شرح مقدمة التسهيل لعلوم التنزيلالجزء 1 · ص 85 - 96

العلم الأول من علوم القرآن: التفسير

العلم الأول من علوم القرآن: التفسير

قال رحمه الله: فأما التفسير فهو المقصود بنفسه، وسائر هذه الفنون أدوات تعين عليه، أو تتعلق به، أو تتفرع منه، ومعنى التفسير: شرح القرآن وبيان معناه، والإفصاح بما يقتضيه بنصه، أو إشارته، أو فحواه (1).

المؤلف رحمه الله عبَّر عن التفسير بمعنى الشرح، وهذا هو أحد مدلولات هذه اللفظة في اللغة، وإن كان لفظ الشرح من حيث الاصطلاح العام بين طلبة العلم يتجه إلى شرح الحديث، والتفسير يتجه إلى تفسير القرآن، فأنت تقول: شرح فلان الحديث ولا تقول: فسّر فلان الحديث، وتقول: فسر فلان آية، ولا تقول: شرح الآية، هذا في الغالب، فقوله: «شرح القرآن» كأنه اعتمد على الأصل اللغوي لمعنى التفسير، وهي أحد معاني التفسير في اللغة.

قوله: (شرح القرآن وبيان معناه، والإفصاح بما يقتضيه بنصه - الذي هو المنصوص عليه - أو إشارته أو فحواه)، والمؤلف رحمه الله أدخل (النص والإشارة والفحوى) وهي من علم أصول الفقه، ولم يذكر أمثلة عليها، لكن يظهر أن المؤلف قد توسع في مفهوم التفسير فأدخل ما ليس من باب الشرح والبيان للمعاني في علم التفسير، ويمكن وضوح هذه

  • (1) وردت في بعض النسخ: «نجواه» بالنون والجيم بعدها، والصواب: «فحواه» بالفاء والحاء بعدها كما هو في (التسهيل) تحقيق: محمد بن مولاي 1/ 62.
85

المشكلة من خلال المثال، فلو أردنا تفسير قوله سبحانه وتعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: 1]، نقول: أي: هلك وخسر أبو لهب وقد خسر؛ لأنه إخبار بأنه قد وقع في الخسارة، ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ [المسد: 2] أي: لم ينفعه ماله ولا ولده، ثم قال: ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾ [المسد: 3] أي: سيدخل نارًا حامية ذات لهب، ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ [المسد: 4] أي: وامرأته ستصلى النار أعني حمالة الحطب، أي: التي تحمل الشوك فتلقيه في طريق النبي ﷺ، أو أنها كانت تمشي بالنميمة.

وبهذا لا نجد أن شيئًا من معاني الآيات بقي بلا تفسير.

وفي قوله: ﴿وَامْرَأَتُهُ﴾ إشارة إلى صحة عقود أنكحة الكفار؛ لأن الله سبحانه نسب المرأة الكافرة إلى زوجها الكافر، كما أشار إلى ذلك الشافعي، وهذا من دقة استنباطه، ولكن هذه الإشارة ليست تفسيرًا؛ لأنك لو فقدت هذه المعلومة ولم تطرأ على بالك فإنها لا تؤثر في فهم المعنى، وما دامت لا تؤثر في فهم المعنى فهي خارجة عن حد التفسير، لكنها من علوم الآية؛ لأنها مستنبطة منها.

والمقصد من هذا أن قول المؤلف: (بيان معناه) هذا هو حقيقة التفسير، وما سوى ذلك فهو خارج عن حد بيان المعنى.

86

الإجماع والاختلاف في التفسير

قال المصنف رحمه الله: واعلم أن التفسير منه: متفق عليه، ومختلف فيه، ثم إن المختلف فيه على ثلاثة أنواع: الأول: اختلاف في العبارة مع اتفاق في المعنى، فهذا عده كثير من المؤلفين خلافًا وليس في الحقيقة بخلاف؛ لاتفاق معناه، وجعلناه نحن قولًا واحدًا، وعبَّرنا عنه بأحد عبارات المتقدمين، أو بما يقرب منها، أو بما يجمع معانيها، الثاني: اختلاف في التمثيل؛ لكثرة الأمثلة الداخلة تحت معنى واحد وليس مثال منها على خصوصه هو المراد، وإنما المراد: المعنى العام التي تندرج تلك الأمثلة تحت عمومه، فهذا عده أيضًا كثير من المؤلفين خلافًا وليس في الحقيقة بخلاف؛ لأن كل قول منها مثال للمراد وليس بكل المراد، ولم نعده نحن خلافًا بل عبرنا عنه بعبارة عامة تدخل تلك الأقوال تحتها، وربما ذكرنا بعض تلك الأقوال على وجه التمثيل مع التنبيه على العموم المقصود. الثالث: اختلاف المعنى، فهذا هو الذي عددناه خلافًا ورجَّحنا فيه بين أقوال الناس حسبما ذكرناه في خطبة الكتاب (1).

لما ذكر تعريف التفسير انتقل إلى موضوعات في علوم أصول التفسير ويطلق عليها الإجماع والاختلاف في التفسير؛ لأنه قال: (واعلم أن التفسير منه متفق عليه وهذا يمثل الإجماع، ومنه ما هو مختلف فيه وهذا يمثل الاختلاف).

  • (1) التسهيل 1/ 62، 63.
87

والتفسير ليس كله متفقًا عليه بل هناك خلاف بين السلف، وإذا كان بين السلف خلاف فمن باب أولى أن يكون خلاف فيمن جاء بعدهم؛ لأنه كلما ابتعد العصر عن زمن النبوة زادت رقعة الاختلافات، وهذه قاعدة علمية ذكرها شيخ الإسلام في «مقدمة في أصول التفسير»، فالاختلاف مقرر، وكذلك الإجماع مقرر (1).

والذي يعنينا في هذا الباب هو الاختلاف الذي نصَّ عليه المؤلف، وقد انطلق المؤلف في أنواع الاختلاف من اللفظ والمعنى، فقال في النوع الأول: (اختلاف في العبارة مع اتفاق في المعنى، فهذا عده كثير من المؤلفين خلافًا وليس في الحقيقة بخلاف لاتفاق معناه).

أقول: لعل السبب الذي جعل بعض المفسرين يعده اختلافًا راجع إلى منهجية المفسر، فابن الجوزي (ت597هـ) في «زاد المسير» قد يجعل في الآية سبعة أقوال، وإذا تأملنا هذه الأقوال وجدنا أن بعضها يرجع إلى بعض، فكأن هذه المنهجية في تعداد الأقوال جَعَلَها أقوالًا مستقلةً، وكأنها متغايرة، والحقيقة أن بعضها يرجع إلى بعض.

وهذا الأسلوب ليس منه ما يفعله بعض المفسرين من الحفاظ على عبارات السلف، فيذكرون كل قول بسنده كما هو الحال في تفسير الطبري (ت310هـ) وابن أبي حاتم (ت327هـ).

فهذا ليس من هذا الباب الذي يذكره المؤلف؛ لأن المقصد من ذلك أن يذكر من قال بهذا القول من المفسرين، أو على سبيل ما ورد في لفظ هذه الآية من المعاني عند السلف، وليس على سبيل أنها أقوال؛ لذا يفرق بين هذين المنهجين.

  • (1) كتب الشيخ الدكتور محمد بن عبد العزيز الخضيري رسالة علمية «الإجماع في التفسير»، وهي مطبوعة.
88

أما المثال على اختلاف العبارة واتفاق المعنى، فقوله تعالى: ﴿أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الأنعام: 70] فـ ﴿تُبْسَلَ﴾ قيل: تحبس، وقيل: ترتهن، فـ (تحبس وترتهن) تدخل في اختلاف العبارة واتفاق المعنى؛ لأن الحبس والارتهان في النهاية بمعنى الحبس، فعبارة الرهن غير عبارة الحبس، والمعنى الكلي واحد.

مثال: قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾ [الانشقاق: 17] بعضهم قال: (وما جمع)، وبعضهم قال: (وما ضم)، وبعضهم قال: (وما حوى)، وهذا اختلاف في العبارة بين (حوى) و(ضم) و(جمع)، لكن المعنى في النهاية واحد، فهذا اختلاف في العبارة والمعنى واحد.

الثاني: قال رحمه الله: (اختلاف في التمثيل لكثرة الأمثلة الداخلة تحت معنى واحد، وليس مثال منها على خصوصه هو المراد، وإنما المراد المعنى العام التي تندرج تلك الأمثلة تحت عمومه)؛ أي: لفظٌ عامٌّ فُسِّر بأمثلة.

مثاله: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر: 32] الظالم لنفسه: هو الذي يؤخر الصلاة حتى يخرج وقتها، والمقتصد: هو الذي يصليها في وقتها، والسابق بالخيرات: هو الذي يصليها في أول الوقت، هذا قول من الأقوال، لكن هل المراد بالظالم لنفسه فقط هو الذي يؤخر الصلاة، والمقتصد الذي يصليها في وقتها وإن أخرها عن أوله، والسابق هو الذي يصليها في أول الوقت.

ليس المقصود هذا المعنى فقط دون غيره، إنما هو مثال لعمل من أعمال الإسلام يقع فيه ظلمٌ للنفس أو اقتصادٌ أو سبقٌ في الخيرات.

مثال: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى: 3] بعضهم قال: (قدر؛ أي: خلق الطفل وهداه إلى ثدي أمه)، وبعضهم قال: (هدى

89

الذكر للأنثى) هذه الأقوال إذا تأملناها هي أمثلة فقط، لنوع من أنواع الهداية والتقدير الرباني.

مثال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: 114] ﴿الْحَسَنَاتِ﴾ قيل: الصلوات الخمس، وقيل: إنها قول العبد: (سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر). وهذه الأقوال إنما هي ذكر وأمثلة للحسنات، ولو قال قائل: إن الحسنات هي بر الوالدين، وقال آخر: إن الحسنات هي إيتاء الصدقة، وقال آخر: إن الحسنات هي متابعة الحج، بعد الحج فهذا كله داخل في معنى الحسنات، فالحسنات لفظ عام، ويشمل أمثلة كثيرة.

ثم قال: (فهذا عدَّه أيضًا كثير من المؤلفين خلافًا وليس في الحقيقة بخلاف؛ لأن كل قول منها مثال للمراد، وليس بكل المراد؛ - أي: ليس كل قول فيها هو المراد كله ـ، ولم نعده نحن خلافًا بل عبرنا عنه بعبارة عامة تدخل تلك تحتها، وربما ذكرنا بعض تلك الأقوال على وجه التمثيل مع التنبيه على العموم المقصود).

فإن قال قائل: كيف نعرف أن المفسر أراد التمثيل ولم يرد التخصيص؟

الجواب: إن الأصل في تفسير العام بما يشعر الخصوص أنه يُحمل على التمثيل إلا أن تدل عبارة المفسر على التخصيص بأن يذكر لفظة «خاصة»، أو توجد قرينة غيرها تدل عليه.

ومن قرائن كون التفسير على سبيل المثال أن يرد عن المفسرين أكثر من مثال، وهذا يدلُّ على أنهم أرادوا التمثيل للفظ العام، وليس التخصيص، ومثال ذلك ما ورد في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ [الفجر: 3]، قيل: الشفع: العاشر من ذي الحجة، والوتر: يوم عرفة، فيوم تسعة يتحقق فيه أنه وتر، ويوم عشرة يتحقق فيه أنه شفع، وهذا عليه

90

كثير من السلف؛ لأنهم في قوله: ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: 2] قالوا: إنها عشر ذي الحجة، وإذا رجعنا إلى أقوال المفسرين المتأخرين نجد أنها وصلت إلى عشرين قولًا، قال ابن الجوزي: «وللمفسرين في (الشفع والوتر) عشرون قولًا» (1).

قال بعضهم: الشفع: الخلق، والوتر: الله.

وقيل: الشفع والوتر هي الصلوات، منها شفع ومنها وتر، والوتر في الصلوات هي المغرب والبقية هي شفع.

وقيل: الوتر: آدم، والشفع: حواء؛ لأن آدم كان وترًا، ولما خلقت حواء كانا شفعًا، وذُكر غير هذه الأقوال، وليس في أحد هذه الأقوال ما يدل على التخصيص.

مثال التخصيص: قول بعضهم عند قوله تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى﴾ [الليل: 17]: نزلت في أبي بكر خاصة، فالعبارة دالة على التخصيص والقرينة واضحة جدًا عند من قال بهذا.

ومن يقول: إنها نزلت في أبي بكر خاصة لا يعني أنه لا يُدخل غير أبي بكر في هذا الخطاب، بل يدخل عنده من باب القياس وليس من باب تعميم اللفظ، ومن يقول: إن أبا بكر رضي الله عنه مثال من أمثلة الأتقى، وهو أعلى مثال يذكر، فإنه يجعل اللفظ عامًّا.

وهذه الآية مثال على الاختلاف في (هل العبرة بعموم اللفظ أم بخصوص السبب)؟.

فمن يرى التعميم في اللفظ فإنه لا يحتاج إلى القياس، أما من يرى تخصيص اللفظ وأنها نزلت في أبي بكر خاصة فيدخل غيره معه على سبيل القياس وليس على سبيل تعميم اللفظ، وهذا من باب المسائل المهمة فيما يتعلق ببحث العموم والخصوص في تفسير السلف.

  • (1) زاد المسير 1543.
91

النوع الثالث من أنواع الاختلاف قوله: (الثالث اختلاف المعنى، فهذا هو الذي عددناه خلافًا ورجَّحنا فيه بين أقوال الناس حسب ما ذكرناه في خطبة الكتاب).

هذا النوع تتعدد فيه المعاني وتختلف، لكن ليست على سبيل التمثيل، وهو يختلف عن النوع السابق كما ستظهر من خلال المثال.

مثاله: القُرء في قوله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: 228]، فمن قال: القرء: (الحيض) يغاير من قال: القرء: (الطهر)؛ لأنه يلزم أن يكون المراد بالقرء؛ إما الحيض وإما الطهر، وهذا من باب التضاد، وهذا يلزم منه أن يكون في أكثر من معنى.

ومن أمثلة ما يرد فيه أكثر من معنى، وإن لم تكن متضادة، ما ورد في تفسير قوله تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ *عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ [النبأ: 1، 2]

قيل: ﴿النَّبَإِ﴾ هو القرآن، وقيل: هو البعث، وهذا الاختلاف يرجع إلى أكثر من معنى.

مثال آخر: قوله: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: 2].

قيل: ﴿الْكِتَابَ﴾ هو القرآن، وقيل: هو التوراة وهذا يرجع إلى أكثر من معنى.

هذه ثلاثة أنواع من أنواع الاختلاف عند ابن جزي، لا يخرج أي نوع من أنواع الاختلاف عنها.

واختلاف المعنى قد يكون متقاربًا، ويسمى اختلاف تنوع، وقد يكون بين قول صحيح وقول غير صحيح يحتاج إلى الترجيح، وقد يكون كلا القولين صحيحًا على وجه لا يمكن حمل الآية على المعنيين فيلزم الترجيح بينهما كما في معنى القرء.

92

أمثلة تطبيقية على أنواع الاختلاف:

هذه أمثلة على أنواع الاختلاف من تفسير ابن الجوزي لزيادة التوضيح والبيان:

مثال: ﴿يَازَكَريَا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَمٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾ [مريم: 7].

فيه ثلاثة أقوال:

1 - لم يسمَّ يحيى قبله.

2 - لم تلد العواقر مثله.

3 - لم نجعل له من قبل مثلًا وشبهًا (1).

هذه الأقوال لو طبقناها على أنواع الاختلاف عند ابن جزي فإننا نجد أن القول الثاني والثالث يدخلان في اختلاف العبارة واتحاد المعنى.

أما القول الثاني والثالث مع القول الأول، فهذا من باب اختلاف المعنى؛ لأن المعنيين مختلفان.

مثال: قوله تعالى: ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا﴾ [مريم: 24].

فيه قولان: أنه الملَك، وقيل: المنادي هو عيسى (2).

هذا من النوع الثالث وهو اختلاف المعنى؛ لأن المنادي واحد؛ إما هذا؛ وإما ذاك.

مثال: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ [مريم: 24]، ﴿سَرِيًّا﴾ قيل:

1 - النهر الصغير، وهو قول جمهور المفسرين.

  • (1) زاد المسير 878.
  • (2) زاد المسير 882.
93

2 - أنه عيسى عليه السلام، وهو قول الحسن (ت110هـ) وغيره.

هذا يرجع إلى النوع الثالث وهو اختلاف المعنى (1).

مثال: ﴿فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: 7] فيه خمسة أقوال:

1 - أن السر: ما أسره الإنسان في نفسه، وأخفى: ما لم يكن بعد وسيكون.

2 - أن السر: ما حدثت به نفسك، وأخفى: ما لم تتلفظ به.

3 - أن السر: هو العمل الذي يسره الإنسان من الناس، وأخفى: منه الوسوسة.

4 - أن معنى الكلام يعلم أسرار عباده وقد أخفى سره عنهم فلا يعلم.

5 - يعلم ما أسره الإنسان إلى غيره وما أخفاه في نفسه (2).

هذا من النوع الثاني وهو الاختلاف في التمثيل للعموم؛ لأن «السر وأخفى» لفظان عامان يشملان هذه الأقوال.

مثال: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: 3]، المراد بالغيب فيه أقوال:

1 - أنه الوحي.

2 - أنه القرآن.

3 - أنه الله عز وجل.

4 - أنه ما غاب عن العباد من أمر الجنة والنار ونحو ذلك مما ذكر في القرآن (3)، وهذا من النوع الثاني؛ لأن الغيب لفظ عام، والوحي غيب بالنسبة لنا، والقرآن مرتبط بالوحي، وذات الله سبحانه بالنسبة لنا

  • (1) زاد المسير 882.
  • (2) زاد المسير 900.
  • (3) زاد المسير 39.
94

غيب، وفيما يتعلق بإنزال القرآن بالنسبة لنا غيب، فلا تستطيع أن تقول شاهدت نزول القرآن فهذا غيب، وكذا الجنة غيب، ونحن لا نتكلم عن الثبوت بل نتكلم عن المشاهدة (1).

مثال: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا﴾ [الجن: 4] السفيه فيه أقوال:

1 - إبليس.

2 - أنه كفار هؤلاء الجن.

هذا من النوع الثاني إذا كانت الإضافة تدل على العموم، ويمكن أن يكون من الثالث وهو اختلاف المعنى إذا جعلت إبليس من غير الجن.

مثال: ﴿إِلاَّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: 237]، فيه ثلاثة أقوال:

1 - أنه الزوج.

2 - أنه الولي.

3 - أنه أبو البِكْرِ (2).

على القول بأن أبا البكر هو الولي فيكون القول الثاني والثالث من النوع الأول وهو اختلاف عبارة؛ لأنه في نهاية الأمر هو الولي.

واختلافهم في كونه الولي أو الزوج يدخل في النوع الثالث: اختلاف المعنى.

مثال: ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾ [الحجر: 20] المشار إليه ﴿فِيهَا﴾: فيه قولان:

1 - الأرض.

  • (1) زاد المسير 1478.
  • (2) زاد المسير 146.
95

2 - الأشياء التي أُنبتت (1).

هذا فيه اختلاف في مرجع الضمير. وهنا قاعدة: الأصل في الاختلاف في مرجع الضمير أن يكون من النوع الثالث؛ لأنه يؤدي إلى اختلاف المعنى.

مثال: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ *وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ [العاديات: 6، 7] فيه قولان:

1 - أنه الرب.

2 - أنه الإنسان (2).

هذا يعود إلى النوع الثالث، وهو اختلاف المعنى.

مثال: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَاوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ﴾ [آل عمران:7] التأويل فيه قولان:

1 - هو التفسير.

2 - العاقبة المنتظرة (3).

وهذا يرجع إلى النوع الثالث.

مثال: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الحج: 78] ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ﴾ قيل: الله، وقيل: إبراهيم عليه السلام (4)، وهذا يرجع إلى النوع الثالث.

ويحسن أن نشير إلى الذين تكلموا عن أنواع الاختلاف الوارد في التفسير هم: شيخ الإسلام، ثم ابن جزي، ثم الشاطبي، ثم الشيخ ابن عثيمين، فهؤلاء لهم تنظير في أنواع الاختلاف الوارد في التفسير.

  • (1) زاد المسير 757.
  • (2) زاد المسير 1580.
  • (3) زاد المسير 179.
  • (4) زاد المسير 968.
96