الزيادة والإحسان في علوم القرآنالجزء 5 · ص 122 - 130

وأما المؤوَّل

اختلف العلماء في تفسير قول الله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: 228] أنه بمعنى الطهر أو الحيض.

ومن ذلك الضرب قال الله تعالى: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: 34] وهو التأديب والإيلام ويطلق بمعنى السير قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: 101]، أي إذا سرتم.

وأما المؤوَّل

فهو ما ترجحت بعض وجوهه بحسب القرائن

122

والأحوال فصرف عن معناه المتبادر أو الحقيقي إلى غيره ومنه سمي صرف الآيات المتشابهة تأويل فمثاله: قول الله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ الآية [الفتح: 10]. بمعنى الجارحة هو المتبادر وهو المعنى الحقيقي لليد فهذا متشابه وصرف المعنى إلى القوة لكون الأيدي محل القوة تأويل ويقال لهذا المعنى مؤوَّل.

ومثله سائر المتشابه وليس المؤول مخصوصًا بالمتشابه بل المؤول كل لفظ أريد به غير المتبادر كما تقدم.

ومنه قول الله تعالى: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ [ص: 24]، فالظن بمعنى تساوي الطرفين الجزم وعدمه هو المتبادر من الظن، والمقصود به في الآية: العلم واليقين يعني تحقق داود أنَّا فتنَّاه.

123

ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ ...﴾ [الأنبياء: 87]، فظن هنا بمعنى تحقق وليس هو المتبادر.

و﴿لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ بمعنى: أن لن نضيق من القدر وهو الحبس والتضييق كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ ...﴾ [الفجر: 15، 16] أي ضيَّق عليه، ومعنى: ﴿أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ المتبادر الحقيقي نفي القدرة والاستطاعة فإن قلت: قد يشتبه المتأول بالمجمل قلت: المؤول هو ما تعين فيه المعنى البعيد والمجمل محتمل لمعان كلها يمكن أن تراد والله الموفق.

124

فائدة: هل يجوز استعمال المشترك في كلا المعنيين مثلًا إذا احتمل الكلام ذلك؟

المنقول عن الحنفية منع ذلك وعن الشافعية جواز ذلك والله أعلم.

125

النوع التاسع والتسعون علم ظاهره وخفيِّه

127

النوع التاسع والتسعون علم ظاهره وخفيّه ولم يذكر هذا النوع الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى في الإتقان.

اعلم أيَّدنا الله وإياك أن الألفاظ القرآنية تنحصر في أربعة أقسام: إما عام، أو خاص، أو مشترك، أو مؤول. ثم إن كلاّ من هذه الأربعة تنقسم من حيث المعاني إلى أربعة أقسام: ظاهر، ونص، ومفسر، ومحكم.

فإن العام مثلا لا يخلو إما أن يكون ظاهرًا في معناه أو نصًا في معناه أو مفسرًا أو محكمًا وكذلك الخاص وكذلك المشترك وكذلك المؤول.

وتنقسم أيضًا الأقسام الأربعة إلى أربعة أخرى ضد هذه الأربعة وهي: الخفي والمشكل والمجمل والمتشابه.

فنقول: العام يكون خفيًا في معناه ويكون مشكل المعنى ويكون مجملًا ويكون متشابهًا ثم إن تلك الألفاظ الأربعة في حال استعمالها ودورانها في لسان العرب تكون حقيقة في المعنى الذي وضعت له أو تكون مجازًا أو تكون صريحًا أو تكون كناية فلفظ الخاص مثلًا إذا أطلق في الاستعمال لا

128

يخلو: إما أن يكون حقيقة أو مجازًا أو صريحًا أو كناية وكل هذه الأقسام مذكورة في كتابنا هذا، وستقف عليها إن شاء الله تعالى.

فالظاهر

هو ما ظهر للسامع معناه مثل قول الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ...﴾ [البقرة: 275]، وقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ ...﴾ الآية [النساء: 23]. وقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ...﴾ [البقرة: 43، 110، النور: 56، المزمل: 20، النساء: 59 [، وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 59] في الطاعة.

الخفي

وأما الخفي فهو: ضد الظاهر، وهو الذي لا يظهر المعنى فيه إلا بتأمل.

ومثَّل بعضهم لذلك بدخول الطرار دون النباش في قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ﴾

129

﴿وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا ...﴾ [المائدة: 38]، فالسرقة: أخذ مال معتبر شرعًا من حز أجنبي لا شبهة فيه خفية وهو قاصد للحفظ في نومه أو غيبته فاحترزنا بالقيد الأول عن ما دون نصاب السرقة وبالقيد الثاني عن الأخذ من غير حرز وبالقيد الثالث عن ذي الرحمن المحرم وبالرابع عن ما يكون فيه شبهة كمال فيه الشركة للسارق وبالخامس عن الانتهاب والغصب وبالسادس عن النبس.

فصدق الحد على الطرار لأنه أخذ مال الغير وهو يقظان حاضر قاصد لحفظه بضرب غفلة منه ولم يصدق على النباش لأن النبش أخذ كفن الميت بعد الدفن واختفى حكم السارق في حقهما بعارض وهو اختصاصهما باسم آخر يعرفان به فطلبنا فوجدنا معنى السرقة كاملًا في الطرار ناقصًا في النباش فأثبتنا حكم السرقة في الأول دون الثاني، لأن الحكم إذا ثبت في الأدنى ثبت في الأعلى بالطريق الأولى فينقضان فعل السرقة فالنبش صار شبهة والحد يسقط بالشبهة.

ولو كان القبر في بيت مقفل: اختلف فيه المشايخ والأصح أنه لا يقطع سواء أنبش الكفن فيه أو سرقه من طريق آخر لأن موضع القبر في البيت يحتمل فيه صفة الحرزية انتهى.

130