شرح مقدمة التسهيل لعلوم التنزيلالجزء 1 · ص 61 - 73

أسماء القرآن

أسماء القرآن

قال المصنف رحمه الله: وأما أسماؤه فهي أربعة: القرآن، والفرقان، والكتاب، والذكر، وسائر ما يسمى صفات لا أسماء، كوصفه بالعظيم، والكريم، والمتين، والعزيز، والمجيد، وغير ذلك. فأما القرآن فأصله مصدر قرأ ثم أطلق على المقروء، وأما الفرقان فمصدرٌ أيضًا، معناه التفرقة بين الحق والباطل، وأما الكتاب فمصدر ثم أطلق على المكتوب، وأما الذِّكر فسُمي القرآن به لما فيه من ذكر الله، أو من التذكير والمواعظ، ويجوز في السورة من القرآن الهمز وترك الهمز لغة قريش، وأما الآية فأصلها العلامة، ثم سُمِّيت الجملة من القرآن به؛ لأنها علامة على صدق النبي ﷺ (1).

طرح المؤلف مسألة في أسماء القرآن، وهي الفرق بين الاسم والصفة، وهي مشكلة علمية طويلة، وفيها خلاف كبير، لكن المشتهر عند العلماء هو ما ذكره المؤلف أن أسماء القرآن هذه الأربعة: وهي الفرقان والقرآن والكتاب والذكر، وبعضهم قد يضيف إليها أسماء أخرى مثل: التنزيل، وهذه الأربعة المذكورة جعلها المؤلف أسماء، وجعل سائر ما ذكر بعد هذه الأسماء من الصفات، مثل: الكريم، والمتين، والعزيز، والمجيد.

  • (1) التسهيل 1/ 54، 55.
61

من الأمور التي يمكن أن يتميز بها الاسم على الصفة، أن الاسم يكون أصلًا والصفة تكون تابعًا، فإذا وجدنا شيئًا من هذه المذكورات على أنها أوصاف وهي تابعة ولم نجدها أصلًا يتبعه غيره فنعلم أنها صفات، كالذِّكر في قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9] فدل ذكره أصالة - دون أن يكون تابعًا لغير - على الاسمية.

هذا، وكل اسم يتضمن صفة، فهذه الاسمية متضمنة للصفة، لكن لما وصف بأنه قرآن مجيد فلا يسمى القرآن بأنه المجيد، فأنت لا تقول مثلًا: أعطني المجيد، أو اقرأ المجيد؛ لأن هذا وصف، لكن تقول: اقرأ التنزيل، اقرأ الذكر، اقرأ الكتاب، اقرأ القرآن.

وهذا من الأشياء التي يمكن أن يميز بها بين أسماء القرآن وصفاته، وإن كان التفريق بين الاسم والصفة من المسائل الشائكة.

ثم ذكر أن القرآن مصدر قرأ بمعنى تلا، هذا هو الصحيح الذي عليه جمهور العلماء في اشتقاق لفظ القرآن، والهمزة فيه أصلية، وأطلق على المقروء.

وكون أصل مادة: «قرأ» يرجع إلى معنى الجمع لا يؤثر على أن يكون المراد بالقرآن المقروء؛ أي: المتلو؛ لأن المتلو أو المقروء يرجع إلى معنى الجمع؛ لأنك حينما تقرأ تجمع الحرف إلى الحرف، والكلمة إلى الكلمة، والجملة إلى الجملة، والآية إلى الآية، فتكون قد جمعت هذه وقرأت، فهناك نوع من التلازم بين القراءة والجمع. وبعض العلماء يرى أن أصل مادة: «قرأ» الجمع. لكن الأشهر في إطلاق القرآن أنه المقروء وليس المجموع.

والفرقان مصدر من فرق، وهو الذي فرَّق بين الحق والباطل.

والكتاب مصدر، ثم أطلق على المكتوب.

62

وذكر أن الذكر سمي به: إما لما فيه من ذكر الله، وإما لما فيه من التذكير والمواعظ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: 44]، على أحد وجوه تأويل الذكر في هذه الآية.

أما الحديث عن السورة فقد أوجز فيه، ولم يعرِّف السورة، وإنما أشار إلى أنه يجوز في السورة من القرآن الهمز وترك الهمز يعني السورة والسؤرة، وهي بترك الهمز لغة قريش التي نزل بها القرآن.

والسورة لغة: بمعنى المنزلة الرفيعة، وهذا علو معنوي، أو من السُّور المحيط بالبناء؛ لأنه عالٍ، وهذا علو حسيٌّ، وكأن من جعلها من المنزلة الرفيعة نظر إلى ما لها من الرفعة والشأن، ومن جعلها من السُّور، إما أن يكون نظر إلى الرفعة، وإما أن يكون نظر إلى الإحاطة، فيكون مراده أن لها حدودًا ذات مبدأ ومنتهى تُعرف بها.

تسمية السور:

الأصل في تسمية سور القرآن أنها من النبي ﷺ، أما المسمَّيات الموجودة الآن فإنها على ثلاث مراتب:

1 - منها ما ثبت تسميته عن النبي ﷺ.

2 - منها ما ثبت تسميته عن الصحابة، مثل ما ورد في صحيح البخاري أن سعيد بن جبير (ت95هـ) قال: «سألت ابن عباس عن سورة الأنفال، فقال: تلك سورة بدر» (1)، فسماها ابن عباس سورة بدر.

3 - منها ما ثبت عمَّن دون الصحابي بدءًا من التابعين إلى يومنا هذا، ومما يلحظ أنه يغلب عليها أن تسمى ببدايات السورة، مثل: سورة (لم يكن)، سورة (أرأيت)، سورة (عم) وهكذا، والاصطلاح على تسمية سورة باسم جائز؛ لأنه لم يرد نهي من النبي ﷺ في ذلك، وما زال

  • (1) صحيح مسلم، كتاب التفسير، ورقم الحديث (3031).
63

العمل عند المسلمين على هذا من عهد الصحابة والتابعين إلى يومنا هذا، فليس في هذا إشكال ولا نكير.

وطلبُ الحكمة فيما ثبت أن النبي ﷺ سمَّاه مرتبط بكونه ﷺ لا يخرج عنه إلا ما هو حكمة، لذا يصح أن نبحث عن علة التسمية النبوية.

أما الآية، فأصلها العلامة، ثم سمِّيت الجملة من القرآن بها، وعلل المؤلف هذا بأنها علامة على صدق النبي ﷺ، وكون الآية علامة على صدق النبي ﷺ لا يعني أن هذا سبب التسمية، وإنما المراد بها القطعة من السورة التي يعبر عنها بعض العلماء ويقول: «ذات مبدأ ومقطع»؛ أي: لها بداية ونهاية وهي جزء من السورة، ولو نظرنا في القرآن لوجدنا أن تسمية الآية جاء على معانٍ:

الآية المكتوبة التي لها مبدأ ومقطع؛ كما في قوله: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَاتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: 106]، والمراد بالآية هنا الآية ذات المبدأ والمقطع، وليس العلامة على صدق النبي ﷺ.

والآية التي هي حجة على الكفار، ودالة على صدق النبي ﷺ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: 2]، فالرؤية هنا تقتضي الرؤية البصرية؛ أي: إن يروا آية «العلامة الدالة على صدقه ﷺ» من آيات النبي ﷺ التي يظهرها لهم، وليس المراد بالآية هنا ذات المبدأ والمقطع.

64

الباب الثاني السور المكية والمدنية

قال رحمه الله: الباب الثاني في السورة المكية والمدنية:

اعلم أن السور المكية هي التي نزلت بمكة ويعد منها كل ما نزل قبل الهجرة وإن نزل بغير مكة، كما أن المدنية هي السورة التي نزلت بالمدينة ويعد منها كل ما نزل بعد الهجرة وإن نزل بغير المدينة.

وتنقسم السور ثلاثة أقسام:

قسم مدنية باتفاق، وهي اثنان وعشرون سورة، وهي: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنفال، وبراءة، والنور، والأحزاب، والقتال، والفتح، والحجرات، والحديد، والمجادلة، والحشر، والممتحنة، والصف، والجمعة، والمنافقون، والتغابن، والطلاق، والتحريم، وإذا جاء نصر الله.

وقسم فيها خلاف هل هي مكية أو مدنية؟ وهي ثلاث عشرة سورة: أم القرآن، والرعد، والنحل، والحج، والإنسان، والمطففون، والقدر، ولم يكن، وإذا زلزلت، وأرأيت، والإخلاص، والمعوذتان.

وقسم مكية باتفاق وهي سائر السور.

وقد وقعت آيات مدنية في سور مكية كما وقعت آيات مكية في سور مدنية، وذلك قليل مختلف في أكثره.

واعلم أن السور المكية نزل أكثرها في إثبات العقائد، والرد على المشركين، وفي قصص الأنبياء، وأن السور المدنية نزل أكثرها في الأحكام الشرعية، وفي الرد على اليهود والنصارى، وذكر المنافقين والفتوى في مسائل، وذكر غزوات النبي ﷺ وحيث ما ورد ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فهو

65

مدني، وأما ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ فقد وقع في المكي والمدني (1).

قال رحمه الله: (اعلم أن السور المكية هي التي نزلت بمكة، ويُعدُّ منها كل ما نزل قبل الهجرة، وإن نزل بغير مكة. كما أن المدنية هي السورة التي نزلت بالمدينة ويُعدُّ منها كل ما نزل بعد الهجرة، وإن نزل بغير المدينة).

وصف المؤلف رحمه الله المكي بوصفين:

الأول: التي نزلت بمكة.

الثاني: أن يكون قبل الهجرة.

ويبدو من سياق عبارته أن ما نزل بمكة بعد الهجرة، فهو مدني لا مكي لقوله: (ويعد منها كل ما نزل بعد الهجرة وإن نزل بغير المدينة)، وبهذا يكون تعريفه التفصيلي هذا على رأي الذي اشتهر عند المتأخرين.

والملاحظ هنا أن النبي ﷺ لم يخرج في العهد المكي إلا إلى الطائف، ولم يُذكر أنه نزل عليه قرآن خارج مكة، إلا إذا اعتبرت أن غار حراء خارج مكة، فيكون لما قاله المؤلف رحمه الله مثالٌ.

وأما قوله في تعريف المدني: (كما أن المدنية هي السورة التي نزلت بالمدينة ويُعدُّ منها كل ما نزل بعد الهجرة، وإن نزل بغير المدينة)، فهو باعتبار الزمان كما هو ظاهر.

وكون ما نزل بالمدينة مدنيٌّ لا خلاف فيه ألبتة لا من جهة اعتبار المكان، ولا من جهة اعتبار الزمان.

ويبقى ما نزل في العهد المدني خارج المدينة؛ كيف يمكن أن يوصف من جهة النزول؟

  • (1) التسهيل 1/ 56، 57.
66

إن الظاهر في عبارات السلف - وهم العمدة في هذا الباب - اعتبار المكان، والنصُّ عليه. واعتبار المكان في عباراتهم يتضمَّن اعتبار الزمان بدهيًا؛ لأن أسفار النبي ﷺ لم تكن إلا في العهد المدني، فإذا قيل: نزلت سورة الفتح في الحديبية، فقد أفاد هذا القول الأمرين معًا: (المكان والزمان)؛ لأن أمر الحديبية إنما كان بعد الهجرة.

أما لو عُبِّر بالزمان فقط، فإنه لا يفيد في تحديد المكان، فلو قيل: سورة الفتح مدنية، نزلت بعد الهجرة، فإن هذا القول لا يفيد في تعيين المكان الذي نزلت فيه، ولا شكَّ أن في تحديد المكان فائدة زائدة على اعتماد الزمان فقط.

وإذا كان الأمر كذلك، فإن الأفضل في مثل هذا الحال أن يعبر عن المكان، ثم يتبع بالزمان إن كان الأمر يحتاج إلى ذلك.

ويمكن تقسيم السور - بناءً على هذا - كالآتي:

• ما نزل في مكة.

• ما نزل في المدينة.

• ما نزل في ضواحيهما أو في أسفاره ﷺ بعد الهجرة، وهذه يغلب عليها أنها مدنية، إن لم تكن كلها كذلك.

ومثال ما نزل في ضواحي المدينة: ما ورد عن عكرمة (ت105هـ) أنه سئل عن آية فقال: «نزلت بسفح سلع» (1)؛ أي: جبل سلع، فحدد المكان وهو سفح جبل سلع، وهو من جبال المدينة.

ومما نزل في أسفاره ﷺ سورة التوبة، فقد نزل بعضها أثناء عودته من غزوة تبوك.

ومما نزل في ضواحي مكة بعد الهجرة آية المائدة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾ [المائدة: 3]، فقد

  • (1) حلية الأولياء، لأبي نعيم 3/ 327.
67

جاء اليهودي إلى عمر قال: «لقد نزلت عليكم آية لو نزلت فينا معشر اليهود لجعلنا يومها عيدًا، فقال: أي آية؟ فقال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾ [المائدة: 3]». قال عمر: «والله إني لأعلم أين نزلت؟ نزلت على الرسول ﷺ عشية عرفة» (1).

ومما نزل في مكة بعد الهجرة قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَامُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: 58]، فقد روى ابن جرير عن ابن جريج: «قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَامُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ قال: نزلت في عثمان بن طلحة قبض منه النبي ﷺ مفتاح الكعبة، فدخل به البيت يوم الفتح، فخرج وهو يتلو هذه، فدعا عثمان فدفع إليه المفتاح.

قال: وقال عمر بن الخطاب لما خرج رسول الله ﷺ من الكعبة، وهو يتلو هذه الآية: فداه أبي وأمي، ما سمعته يتلوها قبل ذلك» (2).

وبهذا التحليل يمكن القول بأنه لا يوجد اختلاف أو تناقض بين من يحدد المكان وبين من يحدد الزمان، ومن ثمَّ فإننا لا نحتاج إلى طرح هذه الاعتبارات على أنها أقوال تحتاج إلى ترجيح بينها، وإنما نجعل الأصل اعتبار المكان، ونجعل اعتبار الزمان ضابطًا في المكي والمدني؛ لأن عدم ترجيح اعتبار المكان يناقض قول السلف، كقول عمر: «والله إني لأعلم أين نزلت في عرفة» (3)، ولم يقل: «متى نزلت»، ولا يتصور أن يُفهم أن عمر لا يدرك أنها نزلت بعد الهجرة، وإنما الظاهر من ذلك أنه حينما حدد المكان فإنه قد حدَّد الزمان، ولم يلغه، وعلى هذا يمكن القول بأن من عبر بالزمان من العلماء المتأخرين فإنه من باب التحرير وضبط المسألة وليس قولًا آخر يعارض القول بالمكان.

  • (1) أخرجه البخاري في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة برقم (7268).
  • (2) تفسير الطبري (تحقيق التركي) 7/ 171.
  • (3) تفسير الطبري 8/ 86.
68

وهذا الضابط الذي هو (ما نزل قبل الهجرة فهو مكي)، و(ما نزل بعد الهجرة فهو مدني) ضابط متقدم قال به علماء من طبقة صغار التابعين أمثال: يحيى بن سلام البصري (ت200هـ)، وعلي بن الحسين بن واقد (ت211هـ)

وما قاله يحيى بن سلام البصري موجود في مقدمة مختصريه: «تفسير هود بن محكم، وتفسير ابن أبي زمنين»، وهذا هو بتمامه: «قال يحيى: إن ما نزل بمكة وما نزل في طريق المدينة قبل أن يبلغ النبي عليه السلام المدينة فهو من المكي.

وما نزل على النبي عليه السلام في أسفاره بعدما قدم المدينة فهو من المدني، وما كان من القرآن ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فهو مدني، وما كان ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ ففيه مكي ومدني، وأكثره مكي» (1).

وقال علي بن الحسين بن واقد (ت211هـ): «كل القرآن مكي أو مدني غير قوله: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَآدُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص: 85] فإنها أنزلت على رسول الله ﷺ بالجحفة حين خرج مهاجرًا إلى المدينة. فلا هي مكية ولا مدنية، وكل آية نزلت على رسول الله ﷺ قبل الهجرة فهي مكية، نزلت بمكة أو بغيرها من البلدان، وكل آية نزلت بالمدينة بعد الهجرة فإنها مدنية، نزلت بالمدينة أو بغيرها من البلدان» (2).

قوله: (وتنقسم السور ثلاثة أقسام: قسم مدنية باتفاق .....).

هذا المبحث يتعلق بأقسام السور في قضية المكي والمدني (3)، هذا

  • (1) تفسير القرآن العزيز لابن أبي زمنين (1:113)، وتفسير هود بن محكم (1:69).
  • (2) ذكره السيوطي في الدر المنثور 11/ 521.
  • (3) من المصادر المعاصرة المهمة في هذا الباب رسالتان علميتان في الجامعة الإسلامية، الأولى طُبعت تحت عنوان «المكي والمدني» للدكتور حسين عبد الرزاق أحمد، وقد درس كل ما له تعلق بالمكي والمدني من سورة الفاتحة إلى سورة الإسراء، والرسالة الثانية لم تطبع بعد، وهي للدكتور محمد بن عبد العزيز الفالح، وقد بحث المكي والمدني من سورة الكهف إلى سورة الناس.
69

التقسيم الذي ذكره فيه خلاف، والكلام فيها يطول، لكن نأخذ مثالًا في ذلك، وهي أم القرآن؛ وقع فيها خلاف على ثلاثة أقوال:

1 - قيل: نزلت بمكة.

2 - قيل: نزلت في المدينة.

3 - قيل: إن جزءًا منها نزل بمكة وجزءًا بالمدينة، وهذا أضعف الأقوال.

والصحيح أنها نزلت بمكة، وأقوى الأدلة على ذلك هو ما ورد في سورة الحجر في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: 87]، والرسول ﷺ قد فسر أن المراد بالسبع المثاني والقرآن العظيم أنها الفاتحة، فبيانه ﷺ ليس بعده بيانٌ، وسورة الحجر مكية بالاتفاق، وبهذا فسورة الفاتحة مكية؛ لأن النبي ﷺ قد أوتيها كما هو نصُّ الآية.

واستدلوا بأدلة أخرى مثل انعقاد الصلاة بها، وغيرها من الأدلة، لكن هذا من أقوى الأدلة وأوضحها وأصرحها؛ لأنه قد يقول قائل: يحتمل أنه كان يصلي ولم تفرض الفاتحة بعدُ، وإنما فرضت في المدينة، فنقول: إنه لو سقط الاستدلال بهذا لا يسقط الاستدلال بآية الحجر، وهي مكية.

نزول السورة أو الآية مرتين:

يقصد بنزول السورة أو الآية مرتين أن تكون نزلت أول مرة لغرضٍ، ثم حدث أمر فأُنزلت مرة أخرى للغرض الحادث، وليس نزول جبريل عليه السلام لمدارسة النبي ﷺ في رمضان من هذا الباب.

والقول بنزول السورة أو الآية مرتين خلاف الأصل، والأحاديث الواردة في كون آية نزلت مرتين فيها ضعف (1).

  • (1) ينظر في هذه المسألة: المحرر في أسباب النزول، للدكتور خالد المزيني.
70

قوله: (وقد وقعت آيات مدنية في سور مكية، كما وقعت آيات مكية في سور مدنية، وذلك قليل مختلف في أكثره).

الأصل أن تكون السورة مكية كلها أو مدنية كلها، والاستثناء خلاف الأصل، ولا يخرج عن نوعين:

الأول: أن ترد آية مكية في القرآن المدني، وهو قليل مختلف فيه، بل إن ابن حجر رحمه الله يقول: (فلم أره إلا نادرًا) (1)، يعني وقوع الآيات المكية في السور المدنية قليل.

الثاني: أن ترد آية مدنية في القرآن المكي، وهو موجود وكثير (2).

قوله: (واعلم أن السور المكية نزل أكثرها في إثبات العقائد، والرد على المشركين، وفي قصص الأنبياء، وأن السور المدنية نزل أكثرها في الأحكام الشرعية، وفي الرد على اليهود والنصارى ....).

يمكن أن يطلق على هذه موضوعات المكي والمدني، وهو الذي عُرف - فيما بعد - عند السيوطي وغيره بضوابط المكي والمدني. وذكر أن أكثر السور المكية في إثبات العقائد والرد على المشركين، وفي قصص الأنبياء، وقوله: (أكثرها) دقيق؛ لأن بعض السور المدنية لا تخلو من إثبات العقائد، ولا تخلو من الرد على المشركين، ولا تخلو من قصص الأنبياء، وهذا يفيد في إدراك كون السورة مكية بالنظر إلى الموضوعات الرئيسة التي طرحها المؤلف، وإن كان ليس لازمًا، إذ قد وردت - مثلًا - قصة آدم في سورة البقرة، وهي مدنية.

أما السور المدنية فموضوعاتها الأحكام الشرعية والمراد بها التفصيلات وليس أصول الأحكام؛ لأن الأمر بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة كان موجودًا في مكة، وكذلك الرد على اليهود والنصارى والمحاجة

  • (1) فتح الباري في شرح صحيح البخاري، كتاب فضائل القرآن 8/ 658.
  • (2) هذه الآيات المستثناة في السور مجال جيِّد للمدارسة ولتدريب الطلاب على البحث والتحرير.
71

والمجادلة والمخاصمة معهم لم يقع إلا في المدني، أما ذكر اليهود والنصارى فقد جاء في القرآن المكي، كذلك ذكر المنافقين كان بالمدينة قطعًا؛ لأن النفاق لم يظهر إلا في المدينة، وكذلك الفتاوى في المسائل كان في المدينة بعد أن تشكل المجتمع الإسلامي، وصار الأمر والنهي راجعًا إلى الرسول ﷺ، وكذلك الحديث عن غزوات النبي ﷺ مدنية؛ لأن غزواته كانت بالمدينة.

وهذه الموضوعات علامات أو أمارات للتمييز بين المكي والمدني.

قوله: (وحيث ما ورد ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فهو مدني، وأما ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ فقد وقع في المكي والمدني).

هذا القول يدخل في باب الضوابط؛ أي: «ضوابط المكي والمدني»، وهذا الضابط أغلبي؛ لأنه ورد قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1] في سورة النساء، وهي مدنية.

وأغلب مسائل المكي والمدني من علوم القرآن وليست من علوم التفسير؛ لأنه ليس لها أثر في المعنى، فمثلًا إذا عرفت أن قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَامُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: 58] «نزلت في جوف الكعبة» فإن هذا ليس له أثر في المعنى.

وهناك مسائل جزئية منه لها أثر في التفسير، خاصة ما يتعلق بالترجيح بين الأقوال، كما هو الحال في خلافهم في المراد بالشاهد في قوله تعالى: ﴿... وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأحقاف: 10] هل هو موسى عليه السلام بناءً على أن السورة مكية، أو عبد الله بن سلام رضي الله عنه؟

72

وكونها في سورة مكية كان مما احتج به مسروق (ت63هـ) والشعبي (ت103هـ) ومن قال بقولهما؛ على من قالوا بأنه عبد الله بن سلام (ت43هـ) الذي لم يظهر أمره إلا في المدينة.

إذن المكي والمدني ينقسم قسمين: قسم نحتاج إليه في التفسير، وقسم يكون من علوم السورة أو علوم الآية «علوم القرآن».

73