حاشية الشهاب على تفسير البيضاويالجزء 7 · ص 355 - 369

المؤمن (1 من 2)

الجلال هي الصفات السلبية وصفات الإكرام لثبوتية والدال عى الأول هنا قوله: سبحان وعلى الثانية: الحمد والمراد بالعليين الملائكة مطلقا أو حملة العرس، وقوله: تلذذًا أي لا تكليفا لأنهم خارجون عن خطة التكلف والتكليف، والدال على أنه منتهى درجاتهم أنهم إذا كانوا حول الحرشن فهم في أجل الأماكن وهو أعظم مقاماتهم فما يشتغلون به ثمة الظاهر إنه أنفس ما عندهم وفيه نظر. قوله: (بينا الخلق الخ (لأن القضاء- المعروف يكون بينهم ولوضوحه لا يضرّ كون ضميره لغير الملائكة إذ التفكيك لا يمتنع مطلقا كما توهم. قوله: (والقائلون) أي لهذا القول الخ لأنّ حمدهم يقتضي أنهم ممن قضى لهم لا عليهم، وكونه لمطلق العباد كضا في الكشاف غير ظاهر، ولذا خالفه المصنف إذ حمد من يعذب نادر وذكره غير مهمّ فلعل ما ذكره أراد به أن الحمد من عموم الخلق المقضي بينهم هنا إشارة إلى التمام، وفصل الخصام كما يقوله المنصرفون من مجلس حكومة ونحوها فيحمده المؤمنون لظهور حقهم، وغيرهم لعدله واستراحتهم من انتظار الفصل وما قيل من إنه إظهار للرضا والتسليم بل للحكم بالعدل بينهم في غاية البعد، وإذا كان الحامد المؤمنين كما اختاره المصنف، وقد مرّ حمدهم مرّة أخرى فيكون لئلا يكون فيه تكرار الأوّل على إنجار وعده بإيراث الجنة وهذا على

القضاء بالحق لهم، وقيل الأوّل للفصل والتفرقة بين الفريقين بحسب الوعد، والوعيد والسخط والرضا وهذا للتفرقة بينهم بالأبدان ففريق في السعير، وفريق في الجنان والأوّل أحسن. قوله: (عن النبتي ﷺ (هو حديث موضوع، وقوله: الخائفين لما ذكر فيها من الإنذار وكأنه الحافين فحرّف ولا بعد فيه، وقوله أنه ﷺ يقرأ كل ليلة الخ رواه الترمذي فليس بموضوع، تمت السورة والحمد لله على أنعامه والصلاة والسلام على أشرف مخلوقاته وعلى آله وصحبه أجمعين.

المؤمن

سورة المؤمن

وتسمى سورة غافر وسورة الطول.

بسم الله الرحمن الرحيم

وأعلم أن هذه السور المبدوأة بحم يقال لها آل حم والحواميم جمع حم وما قاله ابن الجوزي تبعا للجواليقي والحريري من أنه خطأ ليس بصحيح كما فصلته في شرح الدرة. قوله: (مكية (بلا خلاف، وإنما الخلاف في الاستثناء فقيل: استثنى منها قوله: وسبح بحمد ربك لأن الصلاة نزلت بالمدينة كما في الكشاف وقد رد بأن الصلاة إنما نزلت بمكة بلا خلاف ولو سلم فلا يتعين إرادة الصلاة بالتسبيح فيها وسيأتي ما فيه ثمة، وقيل: أيضا إلا قوله إن الذين يجادلون الآية فإنها مدنية نزلت في إليهود لما ذكر والدجال، واختلف في عدد آياتها فهي تزيد على ثمانين فقيل بآيتين، وقيل بأربع وفيل بخمس، وقيل بست وأمّا قول المصنف رحمه الله ثمان فلم بذكره أحد سواه فهو تحريف عن ثناتان وفيه نظر. قوله:) صريحًا (أي إمالة تافة لا بين بين، والتحريك لالتقاء الساكنين على أنه مبنيئ على الفتح كأين وكيف وقوله النصب عطف على التحريك لا على فتح الميم لركاكة معناه وهو على أنه معرب ولو عطفه بأو كان أولى ولم ينوّن لأنه ممنوع من الصرف كما ذكره والتأنيث لأنه بمعنى السورة، وقوله زنة الأعجمي أي على وزن يختص أو يكثر في الأسماء العجمية كفاعيل، وهذا هو العجمة المذكورة في موانع الصرف لا أمر آخر زائد عليها، وهو منقول عن سيبويه لأن العجمة إمّا حقيقية وهي ظاهرة أو غير حقيقية بأن يخالف المعروف في مفرداتهم فيلحق بالأعجميئ، ويسمى شبه العجمة فليس بتأويل كما توهم وفي الكشف إن الأولى أن يعلل بالتعريف، والتركيب وهو وجه آخر ولكل وجهة ولم يذكر إعراب تنزيل الكتاب لأنه مرّ تفصيله في أوّل انزمر. قوله: الما في القرآن من الإعجاز والحكم) فإعجازه لأنه كلام إله قدير لا يغالب فلذا ذكر العزيز ولاشتماله على الحكم البليغة البالغة ذكر العليم لأن البليغ علمه بالأشياء يكون حكيما، وناطقًا بالحكمة فلذا قيل: العليم، ولم يقل الحكيم تفننا لأنه مرّ في أوّل الزمر، وأما مناسبته للكتاب فهي مشتركة فسقط

ما قيل إنه لا يعلم منه إيثار العليم على الحكيم هنا! فكان الظاهر إبدال

355

قوله: الحكم بأنواع العلوم التي يضيق عنها نطاق الإفهام. قوله: (صفات أخر الخ) أي هذه صفات لله كما أن العزيز العليم كذلك، وذكر الغافر، وقابل التوب وذي الطول للترتيب وذكر شديد العقاب للترهيب والمجموع للحث على المقصود من إنزاله وهو المذكور بعده من التوحيد والإيمان بالبعث المستلزم للإيمان بما سواهما والإقبال على الله وجعل الإضافة فيه حقيقية لا لفظية ليصح وصف المعرفة به. قوله: (على أنه لم يرد الخ) على إمّا للاستعلاء أي مبنيّ على ذلك أوللتعليل كما في قوله على ما هداكم، وهذا إشارة إلى ما قاله الإمام من أنه لا نزاع في جعل غافر، وقابل صفة لأنهما يفيدان معنى الدوام والاستمرار وكذا شديد العقاب لأن صفاته تعالى منزهة عن الحدوث، والتجدد قال أبو حيان: وهذا كلام من لا يعرف النحو ولا نظر فيه للزوم كون عليم وحليم معارف فيكون تعريفها بأل وتنكيرها سواء وهو تعصب منه، وقد تقدم في الفاتحة تحقيقه والمراد أنها تقبل التعريف والتنكير باعتبار تعين متعلقها وعدمه، والإضافة للمعمول لفظية فإذا قصد الاستمرار ألحق بالأسماء الجامدة فتكون إضافته معنوية معزفة كما حققه الرضى، وغيره وقد مرّ ما فيه. قوله: (وأريد بشديد العقاب مشدّه (بزنة اسم الفاعل من أشده أي جعله شديدًا إشارة إلى دفع ما قاله النحاة من أن سيجويه رحمه الله قال: إضافة الصفات لفظية، ويجوز أن تجعل محضة ويوصف بها المعارف إذا لم تعمل إلا الصفة المشبهة وشديد منها، وهذا لا يرد على مذهب الكوفيين القائلين بأنها كغيرها من الصفات قد تكون إضافتها محضة أمّا على ما ذهب إليه غيرهم يقولون إنها مؤوّلة باسم الفاعل لتعطي حكمه فشديد بمعنى مشد كاذين بمعنى مؤذن. قوله: (أو الشديد عقابه) يعني أنه معرّف بالألف واللام، وأصله الشديد العقاب فحذفت لمشاكلة ما معه من الأوصاف المجرّدة من الألف اللام والمقدر في حكم الموجود، والمراد بالازدواج هنا المشاكلة وهي مرجحة له والمصحح أمن الإلباس بغير الصفة لوقوعه بين الصفات، واحتمال كونه بدلًا وحده لا يلتفت إليه. قوله: (أو إبدال) جمع بدل معطوف على قوله صفات، ولا يرد عليه قفة البدل في المشتقات ولا إن النكرة لا تبدل من المعرفة ما لم توصف ولا إن تعدد البدل لم يذكره النحاة كما قيل لأن النحاة صرّحوا بخلافه في الجميع وللدماميني فيه كلام طويل الذيل في أول شرح الجزرية لا يسعه هذا المقام فإن أردته فانظر فيه، وقوله: مشوّس للنظم أي لما فيه من الإلباس، والفصل بين الصفات بالبدل وتنافي غرضيهما فإن الإبدال تجعله في نية الطرج ووصفه يقتضي أنه متبوع مقصود من الكلام. قوله: (وتوسيط الواو بين الأولين الخ) بيان لوجه العطف وتركه فيما عداه

مع إن العطف وتركه يجري في الصفات والإبدال على القول بتعددها، وقوله: بين الأولين يعني من أولى صفات الترغيب والترهيب، وقوله: لإفادة الجمع فيه نظر لأنه إن أراد بلازم اجتماعهما كما حمل عليه كلام الزمخشري فهو نزعة اعتزالية إذ لا عفو عن الكبائر عندهم بدون توبة، وان أراد اجتماعهما في الجملة فغيره كذلك، والظاهر أنه أراد أن بينهما اجتماعا وعدم تناف كما بين العقاب والطول. قوله:) أو تغاير الوصفين الخ) يعني عطف لدفع توهم الاتحاد بينهما وقوله: موقع الفعلين، وهما ستر الذنب الذي هو معنى المغفرة وقبول التوبة عنه فإنه موقع الأول ذنب باق وموقع الثاني ذنب زائل ممحوّ، والمراد ببقائه إنه باق في صحائف سيآته لا ينمحي ما لم يتب وان لم يعاقب عليه فإذا تاب محي وكتب له حسنة بدلًا منه. قوله: (التائب من الذنب كمن لا ذنب له) وجه التشبيه فيه أن كلًا منهما لم يكتب عليه ذنب، والتارك للذنب عمدًا مثاب كالتائب فإنه يثاب بالتوبة ومغفرة ذنبه بستره، وثوابه بتوبته كل منهما بفضل الله وكرمه فلا يخالف مذهب أهل الحق، وهذا أيضا غير مخالف لما تقدم مع أنه لو خالفه لم يكن فيه ضير لأنّ كلًا منهما وجود نكتة مستقلة فلا يرد عليه شيء، وقوله: جمعها أي جمع التوبة، والمراد إنه اسم جمعيّ كتمر وتمرة. قوله:) والطول الفضل بترك العقاب المستحق (الطول في اللغة التفضل، والظاهر منه إنه الثواب والإنعام فالمتبادر أنه يفسره به أو بما يعتم الثواب، وترك العقاب أمّا تخصيصه بالثاني كما فعله المصنف فقد قيل عليه إنه خلاف الظاهر مع أنه مكرّر مع قوله غافر الذنب فكان الداعي له ذكره بعد شديد العقاب كأنه قال: إن شاء عاقب وان شاء ترك، وقيل الأنعام لما كان بمقتضى وعده كان كالواجب اللازم

356

والفضل لما لم يكن كذلك فسره به ولا يخفى بعده. قوله: (دليل رجحانها) أي الرحمة يعني زيادتها وسبقها فلذا عدد ما يدلّ على الرحمة، وأفرد ما دلّ على خلافها، وقوله: لا إله الخ مستأنفة أو حالية لا صفة لله ولا لشديد العقاب كما توهم، وقوله: فيجب الخ يعني أن المراد بهذا وبما بعده إن عبادته وطاعته واجبة وإنه المثيب والمعاقب لأنه أتمّ فائدة وأنسب بالمقام. قوله:) سجل بالكفر ملى المجادلين الخ (أي أثبت ذلك لهم كما يثبت الشيء في السجل، وقوله: بالطعن متعلق بالمجادلين والإدحاض الإبطال والإزالة والإدحاض على زعمهم، أو هو بتقدير مضاف أي

وقصد إدحاض الحق وازالته، وعقده جمع عقدة وهي المشكل والخفيّ مما يتمسك به أهل الأهواء والزيغ الميل عن الحق، وقوله: بالتنكير يعني به أنّ تنكيره في الحديث للتبعيض فيفيد أنّ بعضه كفر وضلال كما أنّ بعضه جهاد في المبطلين، وعبادة فليست المجادلة فيه مذمومة مطلقا، وقوله: مع أنه ليس جدالًا فيه الخ جواب آخر إفا بأن البحث في القرآن ليس جدالا أصلا لأنه إنما يستعمل في المخاصمة الباطلة إذ هو من جدل الحبل إذا فتله لما فيه من العدول عن الحق أو البحث جدال عنه لا فيه فإنه يتعدى بعن إذا كان للمنع عن الحق، وبفي بخلافه كما ذكره الإمام وبالباء أيضا كما في قوله: ﴿وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ وفيه بحث. قوله تعالى: (﴿فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ﴾) مسبب عما قبله أي إذا علمت أنّ هؤلاء كفرة خسروا الدنيا والآخرة فلا تلتفت لاستدراجهم بتوسعة الرزق عليهم وإمهالهم فإن عاقبتهم الهلاك كما فعل بمن قبلهم من أمثالهم، وإليه أشار بقوله فإنهم مأخوذون عن قريب لقلة زمان الدنيا، ولأن كل آت قريب والتقلب الخروج من أرض! لأخرى، وقوله في بلاد الشام واليمن إشارة إلى أنّ المراد كفار قريش وتقلبهم رحلة الشتاء لليمن، ورحلة الصيف للشام. قوله: (تحزبوا على الرسل (أي اجتمعوا ناصبوهم بمعنى عادوهم، وقوله بعد قوم نوج مأخوذ من ذكرهم بعدهم، وقوله: برسولها رعاية للفظ الأمّة والقراءة المشهورة نظر لمعناها. قوله: اليتمكنوا من إصابته بما أرادوا) يعني أنه ليس المراد بالأخذ ظاهره بل هو كناية عن التمكن من إيقاع ما يريدونه به لأنّ من أخذ شيئا تمكن من الفعل فيه، وقوله: وقتل بالتاء المثناة الفوقية والتمكن منه لا يستلزمه إذ المتمكن من الشيء قد لا يفعله لمانع وغيره، وقوله من الأخذ بمعنى الأسر فإنه يقال للأسير أخيذ فهو مأخوذ منه فكني به عما ذكر، والتمكن من القتل لا ينافي الأسر كما توهم، وفي بعض النسخ وقيل بالقاف والياء التحتية فيكون الأخذ في الآية بمعنى الأسر، والأولى هي الموافقة لما في الكشاف، والمناسبة للمقام وجزالة المعنى. قوله:) فأخذتهم بالإهلاك جزاء لهم (يعني أنّ المراد بالأخذ مجازًا أو كناية هنا ما في الدنيا من الهلاك المستأصل لهم، وقوله: جزاء لهم يعني على الهمّ بالأخذ لأنّ المتبادر من الجزاء إنه من جنس المجزي فخصه كالزمخشري بالمتوسط بين التكذيب ومجادلة الإدحاض، ولا يرد عليه إنه يفوت به رعاية جانب المعنى لأجل مناسبة لفظية لأنه إذا عجل عقوبة أهونها الذي هو مجرد

القصد، والهمّ دالّ على أنه يعذبهم على قرينته في الآخرة أشدّ العذاب كما دلّ عليه ما بعده ففيه محافظة على جانب المعنى مع مناسبة مقابلة الأخذ بالأخذ كما فصله السعد في شرح الكشاف وغيره. قوله: (فإنكم تمرّون على ديارهم الخ) مناسبة لما قبله من تقلبهم في البلاد، ورؤية أثر العقاب تؤخذ من سؤالهم لأنه إنما يسأل عن الشيء من يعرفه، وقوله: وهو تقرير ًاي تثبيت وتأكيد لهلاكهم أو حمل لهؤلاء على الإقرار به مع ما فيه من تعجيب السامعين مما وقع لهم أو من عدم اعتباره هؤلاء به، وقوله: وعيده الخ فسرها به لأن الكلمة بمعنى الكلام، والمراد به مدلوله أو حكمه به وقد مرّ تحقيقه، وقوله: بكفرهم إشارة إلى أنّ التعريق بما هو في حكم المشتق يفيد العلية. قوله: (بدل الكل (إن كان المراد بالكلية قوله أو حكمه بأنهم أصحاب النار فهو بدل كل فإن كان أعمّ فهو بدل اشتمال قال الراغب: القضية تسمى كلمة قولا أو فعلا فقوله: على إرادة اللفظ أو المعنى يحتمل رجوعه إلى الكلمة فيكون راجعا إلى الوجهين أي هو بدل كل من كل واشتمال على هذين الاحتمالين، ويحتمل عوده إلى أنهم أصحاب النار على اللف والنشر المرتب فهو بدل كل إن أريد لفظه، واشتمال إن أريد معناه كما قيل

357

وفيه نظر وأمّا كون بدل البعض والاشتمال لا بد له من ضمير يرجع إلى المبدل منه فليس بكلي لأنه إذا ظهرت الملابسة بينهما كما في قوله: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾ [سورة البروج، الآية: 4] استغنى عنه كما صرّحوا به، وفيه وجه آخر وهو إنّ التقدير لأنهم الخ فهو علة للوعيد. قوله:) الكروبيون أعلى طبقات الملائكة) الكروبيون جمع كروبي بفتح الكاف وضم الراء المهملة المخففة، وتشديدها خطأ ثم واو بعدها باء موحدة، ثم ياء مشددة من كرب بمعنى قرب وقد توقف بعضهم في سماعه من العرب وأثبته أبو علي الفارسي البغدادي واستشهد له بقوله:

كروبية منهم ركوع وسجد

وفيه دلالة على المبالغة في قربهم بصيغة فعول والياء فإنها تزاد لذلك وقيل الكرب أيضا

شدة القرب، وهم سادة الملائكة كما في الفائق كجبريل وإسرافيل وقال البيهقي إنهم ملائكة

والعذاب فهو عنده من الكرب بمعنى الشدّة، والحزن كما صرّج به ويجوز أخذه منه على المعنى " الأوّل أيضا لشذة خوفهم من الله وكلام المصنف على أن الكروبيين هم حملة العرش، وقال الرئيس ابن سينا في رسالة الملائكة إنهم غيرهم وعبارته الكروبيون هم العامرون لعرصات التيه إلا على الواقفوان في الموقف الأكرم زمرًا الناظرون إلى المنظر الأبهى نظرًا وهم الملائكة

المقرّبون، والأزواج المبرّؤون، وأما الملائكة العاملون فهم حملة العرش والكرسي، وعمار السموات انتهى. قوله؟ (مجاز عن حفظهم الخ) حمل العرس ظاهر هنا وأما ذكره الحفيف فيحتمل أن يكون استطرادا، ويحتمل أنه تفسير لمن حوله هنا لأنه بمعنى حافين وهو الظاهر، ولا مانع من حملهما على الحقيقة وهو ظاهر الأحاديث والآيات، وما ذكره كلام الحكماء وأكثر المتكلمين والمراد بالحفظ والتدبير له أن لا يعرض له ما يخل به أو بشيء من أحواله التي لا يعلمها إلا الله ولما كانت الكناية والمجاز لا يجتمعان في لفظ واحد حملوه على اللف، والنشر المرتب بجعل المجاز للحمل والكناية للحفيف والتخصيص كما قيل لأن العرش كرى في حيزه الطبيعي فلا يحتاج لحامل ففيه قرينة عقلية على منع إرادة المعنى الحقيقي، وأما الحفيف والطواف به فلا مانع من إرادته منه فيكون كناية لأنّ هذا شأنها وفيه نظر لأن عدم احتياجه له لا يصيره مجازًا لأنّ الكناية يكفي فيها إمكان المعنى الحقيقي لا إرادته منه بالفعل وهو موجود هنا فتدبر، وقوله: أولهم وجودا مثله لا يعرف إلا بسماع من أفق الوحي، وقوله الكروبيون الخ تفسير للذين يحملون العرس ومن حوله لا لأحدهما كما يدل عليه كلامه. قوله: (من صفات الجلال واكرام (بيان لمجامع الثناء وقد مرّ بيانه بأن صفات الجلال هي السلبية التي دل عليها التسبيح والتنزيه والإكرام الصفات الثبوتية، وأما قول القشيري وصف الجلال ما حقق العز والإكرام إنعام خاص والجلال ثبوت العلوّ والرفعة، وقول بعضهم الجلال صفات القهر والإكرام صفات اللطف فليس بمراد هنا. قوله: (وجعل التسبيح أصلاَ الا يخفى أنه حيث ورد في الذكر سواء كان من الملائكة أو البشر ورد هكذا فالأولى أن يوجه بأن التسبيح تحلية مقدمة على التحميد الذي هو تحلية، وإنما دلت الحالية على مقتضى حالهم لأن معناه ملتبسين بحمده فيدل على تلبسهم به قبله، ومعه وانه ديدنهم فلا يتوهم أنّ مقتضى الحال ينبغي أن يصدر ويؤسس به المقال لكنه إنما كان كذلك لأنهم يعظمون الله دائما والحمد الوصف الجميل، وإنما يقع التنزيه إذا رأوا نسبة بعض البشر له ما هو منزه عنه، ففي قولهم مقتضى حالهم لطف لا يخفى لأنه حال. قوله: (إظهارًا لفضله وتعظيمًا لأهله (يعني أنّ الملائكة خصوصا الخواص منهم لا يتصوّر منهم الإيمان حتى يخبر به عنهم هنا فليس فيه فائدة الخبر ولا لازمها لأنه يفهم من تسبيحهم حامدين فدفعه بأن المقصود من ذكره مدح الإيمان وتعظيم الله لأهله وهذا في الخير نظير ما مرّ في الصفة المادحة للموصوف إنها قد تكون لمدح الصفة نفسها كما في وصف الأنبياء بالصلاج، وقوله: مساق اية لذلك أي لإظهار فضله وتعظيم أهله لأنّ دعاء الملائكة واستغفارهم يدلّ على شرفهم، ولو لم يكن القصد هذا لم يكن لذكره بين

أحوال الكفرة شأن يليق به. قوله:) كما صرّح به (أي بإظهار فضله وفضل أهله، وهو إن لم يكن صريحا لكنه لظهوره بمنزلة الصريح لأنّ دعاء الملائكة للمؤمنين تعظيم لهم بلا مرية، وتعظيمهم للإيمان بالطريق الأولى لأنهم إنما شرفوا فلا يرد عليه ما قيل إنه ليس بصريح. قوله:) وإشهارًا الخ (لأنه سبحانه

358

وتعالى لو كان مستويا على العرس كما تستوي الأجسام كان من حوله شاهدًا له فلا يطلق عليه مؤمن بالله لأنه لا يقال لمن يشاهد الشمس إنه مصدق، ومذعن بالشمس ولو قيل كان مما يتعجب منه بل يقال رآها وعاينها، قيل لو أبدل قوله في معرفته بقوله من الإيمان به كما في الكشاف كان أويى وفيه نظر لأن المراد بالمعرفة الإقرار بوجوده على ما يليق به، وقد يعتذر للشارح المحقق بأن ما ذكر لزوم عادقي وأنه لا يستلزم نفي صحة الرؤية كما يتوهم فيكون على مذهب المعتزلة لأنهم لا يقولون إنه على العرش، وفيه تفصيل في شروج الكشاف. قوله: (واستغفارهم شفاعتهم الخ (إلهامهم ما يوجب المغفرة وهو التوبة كالتفسير لما قبله وإيجابها بمقتضى وعده بالمغفرة لمن تاب إذ لا إيجاب عندنا ولا وجه لتخصيص هذا بالحالية بل هما عامان فيهما كما لا يخفى، ولذا عطفه بالواو، وقوله وفيه تنبيه الخ وجه التنبيه أنهم دعوا لهم وشفعوا لهم لإيمانهم مع أنهم ليسوا من جنسهم، وهو ظاهر فإن قلت لا داعي لصرف الاستغفار عن ظاهره، وهو الدعاء بالمغفرة هنا قلت كأنه ما بعده من أنه وعدهم الجنة، وهو لا يخلف الميعاد كما أشار إليه الزمخشري لكنه لا يدفع السؤال فإنه إذا سلم هذا لا يبقى حاجة للشفاعة أيضا فإن أريد به التعظيم، والشفقة عليهم أو زيادة الثواب والكرامة فالدعاء يفيده أيضًا كما ندعو للنبيّ ﷺ بالرحمة مع تحققها في حقه. قوله:) وهو بيان الخ) أي فيه قول مقدر والجملة مبينة أو حالية في محل نصب والبيان إن أراد به التفسير لا يكون للجملة محل من الإعراب، وهو الظاهر وإن أراد أنها عطف بيان إن حوزناه في الجمل تكون في محل رفع، وقوله وسعت رحمتك يشير إلى أنه تمييز محوّل عن الفاعل ليفيد ما ذكر على ما مز تقديره في قوله: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ [سورة مريم، الآية: 4] والإغراق هو المبالغة في وصفه بما ذكر حيث جعلت ذاته كأنها عين العلم والرحمة ودل على عمومها تلويحا بعدما دل عليه تصريحًا بالتبعية لأنّ نسبة جميع الأشياء إليه مستوية فيقتضي استواءها في شمول الرحمة والعلم، ولم يقل رحمتك إشارة إلى أن هذه النكتة في الحكاية، وقوله: لأنها المقصودة الخ إذ المقام لطلب المغفرة لهم وهي مناسبة لذكر الرحمة إذ هي من ثمراتها، وإنما

ذكر العلم للإشارة إلى أنه عالم بهم واستحقاقهم لذلك كما أشار إليه. قوله: (للذين علمت منهم الخ (إشارة إلى فائدة ذكر العلم وترتب هذا بالفاء على ما قبله وترك بيان ترتبه على الرحمة لظهوره مما ذكره قبله وعلمه إمّا في الأزل فيكون قبل وقوع التوبة أو مطلقا فيشمل ما بعده، وسبيل الحق دين الإسلام، وقوله بعد إشعار لأن الدعاء بالمغفرة يستلزمه فلذا كان تأكيدًا لأنه كالمكرر وشدة العذاب الأخروي مأخوذة من التصريح به، وعدم الاكتفاء بالتلويح، وقيل هو من إضافته للجحيم، وقوله إياه أي الدخول إشارة إلى أن مفعوله مقدر. قوله: اليتم سرورهم (إشارة إلى أن الدعاء بدخول هؤلاء دعاء لآبائهم وجعلهم مندرجين في الموعودين موافق لقوله وألحقنا بهم ذرّياتهم، وقوله بالضم أي ضم اللام والقراءة الأخرى بالفتح، وقوله: لا يمتنع لأنه بمعنى الغالب القوي وهو بيان لارتباطه بما قبله، ولذا قال: ومن ذلك الوفاء، وقوله العقوبات لأنها سيئة في نفسها فإن كانت بالمعنى المشهور وهو المعاصي ففيه مضاف مقدر وهو الجزاء، أو تجوز بالسبب عن مسببه وقوله تعميم بعد تخصيص لشموله العقوبة الدنيوية أو الأول للأصول وهذا للفروع أو المراد بها المعاصي ووقايتهم منها حفظهم عن ارتكابها، وهذا كله دفع لتوهم التكرار إذ العطف يأبى التوكيد، وأيد الأخير بأنّ قوله يومئذ المتبادر منه الدنيا لأنّ إذ تدل على المضيّ فيومئذ يوم العمل وعلى الأوّل يوم المؤاخذة بها، وإنما أخره لأنّ الصلاح سبب تقديم طلب السبب للرحمة، وهو عدم ارتكاب السيآت والمسبب المغفرة لها ودخول الجنة فإنها مسببة عن ارتكابها، وقوله الرحمة قدمه لأنه أنسب بالفوز، والظفر وعلى ذلك فالتذكير والإفراد لتأويله بما ذكر. قوله: (فيقال لهم الخ (المعنى إنهم ينادون بهذا فهو إمّا معمول للنداء لتضمنه معنى القول أو هو معمول لقول مقدر مصدر بفاء التفسير كما ذكره المصنف، وما ذكرناه هو مذهب البصرية والكوفية في مثله، وأما تقدير الجار

قبل الجملة كما قيل: فتعسف خارج عن المذهبين، وقوله: لمقت الله إياكم إشارة إلى تقدير معمول المصدر الأوّل، دهانه مضاف للفاعل كالثاني، وهو محتمل للتنازع وإعمال

359

الثاني لأنه يضمر في الأوّل واياكم ضمير أنفسكم لأنه المراد منه، وإنما صرح بالأنفس لئلا يتحد الفاعل والمفعول مع امتناعه في غير أفعال القلوب، ولا يلزمه محذور الفصل بين المصدر ومعموله بالخبر إذا أعمل الثاني، ويحتمل أنه مجرد تقدير من غير تنازع إذ لم يقدر المفعول الثاني بلفظه، فمن قال: إنه مراد المصنف فقد ألزمه ما لم يلتزمه، والمنادي الخزنة أو المؤمنون توبيخا لهم.

قوله: (دلّ عليه المقت الأوّل) فتقديره مقتكم الله إذ تدعون الخ، والمقت أشد البغض،

وهو رد على الزمخشري إذ قال إنه منصوب بالمقت الأوّل لأن المصدر لا يفصل بينه وبين معموله بالخبر ولا يخبر عنه قبل تمامه بمتعلقاته، ومن قال إنّ هذا مراد الزمخشري لم يصب، لأنه ذهب إلى جوازه في الظرف كما في أمالي ابن الحاجب. قوله: (لأنه أخبر عنه (والإخبار عنه لا يجوز قبل ذكر متعلقاته، وهذا مانع آخر غير الفصل بالأجنبي فمن فسره به لم يصب وكل منهما مانع على حدة كما صرح به النحاة، وقوله يوم القيامة أي لا في الدنيا إذ دعوا إلى الإيمان بالله. قوله:) 1 لا أن يؤوّل الخ (لما كانوا لم يمقتوا أنفسهم وقت الدعوة بل في القيامة وإن كنت مقت الله في الدنيا والآخرة أوّل على تقدير تعلقه بالثاني، وان كان خلاف الظاهر لقربه منه بأنّ المراد إذ تبين إنكم دعيتم إلى الإيمان المنجي والحق الحقيق بالقبول، أو أن المراد بأنفسهم جنسهم من المؤمنين أو مما ذكره المصنف وهو أمّ مقتهم لأنفسثم كأنه وقع وقت الدعوة كما في المثل المذكور وفي قول على إنما أكلت يوم أكل الثور الأحمر فهو مجاز بتنزيل وقوع السبب، وهو كفرهم وقت الدعوة منزلة وقوع المسبب وهو مقتهم لأنفسهم حتى عاينوا ما حل بهم بسببه، وليس على تنزيل سبب المقت منزلة المقت حتى ينسب إليه ما ينسب إليه بعد تناسي المجاز فإنه لا تجوّز في المقت وسببه بل في النسبة الظرفية إذ جعل ظرف السبب ظرفا للمسبب لتخيل إنه وقع فيه، ويلزمه تشبيه الوقوع بالوقوع أو هو استعارة تمثيلية فتدبر. قوله: (الصيف ضيعت اللبن) وفي نسخة في الصيف، وهو رواية في هذا المثل وأصله كما في شرح الفصيح إنه يضرب لمن فزط في طلب ما يحتاج إليه حتى فإنه فطلبه في غير وقته وضيعت بكسر التاء لأنه خطاب لامرأة والأمثال لا تغير وكان عمرو بن عدس التميمي تحته دخشوس بنت لقيط، وكان مسنا لكنه متمؤل فسألته الطلاق فطلقها فتزوّجها عمير بن معبد، وكان شابا معدمًا فمرّت مواشيه بها في الشتاء يوما، وكانت مقفرة من الزاد فقالت لخادمها: قم فاطلب لنا منه لبنًا فلما جاءه، قال له: قل لها الصيف الخ وبعضهم قال: ضيحت بالحاء

المهملة من الضياح، وهو اللبن الخاثر والأوّل أصح. قوله: (أو تعليل للحكم الخ) معطوف على قوله ظرف لفعل الخ والحكم بمعنى المحكوم به، والنسبة التامة وكل منهما صحيح هنا فهو إمّا تعليل لأكبريته أو لكونه أكبر فيتعلق بأكبر أو بالمقت الأوّل على ما مز أو بالثاني، وكون زمان المقتين واحدًا من عدم التقييد لأحدهما بالظرف فالمتبادر ذلك وليس المراد أنه يجوز أن يكونا في وقت واحد لأنه خلاف ما تدلّ عليه عبارته. قوله: (إماتتين (يعني أنه منصوب على أنه صفة لمفعول مطلق مقدر، وقوله: ابتداء وان لم يسبق بحياة أخرى فتكون بمعنى العدم ولو أوّلًا، وقوله: أو بتصيير أي تصيير الحياة معدومة بعد إن كانت موجودة، وقوله: كالتصغير والتكبير فإنهما يطلقان على كونه صغيرًا وكبيرًا ابتداء وعلى تصييره صغيرًا بعد أن كان كبيرًا وعكسه، وظاهره أنه حقيقة فيهما وهو مخالف لكلام الزمخشري، والسكاكي وسنبينه لك إن شاء الله تعالى وقد أورد على ما فسره به المصنف إنّ فيه جمعا بين الحقيقة والمجاز وقد جوّزه بعضهم في المثنى والمجموع ورد بأنه من متناولات المعنى الوضعي فلا جمع فيه كما أشار إليه المصمنف رحمه الله وليس بشيء لأنهما معنيان متغايران كما ذكره النحاة في معاني أبنية الفعل، فان أفعل قد يكون للصيرورة كاغذ البعير إذا صار ذا غدة، وقد يكون لغيره فلا بد من أحد أمرين إمّا الجمع بين الحقيقة، والمجاز أو استعمال المشترك في معنييه وهما متقاربان منعا وجوازا فلا يصح ما ذكره المجيب، وقد قيل إنه من عموم المجاز بأن يراد بازماتة الصرف لا النقل وسيأتي تحقيقه، وبيان كونه وضعيا أوّلًا، وعليه فتقابل الحياة والموت تقابل السلب والإيجاب والمشهور إنه تقابل العدم والملكة، ويجوز على هذا كونه منه أيضا فمعنى كونه ميتا خلقه جنينا ميتا

360

من شأنه قبول الحياة. قوله: (سبحان من صغر البعوض وكبر الفيل (وضيق فم الركية، وقد ذهب السكاكي تبعًا للزمخشري فيه كما بينه الشريف في شرح المفتاح بما حاصله أنه جعل السعة المجوّزة في المثال الثاني كالواقعة، ثم أمر بتغييرها فتجوز بالتضييق الموضوع لتغيير السعة المحققة عن تغيير السعة المقدرة، كما قيل وليس بشيء إذ لا يكون المثال حينئذ من قبيل التجوّز بالفعل عن الإرادة أصلا فلا يظهر كونه أبعد! ن اتجوّز في قرأت، وهو من المجاز المرسل كالاستعارة بالكناية فالحق أن يقال نزلت الإرادة المتوهمة المتعلقة بالسعة منزلة السعة فعبر عنها بالسعة لأنّ مآل هذه العبارة أعني ضيق إلى قولك غير السعة أعني غير إرادة السعة إلى إرادة عدمها، وبهذا ينكشف كونه أبعد من التعبير بالفعل عن إرادته المتحققة، وإلى ما ذكرنا أشار بقوله إنما الذي هناك هو مجرّد تجويزان يريد إظهار التوسعة أي هناك إرادة مجوّزة متوهمة ثم قال فتنزل مجوّز مراده وأراد به السعة مرادًا بها إرادة السعة لا معناها الحقيقي كما توهمه ذلك القائل وبني عليه كلامه مع كونه معترفا بأنّ ضيق فم الركية من تنزيل إرادة

الشيء منزلة ذلك الشيء والتعبير بها عنه، وقد يقال إحداث الشيء ضيقا من توابع معنى التضييق أعني التغيير من السعة إلى الضيبئ فليستعمل اللفظ فيه مجازًا فإنه أقرب لما تكلفه المصنف انتهى (أقول) ذهب العلامة إلى أن الصانع إذا اختار أحد الجائزين، وهو متمكن منهما على السواء فقد صرف المصنوع عن الجائز الآخر فجعل صرفه عنه كنقله منه يعني أنه تجوز بالتفعيل الدال على التصيير، وهو النقل من حال إلى حال أخرى عن لازمه، وهو الصرف عما هو في حيز الإمكان ويتبعه جعل الممكن الذي يجوز إرادته بمنزلة الواقع وجعل أمره بإنشائه على الحال الثانية بمنزلة أمره بنقله عن غيرها، وتغييره بها ولذا جعله المحمق بمنزلة الاستعارة بالكناية فيكون مجازًا مرسلاَ بالكناية، وهذا معنى قول السكاكي إذ الذي هنا هو مجرّد تجويز إن يريد إظهار التوسعة فتنزل مجوّز مراده منزلة الواقع، ثم تأمره بتغييره إلى الضيق واقتضاؤه سبق السعة من صريح التصيير، وهو النقل لا بحكم العقل كما زعمه السعد فليس في كلامه ما يعترض عليه غير هذا فإنه طبق المفصل ووفق بين كلام الشيخين، ولما فيه من الدقة حيث اعتبر الإرادة المجوّزة بطريق الإيماء والتبع كان أبعد من قرأت المتجوّز به عن الإرادة ابتداء ولا تجوز في أحد الإرادتين إذ ليس في الكلام ما يدل عليها بالوضع حتى يجعل التصرف فيه، وإنما جاء هذا بطريق الاستتباع فما ادّعى أنه التحقيق تعسف لا محصل له فتدبره فإنه من الحور المقصورات في خيام الأذهان. قوله: (وإن خص بالتصغير) يعني أن بعضهم زعم أن المجاز في هذا المثال إنما هو في قولهم صغر البعوض فإنه لم يكن كبيرًا بخلاف الفيل فإنه من ابتداء كونه نطفة صغيرة إلى تكامل جثته انتقل من الصغر إلى الكبر لأن المراد به جثته المشاهدة، وهي لم تنقل من صغر إلى كبر وهذا بحث في المثال لا طائل تحته. قوله: (فاختيار الفاعل المختار أحد مقبوليه) الضمير للفاعل المختار أو هو للشيء والمقبول ما يقبله الشيء من الحالين، وقوله: تصيير وصرف له عن الآخر هو كلام مجمل لكنه غير صاف من الكدر فإن إطلاق الإماتة على عدم الحياة ابتداء إن كان حقيقة عنده، وكذا التصغير والتكبير إن كن حقيقة في إنشائه صغيرًا أو كبيرًا والتصيير فيه بمعنى الصرف ولو بدون نقل من حالة إلى أخرى فيكون مخالفا لكلام أهل المعاني فلا يخفى أنه مخالف للمعقول، والمنقول قال الراغب في مفرداته صار عبارة للتنقل من حال إلى حال واوفعال والتفعيل موضوع للتصيير وإن أراد التشبيه ًاي اختياره كالتصيير، والمراد منه الصرف كما مرّ فيكون موافقا لما في الكشاف ففيه إجمال مخل ومن فسره به هنا نسي ما قدمت يداه من أنه من متناول المعنى الوضعي فتدبر. قوله:) الإحياءة الأولى وإحياءة البعث (فالإماتتان العدم للحياة الأصلي أو من حال النطفة إلى نفخ الروج فيه، والثانية المعروفة والإحياءة الأولى بنفخ الروح فيه أوّلًا، والثانية في النشور. قوله:) وقيل الإماتة الآولى عند انخرام الأجل (بالخاء المعجمة والراء المهملة أي عند انقطاع عمره ومدة

حياته والداعي لارتكابه ليكون الموت بمعناه المعروف المزيل للحياة، ومرضه لأنه مخالف لظاهر النصوص ولما يلزمه من إثبات إحيا آن ثلاثة، وهو كما في الكشاف خلاف ما في القرآن إلا أن يتمحل

361

فيجعل إحداها غير معتد به، أو يزعم أن الله يحييهم في القبور وتستمرّ بهم تلك الحياة فلا يموتون بعدها ويعدهم في المستثنين من الصعقة في قوله: ﴿إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ﴾ [سورة النمل، الآبة: 87] وفيه كلام مفصل في شروحه. قوله:) إذ المقصود اعترافهم بعد المعاينة (بالنون من العيان، وهو المشاهدة جواب عما ذكر آنفا مما يلزمه من أنه مخالف لما في القرآن هنا لأنّ الإحيا آت تكون ثلاثة بتسليمه من غير احتياج لما ذكر من التمحل لأن الحياة الأولى معلومة لا فائدة في ذكرها، وإنما الكلام في إحيائهم في قبورهم، وبعثهم ونشورهم فإنهما منكرتان عندهم فإذا عاينوا ذلك تم عليهم البهت فنعوا غفلتهم، ويكترثوا بمعنى ينالوا ويعتدوا وأمّا ضبط بعضهم للمعاتبة بالمثناة الفوقية من العتاب، والمراد به مقت الله لهم فركيك لأنّ مثله لا يسمى عتابا، والمفاعلة فيه غير واضحة، وقوله بما الخ متعلق باعترافهم. قوله:) ولذلك تسبب بقوله الخ (أي لأجل أن المقصود من قوله: ﴿أَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [سورة النمل، الآية: 87، اعترافهم بالأحياءين اللذين غفلوا عنهما تسبب هذا القول بقونه: فاعترفنا فصدر بالفاء الدالة على تسببه لأنهم لما أنكروا ما في البرزخ والمعاد من الجزاء دعاهم ذلك إلى ارتكاب المعاصي لأنّ من لم يخش العاقبة لم يحترز من الجناية التي تخشى عاقبتها، والمقصود بيان وجه التسبب وأن اعترافهم بالذنوب اعتراف منهم بما إنكاره سبب لها وهو البعث. قوله: (نوع خروج من النار (أي سواء كان بطيئا أو سريعا أو من مكان فيها إلى آخر أو إلى الدنيا أو غيرها وقوله: فيسلكه بالنصب في جواب الاستفهام، وقوله: من فرط قنوطهم أي إياسهم فإن مثل هذا التركيب يستعمل عند اليأس وليس المقصود به الاستفهام وإنما قالوه من حيرتهم ليتعللوا أو يتلهوا به والتعلك الاشتغال بما يلهى، وقوله: ولذلك أي لكون ما ذكر نشأ من اليأس والحيرة أجيبوا بذكر ما أوقعهم في الهلاك من غير جواب عن الخروج نفيا، وإثباتا ولو كان الاستفهام على ظاهره كقوله: ﴿فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا﴾ [سورة السجدة، الآية: 12] ونحوه لقيل اخسؤوا فيها ونحوه وكونه تأنيسا لهم ببيان أنهم لما استمروا على الشرك جوزوا باستمرار العط ب كما يقتضيه حكمه تعالى خلاف الظاهر، وتبادر ما ذكر كاف للمراد فتدبر. قوله:) متحدًا أو توحد وحده) أي هو منصوب على الحال بمعنى متحدًا أي منفردًا في ذاته وصفاته أو على أنه مفعول مطلق لفعل مقدر على حد أنبتكم من الأرض نباتًا والجملة بتمامها حال أيضًا حذفت، وأقيم

المصدر مقامها وعلى الوجه الأوّل هو حال ابتداء مؤول بمشتق منكر لأن الحال لا تكون معرفة إلا مؤولة بنكرة وفيه كلام آخر مفصل في محله. قوله: (كفرتم بالتوحيد (فالكفر هنا بمعنى الجحد والإنكار، لقوله في مقابله تؤمنوا بالإشراك أي تذعنوا وتقربوا به وفسر الله بالمستحق للعبادة لاقتضاء المقام له أيضا، وقوله: حيث حكم عليكم بالعذاب السرمد الدائم وقع ذكره هنا في بعض النسخ وأسقط من بعضها، وهو الظاهر لتكرّره مع ما بعد. فالظاهر الاكتفاء بأحدهما وان كانت موجهة أيضا كما لا يخفى، وكون العذاب سرمدا مستفاد من عدم السبيل إلى الخروج. قوله: (الدالة على التوحيد (فالآيات ما يشاهد من آثار قدرته:

وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد

وقوله: أسباب رزق فهو بتقدير مضاف فيه أو بالتجوّز، وقوله مراعاة لمعاشكم إشارة إلى مناسبته لما عطف عليه وإنهما للامتنان عليهم بأنه نظم لهم أمور دينهم ودنياهم، وقوله التي هي كالمركوزة أي الثابتة في العقول دفع لما يتوهم من أن التذكر يقتضي إنها معلومة لهم لكنهم غفلوا عنها، وليس جميع الخلق كذلك بأن آيات قدرته ظاهرة حقها أن تعلم بمقتضى لفطرة السليمة فجعلت لظهورها بمنزلة المعلوم الذي غفلوا عنه وقيل التذكر هنا بمعنى التفكو من غير حاجة للتأويل، وقوله: المغفول عنها صفة أخرى للآيات لا خبر للمبتدأ كما لا يخفى، وقوله: لظهورها علة لكونها كالمركوزة في العقول متعلق بمقدر ويجوز كونه خبر مبتدأ مقدر أي وذلك لظهورها ولا وجه لجعله متعلقا بالكاف، لأن حرف الجر لا يتعلق به جار آخر. قوله:) فإن الجازم) تعليل للحصر، وقوله: من الشرك متعلق بمخلصين، وقوله: إخلاصكم تقديره بمقتضى لو الوصلية وخطاب ادعوا للمنيبين أو للناس، وقوله: خبران آخران أي هما خبران لقوله: هو بعد ما أخبر عنه بالذي الخ، وقوله: للدلالة على علو ضمديته الصمدية كونه

محتاجا إليه مقصودًا لما عداه وسيادته

362

وهو بيان لفائدة الأخبار به مع البعد، ولذا قيل إنهما مبتدأ وخبر أو خبرًا مبتدأ مقدر، وقوله من حيث الخ متعلق بقوله: علو أو بالدلالة، وهو الأظهر وقيل هو متعلق بصمديته والمعقول من رفعة الدرجات فإنها درجات الكمال المعنوية والمحسوس من العرش، والدال صفة علو وقوله لا يظهر دونها كمال أي لا يظهر كمال بدونها أي إلا وهو منها كما يقال: فلان لا يفصل حكم دونه، وقيل معناه إنه ليس وراءها كمال والمراد نفي كمال غيره وقيل دونها بمعنى عندها أي كمالات غيره عنده كالعدم، والأوّل أظهر، وقوله فإنّ بيان لوجه الدلالة وفي نسخة بالواو عطف تفسرفي على تفزده. قوله:) وقيل الدرجات مراتب المخلوقات (فالرفيع بمعنى الرافع وكذا في الوجوه التي بعده. قوله: اللدلالة على ان الروحانيات الخ) قال السيوطي في رسالة الحبائك في الملائك الروحانية بفتح الراء من الروج وقيل إنه بالضم والفتح مطلق الملائكة وقيل ملائكة الرحمة، وبالأوّل فسره أرباب الحواشي هنا، وقوله: مسخرات لأمره أي منقادة لأمره، وقوله: بإظهار آثارها وفي نسخة آثاره وفي أخرى أثره متعلق بالدلالة أي آثار الملائكة وعلى التذكير المراد أثر التسخير والمعنى إنا يستدل بنزولها بالوحي على كونها مسخرة فإن الوحي، وإن كان بواسطة بعضها لكن لا فرق بين بعض ويعض منها فيه، وقيل هو متعلق بأمره، وقوله وهو ال! حي الضمير للآثار وروعي فيه حال الخبر أو للأثر الذي في ضمنها. قوله: (وتمهيد للنبوّة الخ (أي هذا الخبر الرابع بيان لأمر النبوّة بعد ذكر ما يقرر وحدانيته بذكر آياته الدالة على ذلك بقوله الذي يريكم الخ، وقوله الروح للوحي لأنه به الحياة الأبدية المعنوية كما إن بالروج الحياة الحسية فهو استعارة، وقيل إنه جبريل ويلقى بمعنى ينزل ومن أمره بمعنى من أجل تبليغ أمره وقوله مبدؤه فمن ابتدائية وهو معطوف على قوله بيانه إذ معناه أن من بيانية لا على الوحي كما قيل فإنه وإن صح مع ركاكته أقل مفادًا، وقوله والأمر هو الملك يعني إذا كانت من ابتدائية لأن الوحي لتلقيه عنه يكون مبدأ له، وقوله وفيه أي في قوله: ﴿عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ﴾ دليل على أنّ النبوّة عطائية وموهبة الهية من غير اشتراط أمر آخر كتصفية الباطن وغيره مما ذهب إليه الحكماء وهذا لا يخالف كلامه في سورة الأنعام كما توهم. قوله: (غاية للإلقاء لخ (أى علة غائية مرتبة عليه والمستكن بالتشديد استفعال من الكت بمعنى الاستتار، ويجوز فيه عوده على الأمر أيضا وقوله: واللام مع

القرب يؤيد الثاني أمّا القرب فظاهر لأنه أقرب مما عداه فيكون عوده عليه أظهر وأرجح، وأمّا ترجيح اللام فالظاهر أنه لأمر معنوي لا صنافي، وهو أن المنذر في الحقيقة للناس هو النبي ﷺ، وأمّا الله فبواسطة من بلغ عنه وجعل الوحي منذرًا مجاز وكذلك السياق يقتضي إن ذكر الملقى عليه إنما هو للتبليغ عنه، وما قيل إنّ تأييدها بالنسبة إلى الأوّل لأنه لو عاد الضمير على الله لم يحتج إلى اللام لاتحاد فاعل الإنذار والفعل المعلل فمع ضعفه فيه أنّ الح! سرط الثاني مفقود وانّ هذا ليس باسم صريح حتى ينص وفي قوله تتلاقى الأرواح والأجساد نظر يدفعه التأويل الصادق ويوم التلاف ظرف أو مفعول لينذر ويوم هم الخ بدل من يوم التلاق، وفيه وجوه أخر. قوله: (ظاهرون لا يسترهم شيء الخ) إن عمّ الثياب والبناء وكل حائل ققوله بعده ظاهرة نفوسهم الخ المراد بالنفوس فيه الأرواح بناء على عدم تجرّد النفسى، وإنها جسم لطيف فغواشي الأبدان استعارة أو من إضافة الصفة للموصوف على أن الغواشي هي الأبدان نفسها، وأمّ ما قيل من أن المراد بالنفس الحملة، والغواشي الثياب فقيل عليه: إنه مع أنه تكلف عين ما قبله فلا ينبغي عطفه باو وحمله الستر في الأول على ستر البناء، وهذا على ستر الثياب تخصيص من غير مخصص، ولا يرد عليه إنه إنكار للحشر الجسماني لأن المراد بعدم حجب غواشي الأبدان أنها مع تعلقها بالبدن لا تسترها كما في الدنيا لا إنها تنفصل عنه فتدبر. قوله: (وإزاحة لنحو ما يتوهم في الدنيا) أي لما كانوا يتوهمون في الدنيا من أنهم إذا استتروا بالحيطان، والحجب إن الله لا يراهم لحماقتها وجهلهم كما في الكشاف، وقوله: حكاية كأنه يعني أنّ فيه قولًا مقدرًا أي ويقال لمن الملك وفي القائل، والمجيب هل هو الله أو الملائكة مع أحتمال الاتحاد فيهما والمغايرة احتمالات. قوله: (نتيجة الخ) أراد بالنتيجة معناها اللغوي لأنه يفهم من تفرّد الملك القهار، وعدم خفاء شيء عليه، واجتماعهم

363

فيه أن يجازي كلا بما يستحقه. قوله: (وتحقيقه أن النفوس الخ) هذا على طريق الصوفية، والحكم التألهين من أصحاب الكشف، وتصفية البواطن بالرياضة من كدر الطبيعة والهيولي المشاهدين للأرواح المفارقة للأبدان، وصور أعمالها وان لذتها وألمها هو الألم، واللذة ومن توهمه إنكارًا للحشر الجسماني أو قال المراد بالنفس الجملة لم يصب:

وإذالم ترالهلال فسلم لا ناس رأوه بالأبصار

قوله: (بنقص الثواب الخ (لو وقع لم يكن ظلما عندنا وإنما سمي بمقتضى أنه وعد منه

وهو لا يخلف الميعاد أو لأنه على صورة الظلم ومثله تخليد المؤمن وادخال الكافر الجنة، وقوله فيصل إليهم ما يستحقونه سريعًا إشارة إلى أن سرعة الحساب يلزمها سرعة، وصول العقاب وهو المراد ليكون تعليلا وتذييلًا لما قبله. قوله: (لأزوفها) أي قربها بالإضافة لما مضى من مدّة الدنيا أو لما بقي فإنّ كل آت قريب وعلى هذا فهو اسم ليوم القيامة منقول من اسم الفاعل، أو هو باق على وصفيته وهو صفة لموصوف مقدر تقديره الخطة الآزفة والخطة بضم الخاء المعجمة مع تشديد الطاء المهملة، وبعدها هاء تأنيث ومعناه الأمر والقصة، والمراد به ما يقع يوم القيامة من الأمور الصعبة التي من حقها أن تخط وتكتب لغرابتها، والمراد باليوم الوقت مطلقا أو هو يوم القيامة. قوله: (وهي مشارفتهم النار) تحقيق لمعنى الأزوف فيه لأنهم بعد تلك الأهوال يدخلون النار، وقوله: وقيل الموت فالمراد بالخطة ما يقع لهم من وقائع الدنيا قيل، ولا يلزم فيه التكرار وهو أنسب بما بعده. قوله: (فلا تعود (أي إلى مقرّها فيتروحوا أي فيحصل لهم روح بالفتح أي راحة بالتنفس وهو كما قيل كناية عن فرط تألمهم أو كناية عن شدة خوفهم كما مرّ في سورة الأحزاب ولا منافاة بينهما، وقوله: ﴿إِذِ الْقُلُوبُ﴾ بدل من يوم والحناجر جمع حنجرة أو حنجور كحلقوم لفظا ومعنى، وهي كما قال الراغب رأس الغلصمة من خارج، والغلمة لحها بين الرأس والعنق وبما مر من أنه كناية عن فرط التألم أو شذة الخوف سقط ما قيل على قوله ولا تخرج فيستريحوا من أنه لا يناسب ثفسير الآزفة بالموت، وأنّ فيه إشارة إلى ترجيح الوجهين الأوّلين. قوله: (كاظمين على الغم) من الكظم وهو كما قال الراغب مخرج النفس يقال أخذ بكظمه، والكظم احتباس النفس ويعبر به عن السكوت وكظم الغيظ حبسه، والتوقف عما يدعو إليه أو معناه أنهم متوقفون عن كل شيء كالمغمى عليه فقوله: كاظمين على الغيظ معناه ساكتين عليه ففيه استعارة تصريحية في كاظمين أو مجاز مرسل أو هو بمعنى مغمومين ففيه استعارة مكنية، وتخييلية إذ شبه ما في نفسه من الغم بماء ملأ قربة وإثبات الكظم له تحييل والغم بالغين المعجمة معروف، ويحتمل أن يكون بالفاء والمعنى أنهم ممسكون على الأفواه لئلا تخرج قلوبهم مع أنفاسهم ففيه مبالغة عظيمة كما أشار إليه في الكشف لكن الظاهر الأوّل رواية ودراية. قوله: (حال من أصحاب القلوب الخ (أي حملا على المعنى إذ المعنى قلوبهم أو حناجرهم، ثم جعلت الألف واللام عوضًا عن الضمير المضاف

إليه، ولا يرد أنه حال من المضاف إليه والنحاة أبوه لأنه يجوز في ثلاث صور إذا كان المضاف عاملا أو جزأ له أو كجزء، وهذا من القسم الثاني والعامل فيه الظرف أو متعلقه وفي نسخة لأنه على الإضافة أي على نية الإضافة كما عرفته. قوله: (أو منها (أي من الضمير المستتر في الخبر، وهو لدى الحناجر وجمع جمع العقلاء لتزيلها منزلتهم لوصفها بصفة العقلاء، وهذا في الوجهين الأخيرين ففيه استعارة مكنية وتخييلية، والوجه الثاني أولى لأن في الأوّل مجيء الحال من المبتدأ، وهو ممنوع أو ضعيف وإسناد الكظم إلى القلوب مجازي وفيه وجه آخر ذكره في تفسير تلك الآية، وقد قيل إنها جمعت جمع العقلاء باعتبار أصحابها وفيه نظر. قوله:) على أنه حال مقدّرة (قيل أي مقدّرًا كظمهم على صيغة المفعول إذ لا تقديره من المنذرين وقت الإنذار، وفي الكشاف أي أنذرهم مقدرين وفيه نظر يعني أنهم لم يقع منهم ذلك التقدير أصلأ، وهو ساقط لأنه يجوز أن يكون بصيغة المفعول، كما يجوز في الأوّل أن يكون بصيغة الفاعل مع أنه لا مانع من تقديرهم تقديرا وفيه وجه آخر، وهو أن كاظمين بمعنى مشارفين الكظم فتدبر. قوله:) قريب مشفق (القرب إما من جهة النسب، وهو

364

الظاهر أو من جهة الصداقة فيكون بمعنى محب مشفق كما في الكشاف لكن الأوّل هو المصرّج به في كتب اللغة، وهو أوفق بعموم شفيع بعده وقد سبق في الشعراء إنه من الاحتمام بمعنى الاهتمام فهو الذي يهمه ما يهمك، أو هو من الهامة بمعنى الصديق الخاص بك فيناسب الثاني.

قوله:) شفيع مشفع (فيطاع بمعنى مشفع والظاهر أنه حقيقة، وقيل إنه مجاز لأن المطاع كالآمر يكون أعلى ممن أطاعه، وفيه نظر والمراد به نفي الصفة والموصوف، وهو من باب: ولا ترى الضب بها ينحجر

فهو نفي له بدليل لأن من شأن الشفيع أن يشفع ولأن نفي الموصوف يدل على نفي الصفة، وفي مثله وجوه قد سبق تحقيقها في سورة البقرة. قوله: (والضمائر الخ (يعني المذكورة من قوله وأنذرهم إلى هنا، ويجوز أن تكون عامّة لهم ولغيرهم وعلى الأوّل مقتضى الظاهر مالهم من شفيع الخ، وقوله: للدلالة على اختصاص ذلك أي الإنذار وبلوغ قلوبهم الحناجر والاختصاص من اختصاص العلة، وهي الظلم بهم وأعظمه الكفر واحتمال كون الضمير لمشركي هذه الأمّة وغيرهم لا شفيع لهم أيضا فلا يتجه الاختصاص كما قيل: مبني على أن الشرك عظيم، والمطلق ينصرف لفرده الكامل ويؤيده كون السياق لهم وفيه بحث. قوله: (النظرة الخائنة) فهو صفة لموصوف مقدر هو النظرة لا العين أو الأعين لأنه لا يناسبه ما

عطف عليه لأنّ مقتضى الظاهر أن يقال والصدور المخفي ما فيها وقوله: كالنظرة الثانية، لا الأولى لأنها معفوّ عنها وأبى بالكاف إشارة إلى عدم اختصاصه بما ذكر وجعلها خائنة استعارة مصرّحة، أو إسناد مجازي أو مكنية وتخييلية بجعل النظر بمنزلة شيء يسرق من المنظور إليه ولذا عبر فيه بالاستراق. قوله: (أو خيانة الأعين) على أنّ خائنة مصدر بوزن فاعلة كالكاذبة بمعنى الكذب وهو قليل في بابه ولذا أخره، ومن الضمائر وهي ما يخفيه الإنسان في نفسه وقلبه بيان لما وفيه إشارة إلى أنها موصولة ويجوز كونها مصدرية فيناسب الثاني، وقوله: خبر خامس أي لهو في قوله: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ [سورة غافر، الآبة: 13] وهو وان كان بعيدًا لفظا قريب معنى لارتباطه ما بعده به كما فصله شراح الكشاف. قوله: (للدلالة على أنه ما من خفي الخ) كونه متعلق العلم من صريحه، وأما الجزاء فلأنّ علمه تعالى بالأمور كناية عن مجازاته عليها كما مرّ مرارًا وليس هذا تعليلًا لسكونه خبرًا خامسا بل لما تضمته من ذكره بعدما تقدم من قوله لا يخفى على الله منهم شيء فلا يرد عليه أن الأولى أن يقول لاتصاله به وقد يجعل تعليلًا له إذ معناه المقصود منه عموم الجزاء فيفيد غير ما سبق وتتضح خبريته فافهم. قوله: (فلا يقضي بشيء إلا وهو حقه) يعني أنه يفيد الحصر كما قال الزمخشري يعني والذي هذه صفاته وأحواله لا يقضي إلا بالحق والعدل لاستغنائه عن الظلم، وهو مستفاد من ذكر القيد على وجه الملابسة كأنه قيل يقضي قضاء ملتبسا بالحق لا بالباطل وأما البناء على المبتدأ فلا يفيده وإنما هو للتقوى كما تقدم. قوله:) تهكم بهم (لا مشاكلة وأصله لا يقدرون على شيء لأنّ التهكم أبلغ لأنه ليس المقصود الاستدلال على عدم صلاحيتهم للإلهية، وقوله: أو لا يقضي دفع لسؤال وهو أنه إذا كان تهكما يكون مجازًا ولا حاجة إلى ارتكاب التجوّز في النفي لتصوّر حقيقته لأنه إنما ينتفي الشيء عما يصح صدوره منه وبهذا الاعتبار يكون مجازًا كما مرّ تحقيقه في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي﴾ [سورة البقرة، الآية: 26] وقوله: وقرأ نافع هو رواية عنه، وقوله: أو إضمار قل فلا يكون التفاتا وإن عبر عنه بالغيبة قبله لأنه ليس على خلاف مقتضى الظاهر إذ هو ابتداء كلام مبني على خطابهم. قوله: (تقرير لعلم الخ (الأوّل من قوله البصير، والثاني من قوله السميع فهو لف ونشر مشوّش، وقوله: يقولون ويفعلون مرتب ووجه الوعيد أن اطلاعه على أعمالهم يشعر بجزائه عليها وما يدعونه من دون الله الجمادات المعبودة فإنها لا سمع لها ولا بصر واستنبط منه عدم صحة قضاء الأصم والأعمى. قوله:) فينظروا (

مجزوم لعطفه على المجزوم أو منصوب في جواب النفي، وفيه نظر لأنه لا يصح تقديره إن لم يسيروا ينظروا فإمّا أن يجعل الاستفهام استبطائيّ إنكاري في معنى النفي، وهو جواب نفي النفي والمعنى هلا يسيروا فينظروا فإنّ منهم من لم يسر فغلب على غيره فتأمّل. قوله:) مآل حال الخ) هو تفسير للعاقبة، وقوله: وإنما جيء بالفصل أي ضمير الفصل، وهو هم إن لم يجعل تأكيدًا لضمير كانوا ولم يذكره لعدم احتياجه للتوجيه مع ظهوره، وقوله: وحقه أن يقع بين معرفتين يعني أنه وصل الأكثر فيه فلا ينافي

365

تجويز الجرجاني وقوع المضارع بعده كما في قوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾ [سورة اد بروج، الآية: 13] وقوله: لمضارعة أفعل من أي أفعل التفضيل الواقع بعده من الداخلة على المفضل عليه، والمضارعة بمعنى المشابهة لفظا في عدم دخول أل عليه ومعنى لأنّ المراد به الأفضل باعتبار أفضلية معناه فلا يرد زيد هو على رحل فإنه لأمر لفظيّ، وقراءة أشد منكم على الالتفات وجملة كانوا الخ مستًا نفة في جواب كيف سارت أمورهم. قوله: (وقيل المعنى الخ الم يرتضه للتأويل من غير حاجة له لعطفه على قوّة وإنما قدر أكثر لأنّ مثله لا يوصف بالشدّة، وهو غير مسلم وعلى هذا فهو معطوف على أشد وأوّل هذا:

يا ليت زوجك في الوغى

قوله تعالى:) ﴿وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ﴾) كان هنا للاستمرار أي ليس لهم واق أبدًا

وقد سبق في الرعد ما لهم من الله من واق ومن الأولى متعلقة بواق قدمت للاهتمام والفاصلة لأنّ اسم الله قيل إنه لم يقع مقطعا للفواصل، والثانية زائدة، وقيل الأولى للبدلية أي ما كان لهم بدلًا من المتصف بصفات الكمال، وهم الشركاء أو هي ابتدائية لأنه إذا لم يكن لهم منه واقية فليس لهم باقية، وقوله: يمنع الخ تفسير لواق لأنه من الوقاية وهي القطع والمنع. قوله: (بالمعجزات الخ الا مانع من إرادتهما معًا، وقوله: لا يؤبه أي لا يعتذ به فإنه كلا عقاب إذا قيس إليه، وقوله والعطف الخ يعني إن كات المراد بهما واحدًا نزل تغاير الوصفين منزلة تغاير الذاتين فعطف الثاني على الأوّل، أو المراد بالسلطان المبين بعض من معجزاته عطف عليه

تعظيما له كما عطف جبريل عليه الصلاة والسلام على الملائكة، ولا يخفى أنّ مثله إنما يكون إذا عين الثاني بعلم أو نحوه أما مع إبهامه ففيه نظر، وقوله يعنون موسى عليه الصلاة والسلام الخ إذ التقدير هو ساحر الخ. قوله: (وبيان لعاقبة الخ (توجيه لتخصيص فرعون بالذكر هنا بأنه لأشدية طغيانه وقرب زمانه ولا بعد في كونه أ! ثحد من عاد كما توهم، وقوله: أي أعيدوا الخ إشارة إلى دفع ما يتوهم من أنّ هذا إنما وقع إذ ولد موسى عليه الصلاة والسلام وخوّف فرعون بمولود يسلبه ملكه بأنّ ذلك وقع منه مرّتين أوّلًا لينجو منه، وثانيا بعد ظهوره ليصذ الناس عن اتباعه، وقد قيل إنّ قارون لم يصدر عنه مثل هذه المقالة لكنهم غلبوا عليه هنا، وقوله في ضلال من ضلت الدابة إذا ضاعت كما أشار إليه المصنف رحمه الله. قوله: التعميم الحكم! لكل كافر، والتعليق بالمشتق يدل على أنّ المشتق منه علة للحكم كما لا يخفى، وقوله: يكفونه بتشديد الفاء أي يمنعونه، وقوله: تخافه أي تخاف منه القتل وسلب الملك كما أخبره الكهان به، وقوله: وتعلله بذلك أي اشتغاله عن قتله بما قالوه له في الكف عنه مع أنه جبار لا يبالي بإراقة الدماء خصوصًا إذا خشي من غائلة وقوله: فخاف من قتله أي خاف أي يهلكه الله ويعجل عقوبته وأنه لا يتيسر له ذلك فيفتضح، دمانما أظهر أن امتناعه لقولهم في سيب الكف عنه تعللا به وتلبيسا على غيره. قوله: (ويؤيده قوله الخ) قيل هو ناظر لقوله وظن الخ لأنه لا يناسب تيقنه التجلد وعدم مبالاته بدعاء ربه لأنه لو خاف قتله لم يتجلد، وقيل إنه ناظر لقوله تيقن أنه نبي ولا يخفى إنه لا يلائم ما بعده من عدم المبالاة إلا أن يراد به إنه كان يظهر ذلك، وفي قلبه وباطنه ما يخالفه وهو الذي أراده المصنف كما يشهد به تعريفه بقوله فإنه الخ لكن كان الأحسن أن يقول تجلد بإظهار عدم مبالاته بدعائه. قوله: (من عبادته) وفي نسخة من عبادتي

وهي أظهر والأولى حكاية بالمعنى وقوله: عبادة الأصنام لقوله الخ لأنهم كانوا يعبدون فرعون إذا حضروا عنده فإذا غابوا عبدوا أصنامًا يقولون إنها تقرّبهم إليه كما قالته المشركون كما صزج به المفسرون فلا يقال إنهم كيف عبدوا الأصنام وأقرّهم على ذلك مع ادّعائه الربوبية، وقوله: التحارب تفاعل من الحرب والتهارج بمعناه لأنه من الهرج وهو القتال، وقوله: بفتح الياء والهاء أي من يظهر. قوله: (أي لقومه لما سمع كلامه الخ) جعل المقول له قومه لقوله وربكم فإنّ فرعون ومن معه لا يعتقدون ربوبيته إلا أن يراد أنه كذلك في نفس الأمر ومما يؤنسه إنه مز في سورة الأعراف: ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللهِ﴾ [سورة الأعراف، الآية: 128] وإن لم يكن ذلك في مقابلة قول فرعون فإنه ليس بدليل قطعي، وأما قوله كل متكبر فلا دلالة له على ما ذكر كما توهم. قوله: (وإشعارا الخ (ضمنه معنى التنبيه والدلالة فلذا عداه بعلى، وقوله: دفع الشرّ إشارة إلى أنّ قوله من كل متكبر بمعنى من شرّ كل متكبر إفا بتقدير مضاف أو بفهمه من السياق، والتأكيد من تصديره بأنّ والحفظ من لوازم التربية فلذا ضمه

366

إليه. قوله: الما في تظاهر الآرواح من استجلاب الإجابة) وهذا هو الحكمة في مشروعية الجماعة في العبادات كما قاله الإمام فإن قلت لا ذكر للأرواح في النظم فمن أين أخذ تظاهر الأرواح أي تعاونها في استجلاب الإجابة أي تحصيلها قلت: العياذ بمعنى الالتجاء والالتجاء هو الدخول في جوار من يلتجئ الناس إليه، والتمسك بأذيال عصمته والدخول في حرم حمايته، ولما كان ذلك في الناس بالقرب الحسي، وهو غير متصوّر هنا كان معناه أن يتوجه العبد لمولاه حتى كأنه واقف عنده يراه، وذلك إنما يكون بتوجه وجوه الأرواح وخلع أردية الأشباج، وترك الظاهر لمرجع الضمائر:

وحيثماكنت في مكان فلي إلى وجهك التفات

قوله: (يعمه وغيره) عموما بدليا لا شموليًا لأنه نكرة في الإثبات فلذا أتى بكل ليدل على العموم الشمولي فليس لتأكيد التعميم كما قيل، وقوله: ورعاية الحق أي حق فرعون الذي كان عليه إذ رباه صغيرًا فلذا لم يواجهه بالاستعاذة منه كما قاله الإمام وهذا راجع لقوله لم يسم الغ

ففيه لف ونشر مشوش ولولا تصريح الإمام بما ذكر لجاز حمله على أنّ المراد بالحق مقابل الباطل بمعنى أنّ الحق أن لا يستعاذ من ذات أحد ما لم يكن متصفًا بالصفات الذميمة من التكبر، وعدم خوف الله وعقابه لأنّ من لا يقول بالجزاء يتجرأ على الظلم والقتل، وهذا هو الحامل له على الاستعادة منه، وقيل المراد بالحامل الخ الحامل لفرعون فإن سبب قوله أقتل موسى تكبره والأوّل أظهر وأنسب، والإدغام هنا إدغام الذال المعجمة في التاء بعد قلبها تاء. قوله: (وقيل من متعلق بقوله يكتم الخ) ذكروا فيه وجهين أحدهما أنه مستقرّ صفة لرجل، وقدم فيه الوصف بالمفرد على الوصف بالجملة والثاني أنه متعلق بيكتم، وقد قيل عليه إنه لا يتعدى بمن بل بنفسه كقوله تعالى: ﴿وَلاَ يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثًا﴾ [سورة النساء، الآية؟ 42] وقول الثاعر: كتمتك همابالجمومين ساهرا وهمين همامستكنافظاهرا

وأيضا لا وجه لتقديمه، ولذا لم يرتضه المصنف رحمه الله كما قيل وأيضا ورد في الحديث " الصديقون ثلاث حبيب: النجار مؤمن آل ياسين، ومؤمن آلى فرعون وعلني بن أبي طالب كرم الله وجهه " وهو يعين الاحتمال الأول (أقول) هذا كله غير وارد أتا الأول فلأنه ورد تعدّي كتم بنفسه وبمن كما نقله أهل اللغة قال في المصباج كتم من باب قتل يتعدى إلى مفعولين ويجوز زيادة من في المفعول الأول فيقال كتمت من زيد الحديث كما يقال بعته الدار وبعتها منه، ومنه عند بعضهم وقال رجل مؤمن من آل فرعون الخ وهو على التقديم والتأخير والأصل يكتم من آل فرعون إيمانه وهذا القائل يقول الرجل ليس منهم انتهى، وعليه مشى صاحب التلخيص ووجه تقديمه هنا التخصيص لأنه إنما كتم إيمانه عن آل فرعون دون موسى ومن اتبعه، وأما ما ذكر من الأثر فعلى فرض صحته الإضافة لأدنى ملابسة لوقوع إيمانه بين أظهرهم مع اتباعه لهم ظاهرًا. قوله: (والرجل إسرائيلي) أي على الوجه الثاني، وقد كان على الأول عد من أقاربه لأنه قيل إنه ابن عمه وتأخير الثاني للإشارة إلى ترجيح الأول كما في الكشاف ولأنّ بني إسرائيل لم يقلوا، ولذا قال فرعون: أبناء الذين آمنوا معه، وقوله: ينصرنا وجاءنا ظاهر في إنه يتنصح لقومه، وقوله ظاهر صريح في احتمال غيره فإنه لا ينكر فاحتمال كون شرذمة قليلة من بني إسرائيل أظهروا أتباعهم فعدوا من زمرتهم لأغراض لهم لا يضر الظهور كما توهم، وقوله: كان ينافقهم بإظهار أنه على دينهم وهو تقية منهم، وهذا ناظر لكونه إسرائيليًا أو غريبا. قوله: (أثقصدون قتله) فهو مجاز ذكر فيه المسبب وأريد السبب، وكون الإنكار لا يقتضي الوقوع لا يصححه من غير تجوّز كما قيل وقوله: لأن يقول فقبله حرف جر مقدّر وهو يطرد حذفه مع أنّ وان، وقوله وقت أن يقول ففيه مضاف مقدّر وبعد حذفه انتصب

المضاف إليه على الظرفية لقيامه مقامه، وأمّا كون القائم مقام الظرف لا يكون إلا المصدر الصريح أو ما كان بما الدوامية كما قاله أبو حيان: فغير مسلم لأن ابن جنى والزمخشري صرحا بجوازه وهو كاف في صحته وسقوط الاعتراض عنه. قوله: (من غير روية وتأمل في أمره) يعني أنهم لم يفكروا في عاقبة أمرهم إذا قتلوه، ولم يؤمنوا بما جاء به من البينات أو من غير تتفكر فيما جاء به فإنه جاءكم بما هو ظاهر الحقية فلا ينافي قوله: ﴿وَقَدْ جَاءكُم بِالْبَيِّنَاتِ﴾

[سورة غافر، الآية: 28، كما قيل وكون المعنى على التشبيه تعسف. قوله:) ربي الله وحده (توطئة للحصر لأنّ المعنى لا رب لي إلا الله وإنّ الإيضافة فيه للجنس لأنها تأتي لمعاني اللام فإذا حمل

367

فرد معين على الجنس أفاد القصر بخلاف العكس كزيد صديقي فإنّ المحمول يكون أعم، ولولا ذلك لم يتم المراد لأنّ الإضافة العهدية تكون لحمل جزئي على جزئي فلا بد من إفادة الاتحاد لكنه غير مناسب هنا، ومثله لا يسمى قصرا اصطلاحا كما قرره أهل المعاني في زيد أخوك وعكسه. قوله: (المتكثرة) إشارة إلى أنّ جمع المؤنث السالم وإن كان للقلة إذا دخلت عليه أل يفيد الكثرة بمعونة المقام، وقوله: على صدقه متعلق بالبينات لأنها بمعنى الشواهد وجملة وقد جاءكم الخ حالية من الفاعل أو المفعول، والمراد بالاستدلالات ما مز في الشعراء مما ذكره من أدلة التوحيد، وهي غير المعجزات. قوله:) احتجاجا عليهم (أراد أنه بعدما ذكرهم بالأدلة البينة على كونه ربهم وإنه لا بد لهم من رب أضحافه لهم ليحتج عليهم فليس الاحتجاج بمجرّد الإضافة حتى يقال هو غير صحيح لأنهم لا يعترفون بأنه ربهم فكيف يحتج عليهم بمجرّد الإضافة. قوله: (ثم أخذ بالاحتجاج الخ (يعني إنه خاف فرعون لما قدمه أن يعرف حقيقة إيمانه فيبطش به فذكر احتياطا الاحتجاج المذكور على سبيل الإنصاف احتياطا لأمره ونفسه فلا يرد أن كلامه يشعر بأنه لا احتجاج فيما قبله، وقوله: لا يتخطاه الخ الحصر من تقديم الخبر عليه. قوله: (مبالغة في التحذير (لأنه إذا حذرهم من بعضه أفاد أنه مهلك مخوّف فما بال كله والإنصاف بنصحه لهم وعدم الجزم بكل ما وعد به وهذا توجيه لذكر البعض دون الكل مع أن ما أخبر به النبي الصادق لا يتخلف أو الوعيد دنيوي، وأخروي والمراد ببعضه العذاب الدنيوي. قوله: (وتفسير البعض بالكل) المنقول عن أبي عبيدة استدلالأ

بالبيت المذكور لأنّ المراد ببعض النفوس النفوس جميعها إذ لا يسلم من الموت أحد. قوله: (تراك الخ) هو بيت من معلقة لبيد المشهورة، وتراك فعال للمبالغة في الترك والأمكنة جمع مكان، وقوله: أو يرتبط بمعنى إلى أن يرتبط أو إلا أن وسكن للتخفيف أو هو معطوف على المجزوم والارتباط هنا مجاز عن المنع والعوق، والحمام بكسر الحاء المهملة الموت والمعنى إنه ترك كل مكان لا يرتضيه بالرحلة عنه إلا أن يمنعه الموت عن الارتحال كما قيل:

إذا كرهت منزلا فدونك التحوّلا

وإن جفاك صاحب فكن به مستبدلا

ومحصل الرد أن المراد ببعض النفوس نفسه هو لا معنى الكل إذ المراد إلا أن أموت أنا فالبعض على ظاهره واذا كان بمعنى الكل فالمعنى لا أزال أنتقل في البلاد إلى أن لا يبقى أحد أقصده من العباد. قوله: (احتجاج ثالث ذو وجهين) وفي نسخة بحجة ذات وجهين وهما واضحتان وهي جملة مستأنفة، وامّا متعلقة بالشرطية الأولى أو بالثانية أو بهما والإسراف إفراط الضلال أو الفساد ولين الشكيمة مجاز عن الانقياد وقوله: وخيل إليهم الثاني أي أوهمهم إنه أراده يعني أنه كلام فيه تورية وتعريض على طريق الكناية التعريضية، واسراف فرعون بالقتل والفساد وكذبه في ادعاء الربوبية وأمّا موسى عليه الصلاة والسلام فمعصوم فهو على زعم فرعون فيه، ولما في كلامه من التورية لم بناف الاحتياط فلا يتوهم إنه إذا قصد الأولى كيف يكون احتياطا فتأمّل. قوله: (فلا تفسدوا الخ) إشارة إلى أنّ الفاء فصيحة وفي الكلام تقدير به ينتظم كما ذكره، وقوله: ولا تتعرّضوا لبأس الله الذي هو رب موسى الذي ذكرته لكم، وهو كالتفسير لما عطف عليه، وقوله: لم يمنعنا الخ هو معنى قوله من ينصرنا الخ لأنه استفهام إنكاري معناه النفي، وقوله: لأنه الخ على الوجه الأوّل في قوله من آل فرعون، وقوله: ليري إنه معهم على الثاني فلا يكون اقتصارًا على أحدهما كما قيل: والمساهمة المشاركة كان لكل منهم سهما ونصيبًا فيما ينصحهم به. قوله: (ما أشير إليكم) قيل الصواب عليكم لأنّ أشار إليه

بمعنى أومأوا منشرته أي راجعته في أمر لأرى رأبه فيه فأشار عليّ بكذا أي أرى ما عنده فيه كما حققه أهل اللغة، وليس معناه أمرني كما في القاموس والإيماء عنه مناسب هنا مع أنه لو صح فالمومي إليه الرأي لأهم وما ذكر تفسير له بلازمه، ومعناه لا أمكنكم من رأي غير رائي وذلك بالأمر به وما مصدرية لا موصولة كما يدل عليه كلام المصنف رحمه الله، وهو من تحجير الواسع فإن المصنف مقصوده إن رأى هنا من الرأي وأمر التعدية سهل كأنه يجوز أن يضمن معنى متوجهًا إليكم في المشاورة في شأنه

368

وما تحتمل الموصولية والمصدرية، وليس فيهما يخفى على ناظر فيه. قوله:) وما أعلمكم إلا ما علمت (لما جعل ما أريكم إلا ما أرى بمعنى ما أشير عليكم إلا ما هو صواب عندي من الرأي فسر هذا بما ذكره لأن الهداية الدلالة إلى ما يوصل، وهي الإعلام بطريق الصواب التي يعلمها المعلم بها أو بالصواب نفسه فلا يتوهم أنّ هذا التفسير لم يذكر في محله وكان ينبغي تقديمه، وجعله تفسيرًا لما أريكم إلا ما أرى كما في الكشاف إشارة إلى أن الرؤية إمّا من الرأي أو علمية أو تأخيره عن قوله إلا سبيل الرشاد نعم لو أتى به كما ذكر كان له وجه فلعمري لقد استسمن ذا ورم. قوله:) وقلبي ولساني الخ (إشارة إلى أنّ ما اختاره من أنّ الرؤية من الرأي وإنّ الهداية الدلالة، والإعلام بالقول أرجح مما عداه إذ به تدل الجملتان على تواطؤ القلب، واللسان فينتظم تأسيس اامملام أحسن انتظام فمن ادعى خلل ترتيبه، لم يقف على مراده. قوله: (فعال للميالغة الخ (يعني إن هذه الصيغة للمبالغة، وقد تثبت من الثلاثي من باب فعل بكسر العين وفعل بفتحها ولهـ3 تجيء من المزيد إلا في ألفاظ نادرة وردت على خلاف القياس، وهي دراك من أدرك وقصار من أقصر عن الشيء وجبار من أجبر وسآر من أسأر مع أنه ثبت في بعضه سماع الثلاثي، وجوّز تجريده من الزوائد تقريبا له من القياس، وقد سمع جبره فقوله كجبار بناء على المشهور ورشد ورشد بمعنى اهتدى، وما قيل المعنى على أنه صيغة مبالغة من الإرشاد إذ المعنى سبيل من كثر إرشاده غير مسلم بل المراد سبيل من اهتدى، وعظم رشده ولا حاجة إلى أن يقال من رشد أرشد فاكتفى بالسبب عن المسبب أو المبالغة في الرشد تكون بالإرشاد كما قيل في طهور وقيوم فإنه إذا قيل إلا سبيل من اهتدى كان في غاية من السداد، والله الهادي إلى سبيل الرشاد فقوله: سماعي يحتمل أن فعالًا من المزيد سماعي أو صيغة فعال مطلقًا سماعية كما قيل. قوله:) أو للنسبة (أي يكون فعال في هذه القراءة للنسبة كما قالوا عواج لبياع العاج، وبتات ليباع البت وهو كساء غليظ، قيل طيلسان من خز أو صوف. قوله:) يعني وقائعهم (أي المراد بالأيام الوقائع فإنها كثر

استعمالها بمعناها حتى صار ذلك حقيقة عرفية والوقائع جمع وقيعة بمعنى الحرب أو واقعة بمعنى النازلة الشديدة، وليس في المقام والاستعمال إباء عنه كما قيل ولو أبقى على معناه المتبادر منه قدر فيه مضاف أي مثل حادث يوم الخ ولكل وجهة. قوله: (وجمع الأحزاب مع التفسير أغنى عن جمع اليوم) دفع لأنه سواء كان على ظاهره أو بمعنى الوقائع فالظاهر جمعه بأنّ الإضافة لها معان كاللام فإذا أريد الجنس أفاد ما يفيده الجمع والقرينة عليه إضافته لأنه لا يكون للأحزاب يوم واحد بمعنييه، وتفسيره بما بعده معين له والمرجح له خفة لفظه واختصاره وليس هذا من الاكتفاء بالواحد عن الجمع، وقال الزجاج: المراد بيوم الأحزاب حزب حزب بمعنى أن جمع حزب مراد به شمول أفراده على طريق البدل فأوّل الثاني، وهو معنى آخر ومنه يعلم أنّ التكرار يكون في معنى الجمع كبابا بابًا وعكسه فاحفظه. قوله: (مثل جزاء ما كانوا عليه الخ (يعني أنّ فيه مضافا مقدرا ودأبهم عادتهم الدائمة ودأب يكون بمعنى دام، وإنما قدره لأنّ المخوف في الحقيقة جزاء العمل لا هو ودائبا خبر سببيئ لكان أو حال من المجرور، والأوّل أنسب بما في النظم كما قيل والإيذاء بمعنى الأذى صحيح كما أثبته الراغب فلا عبرة بإنكاره كما مر تفصيله. قوله تعالى: (﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ﴾ (أي بأن يظلمهم بنفسه أو يظلم بعضهم بعضا ومذهب الأشاعرة أنه لا يتصوّر الظلم منه تعالى لأن الكل ملكه كما مر في سورة آل عمران فهو إما على مذهب الماتريدية من أنه لا يفعله بمقتضى حكمته أو المراد بالظلم ما يشبهه، ويكون على صورته كما مر في العنكبوت وهو الأولى. قوله:) أو لا يخلى الظالم منهم بغير انتقام) من التخلية أي لا يتركه سالمًا عن الانتقام منه لأنه إذا لم يرد تركه لم يتركه إذ لا يجري في ملكه إلا ما يشاء فلا يتجه عليه أن تفريعه على النظم لا يتأتى على مذهب أهل السنة لاقتضائه أنه لا يريد ظلم بعضهم لبعففلا يقع إذ لا يجري في ملكه إلا ما يشاء إذ الاقتضاء ممنوع، وإنما يريد الظلم منهم ابتلاء لهم، واظهارًا للمطيع من العاصي كما في سائر التكاليف فلا حاجة إلى جعل الإرادة مجازًا عن الرضا حتى يرد عليه ما يرد وفي الكشات يعني أنّ تدميرهم كان عدلًا لأنه لا يريد ظلما ما لعباده، ويجوز أن يكون معناه كمعنى قوله: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [سورة الزمر، الآية: 7] أي لا يريد لهم أن يظلموا فدمرهم لأنهم كانوا ظالمين فالمعنى على الأوّل كونهم مظلومين

369