شرح مقدمة التسهيل لعلوم التنزيلالجزء 1 · ص 188 - 202

الباب السادس طبقات المفسرين (1 من 2)

الباب السادس طبقات المفسرين

قال المصنف رحمه الله: الباب السادس في ذكر المفسرين، اعلم أن السلف الصالح انقسموا على فرقتين: فمنهم من فسر القرآن وتكلم في معانيه وهم الأكثرون، منهم من توقف عن الكلام فيه احتياطًا، لما ورد من التشديد في ذلك، وقد قالت عائشة رضي الله عنها: ما كان رسول الله ﷺ يفسر من القرآن إلا آيات تعد علّمه إياهن جبريل، وقال ﷺ: «من قال في القرآن برأيه وأصاب فقد أخطأ». وتأول المفسرون حديث عائشة رضي الله عنه بأنها في مغيبات القرآن التي لا تعلم إلا بتوقيف من الله تعالى، وتأولوا الحديث الآخر بأنه فيمن تكلم في القرآن بغير علم ولا أدوات، لا فيمن تكلم فيما تقتضيه أدوات العلوم ونظر في أقوال العلماء المتقدمين، فإن هذا لم يقل في القرآن برأيه.

واعلم أن المفسرين على طبقات:

فالطبقة الأولى: الصحابة رضي الله عنهم، وأكثرهم كلامًا في التفسير: ابن عباس، وكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه يثني على تفسير ابن عباس ويقول: كأنما ينظر إلى الغيب من سترٍ رقيق، وقال ابن عباس: ما عندي من تفسير القرآن فهو عن علي بن أبي طالب.

ويتلوهما عبد الله بن مسعود، وأبيّ بن كعب، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وكل ما جاء من التفسير عن الصحابة فهو حسن.

والطبقة الثانية: التابعون، وأحسنهم كلامًا في التفسير، الحسن بن

188

أبي الحسن البصري وسعيد بن جبير، ومجاهد مولى ابن عباس، وعلقمة صاحب عبد الله بن مسعود، ويتلوهم عكرمة، وقتادة، والسدي، والضحاك بن مزاحم، وأبو صالح، وأبو العالية.

ثم حمل تفسير القرآن عدول كل خلف، وألف الناس فيه: كالمفضل، وعبد الرزاق، وعبد بن حميد، والبخاري، وعلي بن أبي طلحة، وغيرهم.

ثم إن محمد بن جرير الطبري جمع أقوال المفسرين، وأحسن النظر فيها.

وممن صنف في التفسير أيضًا أبو بكر النقاش، والثعلبي، والماوردي إلا أن كلامهم يحتاج إلى تنقيح، وقد استدرك الناس على بعضهم.

وصنف أبو محمد بن قتيبة في غريب القرآن ومشكله وكثير من علومه.

وصنف في معاني القرآن جماعة من النحويين كأبي إسحاق الزجاج، وأبي علي الفارسي، وأبي جعفر النحاس.

وأما أهل المغرب والأندلس فصنف القاضي منذر بن سعيد البلوطي كتابًا في غريب القرآن وتفسيره.

ثم صنف المقرئ أبو محمد مكي بن أبي طالب كتاب «الهداية في تفسير القرآن»، وكتابًا في غريب القرآن، وكتابًا في ناسخ القرآن ومنسوخه، وكتابًا في إعراب القرآن إلى غير ذلك من تآليفه، فإنها نحو ثمانين تأليفًا، أكثرها في علوم القرآن من القراءات والتفسير وغير ذلك.

وأما أبو عمرو الداني فتآليفه تنيف على مائة وعشرين إلا أن أكثرها في القراءات ولم يؤلف في التفسير إلا قليلًا.

وأما أبو العباس المهدي فمتقن التآليف، حسن الترتيب، جامع لفنون علوم القرآن.

189

ثم جاء القاضيان أبو بكر بن العربي، وأبو محمد عبد الحق بن عطية فأبدع كل واحدٍ وأجمل، واحتفل وأكمل، فأما ابن العربي فصنف كتاب «أنوار الفجر» في غاية الاحتفال والجمع لعلوم القرآن، فلما تلف تلافاه بكتاب «قانون التأويل» إلا أنه اخترمته المنية قبل تخليصه وتلخيصه، وألف في سائر علوم القرآن تآليف مفيدة.

وأما ابن عطية فكتابه في التفسير أحسن التآليف وأعدلها، فإنه اطلع على تآليف من كان قبله فهذبها ولخصها، وهو مع ذلك حسن العبارة، مسدد النظر، محافظ على السنة.

ثم ختم علم القرآن بالأندلس وسائر المغرب بشيخنا الأستاذ أبي جعفر بن الزبير، ولقد قطع عمره في خدمة القرآن، وآتاه الله بسطة في علمه، وقوة في فهمه، وله فيه تحقيق، ونظر دقيق.

ومما بأيدينا من تآليف أهل المشرق تفسير أبي القاسم الزمخشري، وأبي الفضل الغزنوي، وأبي الفضل بن الخطيب.

فأما الزمخشري، فمسدد النظر، بارع في الإعراب، متقن في علم البيان، إلا أنه ملأ كتابه من مذهب المعتزلة ونصرهم، وحمل آيات القرآن على طريقتهم، فتكدر صفوه، وتَمَرَّرَ حُلْوُه، فخذ منه ما صفا، ودع ما كدر.

وأما الغزنوي، فكتابه مختصر جامع، وفيه من التصوف نكت بديعة.

وأما ابن الخطيب، فتضمن كتابه ما في كتاب الزمخشري، وزاد عليه إشباع الكلام في قواعد علم الكلام، ونَمَّقَهُ بترتيب المسائل، وتدقيق النظر في بعض المواضع، وهو على الجملة كتاب كبير الجرم، وربما احتاج إلى تنخيل وتلخيص، والله ينفع الجميع بخدمة كتابه، ويجزيهم أفضل ثوابه (1).

  • (1) التسهيل 1/ 74 - 81.
190

هذا الباب في ذكر طبقات المفسرين:

الطبقة الأولى: السلف الصالح (1).

قال المؤلف: (واعلم أن السلف الصالح انقسموا إلى فرقتين) وعند استقرائنا للتفاسير التي وردت بالأسانيد سنجد أنها لم تخرج عن الطبقات الآتية:

1 - طبقة الصحابة.

2 - طبقة التابعين.

3 - طبقة أتباع التابعين.

وبعد جيل أتباع التابعين اعتمد أهل السنة على النقل من مأثورهم عن هذه الطبقات الثلاث، ولم يظهر من تصدى للتفسير وعُرف به، وأغلب من كتب - في هذه الفترة - أو شارك في التفسير كان ناقلًا، حتى ظهر ابن جرير الطبري (ت310هـ) بمنهج المفسر الناقد والمرجح بين الأقاويل.

وممن كتب في هذه الفترة تفسيرًا روائيًا: آدم بن أبي إياس (ت220هـ)، وأحمد بن حنبل (ت240هـ)، وكذلك عبد بن حميد (ت249هـ).

ويرد هاهنا سؤال مهم، وهو: ألا يوجد تميُّز بين هذه الطبقات الثلاث؟

والجواب: إن الأصل في هذا تقديم قول الصحابي، وأخص ما يقع فيه تقديم قول الصحابي ما كان مرتبطًا بالنزول، وبأحوال من نزل

  • (1) المراد بالسلف «الصحابة والتابعون وأتباعهم»، وبعض من يتعاطى التفسير من المعاصرين يطلق السلف بالإطلاق اللغوي، وهو كل من سبق من علمائنا، وهذا صحيح، لكن المراد بالسلف هنا هم من ذكرت.
191

فيهم الخطاب، فهم الذين عاصروا التنزيل، وشاهدوا تنَزُّلاته، وعرفوا الأحوال المحيطة به، والأحوال المرتبطة بمن نزل فيهم القرآن الكريم.

وقد نبَّه إلى هذه الحيثية جماعة من أهل العلم، منهم الحاكم في كتابه «معرفة علوم الحديث»، فقد ذكر في النوع الخامس «معرفة الموقوفات» هذه المسألة، فقال: «حدثناه أحمد بن كامل القاضي، ثنا يزيد بن الهيثم، ثنا محمد بن جعفر الفيدي، ثنا ابن فضيل عن أبي سنان، عن عبد الله بن أبي الهذيل، عن أبي هريرة رضي الله عنه في قول الله عز وجل: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ [المدثر: 29] قال: «تلقاهم جهنم يوم القيامة فتلفحهم لفحة فلا تترك لحمًا على عظم إلا وضعت على العراقيب».

قال: وأشباه هذا من الموقوفات تُعدُّ في تفسير الصحابة، فأما ما نقول في تفسير الصحابي مسند (1)، فإنما نقوله في غير هذا النوع، فإنه كما أخبرناه أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصفار، حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي، ثنا إسماعيل بن أبي أويس، حدثني مالك بن أنس، عن محمد بن المنكدر عن جابر قال: «كانت اليهود تقول: من أتى امرأته من دبرها في قُبلها جاء الولد أحول، فأنزل الله عز وجل: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: 223]» قال الحاكم: هذا الحديث وأشباهه مسندة عن آخرها، وليست بموقوفة، فإن الصحابي الذي شهد الوحي والتنزيل فأخبر عن آية من القرآن أنها نزلت في كذا وكذا فإنه حديث مسند، ومما يلزم طالب الحديث معرفته نوع من الموقوفات، وهي مرسلة قبل الوصول إلى الصحابة» (2).

  • (1) يقصد أن له حكم المرفوع.
  • (2) معرفة علوم الحديث، تحقيق فارس السلوم، ص148 - 151.
192

وأما ما يقوله الصحابي برأيه، فإن مصادرهم الكبرى في تفسيراتهم الاجتهادية هي: «القرآن والسنة واللغة»، وهذه المصادر يشترك معهم فيها كل من جاء بعدهم، وفي تقديم قول الصحابي في هذه الحال تفصيل - بعد القول بأن الأصل تقديم قوله مطلقًا - يظهر من تطبيقات علماء التفسير المحرِّرين؛ كابن جرير الطبري (ت310هـ)، وابن عطية الأندلسي (ت542هـ)، وابن كثير الدمشقي (ت774هـ)، فإنهم قد يقدمون قول غيرهم عليهم في حال كون التفسير من باب الاجتهاد لاعتبارات علمية.

ومما يحسن أن يلاحظ في هذه الطبقات جهة تاريخية دقيقة، وهي أن هذه الطبقات الثلاث متداخلة، وإن كانت طبقة الصحابة معروفة متميزة، إلا أنا نجد في طبقة التابعين وتابعي التابعين تداخلًا بين كبار التابعين وصغارهم من جهة، وبين صغار التابعين وكبار أتباع التابعين من جهة أخرى، لكن يمكن الاستفادة من تحديد نهاية فترة أتباع التابعين بما حدَّها ابن حجر العسقلاني (ت852هـ) في كتابه «تقريب التهذيب» فقد ذكر عبد الرزاق (ت211هـ) نموذجًا على صغار أتباع التابعين، وإن كان لا يلزم أن من توفي في زمنه أن يكون لقي التابعين، وهذا يُعرف من كتب الجرح والتعديل التي تحرص على ذكر شيوخ المترجم له وذكر تلاميذه.

ومن باب الفائدة: فإن بعض التابعين كانوا يتكلمون في التفسير أثناء وجود الصحابة، فتلاميذ ابن عباس (ت68هـ) الآفاقيون؛ كسعيد بن جبير (ت94هـ)، وأبي الشعثاء جابر بن زيد (ت93هـ)، كانوا يفسرون القرآن في بلدانهم، وكذا كانوا بعد وفاة شيخهم ابن عباس (ت68هـ)، إذ لا زال صغار الصحابة متوافرون؛ كعبد الله بن عمر (ت73هـ)، وأنس بن مالك (ت93هـ)، وقد ظهر هؤلاء التابعون واشتهروا بالتفسير، بل فاقت شهرتهم من كان في عهدهم من الصحابة.

193

قال المؤلف: (واعلم أن السلف الصالح انقسموا إلى فرقتين: فمنهم من فسر القرآن وتكلم في معانيه وهم الأكثرون، ومنهم من توقف عن الكلام فيه احتياطًا، لما ورد من التشديد في ذلك).

أما المفسرون للقرآن من الصحابة والتابعين فكثير، وهم أكثر ممن نُقل عنهم التحرُّج في التفسير، وفي طبقة الصحابة لا يكاد يوجد من توقَّف عن القول في كتاب الله بالكلية، فالتحرج التام لم يكن مشهورًا في جيل الصحابة بل ظهر في جيل التابعين، خصوصًا أهل المدينة وأهل الكوفة.

وبعض التابعين الذين نُقل عنهم التحرُّج من القول في التفسير، أو التشديد فيه، نجد أن لهم فيه أقوالًا، مما يعني أنهم أرادوا القول بالرأي المذموم الذي يكون عن غير علم، أما إذا كان المفسر آثرًا لقول، وعارفًا به، فإنه يخرج من دائرة التحرُّج، وتراه يفسر القرآن، ومثال ذلك سعيد بن المسيب (ت94هـ)، فإنه رُوي عنه التشدُّد في التفسير، ومن ذلك ما رواه الطبري (ت310هـ) في مقدمة تفسيره عن تلاميذه، فقد روى بسنده عن يحيى بن سعيد، قال: «سمعت رجلًا يسأل سعيد بن المسيب عن آيةٍ من القرآن، فقال: لا أقول في القرآن شيئًا» (1).

وفي رواية أخرى عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب: «أنه كان إذا سُئل عن تفسير آية من القرآن، قال: أنا لا أقول في القرآن شيئًا» (2).

وروى بسنده - أيضًا - عن حماد بن زيد، قال: «حدثنا عُبيد الله بن عمر، قال: لقد أدركت فقهاء المدينة، وإنهم ليُغلظون القول في التفسير، منهم: سالم بن عبد الله، والقاسم بن محمد، وسعيد بن المسيَّب، ونافع» (3).

  • (1) تفسير الطبري، تحقيق التركي 1/ 79.
  • (2) تفسير الطبري، تحقيق التركي 1/ 79.
  • (3) تفسير الطبري، تحقيق التركي 1/ 79.
194

وقد بيَّن تلميذه (يحيى بن سعيد) الراوي عنه في الرواية الأولى هذا التحرُّز، فقد أورد الطبري بسنده عنه، عن ابن المسيَّب: «أنه كان لا يتكلم إلا في المعلوم من القرآن» (1)، فدلَّ هذا على أنه كان يفسر القرآن، لكنه لا يفسر إلا ما علِمه فقط.

تنبيه:

لم يرد عن النبي ﷺ أنه نهى عن تفسير القرآن، بل الوارد عنه الدعاء لابن عمه (ابن عباس) بالتفقيه في الدين، وتعليم التأويل.

قال المؤلف: (فقد قالت عائشة رضي الله عنها: ما كان رسول الله ﷺ يفسر من القرآن إلا آيات تُعد علَّمه إياهنَّ جبريل، وقال ﷺ: «من قال في القرآن برأيه وأصاب فقد أخطأ». وتأول المفسرون حديث عائشة رضي الله عنه بأنها في مغيبات القرآن التي لا تعلم إلا بتوقيف من الله تعالى، وتأولوا الحديث الآخر بأنه فيمن تكلم في القرآن بغير علم ولا أدوات، لا فيمن تكلم فيما تقتضيه أدوات العلوم ونظر في أقوال العلماء المتقدمين، فإن هذا لم يقل في القرآن برأيه).

أما الأحاديث التي ذكرها المؤلف في سبب التوقف فهي أحاديث ضعيفة جدًا، وليس فيها ما يحتج به من جهة الإسناد، فالحديث الأول: لا يحتج به مطلقًا.

قال الطبري - بعد تخريجه لمعنى هذا الأثر (2) الوارد عن عائشة ـ:

  • (1) تفسير الطبري، تحقيق التركي 1/ 79 - 80.
  • (2) أما الخبر الذي روي عن رسول الله ﷺ: «أنه لم يكن يفسِّر من القرآن شيئًا إلا آيًا بعَددٍ، فإن ذلك مصحِّح ما قلنا من القول في الباب الماضي قَبْل، وهو: أنّ من تأويل القرآن ما لا يُدرك علمُه إلا ببيان الرسول ﷺ. وذلك تفصيل جُمَلِ ما في آيه من أمر الله ونَهْيه وحلاله وحرامه، وحدوده وفرائضه، وسائر معاني شرائع دينه، الذي هو مجمَلٌ في ظاهر التنزيل، وبالعباد إلى تفسيره الحاجة - لا يدرَك علمُ تأويله إلا ببيان من عند الله على لسان رسوله ﷺ، وما أشبه ذلك مما تحويه آيُ القرآن، من سائر =
195

«هذا مع ما في الخبر الذي رُوي عن عائشة من العلَّة التي في إسناده، التي لا يجوز معها الاحتجاجُ به لأحدٍ ممن علم صحيحَ سَند الآثار وفاسدَها في الدين. لأنّ راويه ممن لا يُعْرف في أهل الآثار، وهو: جعفر بن محمد الزبيري» (1).

والحديث الثاني: «من قال في القرآن برأيه وأصاب فقد أخطأ» (2)، قال فيه الترمذي: «هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. وَقَدْ تَكَلَّمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي سُهَيْلِ بْنِ أَبِي حَزْمٍ».

  • = حُكْمه الذي جعلَ الله بيانه لخلقه إلى رسول الله ﷺ. فلا يعلم أحدٌ من خلق الله تأويل ذلك إلا ببيان الرّسول ﷺ، ولا يعلمه رسول الله ﷺ إلا بتعليم الله إيَّاه ذلك بوحْيه إليه، إما مع جبريل، أو مع من شاء من رُسله إليه. فذلك هو الآيُ التي كان رسول الله ﷺ يفسِّرها لأصحابه بتعليم جبريل إياه، وهنَّ لا شك آيٌ ذوات عَددٍ.
    ومن آي القرآن ما قد ذكرنا أن الله جل ثناؤه استأثرَ بعلم تأويله، فلم يُطلعْ على علمه مَلَكًا مقربًا ولا نبيًا مرسلًا ولكنهم يؤمنون بأنه من عنده، وأنه لا يعلم تأويله إلا الله.
    فأما ما لا بُدَّ للعباد من علم تأويله، فقد بيّن لهم نبيهم ﷺ ببيان الله ذلك له بوحيه مع جبريل. وذلك هو المعنى الذي أمره الله ببيانه لهم فقال له جل ذكره: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: 44].
    ولو كان تأويل الخبر عن رسول الله ﷺ أنه كان لا يفسر من القرآن شيئًا إلا آيًا بعَددٍ - هو ما يسبقُ إليه أوهامُ أهل الغباء، من أنه لم يكن يفسّر من القرآن إلا القليل من آيه واليسير من حروفه، كان إنما أُنزلَ إليه ﷺ الذكرُ ليَترك للناس بيانَ ما أنزل إليهم، لا ليبين لهم ما أُنزل إليهم.
    وفي أمر الله جلّ ثناؤه نبيَّه ﷺ ببلاغ ما أنزل إليه، وإعلامه إياه أنه إنما نزل إليه ما أنزل ليبين للناس ما نزل إليهم، وقيامِ الحجة على أنّ النبيّ ﷺ قد بلّغ وأدّى ما أمره الله ببلاغه وأدائِه على ما أمره به، وصحةِ الخبر عن عبد الله بن مسعود بقيله: كان الرجل منا إذا تعلم عشرَ آيات لم يجاوزهُن حتى يعلم معانيهنّ والعملَ بهنّ - ما ينبئ عن جهل من ظنَّ أو توهَّم - أنّ معنى الخبر الذي ذكرنا عن عائشة عن رسول الله ﷺ: أنه لم يكن يفسر من القرآن شيئا إلا آيًا بعَددٍ، هو أنه لم يكن يبين لأمته من تأويله إلا اليسير القليل منه».
  • (1) تفسير الطبري، تحقيق التركي 1/ 83.
  • (2) أخرجه الترمذي في كتاب تفسير القرآن من حديث جندب بن عبد الله، برقم (2952).
196

وهذا الأثر له معنى صحيح، وهو أن يقول في القرآن بلا علم فيصيب المعنى الصحيح لكنه أخطأ طريق الوصول إليه، فهو يأثم من هذه الجهة؛ لأنه سيقول قولًا على الله بغير علم، ولهذا قال: (وتأول الحديث الآخر بأنه في من تكلم في القرآن بغير علم ولا أدوات، لكن من تكلم فيما تقتضيه أدوات العلم ...)، ومثل هذا تخريج الطبري (ت310هـ) لمعنى هذا الأثر، فقد قال: «يعني ﷺ أنه أخطأ في فعله، بقيله فيه برأيه، وإن وافق قِيلُه ذلك عينَ الصَّواب عند الله؛ لأن قِيله فيه برأيه، ليس بِقِيلِ عالمٍ أنَّ الذي قال فيه من قول حقٌّ وصوابٌ، فهو قائل على الله ما لا يعلم، آثم بفعله ما قد نهى عنه وحُظِر عليه» (1).

وابن جزي - رحمه الله تعالى - كأنه يشير إلى أن الرأي نوعان: رأي مذموم وهو غير مقبول، ورأي محمود وهو مقبول.

والرأي المذموم سببه أحد أمرين:

1 - الجهل الذي أشار له الحديث، فإن كان جاهلًا وفسر القرآن، فإنه يأثم حتى لو أصاب؛ لأنه من القول على الله بغير علم، وهو محرم كما في قوله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ إلى أن قال في آخر الآية: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 33] ويشمل هذا القول عليه في الأحكام وتفسير كلامه، فالتفسير بجهل يدخل في القول على الله بلا علم.

فإن قال قائل: عندما أقرأ القرآن قد تظهر لي معانٍ، فهل يدخل هذا في القول على الله بغير علم؟

نقول: ما دام مجرد تفكير لا يأثم فيه، لكن يلزمه ألا ينشر هذا الفهم حتى يرجع إلى أهل العلم، أما إذا تصدى لنشر هذا الفهم دون أن يكون عالمًا، فإنه يأثم.

  • (1) تفسير الطبري، تحقيق التركي 1/ 74.
197

ومن أمثلة وقوع الفهم وسؤال أهل العلم فيه: ما وقع من الصحابة رضي الله عنهم لما نزلت: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: 82]، فإنهم فهِمُوا أن المراد عموم الظلم، وقالوا: «وأينا لم يظلم نفسه» (1)، ولم يسكتوا على فهمهم هذا أو ينشروه، بل راجعوا النبي ﷺ، واستفهموا منه.

وهذا المسلك ليس فيه تحجير على العقول كما قد يظنُّ بعض الناس، بل نقول: إن لكل علمٍ أصولًا، ومن لا يعلم أصول العلم فإنه لا يُقبل منه، وإذا كان لا يعرف الأصول، وكان قد فهم فهمًا، فإنه لا ينشره حتى يسأل أهل العلم.

2 - الهوى، ولا يقع - عادة - إلا من عالم: إما لأجل نصرة مذهبٍ، وإما لنصرة شيخ.

والعالم قد يكون عنده نقص في العلم في جهة معينة، فيقع منه الخطأ، وهذا ليس عيبًا في العالم، إذ لا يلزم أن يحيط العالم بكل العلم حتى لا يُظنَّ منه الخطأ.

فائدة:

بعض الناس قد يقول بقولٍ ولا يستطيع التراجع عنه، فتجده يدافع عنه دفاعًا مستميتًا مع علمه اليقيني أن قوله خطأ، لكونه لم يؤدب نفسه على أنه إذا أخطأ قال: أخطأت، كما فعل مالك (ت179هـ) رحمه الله لما ردَّ على السائل وقال: «لا أدري»، فالهوى يدخل في القول على الله بغير علم؛ لأنه مخالف للحق.

  • (1) أخرحه البخاري في كتاب استتابة المرتدين من حديث عبد الله بن مسعود، ورقم الحديث (6937).
198

أما الرأي المحمود فهذا يكون عن علم، ولهذا قال المؤلف: (لا فيمن تكلم بما تقتضيه أدوات العلوم ونظر في أقوال العلماء المتقدمين فإن هذا لم يقل في القرآن برأيه)، فلا بد من العلم، ولا بد من معرفة الأدوات التي يستطيع أن يصل بها إلى فهم القرآن، فإذا كان عنده هذه الأدوات وأخطأ صار من المجتهدين الذين أخطؤوا، لكن قد يدخل عليه الهوى فيجعله من أهل القول على الله بغير علم.

قوله: (واعلم أن المفسرين على طبقات:

فالطبقة الأولى: الصحابة رضي الله عنهم، وأكثرهم كلامًا في التفسير ابن عباس، وكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه يثني على تفسير ابن عباس ويقول: كأنما ينظر إلى الغيب من سترٍ رقيق. وقال ابن عباس: ما عندي من تفسير القرآن فهو عن علي بن أبي طالب).

ذكر في الطبقة الأولى الصحابة، وذكر أشهرهم على الإطلاق، وهو ابن عم الرسول ﷺ ابن عباس رضي الله عنه، وذكر ثناءَ ابنِ عمه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، والثناء عليه لم يكن من ابن عمه فقط، بل كان جملة من الصحابة يظهرون الثناء على تفسير ابن عباس رضي الله عنه.

وقد أوتي ابن عباس في هذا العلم ما لم يُؤت غيره من الصحابة، وذلك أثر من آثار بركة دعاء النبي ﷺ في قوله: «اللهم فقِّهه في الدين، وعَلِّمه الكتاب»، وفي رواية: «وعَلِّمه التأويل» (1).

أما قول ابن عباس: «ما عندي من تفسير القرآن فهو عن علي بن أبي طالب»، فهذا - إن صح - من كمال تواضع ابن عباس؛ لأنه

  • (1) سبق تخريجه ص144.
199

ينسب العلم إلى شيخه علي رضي الله عنه، ومما يلحظ أن عليًا رضي الله عنه توفي سنة أربعين، وابن عباس رضي الله عنه توفي سنة ثماني وستين؛ أي: بقي ابن عباس رضي الله عنه ثماني وعشرين سنة بعد عليٍّ رضي الله عنه، ولا شك أنه حصَّل في هذه السنين كثيرًا من العلوم، لكن لا يمنع أن يكون استفاد من علي رضي الله عنه استفادة كبيرة لا سيما أن ابن عباس رضي الله عنه كان حريصًا على أخذ العلم عن كبار الصحابة، وعلي رضي الله عنه كان أطول الخلفاء الأربعة عُمُرًا، وأكثرُهم تفرغًا، فتلقى ابن عباس منه شيئًا كثيرًا، ولا شك أن عليًا رضي الله عنه كان يقدم ابن عباس ويحبه؛ لذا ولاَّه على البصرة لما آلت الخلافة إليه.

أما عِلْمُ علي رضي الله عنه بالقرآن فهذا لا خلاف فيه، وقد وقف على المنبر - لما كان في الكوفة - وقال: «لا يسألني أحد عن آية من كتاب الله إلا أخبرته»، فقام ابن الكواء - وهو من الخوارج - وسأله عن الذاريات ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا﴾ [الذاريات: 1]، وغيرها.

وفي رواية عن أبي الطفيل قال علي رضي الله عنه: «لا تسألني عن كتابٍ ناطقٍ ولا عن سنةٍ ماضية إلا حدثتكم، فسأله ابن الكواء عن الذاريات فقال: هي الرياح».

والرواية الأخرى عن أبي الطفيل قال: شهدت علي يخطب وهو يقول: «سلوني، ووالله لا تسألوني عن شيءٍ إلا أخبرتكم، وسلوني عن كتاب الله، فوالله ما من آية وإلا وأنا أعلم أبليل نزلت أم بنهار، أم في سهلٍ أم في جبل» (1). فعِلمُ علي رضي الله عنه لا يُخْتَلف فيه، فهو عالم بالقرآن، لكن الرواية عنه أقلُّ من الرواية عن ابن عباس، فأكثر المروي عن ابن عباس، ثم عن ابن مسعود، ثم عن علي بن أبي طالب.

  • (1) أخرجه الحاكم في مستدركه في كتاب التفسير، ورقم الحديث (3788).
200

قوله: (ويتلوهما عبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وكل ما جاء من التفسير عن الصحابة فهو حسن).

إن كان المراد بالفقه في التفسير، فتمييز ذلك صعب، وإن كان من باب عدد المروي، فقد سبق أن المروي عن ابن مسعود أكثر من المروي عن علي.

أما زيد بن ثابت (ت45هـ) فالروايه عنه في التفسير قليلة جدًّا، وقد اختص بعلمي «القراءة والفرائض»، وقد يكون الصحابي عالمًا في جانب من العلوم الشرعية ويجعله بعض المتأخرين عالمًا في علوم أخرى لم تشتهر الرواية عنه فيها، ونحن لا نثبت ولا ننفي، لكنا لا نجد روايات كثيرة لزيد بن ثابت، ولا لعبد الله بن عمر (ت73هـ)، ولا لعبد الله بن عمرو، فالمنقولات في التفسير عن هؤلاء الثلاثة قليلة جدًا.

ولا خلاف في كون هؤلاء الثلاثة من علماء الصحابة، لكن لم يشتهر عنهم أنهم تصدوا للتفسير، وهذا لا ينفي عنهم العلم وإنما ينفي عنهم مسألة التصدي للتفسير.

قوله: (وكل ما جاء من التفسير عن الصحابة، فهو حسن).

وذلك لاحتمال أن يكون الصحابي سمع التفسير من النبي ﷺ، وإن لم يكن سمع التفسير عن النبي ﷺ فقد شاهد التنزيل وأحواله، وعرف النبي ﷺ وسنته وأحواله، وعرف أحوال من نزل فيهم الخطاب، وهو صاحب اللغة التي نزل بها القرآن، وهذه المقومات تجعل فهمه وإدراكه للمقاصد والمعاني أكثر من فهم غيره.

وهذه مسألة عقلية لا يصحُّ الجدل فيها، إذ لو تصورنا - مثلًا - أن كتاب «الشعر» لأرسطو قد شرحه أحد تلاميذه، وبيَّن مقاصد شيخه في هذا الكتاب، ثم جاء متأخر من المعاصرين وقال: أخطأ تلميذ أرسطو

201

في فهم كلام أرسطو، فالذي يُقبل - عقلًا - قول التلميذ؛ لأنه أوثق بشيخه وأعرف بمقاصده وأعرف بأساليبه، كذلك القرآن لما كان نازلًا بلغة الصحابة وعندهم من مشاهدات الأحوال ما ليس عند غيرهم فقولهم لا شك أنه أصوب مِنْ قولِ مَنْ جاء بعدهم.

قوله: (والطبقة الثانية: التابعون، وأحسنهم كلامًا في التفسير الحسن بن أبي الحسن البصري، وسعيد بن جبير، ومجاهد مولى ابن عباس، وعلقمة صاحب عبد الله بن مسعود، ويتلوهم عكرمة، وقتادة، والسدي، والضحاك بن مزاحم، وأبو صالح، وأبو العالية).

لما ذكر الطبقة الأولى «الصحابة» أتبعها بالطبقة الثانية «التابعين»، والمشهور أن المقدم في التفسير مجاهد (ت104هـ)، بيد أن المؤلف قدَّم الحسن بن الحسن البصري (ت110هـ)، لذا قال عنه سفيان الثوري (ت161هـ): «إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به» (1)، ثم سعيد بن جبير (ت95هـ)، وإن كان قد انشغل ببعض القضايا التي نتج عنها قتله، فلم يُسْتَفَدْ منه كثيرًا بخلاف مجاهد الذي كان متفرغًا للتعليم أكثر منهم، أما علقمة (ت62هـ) صاحب ابن مسعود (ت32هـ) فالتفسير المروي عنه قليل، وبعض تفسيره مأخوذ من تفسير شيخه، ويظهر أن سبب ذلك راجع إلى أسلوب التعليم أو التلقي عند أصحاب ابن مسعود، فكان رضي الله عنه يشدد على أصحابه فيقول لهم: «اتبعوا ولا تبتدعوا»، ولهذا قلَّ المفسرون من أصحاب ابن مسعود، وغلب عليهم نقل تفسيره، بخلاف أصحاب ابن عباس، فإنهم كثيرون، كما أنهم يقولون بأقوال تخالف قول شيخهم، وهي من باب اختلاف التنوع، لكنها لا تناقض قوله.

قوله: (يتلوهم عكرمة، وقتادة، والسدي، والضحاك بن مزاحم، وأبو صالح، وأبو العالية).

  • (1) تفسير الطبري، المقدمة 1/ 85.
202