5. وسائر قصص الأولين.

وهذا قول مردود؛ لأنه يستلزم أن الآيات التي لا خبر فيها عن المغيبات المستقبلة والماضية لا إعجاز فيها، وهو باطل، فقد جعل الله كل سورة معجزة بنفسها6.

  • 1 القمر: 45.
    2 الفتح: 27.
    3 النور: 55.
    4 الروم: 1-3.
    5 هود: 49.
    6 انظر "البرهان" للزركشي جـ2 ص95، 96.
269

هـ- وذهب جماعة إلى أن القرآن مُعجز لما تضمنه من العلوم المختلفة، والحِكَم البليغة.

وهناك وجوه أخرى للإعجاز تدور في هذا الفلك جمعها بعضهم في عشرة أو أكثر.

والحقيقة أن القرآن معجز بكل ما يتحمله هذا اللفظ من معنى:

فهو مُعْجز في ألفاظه وأسلوبه، والحرف الواحد منه في موضعه من الإعجاز الذي لا يغني عنه غيره في تماسك الكلمة، والكلمة في موضعها من الإعجاز في تماسك الجملة، والجملة في موضعها من الإعجاز في تماسك الآية.

وهو مُعْجز في بيانه ونظمه، يجد فيه القارئ صورة حية للحياة والكون والإنسان.

وهو مُعجز في معانيه التي كشفت الستار عن الحقيقة الإنسانية ورسالتها في الوجود.

وهو مُعجز بعلومه ومعارفه التي أثبت العلم الحديث كثيرًا من حقائقها المغيبة.

وهو مُعجز في تشريعه وصيانته لحقوق الإنسان وتكوين مجتمع مثالي تسعد الدنيا على يديه.

والقرآن -أولًا وآخرًا- هو الذي صير العرب رعاة الشاء والغنم ساسة شعوب وقادة أمم، وهذا وحده إعجاز.

قال الخطابي في كتابه1: "فخرج من هذا أن القرآن إنما صار معجزًا؛ لأنه جاء بأفصح الألفاظ، في أحسن نظوم التأليف، مضمنًا أصح المعاني، من توحيد الله وتنزيهه في صفاته، ودعاء إلى طاعته، وبيان لمنهاج عبادته، في

  • 1 هو أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم الخطابي، في كتابه "بيان إعجاز القرآن" طبع ضمن ثلاثة رسائل بمطبعة المعارف بتحقيق محمد خلف الله ومحمد زغلول سلام، وانظر "البرهان" للزركشي جـ2 ص101 وما بعدها.
270

تحليل وتحريم، وحظر وإباحة، ومن وعظ وتقويم، وأمر بمعروف ونهي عن منكر، وإرشاد إلى محاسن الأخلاق، وزجر عن مساويها، واضعًا كل شيء منها موضعه الذي لا يُرى شيء أولى منه، ولا يُتوهم في صورة العقل أمر أليق به منه، مودعًا أخبار القرون الماضية وما نزل من مثلات الله بمن عصى وعاند منهم، منبئًا عن الكوائن المستقبلة في الأعصار الماضية من الزمان - جامعًا في ذلك بين الحجة والمحتج له، والدليل والمدلول عليه، ليكون ذلك أوكد للزوم ما دعا إليه، وإنباء عن وجوب ما أمر به ونهى عنه.

ومعلوم أن الإتيان بمثل هذه الأمور، والجمع بين شتاتها حتى تنتظم وتتسق، أمر تعجز عنه قوى البشر، ولا تبلغه قدرتهم، فانقطع الخلق دونه، وعجزوا عن معارضته بمثله".

271

القدر المعجز من القرآن

أ- يذهب المعتزلة إلى أن الإعجاز يتعلق بجميع القرآن لا ببعضه، أو بكل سورة برأسها.

ب- ويذهب بعضهم إلى أن المُعْجز منه القليل والكثير دون تقييد بالسورة لقوله تعالى: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ 1.

جـ- ويذهب آخرون إلى أن الإعجاز يتعلق بسورة تامة ولو قصيرة، أو قدرها من الكلام كآية واحدة أو آيات.

ولقد وقع التحدي بالقرآن كله: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ 2.

وبعشر سور: ﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ﴾ 3.

  • 1 الطور: 34.
    2 الإسراء: 88.
    3 هود: 13.
271

وبسورة واحدة: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ 1.

وبحديث مثله: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ 2.

ونحن لا نرى الإعجاز في قدر معين؛ لأننا نجده في أصوات حروفه ووقع كلماته، كما نجده في الآية والسورة، فالقرآن كلام الله وكفى.

وأيًّا كان وجه الإعجاز، أو القدر المعجز. فإن الباحث المنصف الذي يطلب الحق إذا نظر في القرآن من أي النواحي أحب: من ناحية أسلوبه، أو من ناحية علومه، أو من ناحية الأثر الذي أحدثه في العالم وغير به وجه التاريخ، أو من تلك النواحي مجتمعة، وجد الإعجاز واضحًا جليًّا، ويجدر بنا أن نأتي بكلمة في هذه النواحي الثلاثة من الإعجاز القرآني: ناحية الإعجاز اللغوي، وناحية الإعجاز العلمي، وناحية الإعجاز التشريعي.

  • 1 يونس: 38.
    2 الطور: 34.
272