حاشية الشهاب على تفسير البيضاويالجزء 1 · ص 252 - 271

سورة البقرة (6 من 14)

فأيهما عرف اتصاف الذات بها، وهو طالب لأن يحكم عليه بالأخرى يجب تقديم الدال عليه وجعله

مبتدأ وتأخير غيره فإذا عرف مثلًا زيدا بعيته واسمه دون اتصافه بالأخوّة وطلب أن تعرّفه ذلك قلت: زيد أخوك وإذا عرف أخا لم يعينه بذاته قلت أخوك زيد، ولا يصح. غيزه وهذا موافق لقوله في الدلائل

252

إنك في قولك زيد منطلق وزيد المنطلق تثبيت فعل الانطلاق لزيد لكته في الأوّل لم يسمع السامع أنه كان وفي الثاني سسه، ولكنه لم يعلمه لزيد فإذا بلغك أنه كان من إنسان انطلاق مخصوص وجوّزت أن يكون من زيد ثم قيل زيد المنطلق انقلب الجواز وجوبا بحصوله منه، فإذا قصد تاكيده قيل زيد هو النطلق وإذا قيل المنطلق زيد، فالمعنى أنك رأيت منطلقًا لم تعلم أزيد هو أم عمرو فيقال لك المنطلق زيد أي ما تراه من بعيد هو زيد وهكذا ما نحن فيه، فإنك عرفت المتقين وبلغك أنّ قوما مفلحون في الآخرة وجوّزت كونهم المتقين فطلبت الحكم عليه بالفلاح، وهذا مراد الزمخشريّ بعبارته السالمه نجأفى يبهون معنى من هو أزيد هو وافراده بالذكر لما يقتضي الاهتصام به، ولما كان ظاهره أنّ معناه أزيد التائب أم عمرو إلخ ورد عليه الاعتراض فأن المناسب التائب زيد لأنك عرفت أنّ إنسانًا قد تاب، وطلبت الحكم عليه بأنه زيد أو غيره، فمقتضى تلك الضابطة أنك إذا عرفت التائب، وقلت من هو كان معناه أزيد التائب أم عمرو إلخ، فالترديد إنما هو في الخصوصيات والمطلوب الحكم حمبى التائب بواحدة منها، كما ذكره الثخ في المنطلق زيد فلا يصح حينئذ زيد التائب بل التائب زيد فظهر فساد الجواب بأنّ الضمير للتائب كما مرّ، فإنه لا يدفع الاعتراض لعدم مطابقته للضابطة المقرّرة قيل: وبهذا ظهر ما في كلام الشارحين من الاختلال وتبين التوفيق بين كلامي الشيخ فإنّ كل مقام ر " مقال (أقول) هذا جملة ما يعتد به مما وقع هنا من القيل والقال (وها أنا بأذل) لك جهد المقول مما بقي فيه فأقول راجيا من الله القبول المطابقة المتفق عليها هي جعل مطلوب المخاطب محكوما به ومحط الفائدة، وهي كما قاله الشيخ والسكاكي إنما تخفى إذا تعرّف إلطرفان والجملة اسمية لأنه إدّا نكر أحدهما يكون هو الخبر إذ هو من شأنه أن يكون غير معلوم، فإذا تعرّفا كان معلوما بطريق من طرق التعريف ليصح التعريف والًا عرف حينئذ محكوم عليه والمعروف من وجه المجهول من وجه محكوم به لأنه لو عرف من كل و. جه لم يطلب، فإذا بلغك أنّ قوما معينين من أهل بلدة أو محلة انطلؤ / منهم واحد وأنت تعلمهم بمشخصاتهم، وتعلم السنطلق بوجه مّا وتجهله من غير ذلك الوجه تعين في جواب من المنطلق زيد المنطلق ولا يصح عكسه، ولو شاهدت من بعيد شخصًا منطلقًا، ولمم تعرفه بذاته ومشخصاته وقلت من المنطلق كنت عارفا بالمنطلق. بمشاهدته، والمجهول لك ما يشخصه، فتعين حينئذ المنطلق زيد وهذا مرادهم كما ستسمعه في الدلائل فقوله في الكشاف: إذا بلغك أنّ شخصا قد تاب إلخ إشارة إلى ما يصحح تعريفه وهو كونه معلوما بوجه لا من كل الوجوه حتى يتعين أنه مبتدأ كما توهموه، فإنه فرية بلا مرية ومن هنا نثا الاعتراض، وليس هذا مبنيا على إعراب من مبتدأ أو خبرًا لأنّ من شاهد المنطلق إذا قال: من المنطلق، فمطلوبه ما

يشخصه، فحق المنطلق أن يكون مبتدأ ومن خبره، وأنما عكسه سيبوبه لأنه يراه ملتزم التقديم، والمسؤول عنه أهم بالذكر وادّعاء التقديم عن تأخير خلاف الظاهر مع أنه فكرة، والكلام ليس فيه وجملته إنشائية لا خبرية حتى يلاحظ فيه الملقى إليه الخبر، فليس مما نحن فيه، وليس الاختلاف فيه مبنيا على هذا قطعًا، فلا حاجة إلى تكلف ادّعاء أنه مبتدا لأنه معرفة تأويلاَ لأنه في معنى أزيد أم عمرو إلخ مع أنه لا يتم لأنّ التأويل المذكور لا يتأتى في أفعل التفضيل، وكم في نحوكم مالك لأنها في معنى أمائة أم ألف أم أكثر، فقول السعد هنا إنّ المناسب حينثذ التائب زيد إلخ مردود بما مرّ من أنّ قوله بلغك إلخ مصحح لتعريف التائب، وجعله معهودا كما أشار إليه بقوله الذي أخبرت بتوبته، ولا يقتضي أن لا يكون مجهولًا ومطلوبا من وجه، فما ذكر ليس بشيء، وقوله قدس سرّه: حتى زعم إلخ ردّ له كما فصله وهو وارد عليه كما يعلم مما قدمناه، وقول الشارح الفاضل: أورد الشيخ عبد القاهر في دلائل الإعجاز كلاما يؤيد أوّله كلام المصنف، وآخره كلام المعترض ليس بشيء، فإنهما متفقان وهو غفلة عما حققوه، وعبارة الدلائل إنك في قولك زبد منطلق وزيد المنطلق تثبت فعل الانطلاق لزيد لكنك تثبت في الأوّل فعلًا لم يسمع السامع من أصله أنه كان وفي الثاني فعلًا قد علم السامع أنه كان، ولكن لم يعلمه لزيد فإذا بلغك أنه كان من إنسان انطلاق مخصوص وجوّزت أن يكون ذلك من زيد، ثم فيل لك زيد المنطلق انقلب ذلك الجواز وجوابا وزال الشك، وحصل القطع بأنه كان من زيد اهـ. يعني أنّ المخاطب لما علم زيدًا بمشخصاته وبلغه أنّ إنسانا انطلق كان المنطلق حاضرا في ذهنه فيصح أن يعرف بالتعريف العهدي، ولكنه لما لم يتعين كان مطلوبا لتردده فيه فتعين جعله خبرًا، لكونه هو المجهول عنده من وجه بخلاف الصورة الآتية، وهذا بعينه ما في الكشاف، إلا أنّ المعتر ضومن سلم اعتراضه لم يهتد لتطبيقه، ثم قال الشيخ: وإذا قيل: المنطلق زيد فالمعنى على أنك رأيت إنسانا منطلقا بالبعد منك، فلم يثبت ولم تعلم أزيد هو أم عمرو فقال: لك صاحبك المنطلق زيد أي هذا الشخصى الذي تراه من بعد هو زيد، وقد تشاهد لابس ديباج وقد كنت تعرفه فنسيته، فيقال لك اللابس الديباج صاحبك الذي كان معك في وقت كذا، فيكون الغرض إثبات أنه ذلك الشخص المعهود لا إثبات لبس الديباج لأنه شاهده يعني أنك لما شاهدت انطلاقه ولبسه الديباج كان اللابس والمنطلق محسوسا عندك لا تردّد فيه، ولا تطلبه وإنما تطلب تشخيصه، وتعيينه فتعين جعله مبتدأ وزيدا خبرًا بخلاف ما مرّ من عكسه لأنّ زيدا محسور أو بمنزلته، والمنطلق لم تعرفه إلا بأنّ ثمة شخصًا صدر منه انطلاق، فأنت لم تشاهده ولم يعينه المخبر عندك، فلذا جعل خبرا فقد وافق أوّل كلامه آخره من غير شبهة، وهو بعينه ما في الكشاف فقد انكشف لك المراد بما لا مزيد عليه، وتبين أنّ ما ارتضاه الشريف المرتضى، وادّعى أنه لا يتزلزل فيه من له رسوخ قدم في علم المعاني غنيّ عن البيان الهادم لما أسسه من البنيان لما عرفت من أنّ المراد أنك شاهدت شخصا منطلقا، ولم

تعرفه بعيته وقلت من هذا المنطلق تعين أن يقال لك المنطلق زيد سواء كان من مبتدأ أو خبرًا، فإنك إذا لم تشاهده نأخبرت بأنّ شخصًا من قوم معلومين لك بأعيانهم انطلق فقلت من المنطلق يقال: زيد المنطلق على القولين في باب من لأنّ مبنى الخلاف أمر آخر غير ما توهمو.، وسيأتي إن شاء الله تعالى تحقيق هذه المطابقة في محله، فإنه هنا جملة معترضة لا محل لها لم يتعرّض لها شراح الكشاف، وهذا من الحور المقصورات في الخيام التي من بها الملك العلام. قوله: (أو الإشارة إلى ما يعرفه كل أحد إلخ) في الكشاف أو على أنهم الذين إن حصلت صفة المتقين وتحققوا ما هم، وتصوّروا بصورتهم الحقيقية فهم هم لا يعدون تلك الحقيقة، كما تقول لصاحبك هل عرفت الأسد وما جبل عليه من فرط الإقدام إنّ زيدا هو هو اهـ. وهذا بعينه ما ذكره الشيخ في دلائل الإعجاز فقال اعلم أن للخبر المعرّف بالألف واللام معنى غير ما ذكرت لك وله مسلك دقيق، ولمحة كالسحر يكون التأمّل عندها، كما يقال تعرف دينك وذلك قولك هو البطل الحامي، وهو المتقى المرتجى وأنت لا تقصد شيثا مما تقدّم، فلست تشير إلى معنى قد علم المخاطب أنه كان ولم يعلم ممن كان كما مض في قولك زيد هو المنطلق، ولا تريد أن تقصر معنى عليه على معنى أنه لم يحصل لغيره على الكمال، كما كان في قولك هو الشجاع ولا تقول ظاهر أنه بهذه الصفة كما كان في قوله، ووالدك العبد ولكنك تريد أن تقول لصاحبك هل سمعت بالبطل الحامي، وهل حصل معنى هذه الصفة، وكيف ينبغي أن يكون الرجل حتى يستحق أن يقال ذلك له وفيه، فإن كنت قلته علما وتصوّرته حق تصوّره فعليك صاحبك، واشدد به يدك فهو ضالتك وعنده بغيتك، وطريقه طريق قولك هل سمعت بالأسد وهل تعرف ما هو، فإن كنت تعرفه فزيد هو هو بعينه اهـ المقصود منه، وهذه قصة في شرحها طول، وقد وقع النزاع في مراد الشيخ بين الفاضلين فقال المحقق: السعده نجوّر الله مرقده أطلق الناظرون في الكشاف على أنه يريد بذلك تعريف الجنس، وتعيين الحقيقة المسه ى بالعهد الذهني، ثم منهم من زعم أنه لقصر المبتدأ على الخبر نظرا إلى قوله لا يعدون تلك الحقيقة على عكس ما تحقق، وتقرّر في مثل زيد الأمير وعمرو الشجاع، ومنهم من ذهب إلى أنه لقصر المسند إليه قصر قلب وعلى تقدير العهد قصر إفراد وينبغي أن تعلم أنه إشارة إلى معنى آخر لتعريف الجنس، وقال قدس سرّه:

253

يرد عليه في ادّعائه أنّ مراد الثيخ معنى غير تعريف الجنس أز، اللام حينئذ لتعريف الجنس المسمى بتعيين الحقيقة، والمعرّف بلام الجنس قد يقصد به تارة حصره في المبتدأ إمّا حقيقة أو ادّعاء نحو زيد الأمير إذا انحصرت الإمارة فيه أو كان كاملًا فيها كأنه قيل زيد كل الأمير، وقد يقصد به أخرى أنّ المبتدأ هو عين ذاث الجنس ومتحد به، فكأنه تجسم منه لا أنّ ذلك الجنس مفهوم مغاير للمبتدأ منحصر فيه على أحد الوجهين، فهذا معنى آخر للخبر المعرّف بلام الجنس غير الحصر وهو مراد الشيخ بالعبارة المذكورة، وقد وضحه وكثر أمثلته، وقال: هذا كله على معنى الوهم والتقدير وأن

يتصوّر في خاطره شيئًا لم يره، ولم يعلمه ثم يجريه مجرى ما علمه، وإنما قال ذلك لأنّ دعوى كون زيد عين حقيقة الأسدية مثلًا إنما تتأتى إذا صوّرت تلك الحقيقة في الوهم بصورة تناسب تلك الدعوى، فإنها لو تركت على حالها لم يكن ادّعاء كون زيد متحدا بها مستحسنًا فتبين أنّ تعريف الخبر بهذا المعنى تعريف جنسي اعتبر معه تصوّر الحقيقة بصورة وهمية توصلاَ إلى دعوى الاقحاد فهو من فروع الجنس كما يحمل على الكمال كيف لا، وتعريف اللام منحصر في العهد والجنس.

(فإن قلت) ظهور الاتصاف بمض صمون الخبر ليس شيثا منهما.

(قك) هو راجع إلى الجنس أيضا كأنه بعدما جعل خبرا عرّفه باللام إشارة إلى حضور الجنس في الذهن من حيث أنه صفة للمخبر عته، وهذا معنى ظهور اتصافه به واختار المصئف رحمه الله في المفلحين دعوى الاتحاد على حصر الجنس لأنه ألطف وأبلغ. وقوله: (لا يعدون إلخ) تأكيد للاتحاد لا بيان لحصر المبتدأ في الخبر، كما توهم فإنه مخالف للقاعدة المقرّرة من أنّ تعريف الخبر الجنسي يفيد قصره على المبتدأ لا عكسه، وان أشعر به كلام الفائق في تفسير، فإنّ الله هو الدهر بأنّ الله هو الجالب للحوادث لا غيره الجالب (فإن قيل) إن ادّعى أنّ المتقين عين حقيقة المفلحين لم يتصوّر هناك حصر أصلًا، فكيف يستعمل فيه الفصل (قلنا) يجرّد حينئذ لتمييز الخبر عن النعت وتأكيد الحكم معًا أو لأحدهما، وكذا الكرم هو التقوى أي لا كرم إلا التقوى.

(أقول) هذا المقام قد انسحبت فيه أذيال الكلام، ونم يكشف عن وجوه مخدراته اللثام،

فإنّ السعد لما خالف الشراح وادعى أنه نوع آخر من التعريف لم يعينه، ولم يبين أنه أيّ معنى هو من معاني أل المحصورة في العربية، والشريف لما قال إنه لتعريف الجنس إلًا أنه حصر فيه لم يعرج على مراد الشيخ، فإنه بالغ في وصفه بالدقة وقال: إنه سن عجيب الشأن له مكان من الفخامة والنبل، وهو من سحر البيان الذي تقصر العبارة عن تأدية حقه ومجرّد تعريف الجنس معنى مكشوف ينادي عليه في الطرق ادخل السوق واشتر اللحم، وهو أوّل ما يشترى وأيضا تمثيلهم بهل عرفت الأسد خفاؤه أشد وأشدّ، وهذا مما لم يظهر لي حاله، ولم يتضح مع إمعان النظر إشكاله.

(فاعلم) أنّ الثيخ نوّر الله مرقده ذكر قبيله أنّ الخبر المعرّف بلام الجنس فيه ثلاثة وجوه.

(الأؤل) أن يقصر الجنس على المخبر عنه لقصد المبالغة نحو زيد هو الجواد أي الكامل

في الجود إلًا أنك تخرجه في صورة توهم أنه لا يوجد إلًا فيه لعدم الاعتداد بغيره.

(الثاني) أن يقصر جنس المعنى الذي تفيده بالخبر على المخبر عنه، لا على عدم الاعتداد بغيره بل على دعوى أنه لا يوجد إلًا منه ولا يكون إلًا إذا قيد بشيء يخصصه، ويجعله

في حكم نوع برأسه نحو هو الوفيّ حين لا تظن نفس بنفس خيرا.

(الثالث) أن يقصد قصره في جنسه لا على ما ذكر بل على وجه آخر جاء في قول الخنساء:

إذا قبح البكاء على قتيل ~ فإنّ بركاءك الحس الجميل

أرادت أنه قد قرّ في جنس ما حسته الحس الظاهر الذي لا ينكر ولا يشك فيه شاك، ثم

لما فصل هذه الأقسام قال: للخبر المعرّف باللام معنى آخر غير ما ذكرت لك، وله مسلك دقيق إلخ وقد مرّ بعضه فوص فه بالحسن والدقة الزائدة وصرّح بأنه غير الوجوه الثلاثة السابقة، والمغايرة لها يحتملى أنها في النوع فلا يكون من تعريف الجنس، وهو ما ذهب إليه الفاضل التفتازاني، وهو السابق إلى الفهم، ويحتمل المغايرة في المفاد والوصف أعني الحصر، لأن الأقسام الثلاثة منها ما يفيده عنده، وهذا يغايرها بعدم إفادته وهذا ما ارتضاه الشريف المرتضى وفي كلامه ما يؤيده بحسب الظاهر، كقوله: ولا تريد أن تقصر معنى عليه

254

ونحوه مما يظهر لمن أحاط به خبرًا وهذا منشأ الخلاف فيه، فأمّا تصفيته من غش الخفاء وكدر الشقاق فالحق أن يقال إنّ الشيخ أراد بالتعريف هنا الحقيقة والماهية، وإذا جعل فرد من أفرادها عينها كان ذلك ادّعاء وتقديرًا، ولما كان هذا أظهر في زيد هو الأسد أتى به تنويرا له لأنّ اتحاد المباين إذا صح وأفاد المبالغة، فهذا أظهر وجعل الفرد عين ماهية وصفه يقتضي تحقق اتصافه به، وأنه جدير به ومستحق له وو-4 الدقة المحتاجة إلى زيادة التأمّل إنّ أهل المعقول، وان ذهب كثير منهم إلى وجود الماهية في ضمن أفرادها إلًا أن جعلها عين فرد فيه من المبالغة ما لا يخفى لجعلها محسوسة ث اهدة، ولهذا صار ضربا من السحر ولام الطبيعة والحقيقة من أقسام الجنس لافحصارها عند الجمهور في العهد والجنس، كما أشار إليه قدس سرّه إلا أنه بقي ههنا أمران: الأوّل إنّ الثارح الفاضل لم يصرّح فر، كتبه بأنها على هذا ليست من الجنس، رأسا عند الشيخ بل قال: إنه تعريف آخر للجنس عنده، فلك أن تقول مراده بقوله آخر أنه مغاير لأفراد التعريف الجنسي الذي قدّمه، وهو الأقسام الثلاثة التي قرّرناها فمآله إلى ما ذكره الشريف فلا وجه لتشنيعه عليه فهوكما قيل:

ولم تزل قلة الإنصاف قاطعة ~ بين الرجال ولوكانوا ذوي رحم

الثاني أنّ في كلام الشيخ نظرًا ظاهرًا، فإنّ تشبيهه بالموصول يقتضي أنّ ما نحن فيه تعريف عهديّ، وقد أشار في حواشي المطوّل إلى دفعه، ومن ذهب إلى القصر تمسك بما يقتضيه من قوله لا حقيقة لهم وراء ذلك وقوله (لا يعدون) تلك الحقيقة، وقد اعترف الشريف في حواشي المطوّل بأنها موهمة لذلك، وعبارة الدلائل لما فيها من التصريح بعدم القصر فيه تدفع ما ذكر وأمّ كلام الكشاف فليس فيها ما يمنعه، ولذا قيل لا وجه لتخطئة من ذهب إليه من

شراح الكشاف، وقد قيل إنه لما شبه معنى التعريف بقولك هل سمعت بالأسد وهل تعرف حقيقته فزيد هو هو بعينه وهذا لم يقصد فيه الحصر أصلًا علم إن ما توهمه عبارته ليس بمراد أيضًا وبما قرّرناه لك علم سقوط ما قيل إنّ قول الشيخ لا حقيقة له وراء ذلك لا يوهم القصر وإنما معناه اتحاد الحقيقة معه بخلاف قول الزمخشريّ: لا يعدون تلك الحقيقة إذ معناه أنهم غير متجاوزين لها وهو معنى القصرة وقد بقي هنا أمور مفصلة في حواشي كتب المعاني من أرادها فليرجع إليها. قوله:) من حقيقة المفلحين) إشارة إلى أنها على هذا لام الطبيعة والحقيقة، كما قرّرناه آنفا. وقوله: (وخصوصياثهم) عطفه على الحقيقة عطف تفسير إشارة إلى أنّ المراد بالحقيقة المفهوم المختصى بهؤلاء لا ما علمه أهل المعقول وخصوصيات جمع خصوصية من خصه بكذا إذا أفرده به فاختص أي انفرد.

قال الجوهرفي خضه بالشيء خصوصًا وخصوصية بالضم والفتح والفتح أفصح.

واعلم أنّ في الخصوصية وأمثالها طريقين إحداهما أنها مصدر وضع هكذا كالطفولية والرجولية وهو كثير فيئ المصادر المأخوذة من أسماء الأجناس فياؤه كياء كرسيّ كما في التسهيل والارتثاف الثانية أن الفعولة بالضم كثرت في المصادر المأخوذة من الجوامد كالأبوّة والبنوّة والفعولة بالفتح نادرة فيها، فلما ضعفت في باب المصدرية ألحق بها ياء المصدرية تأكيدا وايذانا بأنها جارية مجرى أسماء الأجناس في قلة تصرفها وبناء الأفعال منها كما قاله المرزوقي في شرح الفصيح وعليهما فالتاء للتأنيث اللفظي كتاء أبوّة ولا بد منها على الطريقة الثانية لأنها تلزم المصدر الذي بواسطة الياء فيقال عالمية لا عالمي كما نص عليه الرضي في بحث الحروف المشبهة بالفعل والمرأوقي في شرحه للفصيح أو هي تاء النقل إلى المصدرية، فلا وجه لما قيل من أنها للمبالغة، فإن قلت الضم هو اكثر فيه لشيوعه في نحو رجولية وطفولية وعبودية وغيرها، فكيف يكون الفتح أفصح.

قلت: قال المرزوقي في شرح الفصيح الضم في هذه أكثر وحكى الفتح في النصوصية والخصرصية والحرورية بمعنى الحرية لكن الفتح هو المستفصح في هذه الأحرف الثلاثة: ولا يمتنع أن يكون الأقيس أقل استعمالًا فلا يستفصح اهـ فقد علمت أنّ فتح خصوصية أفصح سماعا، ومن ردّ على الجوهريّ فقد وهم، ثم إنّ ما ذكره المصنف رحمه الله تلخيص لما في الكشاف من غير مخالفة، ومن الناس من ظن أنه مخالف، وأنه إشارة إلى أنها لتعريف الجنس

255

الشامل للإفراد وأنه مفيد للقصر عنده، وقيل إنه يحتمله ويحتمل ما ذهب إليه العلامة وقيل إنه أراد أنها للاستغراق والذي غرّة لفظ الخصوصيات، وقد مرّ بيانها حتى قيل إنها هنا ليس لها وجه ظاهر (واعلم) أنهم أطبقوا على أنّ الألف واللام حرف تعريف هنا مع أن الداخلة على اسم الفاعل موصولة عند الجمهور، وهذا إذا لم تكن للعهد، أمّا إذا كانت له كما في قولك جاءني ضارب، فأكرمت الضارب فلا كلام في حرفيتها، ولا خلاف فيه كما في أكثر نسخ

الرضي، ولا يسمع إنكاره كما في بعض شروح المغني فكأنه لأنّ المراد الثبات على الفلاح، فهو حينثذ مما غلب عليه الاسمية أو ألحق بالصفة المشبهة، وتخريجه على مذهب المازتي بعيد، وما ذكر صرح به المبرد في الكامل كما بيناه في نكت المغني. قوله: (تنبيه تأمّل إلخ) التنبيه مصدر نبهه من نومه إذا أيقظه، وهو في اصطلاح المصنفين ترجمة كالمسئلة لما يعلم مما قبله لا بطريق التصريح أو لما يدرك بأدنى إشارة والتفات إليه حتى كأنه مما غفل عنه، وهو إمّا معرب خبر مبتدأ مقدّر ونحوه أو ساكن موقوف غير معرب كالأسماء المعدودة لأنه لم يقصد تركيبه، وتاقل أمر من التأمّل يقال تأمّلت الشيء إذا تدبرته، وهو إعادتك النظر فيه مرّة بعد أخرى حتى تعرفه وقوله كيف نبه كيف في الأصل للاستفهام عن الأحوال، فيقال: كيف زيد أي على أيّ حال، وقال الأستاذ ابن كمال قد تكون كيف أسما للحال من غير معنى السؤال فتجرّد لجزء معناها وهو المراد هنا، ومنه ما حكاه قطرب عن بعض العرب انظر إلى كيف تصنع أي إلى حال صنعك اهـ. ويتجوّز بها أيضًا عن التعجب كقوله ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: 28] وقد يقال إنه المراد هنا أي ما أحسن ما نبه فتكون معمولة لنبه مقدّمة عليه باقية على صدارتها، وقد جوّز بعض النحاة في أمثاله خروجه عن الصدارة، فهو حينئذ معمول لتأمّل ولذا قيل معناه تأمّل كيفية تنبيه الله تعالى، فانسلخ عنها معنى الاستفهام للظرفية، أو هي مفعول به كما وقعت مضافا إليها في قول البخاري رحمه الله باب كيف كان بدء الوحي، وعبارة الكشاف، فانظر كيف فقال قدس سرّه: لما كان النظر وسيلة إلى العلم كان متضمنا لمعناه فجاز إيقاعه على الإستفهام، وكذا التأمّل هنا أنه معلق هنا كما يعلق العلم إلا أنه تسمح في العبارة، وقوله بنيل متعلق باختصاص، من وجوه متعلق بنيل، وشتى بمعنى متفرّقة مفرد أو جمع شتيت والوجوه أربعة: الأول منها متعلق بالجملتين والباقي مختص بالجملة الثانية، وقيل كلها متعلقة بالجملة الثانية، ويصح في قوله بناء الجرّ والرفع والنصب، وافادة اسم الإشارة للتعليل بدخول الصفات فيه كما مرّ وبناء الخبر على الصفة ونحوها قد يشعر بالعلية، والإيجاز بدلالتها على ما فصل قبلها ويفيد أيضًا الاختصاص وقوله وتكريره معطوف على بناء، ويجوز في هذا أن يكون مشتركا أيضًا لأنّ التكرير يكون بمعنى مجموع الذكرين أيضًا كما يكون للثاني والأوّل وقد سبق تفصيله، وتعريف الخبر الدال على الحصر أو المبالغة بجعلهم عين الحقيقة، وتوسيط الفصل الدال على الحصر أو التأكيد. قوله: (لإظهار قدرهم) تعليل للتعريف والتوسيط، وقدر بسكون الدال وهو اكثر وتفتح، وهو الموازن لأثرهم الواقع في أكثر النسخ وفي بعضها آثارهم بالجمع والمراد بالقدر شرفهم وأصله مقدار الشيء ومبلغه قال في المصباح: قدر الشيء ساكن الدال والفتح لغة سبلغه يقا اط: هذا قدر هذا وقدره أي مماثله ويقال ما له عندي قدر، ولا قدر أي حرمة ووقار اهـ والاقتفاء الإتباع والاقتداء. وقوله: (في اقتفاء) متعلق

بالترغيب، أو بقوله نبه وما قبل هذا بالنسبة إليهم أنفسهم وهذا بالنسبة إلى غيرهم، وبقي هنا أمور أخر تعلم مما مرّ كالتمكن واضافة التشريف والترغيب بذكر ما يرغب فيه من الهدى والظفر. قوله: (وقد تشبث به الوعيدية إلخ) أي تمسكوا واستدلوا بما في هذه الآية كما سيأتي بيانه إلًا أنه تمسك ضعيف جدا، ولذا عبر بالتشبث بالمثناة والشين المعجمة والموحدة والثاء المثلثة وحقيقه التعلق مع ضعف، ولذا قيل للعنكبوت شبث فهو استعارة يشير إلى أنه أوهن من بيت العنكبوت، وضمير به لما ذكر من الآيات أو لقوله ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ وقيل للاختصاص، وفيل للإخباو بنيل ما ذكر، والوعيدية نسبة إلى الوعيد لتمسكهم بظاهر آيات الوعيد، والأحاديث الواردة فيه على خلود الفساق في النار، وهذه العبارة في غاية الإيجاز لدلالتها على سبب التسمية، وشمولها للمعتزلة والخوارج

256

ومن قصرها على الأوّل فقد قصر، وتقريره كما في التفسير الكبير أنّ المفلح من اتصف بهذه الصفات فغير. ليس بمفلح فيخلد في النار أو يحرم النعيم، وترتب الحكم على الوصف، وما في معناه يشعر بعليته للحكم فعلة الفلاح الإيمان وفعل الصلاة والزكاة فمن أخل بشيء منها لم يفلح، والقبلة بالكسر في الأصل اسم للحالة التي عليها المقابل كالجلسة والقعدة، وفي التعارف صار اسمًا للمكان المقابل المتوجه إليه للصلاة وإذا أطلق يراد به الكعبة كقوله تعالى ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ [البقرة: 144] وأهل القبلة كناية عن المسلمين، وهو المراد. قوله: (وردّ بأنّ المراد إلخ) الرادّ هو الإمام في تفسيره يعني أنّ المراد بالمفلحين هنا الكاملون في الفلاح والنجاة، فمن عداهم ليس بكاملا لا غير مفلح، وكذا ما ذكر من العلية علة لكماله لا لأصله، فلا يرد عليه شيء وقيل نفي السبب الواحد لا يقتضي نفي المسبب لجواز أن يكون له سبب آخر كعفو الله هنا، وما قيل من أنّ الأحسن في الجواب أنّ المراد بالمتقين المجتنبون للشرك ليدخل العاصي فيهم، فإن قلت كيف جاز أن يسمى العاصي مفلحًا قلت: كما جاز أن يكون مصطفى في قوله تعالى

﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا﴾ [فاطر: 32] إ أخ اهـ فلا يخفى ما فيه، فإنه ليس إشارة إلى المتقين فقط، ولذا تركه الشريف وغيره، وكون الصفة مادحة لا يجدي ولذا قيل إنه جواب جدليّ، وفي الكشف لا استدلال للمعتزلة فيه على خلود الفساق، كما عرّض به المصنف لأنّ الفلاح عدم الدخول، أو لأنّ انتفاء كمال الفلاح لا يقتضي انتفاءه مطلقًا على الوجهين في اللام اهـ. قوله: (لا عدم الفلاح لهم رأسًا) أي أصلًا لاستلزام الرأس لوجود الحيوان فإذا أنتفت انتفى وهو منصوب بنزع الخافض، وأصله لا عدمه برأسه أي بجملته. قوله: (خاصة عباده وخالصة أوليائه إلخ) الخاصة خلاف العامة والتاء للتأكيد، وعن الكسائيّ الخاص والخاصة واحد كذا في المصباح فخاصة العباد أكرمهم عند الله والخالص في الأصل كالصافي.

وقال الراغب: الخالص في الأصل ما زال عنه شوبه بعد أن كان فيه، والصافي قد يقال

لما لا شوب فيه، ويقال: هذا خالص وخالصة نحو واهبة وواقية اهـ. فالتاء فيه للمبالغة، وخالصة أوليائه من اشتد إخلاصه لله من صالح عباده المتقين وفي نسخة خلاصة وهو قريب منه، والمراد بصفاتهم ما تضمنته الآية من قوله المتقين إلى قوله أولئك وأهله أي جعله أهلاَ أي مستحقًا من قولهم هو أهل لكذا أي خليق وجدير، والهدى في الدنيا والفلاح في العقبى لأنهم السعداء في الدارين، وهذا معنى قوله ﴿أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى﴾ إلخ. قوله: (عقبهم بأضدادهم إلخ) جواب لما يقال عقبه تعقيبًا إذا جاء بعده من العقب وهو مؤخر القدم، والأضداد جمع ضد والضدان المتنافيان اللذان تحت جنس واحد كالبياض والسواد، فإن لم يندرجا تحت جنس كالحلاوة والحركة لم يكونا متضادّين قال الراغب: الضد أحد المتقابلين المختلفين اللذين كل واحد منهما قبالة الآخر ولا يجتمعان في شيء واحد في وقت واحد، وذلك أربعة أشياء الضدّان كالبياض والسواد والمتضايفان كالضعف والنصف، والوجود والعدم كالبصر والعمى، والإيجاب والسلب، وكثير من المتكلمين، وأهل اللغة يجعلونها كلها متضادّة إلى آخر ما فصله، والعتاة جمع عات من عتا إذا استكبر وجاوز الحد والمردة كفسقة جمع مارد، وقد فسروه بالعاتي والظاهر أن يفسر بما هو شديد العتوّ حتى يكون من الترقي. وقوله الذين لا ينفعهم إلخ بيان لما به التضاد لأنّ الأوّلين على هدى مؤمنين بالآيات، وهؤلاء بخلافه واجمال لحال هؤلاء توطئة لما بعده مع ما فيه من الإشارة إلى ارتباطه بم قبله حتى جاء على عقبه من غير فاصل فإنه لا بد منه، وان لم يكن مصححًا للعطف، والنذو بضمتين جمع نذير. قوله: (ولم يعطف قصتهم إلخ) في الكشاف ليس وزان ما هنا وزان نحو قوله ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: 13] لأنّ الأولى فيما نحن فيه مسوقة لذكر الكتاب وأنه هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ، وسيقت الثانية لأنّ الكفار من صفتهم كيت وكيت فبين الجملتين تباين في الغرض والأسلوب، وهما على حد لا مجال فيه للعاطف فيه، وهذا إذا كان الذين يؤمنون جاريا على المتقين، وكذا إذا كان مبتدأ فالاستئناف مبنيّ على تقدير سؤال، فذلك إدراج له في حكم المتقين وجعله تابعا له في المعنى، وإن كان مبتدأ في اللفظ، فهو في الحقيقة كالجاري عليه، وذكر السكاكي

257

في الفصل والوصل فيما ترك عطفه للانقطاع، وإن كان بينهما جامع غير ملتفت إليه لبعد المقام عنه فقال من هذا القبيل قطع إنّ الذين كفروا عما قبله، ليكون ما قبله حديثا عن القرآن، وأنّ من شأنه كيت وكيت وهذا حديث عن الكفار وتصميمهم في كفرهم، والفصل لازم للانقطاع فالعطف في مثله برز في معرض التوخي للجمع بين الضث والنون، وقال قدس سرّه: تباينهما في الفرض لأنّ المقصود من الجملة الأولى بيان اتصاف الكتاب بغاية الكمال في الهداية تقريرا لكونه يقينًا لا مجال للشك فيه، وتحقيقا لكماله في

جنس المتحدي لإعجازه، ومن الجملة الثانية بيان اتصاف الكفار بالإصرار على الكفر والضلال بحيث لا يجدي فيهم الإنذار، وفي الأسلوب وهو الفن والطريق لأنّ طريق الأداء في الأوّل الحكم على الكتاب مع حذفه لفظًا بما جعل المتقين قيدا له، وفي الثانية أن يحكم على الكفار، ضدا مع ذكرهم لفظًا لإصرار لا إقلاع معه أصلاَ مصدرا بأنّ المؤذنة بالانقطاع والشروع في نوع آخر من الكلام، لا يقال هما مسوقتان لبيان حال الكتاب وأنه هدى لطائفة، وليس هدى لضدهم فيحسن العطف لأنا نقول إنّ الثانية سيقت لبيان إصرار الكفار وأنّ وجود الإنذار وعدمه سواء عليهم، وأمّا كون الكتاب لا يفيدهم هدى فمفهوم تبعا، ولو كان مقصودا أيضا لم يحسن العطف لأنّ الانتفاع به صفة كمال له يؤيد ما سبق من تفخيم شأنه، واعلاء مكانه بخلاف عدم الانتفاع، وعلى الاستئناف وان انقطع عنه ظاهرًا فهو مرتبط به ارتباطا معنوش صار به متصلاَ بما قبله اتصال التابع بمتبوعه لعدم استقلاله لأنه مبنيّ على سؤال مبنيّ على ما نثا منه، فهو من مستتبعاته، فإذا لم يصلح المنشأ وهو هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ، لأن يعطف عليه إنّ الذين كفروا لم يصلح لذلك ما هو من توابعه، وأمّا على الوجه الأخير، وهو جعل ﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ﴾ مبتدأ خبره ﴿أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى﴾ فهو وان كان جملة مستقلة معطوفة على ما قبلها، فلا مانع من أن يعطف عليها جملة وصف الكفار كما في الآيات اللاحقة لكنه وجه مرجوح لم يلتفت إليه وبنى الكلام على ما ارتضاد، وربما يستدل بهذا على ضحفه، وأيضا قد عرفت أنّ هذه الجملة محمولة على التعريض، ومعناها يناسب وصف الكتاب بالكمال، ولذا جاز عطفها على سابقتها، ومن الظاهر أنّ جملة إنّ الذين كفروا لا مدخل لها في ذلك، ومنهم من زعم أنّ خلاصة جواب هذا الكتاب أن الذين يؤمنون بالغيب إلخ استئناف جواب سؤال وأنّ قوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ لا يصلح للجوابية، فلذا امتنع العطف، ورذ بأنه مغار لكلام المصئف وغير مستقيم فإنه إذا قيل ما بال المتقين مخصوصين بكون الكتاب هدى لهم حسن أن يقال إنّ الموصوفين بتلك الصفات أحقاء بذلك، والكفار المصرّون لا ينتفعون به بل يستوي عليهم وجوده وعدمه، فيكون هذا المعطوف مؤكدا لاختصاصه بالمتقين عن غيرهم وتوهم جماعة أنّ ترك العاطف في الآية لأنه استئناف آخر كأنه قيل ثانيا: ما بال غيرهم لم يهتدوا به فأجيب بأنهم لأعراضهم، وزوال استعدادهم لم ينجع فيهم دعوة الكتاب إلى الإيمان، وليس بشيء لأنه بعد ما تقرر أنّ تلك الأوصاف المختصة هي للمقتضية لم يبق لهذا السؤال وجه، وتخيل آخرون أنّ تركه لغاية الاتصال والاتحاد وهو فاسد جدًا لأنّ شرح تمرّد الكفار لا يؤكد كون الكتاب كاملًا في الهداية هذا زبدة ما في الشروح وكتب المعاني.

(أقول) ما ذكره قدس سرّه: من أنه على الوجه الثالث يصح العطف لا وجه له، ولا

معنى للتردّد فيما نحن فيه من كمال الانقطاع، لأنه لا بد فيه من قصد التعريض كما مرّ وكفى به مانعا، فاستدلاله به على ضعفه صلح لم يرضه الخصمان على أنه لو لم يقصد التعريض لم يصح أيضا لأنّ قوله ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ مبين لما اتصف به الكتاب، ومقرّر لعلوّ شأنه وهذه الجملة إمّ معطوفة عليها أو قيد لها وحال منها فكيف يعطف عليها ما يباينها أتم مباينة، وقد جزم به في شرحه للمفتاح فقال: فإن قلت كيف يصح هذا العطف مع أنّ الجملة الأولى بيان حال الكتاب والثانية ليست كذلك قلت: من حيث إنّ المراد بالثانية التعريض المذكور، فكأنه قيل: هو هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ، وليس هدى لليهود فالثانية في حكم صفة الكتاب وقيل: الواو للحال وليس بظاهر، وإذا جعلت هذه الجملة من مستتبعات وصف الكتاب امتنع عطف ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ على ما قبله في هذا الوجه أيضا، كما في الوجهين السابقين لا يقال. إذا كان

258

تعريضا بكفار أهل الكتاب يكون التشنيع على الكفار مناسبا لأنا نقول المقصود حينثذ التعريض بأنهم لما لم يؤمنوا بما أنزل عليه لم يصح إيمانهم، وهذا غير مناسب لما بعده، وأمّا قوله تعالى ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا﴾ [الإسراء: 82] فشيء آخر وهو تصريح لا تعريض فتدبر (ثم إنه بقي ههنا أمر لا بدّ من التعرّض له) وهو إنّ المباينة في أسلوب الأداء وطريق التعبير السابق تقريره جعلها الزمخشريّ مقتضية لترك العطف، ولم ينوّره أحد منهم ووجهه أنّ قوله ﴿إن الذين كفروا﴾ إلخ يتضمن عدم انتفاع هؤلاء الكفار بالآيات والنذر، وهو في قوّة أن يقال إنهم لم يهتدوا بهدى هذا الكتاب وهذه جهة جامعة لو لوحظت جاز العطف كما تقول إنّ المتقين اهتدوا بنور الكتاب وانّ الكافرين هاموا في مهامة العقاب إلًا أنه لم يلتفت لهذا، وأنما قفصد أن ينعي حالهم ويشنع عليهم، فنزه قدر التنزيل عن النظر إلى تعاميهم عنه، فإنه ذنب عقابه فيهم، وقد جعل العلامة مباينة الأسلوب كناية عن عدم الالتفات لهذه الجهة الجامعة واليه أشار السكاكيّ بقوله، وان كان بينهما جامع غير ملتفت إليه لبعد المقام عنه فلذ درّه ما أبعد مرماه وأحسن مغزاه، فمباينة الأسلوب متممة لمباينة الغرض، ولذا أدرجها المصنف فيها ولو صرّح بها كان أحسن، فما قيل من أنه لم يذكر التباين بي الأسلوب كما في الكشاف لأنّ التباين في الغرض هو الأصل في الفصل والتباين في الأسلوب من توابعه، ولوازمه كما لا يخفى على المتأمّل، ولهذا فرع صاحب الكشاف التباين في الغرض والأسلوب معًا على ما يوجب التباين في الغرض فقط، وهذا مما لم يتعرّضوا له مع لزومه ليس مما يشفي الغليل، وإنما سكت عن تغاير الأسلوب لظهوره، وقيل إنما لم يتعرّض له المصنف لأنه نظر إلى أنّ العمدة في وصل الجملتين بالواو، وهو وجود الجامع المعنوي بينهما وتناسب الجملتين في الغرض جامع معنويّ معتد به يحسن به عطف الثانية على الأولى بخلاف الأسلوب، فإنه أمر لفظيّ وكثيرًا ما يغيرون أسلوب المعطوف عن سنن المعطوف عليه لنكتة داعية إليه، ولما كان التباين في الأسلوب غير ضارّ في العطف إذا كان بينهما جامع مصحح للعطف لم يجعل من أسلوب القطع وهذا كله غفلة عما حققنا، فاشدد يدك عليه ولا تنظر لما بين يديه. قوله: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: 13] سيأتي تفسيرها واتحاد الأسلوب فيها ظاهر وأما الجامع، فلأنها سيقت فيها الجملة الأولى

لبيان ثواب الأخيار والثانية لذكر جزاء الأشرار مع ما فيها من الترصيع والتقابل، لتضادّ كل من طرفي الجملتين، وقد عد أهل المعاني التضادّ وشبهه جامعًا يقتضي العطف، لأنّ الوهم ينزل المتضادين منزلة المتضايفين، فيجتهد في الجمع بينهما في الذهن حتى قالوا: إنّ الضد أترب خطورا بالبال مع الضد من الأمثال. قوله: (وإنّ من الحروف التي إلخ) يعني أنها شابهت الفعل الذي هو أصل العوامل فعملت لشبهها له مادّة وهيئة ومدخولًا ومعنى وعمله هو الرفع والنصب، إلًا أنه قدم من معمولاته المرفوع لأنه عمدة وأخر المنصوب لأنه فضلة على مقتضى الأصل وعكس فيها تنبيها على فرعيتها وحطًا لرتبتها وعدد الحروف ثلاثة، وهي أقل ما ينبني عليه الفعل وبنى على الفتح آخرها، ولزمت الأسماء ولها معان مثله كالتأكيد والاستدراك، وهو ظاهر. وقوله: (والمتعذي) بالنصب معطوف على الفعل أي وشابهت الفعل المتعدي فيما ذكر، وما قبله في مشابهة الفعل مطلقا، والإيذان الإعلام، وضمير بأنه راجع إلى الحرف المعلوم مما قبله ودخيل فيه أي ليس بأصيل في العمل لأنه عمل لمشابهته للفعل يقال هو دخيل في بني فلان إذا انتسب إليهم ولم يكن منهم، وقال: حروف دون أحرف لأنه المشهور في جمع حرف بمعنى كلمة أو جزئها وأحرف مشهورة في الحرف بمعنى اللغة كما في الحديث " أنزل القرآن على سبعة أحرف ") 1) وهو وان كان جمع كثرة وهي ستة إلًا أنه بعد دخول الألف واللام بطلت جمعيته فجاز استعماله في القليل والكثير. قوله: (كان مرفوعًا بالخبرية إلخ) فيه تسمح لأنّ العامل فيه عند الكوفيين المبتدأ أو الابتداء والباء للسببية واعتمد على شهرته وظهور المراد منه، فاندفع ما قيل عليه من أنه لم يقل أحد إنّ العامل في الخبر الخبرية بل من نحاة الكوفة من قال: العامل في الخبر المبتدأ كما إنّ العامل في المبتدأ الخبر إذ المعنى المقتضي للرفع فيه

259

الخبرية والعامل المبتدأ أو بقاء الخبرية باعتبار كون اسم إنّ كان مبتدأ، وهو الآن كذلك محلًا بناء على أنه لا يشترط فيه بقاء المحرز قال ابن يعيش في شرح المفصل: ذهب الكوفيون إلى أنّ هذه الحروف لم تعمل في الخبر الرفع، وإنما تعمل في الاسم النصب لا غير والخبر مرفوع على حاله كما كان مع المبتدأ، وهو فاسد لأنّ الابتداء قد زال وبه وبالمبتدأ كان يرتفع الخبر فلما زال العامل بطل أن يكون هذا معمولا فيه ومع ذلك فإنا وجدنا كل ما عمل في المبتدأ عمل في خبره نحو كان وأخواتها وظننت وأخواتها لما عملت في المبتدأ عملت في الخبر

وليس فيه تسوية بين الأصل والفرع، لأنه قد حصلت المخالفة بتقديم المنصوب على المرفوع اهـ. فقوله ة وهي أي الخبرية باقية على حالها قبلها، فيعمل ما كان عاملاَ فيها استصحابا له أي إبقاء له مصاحبًا له كما كان، لأنّ أصل ما اتصف بشيء أن تبقى صفته، ويعمل بمقتضاها حتى يتحقق ضده، والاستصحاب من جملة الأدلة عند بعضهم كالشافعية ومنهم المصنف، وأدلة الأحكام الفقهية تجري في العربية حتى إنّ بعض المتأخرين دوّن للنحو أصولًا كأصول الفقه، وهذا تقرير لدليل الكوفيين. وقوله: (قضية) بالنصب مفعول له على أنه مصدر لقضى بمعنى حكم أي حكمًا للاستصحاب، وابقاء الأثر أو مفعول مطلق أي مقتضية للرفع اقتضاء، ولام الاستصحاب لام التقوية. قوله: (فلا يرفعه الحرف) أي لا يرفع استصحاب ما كان من العمل الأوّل ويزيله لضعفه، فالرفع بمعنى الإزالة، أو لا يرفع الخبر فالرفع بالمعنى المصطلح. وقوله: (بأنّ اقتضاء الخبرية إلخ) جواب عما استدلّ به الكوفيون من أن إنّ ليست هي العاملة، كما مرّ وفي قوله الخبرية ما مرّ من التساهل وتخلفه في خبر كان لنصبه بها، فلو كان رفع الخبر بلا شرط شيء دام ما دامت الخبرية مطلقًا، فلما تخلف علم أنه مشروط بالتجرّد من العوامل اللفظية. وقوله: (وفائدتها إلخ الم يقل معناها لأنه ليس كغيره من المعاني الوضعية المعبر عنها، ولذا توهم بعضهم زيادتها في كلام

260

العرب والتأكيد والتوكيد تقوية الشيء، فلذا عطف عليه قوله وتحقيقها عطفًا تفسيريًا لًا نه من حققت الأمر أحقه إذا تيقنته، أو جعلته ثابتا لازما وفي لغة بني تميم أحققته بالألف، وحققته بالتشديد مبالغة، وفيه إشارة إلى أنّ التوكيد هنا ليس بمعناه المصطلح، وجعلها مؤكدة للنسبة الحكمية دون أحد الطرفين لتأثيرها فيها، واستدلّ عليه بوقوعها في جواب القسم لأنّ القسم، كما قال النحاة جملة إنشائية يؤكد بها جملة أخرى، فئاذا كان الجواب جملة اسمية يصدّر في الإثبات إذا كان القسم غير طلبي بلام مفتوحة أو أن مثقلة أو مخففة، ولا يستغني عنها دون استطالة إلًا شذوذًا. وهذا مراد المصنف، ولا يرد عليه شيء لأنه لم يدع الكلية، وأمّا ذكرها في الجواب فلأنّ السائل متردد فيحسن تأكيد جوابه، كما تقرّر في علم المعاني، والأجوبة جمع جواب، وهو معروف إلا أن ابن الجوزي قال في كتاب غلط العوامّ: قال العسكري: العامّة تقول في جمع الجواب جوابات وأجوبة، وهو خطأ لأنّ الجواب مثل الذهاب لا يجمع، وقد قال سيبويه: الجواب لا يجمع وقولهم جوابات وأجوبة كتبي مولد اهـ 0 ولم أر من ذكره غير صاحب المصباح إلا أنه لم ينقله ومشبه للوثوق به لا يطالب بالنقل. قوله: (وتذكو في معرض الشك (أي تذكر أنّ لتأكيد ما فيه شك للمخاطب أو لغيره، ومعرض بفتح الميم وكسر الراء محل عروض الشك كذا في شرح الشافية، فهو كالمظنة والمئنة وضبطه شراح الفصيح بكسر الميم وفتح الراء كاسم الآلة وأصله

ثوب تلبسه الجارية المعروضة للبيع، فيكون من العرض والأوّل من العروض، وهو على هذا المعنى ما يظهر الشك ويبرزه لمن يريده، وفي لو المصباح يقال: عرفته في معرض كلامه قال بعض العلماء: هو استعارة من المعرض وهو الثوب الذي تجلى فيه الجواري، وكانه قيل في هيئته وزيه وقالبه، وهذا لا يطرد في جميع أساليب الكلام فإنه لا يحسن أن يقال ذلك في موضمع السبّ والشتم بل يقبح أن يستعار ثوب الزينة الذي هو أحسن هيثة للشتم الذي هو أقبح هيئة، فالوجه أنه مقصور من معرا ضواحد المعاريض وهو التورية وأصله الستر اهـ. وهو كلام واه وضثعفه ظاهر لمن له معرفة بالبغة، ولم يذكر الإنكار لأنه وان علم بالطريق الأولى، فشهرته تغني عن ذكره وسيأتي التصريح به في كلام المبرد جوإبا لأبي إسحاق المتفلسف الكندي لما قال له: إني أجد في كلام العرب كما فصله في المفتاح، وقد تذكر أنّ لمعان أخر كما في شرح المفتاح. وقوله: (ويسئلونك) إلخ مثال للأجوبة، ويجوز أن يكون للشك أيضا، ولم يذكر القسم لوضوحه. قوله: (وتعريف الموصول إلخ) كذا في الكشاف، وفي الحواشي الشريفية تعريف الذي وتصاريفه ص من بين الموصولات كتعريف ذي اللام في كونه للعهد تارة،

- وللجنس أخرى سواء جدلت من المعرّف باللام كما ذهبت إليه شرذمة أو لا كما عليه المحققون والوجه في العهد إنّ هؤلاء أعلام الكفر المشهورون به فهم لذلك كالحاضرين في الأذهان، ولا يخفى ما فيه، فإنّ تخصيص الذي وتصماريفه دون من، وما مما ليس فيه أل لا وجه له، وإنما دعاه له ظاهر قول الكشاف تعريف الذين، ولذا عدل عنه المصنف إلى قوله تعريف الموصول إشارة إلى أنّ الزمخشريّ إنما اقتصر عليها لأنها أمّ الباب، وهذا مما ينبغي التنبيه عليه، وهم مطبقون على أنّ تعريف الموصول بالعهد الذي في الصلة، والقول بأنه بأل واه لا يلتفت إليه سواء قلنا إنه موضوع للخصوصيات بوضع عام أو لأمر عام بشرط استعماله فيها، وستسمع تحقيقه عن قريب، وقدم التعريف العهدي لأنه الأصح رواية ودراية، وما قيل من أنّ الماثور ما رواه ابن جرير بسند متصل إلى ابن عباس رضي الله عنهما أنّ المراد به هنا كفار اليهود خاصة، وهو الظاهر لأن السورة مدنية، وما قبلها في أهل الكتاب فالمراد اليهود وقد ورد مثله في سورة يس في كفار قريش عجيب منه، فإنه ذكر عقبه إنّ أبا نعيم قال في دلائل النبوّة: إنها في كفار قريش، ورواه عن ابن عباس أيضًا، فإنّ الروايتين تؤيدان ما ذكره المصنف،؟ وإلا كان بينهما تناف فوجه العهد أنّ المراد بالموصول هنا من شافههم بالإنذار في عهده، وهو مصر على كفره وهذا أوجه مما مرّ. قوله: (أو للجنس متناولأ من صمم على الكفر وكيرهم) هذا بناء على ما

بينه شراح المفتاح من أنّ تعريف الموصول كتعريف الألف واللام، فيكون تارة للعهد وتارة للجنس والاستغراق، وقد صرّح به بعض النحاة أيضًا فقال ابن مالك في شرح التسهيل المشهور عند النحويين تقييد جملة الصلة بكونها معهودة، وذلك غير لازم، وذلك لأنّ الموصول قد يراد به معهود فتكون صلته معهودة، وقد يراد به الجنس فتوافقه صلته كقوله تعالى ﴿كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ﴾ [البقرة: 171] وكقول الشاعر:

وأسعى إذا يبني ليهدم صالحي ~ وليس الذي يبني كمن شأنه الهدم

وقد يقصد تعظيم الموصول فتبهم صلته كقوله:

فإن أستطع أغلب وإن يغلب الهوى ~ فمثل الذي لاقيت يغلب صاحبه

اهـ وهذا مخالف لما في الرسالة الوضعية مما اتفق عليه شراحها من أنّ الموصول موضوع بوضع عام لمعنى مشخص معين بنسبة جملة خبرية إليه، وأنه لا بد من كون انتسابها معهودًا بين المخاطب والمتكلم، فإن أريد به معنى كليّ، فإنما هو لتنزيله منزلته كما في اسم الإشارة، وعلى هذا فهذا معنى مجازي وهو ظاهر كلام أهل المعاني، وهو الموافق لما اشتهر عند النحاة، كما قاله ابن مالك وظاهر كلام ابن مالك والزمخشريّ أنه ليس بمجاز، فلا خلاف في استعماله، وإنما الخلاف في تعيين الحقيقة وهذا أمر سهل، وقد قيل إنه ليس المراد بالعهد في كلام النحاة معناه المشهور بل مطلق الحضور الذهني بايّ وجه كان وهو جار في جميع المعارف، ولذا حصر بعض الخاة معنى أل في العهد والجنس، وهو منشأ الخلاف بينهم وقول أهل الأصول الموصول من صيغ العموم مؤيد للثاني (وهذا مما من الله به) وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله فاحفظه، وصمم على الكفر بمعنى استمرّ عليه إلى موته، ونقله لسجن سجين وحقيقة صمم مضى في السير فتجوّز به عما ذكر للزومه له، وليس من الصميم بمعنى الخالص احترازا عن المنافقين كما توهم. قوله: (فخص منهم غير المصرّين بما أسند إليهم إلخ) ضمن خص معنى أخرح أو تجوّز به عته، وإلًا لقال خص المصرّون والأوّل أولى لتعديته بالباء في قوله بما أسند، وفي نسخة بدل منهم عنهم، وضمير غيرهم وما بعده لمن باعتبار معناه وكذا إليهم، وفي نسخة إليه باعتبار لفظه أو هو عائد إلى الموصول، وفي قوله خص تصريح بأنه عام مخصوص لا مطلق مقيد، وهو الموافق لمذهبه وفيه مخالفة للزمخشريّ في تعبيره حيث قال: وأن يكون

261

للجنس متناولًا كل من صمم على كفره تصميما لا يرعوي بعده وغيرهم، ودل على تناوله للمصرّين الحديث عنهم باستواء الإنذار وتركه عليهم اهـ.

وقال قدس سرّه: إذا حمل على الجنس عمّ الكفار إلا أنّ الاخبار عنهم بما يدلّ على الإصرار دال على أن المراد هم المصرّون فقط، فيكون اللفظ عامًا مقصورا على بعض إفراده فإن قيل: كيف يجعله عاما مخصوصًا مع أنه لم يذهب إلى أنّ الجمع المحلى بلام الجنس

للاستغراق حيث قال في قوله تعالى ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النَّسَاء﴾ [البقرة: 231] لا عموم ولا خصوص في النساء ولكنه اسم جنس للإناث من الإنس، وهذه الجنسية معنى قائم في كلهن وفي بعضهن، فجاز أن يراد بالنساء هذا وذاك فإذا قيل لعدتهن علم أنه أطلق على بعضهن وهن المدخول بهن من المعتدّات بالحيض، وقال في قوله تعالى ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ﴾ [البقرة: 228] إنّ اللفظ مطلق في تناول الجنس صالح لكله، وبعضه فجاء في أحد ما يصلح له يعني في ذوات الأقراء كالاسم المشترك قلنا هو لا يمنع صلوحه للعموم بل ظهوره فيه كما ذهب إليه أصحاب الأصول فاختار ههنا أنّ هذا الصالح للعموم مستعمل ومقصور على البعض بواسطة القرينة، ويرد عليه أنه تطويل للمسافة بلا طائل، وزعم بعضهم أنّ المختار عنده هو أنّ مثل هذا الجمع للعموم، وأمّا كونه للإطلاق، فشيء ذكره في بعض مواضع هذا الكتاب، وفيه أنه مناف لما نقلناه من نصه على عدم العموم وأمّا تفسيره للجموع المعرّفة باللام للاستغراق فذلك لاستفادته منها بمعونة المقام، ولا معونة للمقام ههنا، فالصحيح أنه أراد كون الذين كفروا مطلقًا في تناول الجنس صالحا بحسب مفهومه، لأن يراد به كله وبعضه لكن الخبر دلّ على تقييده فقوله متنا ولا إلخ لم يرد به الشمول بل التناول بحسب الإطلاق نظرا إلى اللفظ وحده وإذا اعتبرت القرينة دلت، على تناوله بحسب الإرادة للمصرّين فقط اهـ.

(أقول) فيه خلل لا يخفى، وبيانه يتوقف على تقديم مقدمة في الفرق بين العموم والإطلاق والتخصيص، والتقييد) فالعامّ الفظ يستغرق الصالح له من غير حصر، ويشمل النادر وغير المقصود على الأصح وفخر الإسلام لم يشترط فيه الاستغراق فعرّفه بما ينتظم بعض المسميات (والمطلق) ما دل على فرد شائع وقيل ما دلّ على الماهية بلا قيد، وتوخم بعضهم أنه مرادف للنكرة، وهو خطأ أو تساهل للاعتماد على ظهور المراد (والتخصيض) قصر العامّ على بعض ما صدق عليه (والتقييد) يقرب منه وألفاظ العموم مفصلة في مبسوطات الأصول وفي بعضها اختلاف كالجمع المحلى بالألف واللام، ففي جمع اأجوامع أنّ الجمهور على أنه للعموم خلافا لأبي هاشم من المعتزلة، فإنه ذهب إلى نفي العموم عنه مطلقا، فيكو 1 غ مطلقا عنده ولإمام الحرمين وافادة العموم كما ذكره المصنف في منهاجه تكون بحسب الوضع اللغوي والعرفي والعرف ودلالة العقل والموصول مفردا وجمعا من ألفاظ العموم حتى قال القرافيّ رحمه الله: إنه بالإجماع وليس هو من قبيل الجمع المحلى باللام، فإنّ لامه كبعض حروف الكلمة، وتعريفه ليس بها على الصحيح إذا عرفت هذا فقياس ما هنا على ما ذكره في صريح الجموع في غير هذا المحل لا وجه به، وما صرّح به في كتابه على مذهبه من أنه من المطلق لا من العامّ وتاويله من فضول الفضلاء. وقوله: إنه لا يمنع صلوحه للعموم بل ظهوره فيه أيضًا لا وجه له فإنه لو صلح للعموم كان عامًا وهو مناف لما صرّح به. وقوله: تطويل للمسافة بلا طائل غير متوجه لأنه من ألفاظ العموم، وهو نص فيه فحمل عليه، ثم خص وهو طائل

وأيّ طائل، فإن قلت كيف يكون الخبر مخصصًا إذا سلم فيه العموم والخصوص والأصوليون حصروا المخصص الغير المستقل في الاستثناء والصفة والغاية والبدل والشرط، وقد أوردوا عليه أن تعين المخبر عنه بمفهوم الخبرينافي ما تقرّر من أنّ المخبر عنه لا بذ أن يكون متعينا عند المخاطب إذا حكم عليه ليقيد الكلام فإثبات مفهنوم الخبر له متوقف على تعين المخبر عته عند المخاطب قبل ورود الخبر، فلو توقف تعين المخبر عنده على الخبر لزم الدور حتى قيل إنه من إسناد ما للبعض إلى الكل على حد بنو فلان قتلوا فتيلاَ، والقاتل واحد منهم.

(قلت) أمّا أن يقال على هذا المخصص العقل والاخبار بما ذكر قرينة عليه أو المخصص

عود ضمير خاص عليه من الخبر لا الخبر نفسه، فإنّ أهل الأصول قالوا عود ضمير خاص على العامّ فيه أقواد ثلاثة: فقيل يخصصه وقيل

262

لا يخصصه وقيل بالوقف ومثلوه بقوله تعالى ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ﴾ [البقرة: 228] فإنّ الضمير في قوله ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [البقرة: 228] للرجعيات فقط وكذا قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء﴾ [الطلاق: ا] فإنّ قوله تعالى ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ا] المراد به الرغبة في مراجعتهن، وهي لا تتأتى في البائن وما قيل من أنّ المصنف أحسن حيث أسقط لفظة كل التي في الكشاف في قوله كل من صمم إلخ إذ يفهم منه الاستغراق الذي اضطربوا في توجيهه غفلة عما قرّوناه، ومن الخلط والخبط ما قيل هنا أنه على الأول يكون الذين كفروا من قبيل إطلاق لفظ المطلق العامّ المستغرق وارادة الخاص، وعلى الثاني من قبيل إطلاق لفظ المطلق المتناول لكل بعض على سبيل البدل، وارادة المقيد بقيد الإصرار من حيث أن الخبر يدل على التقييد، وهو أظهر من الأوّل لأنه على الأوّل خاص، وعلى الثاني عامّ مخصوص. قوله: (والكفر لغة ستر النعمة إلخ؟ أي الكفر بالضم مقابل الإيمان، وأصله المأخوذ منه الكفر بالفتح مصدر بمعنى الستر يقال كفر يكفر من باب قتل وقول الجوهريّ تبعًا للفارابي من باب ضرب الظاهر أنه غلط ولم ينبه عليه في القاموس، ثم شاع في ستر النعمة خاصة وفي مقابل الإيمان لأنّ الكفر فيه ستر الحق وستر نعم فياض النعم ويقالط لليل: كافر لستر ظلامه لوجه الأرض وقد تلطف العارف بالله حيث قال:

يا ليل طل أو لا تطل إني على الحالين صابر

لي فيك أجر مجاهد إن صح أنّ الليل كافر

والكمام جمع كمّ بالكسر، وهو غطاء النور والثمر، والكافور أيضًا اسم طيب معروف إلًا

أنّ ما ذكره المصمنف هو المعروف في اللغة الفصيحة القديمة، ولذا اقتصر عليه وهو اسم جنس جامد ومن قال: إنه مبالغة الكافر فقد وهم. قوله: (وفي الشرع إنكار ما علم إلخ) هذا مذهب الشافعي، والمراد بالضروريّ ما اشتهر حتى عرفه الخواص والعوام. قال النووقي في الروضة: ليس يكفر جاحد المجمع عليه على إطلاقه بل من جحد مجمعًا عليه فيه نص، وهو من الأمور

الظاهرة التي يشترك في معرفتها الخواص والعوام، كالصلاة وتحريم الخمر ونحوهما فهو كافر، ومن جحد مجمعا عليه لا يعرفه إلًا الخواص كاستحقاق بنت الابن السدس مع بنت الصلب ونحوه فليس بكافر، ومن جحد مجمعًا عليه ظاهرا لا نص فيه ففي الحكم بتكفيره خلاف اهـ. وقال ابن الهمام في المسايرة: الحنفية لم يثترطوا في الإكفار سوى القطع بثبوت ذلك الأمر، الذي تعلق به الإنكار لا بلوغ العلم به حد الضرورة، ويجب حمله على ما إذا علم المنكر ثبوته قطعا لأن مناط التكفير التكذيب أو الاستخفاف إلخ وأورد على ما قالوه أنّ الخالي عن التصديق والتكذيب كافر، والشاك وكفره ليس بإنكار فيخرح عن التعريف، وأجاب عنه الإمام بأنّ من جملة ما جاء به النبيّ عليه الصلاة والسلام أنه يجب تصديقه في كل ما جاء به فمن لم يصدقه في ذلك فقد كذبه، وردّ بظهور منعه وانّ الصواب أن يقال الكفر عدم الإيمان عمن هوشأنه فيشمل التكذيب، وترك التصديق بعد وجوبه عليه، وقيل الأنكار ههنا الجهل من قولهم أنكرت الشيء إذا جهلته وليس بمعنى الجحود حتى يكون قولًا بالمنزلة بين المنزلتين لأنّ من تشكك، أو لم يخطر النبيّ عليه الصلاة والسلام بباله ليس بمقرّ مصدق ولا منكر جاجد، وهو باطل عند أهل السنة، ولا يخفي أنه يأباه ما بعد. من قوله يدلّ على التكذيب، فإنه صريح في أنّ الإنكار ههنا بمعنى الجحد والتكذيب، وفي المواقف الكفر عدم تصديق الرسول صلّى الله عليه وسغ في بعض ما علم مجيئه به بالضرورة وخرح بالضرورة ما علم بالاستدلال وخبر الآحاد، ولا يرد على الإنكار ما قاله الزنجاني من أنه يختص بالقول والكفر قد يحصل بالفعل لما ذكره المصنف بعده. قوله: (وإنما عذّ ليس الغيار) بكسر الغين المعجمة وفتح الياء المثناة التحتية تليها ألف وآخره راء مهملة.

قال في الحهذب أهل الذمّة يلزمهم الإمام الغيار والزنار، وفي شرحه الغيار أن يخيطوا

على ثيابهم الظاهرة ما يخالف لونه لونها وتكون الخياطة على خارج الكتف دون الذيل والأشبه أنه لا يختص حالكتف، والزنار كتفاح خيط غليظ يشد على أوساطهم خارج الثياب اهـ. وسمى غيار المغايرة لونه للون ما خيط عليه، أو لأنه يتغاير به أهل الذمّة، ومن قال:

263

الغيار قلنسوة طويلة كانت تلبس قبل الإسلام، وهرت من شعار الكفرة لم يدر حقيقته وفي تعبيره باللبس والشد ما يشير إلى تغايرهما، والزنار كان حزإما مخصوصا بالنصارى والمجوس. قوله: (لأنها تدلّ على التكذيب إلخ) أي تكذيب الرسول ﷺ فيما جاء به، وهذا جواب سؤال مقدر تقديره أنّ أهل الشرع حكموا على بعض الأفعال والأقوال بأنها كفر وليست إنكارًا من فاعلها ظاهرًا، فأجاب بأنها ليست كفرًا، وإنما هي دالة عليه فأقيم الدال مقام مدلوله حماية لحريم الدين، وذبا عن حماه حتى لا يحوم حوله أحد ويجتريء عليه، وليس بعض المنهيات

التي تقتضيها الشهوة النفسانية كذلك، ولذا ورد في الحديث: " وإن زنى وإن سرق " (1) فلا يرد على ما ذكر الاعتراض فأن ارتكاب المنهيّ إذا دل على التكذيب بطل طرده بغير المكفر من الفسق حتى يحتاج إلى أن يقال يجوز جعل الشارع بعض المنهيات علامة للتكذيب فيحكم بكفر مرتكبه، وقال ابن الهمام: اعتبروا في الإيمان لوازم يترب على عدمها ضده كتعظيم الله سبحانه وتعالى وأنبيائه عليهم الصلاة والسلام وكتبه، ولاعتبار التعظيم المنافي للاستخفاف كفروا بألفاظ، وأفعال كثيرة وأمّا لبس شعار الكفر سخرية بهم، وهزلًا ففي بعض الحواشي أنه ليس بكفر وليس ببعيد إذا قامت القرينة ولا يلزم مما مرّ تكفير أهل الباع من الفرق الإسلامية كما توهم. قوله: (واحتجت المعتزلة إلخ) اتفق المليون على أنه تعالى متكلم، ثم اختلفوا في المراد بالكلام وقدمه وحدوثه، لما رأوا قياسين متعارضين انتاجا وهما كلام الله صفة له، وكل ما هو صفة له قديم فكلام الله قديم، وكلام الله أي القرآن مؤلف من حروف مترتبة متعاقبة وكل ما هو كذلك حادث ضرورة فكلامه حادث، فاضطرّوا إلى القدح في أحدهما لامتناع حقيقة النقيضين، فمنعت كل طائفة مقدّمة فالحنابلة ذهبوا إلى أنه حروف، وأصوأت تديمة فمنعوا اقتضاء التعاقب للحدوث حتى لزمهم قدم الورق والجلد بل الكاتب والمجلد ونحوه، مما هو بين البطلان فقيل مرادهم التأدّب للاحتراز عن سريانه للنفسي، كما صرّح بعض الأشاعرة بمنع أن يقال القرآن مخلوق، والمعتزلة ذهبوا لحدوثه لتركبه من الحروف والأصوات، فقالوا هو قائم بغيره ومعنى كونه متكلما أنه موجد للكلام في جسم كاللوح أو جبريل أو النبيّ عليه الصلاة والسلام أو غيره كشجرة موسى عليه السلام ومنعوا اتصاف الله به رأسًا، والكرامية لما رأوا الجنابلة خالفوا الضرورة، وهو مكابرة والمعتزلة خالفوا العرف واللغة في جعل المتكلم موجد الكلام قالوا: هو حادث ويجوز قيامه بذاته، والأشاعرة قالوا كلامه قديم نفسيّ قائم بذاته لا بأصوات وحروف، ولا نزاع بينهم وبين المعتزلة في حدوث الكلام اللفظي إنما النزاع في إثبات النفسي، وذهب العضد تبعًا للشهرستاني إلى أنّ مذهب الشيخ أنه ألفاظ قديمة وأفرد لتحقيقه مقالة ذكر فيها أنّ المعنى يطلق تارة على مدلول اللفظ وعلى القائم بالغير، والشيخ لما قال الكلام هو المعنى النفسيب فهموا منه أنّ مراده مدلول اللفظ، وأنه القديم عنده والعبارات إنما تسمى كلاما مجازًا لدلالتها على الكلام الحقيقي حتى صرحوا بأنّ الًا لفاظ حادثة عنده، ولكنها ليست بكلام حقيقيّ، وقد قيل عليه أنّ له لوازم كثيرة الفساد كعدم تكفير من أنكر

كلامية ما بين الدفتين لله مع أنه معلوم من الدين بالضرورة، وكوقوع التحدّي بغير كلام الله تعالى حقيقة، وعدم كون المقروء المحفوظ كلام الله حقيقة وغير ذلك، فوجب حمل كلامه على إرادة المعنى الثاني فيكون الكلام النفسي عنده شاملًا للفظ، والمعنى معًا قائما بذاته تعالى والترتب والتعاقب إنما هو في اللفظ لعدم مساعدة الآلة ونظيره وقوع الحروف دفعة في الختم وأدلة الحدوث يجب حملها على الصفات المتعلقة بالكلام دونه جمعًا بين الأدلة. وقال الدواني: مبدأ الكلام النفسي فيناصفه نتمكن بها من نظم الحروف وترتيبها على ما ينطبق على المقصود، وهي صفة ضد الخرس مبدأ للكلام النفسي، وهي غير العلم إذ قد تتخلف عنه فإنّ في الناس من قد يعلم الكلام للغير ولا يقال إنه كلامه بل كلام من رتبه في نفسه، فكلامه تعالى الكلام المرتب في علمه الأزليّ الذي هو مبدأ للنظم وتاليفه، وهو صفة قديمة وكذا الكلمات بحسب وجودها العلمي، وليس كلامًا له إلًا ما أوجده مرتبًا بغير واسطة، ولا تعاقب فيه قبل الوجود الخارجيّ، وهذا مما لا محذور فيه، ومن هنا علم أنّ المعتزلة أنكروا الكلام وقدم الألفاظ

264

وقالوا: معنى تكلم الله خلقه الكلام، فالمراد بما ذكره المصنف أنّ ما عبر عنه بالماضي إمّا أن يحدث بعد مضيه أو لا، وعلى الثاني يلزم الكذب لأنه أخبر أزلًا عما لم يمض بأنه مضى، وهو محال فلزم حدوثه والحادث لا يقوم به، فالمراد بتكلمه خلقه له والمواد بالمخبر عنه النسبة التي يصدق بها لا المحكوم عليه، فأجيب عنه بأنّ المضيّ، ونحوه بالنسبة إلى بعض المتعلقات مع بعض آخر، ومعنى إنّ الذين كفروا مثلاَ بعد إرسالك من أصر على الكفر كذا، والمضيّ بالنسبة إلى الإرسال ونحوه ولا يلزم من حدوث التعفق حدوث المتعلق بالكسر كما أنّ حدوث المعلوم وتعلق العلم به لا يلزم منه حدوث نفس العلم، ومما يثير إليه قول الأصوليين المضيّ وغيره بالنسبة إلى زمان الحكم، لا إلى زمان التكلم كذا ينبغي أن يفهم كلام المصنف من غير نظر لبعض الأوهام كما قيل من أنه ذهب إلى قدم الألفاظ تبعًا للشهرستاني، وما قيل: من أنه إشارة إلى جواب الغزالي عن هذه الشبهة بأنّ نحو ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا﴾ [نوح: ا] قائم بذاته ومعناه قبل إرساله إنا نرسله وبعده إنا أرسلناه واختلاف اللفظ باختلاف الأحوال ولا محمل له غير هذا مع أن ما ذكره الغزاليّ لا يظهر له وجه مع أنهم قالوا: مدلول اللفظيّ بعينه هو النفسيّ فتأمّل، فإن قلت ليس هذا أوّل ماض وقع في التنزيل وقد سبق أنعمت ورزقنا فلم ذكره هنا 0

قلت: قد أشرنا إلى أنه بالنسبة إلى زمان الحكم لا التكلم وأنعمت ماض بالنسبة للهداية

وكذا رزقنا بالنسبة للإنفاق، وكذا أنزل بالنسبة إلى الإيمان فلا يتأتى الاحتجاج به بخلاف ما هنا فإنه كلام مبتدأ وزمان الحكم والتكلم فيه واحد، ولأرباب الحواشي هنا كلمات رأينا الضرب عنها صفحًا أنفع من ذكرها. قوله: (خبر إنّ إلخ) هو جار على الوجهين أمّا إذا كان مبتدأ وخبرا

فظاهر، وأمّا إذا كان ما بعده فاعله، فكذلك لكن أجرى الإعراب على جزئه الأوّل، كما في إنّ زيدا قائم أبوه لصلاحيته له بخلاف زيد يقوم وقام، فإنّ الخبر الجملة لا الفعل وحده. قوله: (اسم بمعنى الاستواء إلخ) أراد بالاسم اسم المصدر وهو المراد منه إذا قرن بالمصدر كما هنا، وفي غيره يراد به الجامد أو العلم واسم المصدر ما دل على معناه ولم يجر على وفق أبنية المصادر كالكلام، وللنحويين خلاف في أعماله عمل مصدره والأصح الجواز. وقوله: (نعت به كما نعت بالمصادر) أي المصادر القياسية، والًا فهو مصدر بحسب الأصل كما قاله الراغب، ونعت به بمعنى وصف به، والنعت والوصف بمعنى وقد فرق بينهما بعضهم فقال النعت لا يقال إلا في غير الله، كنعت الثوب والفرس، والرجلى ولا يقال نعوت الله بخلاف الوصف والصفة، وهما يكونان بمعنى التابم النحوي وبمعنى إثبات صفة لشيء مطلقًا سواء كان تابعًا أم لا، وهو المراد هنا لأنّ ما نحن فيه كذلك، فإنّ إرادة الأوّل لقوله يعده إلى كلمة سواء لأنه نعت نحوي، ويعلم حكم غيره بالقياس عليه تكلف من غير داع إليه، وأشار بقوله كما نعت بالمصادر إلى إفادته المبالغة، ولا ينافيه تفسيره بمستو لأنه بيان لحاصل المعنى المراد منه.

وفي الكشاف اسم بمعنى الاستواء وصف به كما يوصف بالمصادر إلخ فقال قدس سره:

أي كما تجري المصادر على ما اتصف بها كذلك تجري سواء على ما يتصف بالاستواء أي يجعل وصفًا له معنويًا إمّا نعتا / نحويا كما في كلمة سواء وأمّا غيره كما في هذه الآية فإن سواء هنا في موقع مستو إمّا حنبرا عما قبله ومسندا لما بعده كما يسند الفعل إلى فاعله فيجب حينئذ توحيده وامّا خبرًا عما بعده فيكون ترك تثنيته لجهة المصدرية وكأنه نبه على ذلك حيث قال: أوّلًا مستو عليهم، وثانيا سواء عليهم، واختار بعضهم الوجه الثاني، لأنه اسم غير صفة فالأصل فيه أن لا يعمل، وأيضا المقصود من ايوصف بالمصادر المبالغة في شأن محالها كأنها صارت عين ما قام بها، فزيد عدل كأنه تجسم منه، فإذا أولت باسم الفاعل، أو بتقدير مضاف فات المقصود إهـ. وفيه بحث لأنّ ما نقله من الاختيار وأقرّه ليس بشيء لأنّ قوله إنّ الأصل فيه أن لا يعمل لا وجه له لأنه مصدر والأصل فيه العمل على القول الأصح، فكأنّ هذا القائل توهم أن معنى الاسم في كلامهم اسم الجنس الجامد، وقد علمت أنه غير مراد. وقوله: (المقصود من الوصف إلخ) هو هنا أيضًا كذلك كما ستسمعه عن ابن الحاجب، وصرّج به الطيبي رحمه الله، وقد مرّ توجيهه فلا حاجة إلى ما قيل من أنه إذا أسند إلى الفاعل لا يفيد المبالغة، وان كان له وجه، وكذا ما قيل من أنّ المبالغة تكون بحسب اللفظ وبحسب المعنى، وهو يفيد الأولى كحذف أداة

265

التشبيه وإذا كان خبرا فقال في المفصل تقديمه على سبيل الوجوب، وفي إيضاح ابن الحاجب الظاهر أنه مما التزم فيه التقديم لأنه لم يسمع خلافه مع كثرته وسرّه ما فهم من المبالغة في معنى الاسنواء حتى فعلوا ما ذكرنا. من التعبير، فناسب تقديمه تنبيها على المبالغة، وقول أبي عليّ: سواء مبتدا لأنّ الجملة لا تكون مبتدأ مردود فأن

المعنى سواء عليهم الاستغفار وعدمه، وبأنه كان يلزم عود ضمير إليه ولا ضمير يعود في هذا الباب كله اهـ. وما قيل من أنه لا يحتاج إلى رابط لأنّ الجملة عين المبتدأ قيل إنه لا وجه له لأنه مخصوص بضمير الشأن كما في كتب العربية وليس كذلك، فإنهم صرّحوا بسماعه في غيره كقوله تعالى ﴿وَآيَةٌ لَّهُمْ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ [يس: 37] وسيأتي فيه كلام في سورة يس إن شاء الله تعالى. قوله: (رفع بأنه خبر إنّ إلخ) هذا أحد الوجوه في مثل هذا التركيب وتقديمه يوذن بترجيحه.

وقد اعترض عليه أبو حيان بأنّ فيه وقوع الجملة فاعلًا والجمهور على أنّ الفاعل لا يكون إلًا اسمًا مفردا، وستسمع ما يدفعه عن قريب ومن الناس من لم يتنبه له فجزم بوروده. وقوله في هذا الوجه مستو وفي الثاني سيان إشارة إلى أنّ حقه في الأوّل الإفراد وأن يؤوّل بمشتق، وفي الثاني التثنية إلا أنها تركت لأنه في الأصل لا يثنى ولا يجمع، ولذا قالوا إنّ العرب لم تثنه اسنغناء بثنية سيان عنه إلًا شذوذًا، وفي قول المصنف سيان إيماء إليه وهمزة سواء مبدلة من ياء وأصله سواي. قوله: (والفعل إنما يمتنع إلخ) شروع في دفع ما أورد على ما ذكر وهو أمور.

الأوّل أنّ الفعل لا يكون مخبرًا عنه.

الثاني أنه مبطل لصدارة الإستفهام.

الثالث أنّ الهمزة وأم موضوعان لأحد الأمرين، وسواء وكل ما يدل على الاستواء لا

يسند إلًا إلى متعدد، فلذا يقال استوى وجوده وعدمه ولا يصح أن يقال أو عدمه.

ولذا اختار الرضي وجها رابعًا وقال الذي يظهر لي أنّ سواء في مثله خبر مبتدأ محذوف تقديره الأمران سواء ثم بين الأمرين بقوله أقمت أم قعدت كما في قوله ﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاء عَلَيْكُمْ﴾ [الطور: 6 ا] أي الأمران سواء عليكم، وسواء لا يثنى ولا يجمع وكأنه في الأصل مصدر اهـ. فقوله والفعل إلخ جواب عن الأوّل، ولو بدل الإخبار بالإسناد وقال: يمتنع الإسناد إليه كان أحسن ليدفع ما يرد على ما قبله أيضا لكنه خصه لأنّ الكلام فيه، وكون الفاعل مثله يعلم بالمقايسة أيضًا واليه يشير قوله بعد هذا والإسناد إليه وقيل عليه المخبر عنه الجملة لا الفعل وحده، واعتذر له بأن جعل الفعل مع فاعله المضمر فرلأتسمح شائع، ولا حاجة إليه لأنّ الاخباو في الحقيقة عن الفعل المقيد بالفاعل فهو قيد للمسند إليه لا جزء منه فإن قلت: على تقدير كون سواء خبرًا كيف صح تقديمه مع التباسه بالفاعل قلت: قد صرّج النحاة بتخصيصه بالخبر الفعلي نحو زيد قام دون الصفة فإذا لم يمتنع في صريح الصفة فعدم امتناعه هنا أولى على كلام فيه سيأتي قي محله. وقوله: (تمام ما وضع له إلخ) تمام ما وضع له

هو الحدث والزمان، والنسبة إلى شيء مّا وهو الفاعل، وأمّا نفس الفاعل فلا يدلّ عليه وضعًا، فما قيل تمام ما وضع له مجموع ثلاثة أمور معنى المصدر وذات الفاعل وزمان مخصوص من الأزمنة الثلاثة غفلة عما حقق في الرسالة الوضعية وإطلاقه بمعنى استعماله وهو أعم من الوضع، والمراد بمطلق الحدث الحدث المجرّد عن الزمان لا الحدث الغير المنسوب إلى فاعل، فلا يرد عليه ما قيل من أنّ المراد في قوله تسمع بالمعيدي، وفي قوله يوم ينفع ليس مطلق السمع والنفع بل سماعك ونفع الصدق وهو وهم ظاهر، وإذا لم يرد تمام معناه فإمّا أن يراد جزؤه وهو مدلوله الضمني المشار إليه بقوله ضمنًا أو معنى آخر لم يوضع له، وهو لفظه سواء جرد عن المعنى نحو زعموا مطية الكذب أو لا كما في ﴿قُولُوا آمَنَّا﴾ [البقرة: 136] فإنّ المراد هذا اللفظ المراد معناه، وكون اللفظ لم يوضعلنفسه كما هو ظاهر كلام المصنف أو وضع له بوضع غير قصدّي مشهور، وقد مرّ في آخر الفاتحة، والمراد من الوضع إذا أطلق القصديّ فلا يرد عليه شيء على هذا أيضًا، والاتساع كالتوسع المراد به التجوّز، وهو أعم منه لأنه ة د يتوسع في بعض الألفاظ بنحو تقديم وتأخير من غير تجوّز، وكون الفعل في الإضافة بمعنى المصدر صرّح به النحاة وهو مراد المصنف قال ابن السراج في كتاب الأصول: القياس أن لا يضاف اسم إلى فعل ولكن العرب اتسعت في بعض المواضمع، فخصت أسماء الزمان بالإضافة إلى الأفعال لأنّ الزمان مضارع للفعل، لأنّ الفعل

266

بني له وصارت إضافة الزمان له كإضافته إلى مصدره، ومما يدل عليه ما قرّره ابن جني في قول طرفة:

من سديف يوم هاح الضبر

(أقول) عدل المصنف رحمه الله عما في الكشاف من تصحيح الإسناد إلى الفعل بقوله

هو من جنس الكلام المهجور فيه جانب اللفظ إلى جانب المعنى، وقد وجدنا العرب يميلون في مواضع من كلامهم مع المعاني ميلاَ بينًا من ذلك قولهم لا تثل السمك وتشرب اللبن معناه لا يكن منك كل السمك وشرب اللبن وإن كان ظاهر اللفظ على ما لا يصح من عطف الاسم على الفعل اهـ. وما في الكشاف هو المطابق للمنقول، والحق الحقيق بالقبول، وما ذكره المصئف لا وجه له لأنه أدّعى أنه استعمل فيه اللفظ في جزء معناه، وهو الحدث تجوّزا فلذا صح الاخبار عنه كما يجوز الإخبار عما يراد به مجرّد لفظه نحو ضرب ماض مفتوح الباء، وهو مما صرّحوا به لكن قوله إنّ نحو ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ﴾ [البقرة: 13] منه يقتضي أنّ كل مقول للقوق مما قصد به مجرّد لفظه، ساعا، وليس بصحيح فإنه أريد به معناه الموضوع له ولفظه إنما يدلّ على إرادة القول لا نفسه كما في المثال السابق ألا ترى قوله تعالى ﴿قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: 1] فلو لم يرد معناه الخبري لم يكذبوا (وما قيل) أنّ فوله على الاتساع متعلق بإرادة مطلق الحدث، فإنها هي المبنية على التوسع والتجوّز لا إرادة اللفظ فإنها لا تجوّز فيها عند التفتازاني ﴿لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِن جُوعٍ﴾ [الغاشية: 7] لمن له أدنى تدبر وكذا قوله إنّ الفعل المضاف إليه في قوله ﴿يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ﴾ [المائدة: 119] جرد للحدث اتساعا، فإنّ ينفع أريد به نفع فيما يستقبل من يوم القيامة فكيف لا يدل على الزمان وادّعاء مثله مكابرة، ألا ترى قود ﴿يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ﴾ [مريم: 33] وقوله ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ﴾ [القارعة: 5] فإنها ناطقة بإرادة الزمان والذي ذكره القوم إنه نظر فيه إلى المصدر ولوحظ لا أنه خص به، وهو كالتغليب ولا يلزم من التأويل خروجه عن حقيقته كما سياتي، وهذا هو الميل مع المعنى ففي كلام المصنف خال ظاهر يصدق قولهم كم ترك الأول للآخر، والعجب أنه لم يتنبه له شراح هذأ الكتاب وقال قدّس سرّه: الفعل إذا نظر إلى لفظه واعتبر معناه على ما يقتضيه ظاهره امتنع الاخبار عنه لكن هجر ههنا مقتضى لفظه، وأول بمعنى مصدر مضاف إلى فاعله فصح الإخبار عنه، ولو أجرى لا تاكل السمك إلخ على ظاهره لزم عطف الاسم وهو تشرب المنصوب على الفعل بل المفرد على جملة لا محل لها، فهو من قبيل ما هجر فيه جانب لفظه إلى معناه من حيث أنه أوّل لا تأكل السمك بما فيه اسم يصلح أن يعطف عليه أن تشرب أي لا يكن منك أكل السماث وشرب اللبن لا من حيث أنه جعل في تأويل مصدر على حدّ قوله ﴿؟ لأنذرتهم﴾ إلخ فإنّ الفرق بين (فإن قيل) هذه الواو بمعنى مع إذ المنهيّ هو الجمع فلو جعل ما بعدها مفعولًا معه كما في ما صنعت، وأباك استغنى عن التأويل.

(قلنا) بل يحتاج إليه لأنّ ما بعد الواو لا يصلح لمصاحبة معمول لا تأكل بل لمصاحبة معمول فعل يمال إليه أي لا يكن منك أكل السمك مع شرب اللبن يعني أنه نظر إلى المصدر في الآية، وفي لا تأكل إلخ وإن كان بينهما بون، فإن ما نحن فيه تركت فيه الحقيقة من كل وجه وفي ذاك الجملة باقية على حالها مستعملة في معناها، لكن هجر الأصل نظرا إلى العطف لا إلى نفسها كما في الكشف، وهذا مما اتفق عليه الشرّاح وما ذكره من السؤال وجوابه مما سبقه إليه الفاضل المحقق وهو مخالف لما حققه الرضي في بحث الحروف حيث قال تبعا لما في ضوء المصباح: لما قصدوا معنى الجمعية فيما بعد واو الصرف نصبوا المضارع بعدها، ليكون الصرف عن سنن الكلام المتقدّم مرشدا من أوّل الأمر إلى أنها ليست للعطف، فهي إذن إما واو الحال وأكثر دخولها على الاسمية، فالمضارع بعدها في تقدير مبتدأ محذوف الخبر، وإمّا بمعنى مع، وهي لا تدخل إلا على الاسم فقصدوا ههنا مصاحبة الفعل للفعل فنصبوا ما بعدها ولو جعلنا الواو عاطفة للمصدر على ملكمدر متصيده من الفعل قبله كما قاله النحاة لم

يكن فيه نصوصية على معنى الجمع، وكون واو العطف للجمعية قليل نحو كل رجل وضيعته، والأولى في قصد النصوصية في شيء على معنى أن يجعل على وجه يكون ظاهرًا فيما قصد النصوصية عليه اهـ والثقة بالفاضلين تأبى غفلتهما عما قاله نجم الأئمة نوّر الله مثواه، فكأنهما لم يرتضياه لأنّ ما قرّره النحاة

267

في باب المفعول معه ينافيه بحسب الظاهر، وليس هذا محل تفصيله ثم إنّ ما ذكره المصنف أيضًا يرد عليه إنّ ما ذكره من التجوّز في الفعل بإرادة جزء معناه، وهو الحدث لا يتأتى فيما إذا كان المعاد لأن بعد همزة التسوية أو أحدهما جملة اسمية كما في قوله ﴿سَوَاء عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَامِتُونَ﴾ [الأعراف: 193] لكته يدخل في الميل مع المعنى، وقد نقل ابن جني في إعراب الحماسة عن أبي علي رحمه الله أنه قال: الجملة المركبة من المبتدأ والخبر تقع موقع الفعل المنصوب بأن إذا انتصب وانصرف القول به، والرأي فيه إلى مذهب المصدر كقوله تعالى ﴿هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن شُرَكَاء فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاء﴾ [الروم: 28] (ووجدت أن في التنزيل) موضعًا لم يذكره، وهو قوله تعالى ﴿أَعِندَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى﴾ [النجم 35] أي فيرى ألا ترى أنّ الفاء جواب الإستفهام وهي تصرف الفعل بعدها إلى الانتصاب بأن مضمرة، وأن والفعل المنه صوب مصدر لا محالة، حتى كأنه قال أعنده غلم الغيب فرؤيته كما أنّ قوله تعالى ﴿فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاء﴾ [الروم: 28] في معنى هل بينكم شركة فاستواء هذا وجه السماع اهـ وهذا من نفيس الفوائد وستأتي تتمته في محله إن شاء الله تعالى. قوله: (تسمع بالمعيدي خير من أن تراه) فتسمع فيه بمعنى السماع على ما مرّ، وهو مبتدأ وخير خبر وما قالوه هنا إنما يتاتى على رفع تسمع من غير تقدير أن المصدرية فيه وهو رواية، وفيه روايات أخر نصب تسمع بأن مقدرة فيه.

وفي شرح الفصيح روي لا أن تراه وكان الكساتي يقول أن تسمع ويدخل فيه أن والعامّة

لا تدجلها وقال أبو عبيد: حذف أن أشهر، ويقولون تسمع بالرفع والنصب.

وقال الأستاذ: ليس فيه إسناد إلى الفعل كما ظنه بعضهم مستدلًا به وبقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ يريكم البرق﴾ [الروم: 24] وقول الشاعر:

وحق لمثلي يا بثينة يجزع

جعله مسندا إليه مبتدأ ونائب فاعل وهو فاسد لأنّ الفعل وضع لأن يخبر به لا عنه وما ذكروه أن مقدرة فيه، فهو اسم وقال الفرّاء تسمع بالمعيدي لا أن تراه لغة بني أسد وهي العليا وقيس تقول لأن تسمع بالمعيدي إلخ والمعيدي قال الكسائي تصغير معدي منسوب إلى معد بالتشديد وكان يروى المعيديّ بالتشديد ولم يسمع من غيره وقال سيبويه: خفف لكثرة دوره ولو حقر معدفي في غير المثل شدد، والمثل يضرب لمن تراه حقيرًا وقدره خطير وخبره أجل من مرآه وأوّل من قاله النعمان بن المنذر، وقيل المنذر بن ماء السماء والمعيدي رجل من بني

فهد، وقيل من بني كنانة واختلفط في اسمه فقيل صقعب بن عمرو، وقيل شقة بن ضمرة، وقيل ضمرة التميي، وكان صغير الجثة عظيم الهيئة، ولما قيل له ذلك قال أبيت اللعن إن الرجال ليسوا بجزر يراد بها الأجسام، وإنما المرء بأصغريه وقال الميداني: عدي تسمع بالباء لتضمته معنى تحدّث، وظاهر كلامهم أنه يعدّي بها حقيقة وقال قدس سرّه في بعض كتبه الفعل كضرب يشتمل على حدث، ونسبة مخصوصة بينه وبين فاعله، وتلك النسبة ملحوظة بينهما على أنها ا-لة لملاحظتهما على قياس معنى الحرف، فلا يصح أن يحكم عليه بشيء ولا أن يحكم به نعم جزؤه، وهو الحدث مأخوذ من مفهوم الفعل على أنه مسند إلى شيء آخر، فصار الفعل باعتبار جزئه محكوما به وأمّا باعتبار مجموع معناه فلا يكون محكومًا عليه ولا به أصلاَ اهـ.

وفيه بحث لا يخفى، وهو لا ينافي قول العلامة الفعل أبدًا خبر فتدبر. قوله: (وإنما عدل

هنا إلخ) جواب عن سؤال تقديره إذا صح الإسناد إليه لتجرده لمعنى الحدث وكونه بمعنى المصدر قيل، فلم لم يؤت بالمصدر على الأصل والحقيقة، فقال عدل عنه لنكتة ومعنى وسبب العدول وجه واحد وهو إيهام التجدد أو وجهان معنويّ، وهو المذكور ولفظيّ وهو حسن دخول الهمزة وأم لأنّ الإستفهام بالفعل أولى وقد اختار الثاني كثير من أوباب الحواشي بناء على أنّ قول المصئف رحمه الله وحسن دخول الهمزة حسن فيه اسم مجرور لعطفه على مجرور من قبله، وهو إيهام التجدّد، وفيه احتمالان آخران كما سيأتي بناء على أنّ السبب واحد وهو المطابق لما قاله الإمام، فإنه الذي أبدى هذه النكتة فقال في جواب السؤال معناه سواء عليك إنذارك لهم وعدمه بعد ذلك لأنّ القوم كانوا بالغوا في الإصرار واللجاج والإعراض عن الآيات والدلائل إلى حالة ما بقي فيهم البتة رجاء القبول بوجه وقبل ذلك ما كانوا كذلك، ولو قال إنذارك وعدم إنذارك لما أفاد أنّ هذا المعنى إنما حصل في هذا الوقت دون ما قبله، ولما قال " نذرتهم إلخ أفاد أنّ هذه الحالة إنما حصلت في هذا الوقت فكان

268

ذلك يفيد حصول اليأس وقطع الرجاء منهم والمقصود من هذه الآية ذلك اهـ. فإن قلت: التجدّد له معنيانا مطلق الحدوث، وهو الموجود في كل ماضميًا كان أو غير. لأنّ المفيد له مقارنة الزمان والحدوث في المستقبل مطلقًا، وهو الاستمرار التجذدي ويختص بالمضارع والأوّل محقق والثاني لا وجود له رأسًا فما الذي أراده المصنف قلت: قيل أراد الأوّل والفعل إنما يدلّ عليه إذا بقي على أصل معناه أمّا إذا جرّد عن الزمان للحدث كما هو هنا، فلم يتحقق فيه ذلك وإنما يتوهم نظر الظاهر الصيغة، وقيل المراد الثاني لأنّ الماضي بمعنى المضارع بقرينة قوله لا يؤمنون لكنه نظر إلى ظاهر الصيغة، فذكر الإيهام والأوّل أوفق بالمقام وكلام المصئف، والثاني مناسب للاقتداء بالإمام إلًا أنه لا يحلو من شيء لأنّ القول بأنه بمعنى المضارع مع القول بتجرّده للحدث جمع بين الضب والنون، فإن قلت ما وجه إيهام التجدّد هنا، قلت الدلالة على أنه أحدث ذلك،

وأوجده فادّى الأمانة وبلغ الرسالة وإنما لم يؤمنوا لسبق الشضاء، ودرك القضاء لا لتقصيرء "، فهو وإن أفاد اليأس فيه تسلية للنبيّ عليه الصلاة والسلام أيضا فلا يخفى ما فيه من الفوائد السنية. قوله: (وحسن دخول الهمزة وأم إلخ) حسن بفتح الحاء وضم السين ماض أو بضم الحاء وسكون السين اسبم مجرور كما تقدم أو مرفوع بالابتداء والجار والمجرور خبره وعلى الأوّل هو متعلق بحسن أو بدخول وعلى الثاني بحسن أو بقوله لتقرير، وكلام الإمام الذي هو مأخذه يبعد الأوّل وخير الأمور أوسطها والتقرير التحقيق والتئبيت، وهو قريب من التوكيد فهو كالتفسير له، وإنما عدل المصنف رحمه الله عن تقرير الاستواء الأخصر الأظهر إلى قوله تقرير معنى الاستواء، لأنه أراد به مجرّد مفهومه بقطع النظر عن الذهن والخارج، لأنه المتبادر من المعنى لأنه مطلق المفهوم وهو المراد بقوله أوّلًا اسم بمعنى الاستواء، فأعاد المعرفة برمّتها ليدلّ على أنها عينها ولا يصح أن يريد به مدلول سواء هنا لأنهما متغايران ومقتض التغاير التأسيس فتأكيده لما في ضمنها من المطلق، وما قيل من أنّ إقحام معنى لأنّ أصل معنى الاستواء قد حصل في علم المستفهم الذي قدر منه أن يستفهم بقوله ﴿؟ لانذرتهم أم لا﴾ لا معنى له أصلًا وبتقرير التقرير سقط ما قيل إنه ظاهر على تقدير الفاعلية، وأمّ على الابتداء فالوجه أنه لما تاخر المبتدأ لفظًا فذكر ما تضمنه الخبر المتقدم مع المبتدأ المتأخر لا يجعل الخبر لغوًا بل مقرّوًا ومؤكدا، وظن بعضهم أنّ ما ذكره المصنف رحمه الله عين ما في شروح الكشاف، وليس كذلك لأنّ الاستواء المستفاد من أم والهمزة عندهم غير ما يستفاد من سواء، فلا تأكيد ولا تقرير على تقريرهم اهـ. قوله: (فإنهما جرّدتا عن معنى الإستفهام إلخ) كلام المصنف رحمه الله هنا منتخب مما نقله الزمخشريّ عن سيبويه رحمه الله، وما على الرسول إلًا البلاغ، وعبارة سيبويه في باب ترجمته باب ما جرى على حرف النداء وصفًا له، وليس بمنادى يعني الاختضاص قال: أجري هذا على حرف النداء كما أنّ التسوية أجرت ما ليس باستخبار ولا اسنفهام على حرف الإستفهام، لأنك تسوّي فيه كما تسوي في الإستفهام، وذلك قولك ما أدري أفعل أم لم يفعل فجرى هذا كقولك أزيد عندك أم عمرو إذا استفهمت لأنّ علمك قد استوى فيهما، كما استوى عليك الأمرإن في الأوّل فهذا نظير الذي جرى على حرف النداء اهـ. قال السيرافيّ: يعني بحرف النداء أيها لأنها لا تستعمل إلًا في النداء وليس هنا بمنادى ولا يجوز دخول حرف النداء عليه، ولكنه استعمل للتخصيص لأنك تخص المنادي من بين من يحضرك بامرك ونهيك وغير ذلك، فاستعير لفظ أحدهما للآخر حيث شاركه في الاختصاص كما جعل حرف الاسنفهام لما ليس باستفهام لما اشتركا في التسوية إلخ. وكذا قال أبو عليّ؟ كما رأيناه في تأليفه وزبدة س مخصة الإفهام أنّ أم المعادلة للهمزة حقيقتها هنا الاستفهام عن أحد أمرين، فمعنى أكان كذا أم كذا أيّ الأمرين كان، ولا يستفهم عنهما إلًا من تصوّرهما فقد استويا في علمه واستوت أقدامهما على سطح فهمه من غير تقديم رجل على أخرى، وهذا مما

يلزم الإستفهام لزوما بينًا فلما لم يرد بهمزة التسوية ومعادلها حقيقتهما من الإستفهام تجوّز بهما عن معنى الواو العاطفة الدالة على اجتماع متعاطفيها في نسبة مّا من غير دلالة على تقدّم أو تأخر، وهذا مراد سيبويه بالتساوي والمعادلة، كما أشار إليه السيرافي

269

في شرحه ومثل هذا المعنى وان كان مرادا ولازما إلًا أنه لا يلاحظ في عنوان الموضوع بعد السبك كما لا يلاحظ معنى العاطف، فلا يقال في الترجمة هنا إلًا الإنذار وعدمه سواء من غير نظر إلى التساوي حتى يقال إنه إذا كان تقدير المبتدأ المتساويان يلغو حمل سواء عليه كما لغا سيد الجارية مالكها، فيدفع بأنّ التساوي فيه تساو في علم المستفهم وتساوي المحكوم به في عدم الفائدة في الخارج كما قالوا، ولو. كان ما ذكر لهذا لم يصح ذكره في نحو ما أدري وما أبالي أقمت أم قعدت ولا حمل فيه لسواء، وقد حام حول الحمى المولى الفناري فيما قاله من أنّ التجريد لمعنى الاستواء، لحديث اللغوية على ما يفهم من ظاهر قول المصنف أنه مقرّر، ومؤكد وفيه أنه لا يحصل المقصود بدون الحكم به فإنّ قوله ﴿؟ لأنلرتهم أم لم تنذرهم﴾ بدون سواء لا يفهم منه حقيقته، وما فهمه الشراح من الكشاف أنّ الاستواء الذي تضمنه الهمزة وأم استواء في علم المستفهم وما بعده في نفس الأمر، فالمعنى الإنذاو، وعدمه المستويان في علم المستفهم مستويان في نفس الأمر كما ذكره الرازي، وقال التفتازاني: معناه المستويان في علم المستفهم مستويان في عدم الفائدة، وقال الجمال الأقسراني: إنّ هذا كله تكلف لا يلائمه المقام إذ لا وجه للتعرّض لعلم المستفهم فضلًا عن التعرّض لاستواء الأمرين فيه وإنما الكلام في أنّ الهمزة وأم لما انسلخا عن معنى الإستفهام عن أحد الأمرين، وكانا مستويين في علم المستفهم جعلا مستويين في تعلق الحكم بكليهما، فانتقل قوله أأنذرتهم إلخ عن أن يكون المقصود أحدهما إلى أن يكون المراد كليهما، وهذا معنى الاستواء الموجود فيه فالحكم بالاسنواء في عدم النفع لم يحصل إلا من قوله ﴿سَوَاء عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ﴾ وظفرت بمثله عن أبي عليّ الفارسي اهـ.

وقال قدس سرّه: إن صاحب الكشاف أراد أنّ هذا معناهما في أصلهما ليظهر تضمنهما للاسنواء فيصح الحكم بتجريدهما لا أنّ الاستواء في علم المستفهم مقصود هنا كيف، وهما بعد التجريد لم يقعا في كلام مستفهم، وقيل أراد به أنّ الاستواء الذي جرّدتا له استواؤهما في علم المستفهم عند استعمالهما في الإستفهام وهنا قد ذهب، وبقي الاستواء في العلم وهذا أقرب إلى الحقيقة وأليق بقولهم جرّدتا لمعنى الاستواء منسلخًا عنهما الإستفهام لاقتضائه أنّ المراد بالاستواء هو الذي كان والًا لم يكن تجريدًا، والمستفاد من سواء الاستواء فيما سيق الكلام له كأنه قيل المستوياظ في علمك مستويان في عدم الجدوى، وهذا معنى ما نقل عن المصنف ومحصوله من أنّ هنا سؤالًا مقدرا وقع هذا عقبه فلأشير إلى الاستواء في علم ذلك المستفهم كأنه سال ربه لأنذرتهم أم لا، وعن أبي عليّ رحمه الله أنّ الفعلين مع الحرفين في تأويل اسمين معطوفين بالواو وهما الواقعان موقع الفاعل أو المبتدأ، ثم اختار أنّ سواء خبر

مبتدأ محذوف أي الأمران سواء عليّ ثم بينهما بقوله أقمت أم قعدت، والفعلان في مة ضى الشرط والاسمية قبله دالة على جوابه أي إن قمت أو قعدت فالأمران سواء.

ولذا كان الماضي في معنى المستقبل لتضمن معنى الشرط، واستهجن الأخفش كما في الحجة أن يقع بعدهما جملة ابتدائية ولولا تقدم الفعلية في قوله تعالى ﴿سَوَاء عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَامِتُونَ﴾ [الأعراف: 193] لم يجز واستقبح المضارع بعدهما أيضا ويؤيده أنه في التنزيل ماض، وإنما أفادت الهمزة الشرط لأن ان في المفروض! في الأغلب والإستفهام يستعمل فيما لم يتيقن فقامت مقامهما، ولذا جعلت أم بمعنى أو لأنها مثلها في إفادة أحد الشيئين ط ومما يرشد إلى أنّ سواء في مقام جواب ال! شرط لا خبر أنّ معنى سواء أقمت أم قعدت ولا أبالي معنى واحد وليس خبرًا فيه ب!، بمعنى إن قمت أو قعدت لا أبالي بهما وكذا قوله:

سيان عندي إن برّوا وإن فجروا ~ فليس يجري على أمثالهم قلم

وانما اختصت الهمزة وأم في التسوية بما بعد سواء وما أبالي وما يجري مجراهما، لأنّ المراد التسوية في الشرط بين أمرين، فاشترط فيما يقع خبرا أن يشتمل على معنى الاستواء قضاء لحق المناسبة ولذا وجب تكرير الشرط وعلى هذا الجملة الشرطية خبر إنّ اهـ.

(أقول) قد عرفت المراد بالتسوية هنا على وجه يزيل هذه التكلفات، وأنّ قولهم التجريد يوهم أنه مجاز مرسل استعمل فيه الكل في جزئه، وهو

270

إمّا استعارة أو مستعمل في لازم معناه فرية بلا مرية، وما ذكر من السؤال لا وجه له خصوصا والسورة مدنية وهو صقى الله عليه وسلم قد أمر بالتبليغ قبل الهجرة فكيف يتأتى السؤال، وما نقل عن أبي عليّ صرّح في القصريات بخلافه وقال إنه لا يجوز العطف بأو بعدها حتى قال في المغني إنه من لحن الفقهاء وقال السيرافي في شرح الكتاب سواء إذا دخلت بعدها ألف الإستفهام لزمت أم كقولك سواء عليّ أقمت أم قعدث فإذا عطف بعدها أحد اسمين على آخر عطف بالواو لا غير نحو سواء عندي زيد وعمرو، فإذا كان بعدها فعلان بغير اسنفهام عطف أحدهما على الآخر بأو كقولك سواء عليّ قمت أو قعدت، فإن كان بعدها مصدران نحو سواء عليّ قيامك وقعودك فلك العطف بالواو وبأو وإنما دخلت في الفعلين بغير استفهام لما فيهما من معنى المجازاة فإذا قلت سواء عليّ قمت أو قعدت، ثتقديره إن قمت أو قعدت فهما عليّ سواء اهـ، وهذا مخالف لما نقل عن أبي عليّ رحمه الله، وقوله واستهجن الأخفش إلخ يعارضه قول السيرافي أيضًا البدء بالفعل ههنا أحسن وقد يعادل بالفعلى والفاعل المبتدأ والخبر لاستواء المعنى في ذلك كقوله تعالى ﴿سَوَاء عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَامِتُونَ﴾ [الأعراف: 193] وان شئت قلت سواء عليكم أنتم داعون لهم أم أنتم صامتون عنهم وسواء عليكم أهم مدعوّون لكم أم هم

متروكون اهـ وما ذكر. من العطف بأو يأباه تصريحهم بخلافه، وأنّ معنى الشرط إنما يلاحظ إذا لم يكن استفهام وما ذكره من البيت لا حجة فيه، لأنه كما صرّح به في أواخر شرح الكافية لابن سينا وكلام مثله لا يستأنس به فضلًا عن أن يحتج به، وهو في الحقيقة له من قصيدة أوّلها:

يا ربع نكرك الأحداث والقدم ~ فصار عينك كالآثار تتهم

قوله (كما جرّدت حروف النداء عن الطلب إلخ) المراد بالطلب طلب إقبال المنادى، لأنّ

النداء إنشاء إذ ليس المراد إخبار المتكلم بأنه ينادي وأنث جرّدت لتأنيث الجمع، وهو حروف جمع حرف وفي نسخة حرف بالإفراد فيقرأ جرّدت بتاء الفاعل المخاطب، وهذه وان كانت أقل فهي أقعد، والمراد بحرف النداء أيها لأنها لا تستعمل إلًا في النداء فالحرف بيمعنى الكلمة، وآثر المصنف هذه العبارة تبرّكا لأنها عبارة سيبويه والمتقدمين، فجمعها باعتبار أفرادها، وأيتها بضم التاء مؤنث أيّ وهي يجوز تأنيثها إذا وصفت بمؤنث كقوله تعالى ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ [الفجر: 27] وقد كان منادى مبنيا وها بعده حرف تنبيه ويلزم وصفه بمعرّف بأل أو بموصول أو اسم إشارة كما ذكر النحاة ويلزم رفع صفتها، كما في النداء لأن منقول منه إلى الاختصاص ومجموع أيتها العصابة في محل نصب لوقوعه موقع الحال أي مختصا من بين الرجال والطوائف ونحوه، مما يقتضيه لفظه والعصابة صفته ومعناه طائفة من الناس، وقيل هو من العشرة إلى الأربعين كالعصبة ويختص بالرجال، وجمعه عصب كغرفة وغرف والاختصاص والتخصيص لغة الانفراد والإفراد، وفي اصطلاج النحاة قصد المتكلم بعد ضمير ونحوه إلى ذكر اسم ليخصه بحكم ينسبه إليه فيأتي به على صورة المنادى مجريًا عليه أحكامه إلا ذكر حرفه لما بينهما من المناسبة إذ المنادى يختص بالخطاب من بين أمثاله، فنقل من الاختصاص بالخطاب إلى الاختصاص بالحكم كما نقلت الهمزة وأم من الإستفهام إلى التسوية كما مرّ والمراد بالتخصيص الاختصاص في الإثبات والذكر، وهو أعمّ من الحصر، فما قيل من أنّ استعمال النداء في الاختصاص محل خفاء بناء على أنه فهم منه الحصر ليس بشيء. (واعلم) أنّ على هنا باعتبار أصل معناه لأنه يتعذى بعلى فيقال استوى على الأرض قال تعالى ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: 45] وقيل: إنها بمعنى عند وفي المغني على تجيء للظرفية، ولذا فسره في اللباب: بمستو عندهم وقيل على هنا للمضرّة كدعا عليه، وليس بشيء لأنّ سواء استعمل مع على مطلقًا فتقول مودّني دائمة سواء عليّ أزرت أم لم تزر، وبما مرّ علم أنه ليس في قوله حرف النداء خلل كما قيل: إنه غير مطابق لنفس الأمر لأنّ باب الاختصاص لم تجرّد فيه حروف النداء بل لا وجود لحرف النداء فيه أصلاَ لا لفظا ولا تقديرًا كما اتفق النحاة عليه، وعبارة الكشاف في غاية الحسن لسلامتها مما ذكر، وقد تؤوّل العبارة على أنه أراد بالحروف الكلمات الجارية في الاختصاص، وهي الأسماء التي على صورة

المنادى لا الحروف التي هي يا وأخواتها

271