حاشية الشهاب على تفسير البيضاويالجزء 8 · ص 233 - 246

الحاقة

أي لما آذوه حين عرض نفسه على القبائل بمكة، وهو مشهور فإن كانت في قصة أحد فالآية مدنية كما مرّت الإشارة إليه في أوّل السورة. قوله: (واللام دليلها الأنها لا تدخل بعد النافية، ولذا تسمى الفارقة على ما عرف عند النحاة والشزر بشين وزاي معجمتين ثم راء مهملة نظرا لغضبان بمؤخر عينه وهو معروف وقوله: يزلون قدمك أي يزيلون ثباتها ويرهقونها وهو من أبلغ المعاني وألطفها كقوله:

يتقارضون إذا التقوا في موطن نظرًا يزل مواطئ الأقدام

قوله: (عيانون) أي كثيرون في الإصابة بالعين يقال: عانه يعينه إذ نظر إليه فأثر نظره فيه،

وقد قيل: إنّ قراءة هذه الآية تدفع ضرر العين وقوله وفي الحديث الخ هو حديث صحيح ذكره السيوطي في الجامع الصغير من عدة طرق وقوله: لتدخل الخ عبارة عن إهلاك كل ما أصابته وفي العين وكونها حقا وردت أحاديث كثيرة. قوله: (ولعله يكون من خصائص بعض النفوس الخ) هو لا ينافي مذهب أهل السنة من أن الإصابة بمحض خلق الله كما توهم فإنه لا مانع من خلقها في بعض دون بعض، وجعله مختصًا به بمحض خلقه كما خص السم بالعقرب والحية، وفي كتاب الروح تأثير النفس لا ينكر لا سيما عند تجرّدها من علائق البدن كمن نظر

إلى حجر عظيم فشقه أو إلى نعمة فأزالها وهو مما يشاهد على اختلاف الأعصار، ويضيفونه إلى العين باعتبار أن النفس تؤثر بواسطتها غالبا وقد لا يكون بواسطة كان يوصف له شيء فتتوجه له نفسه فتفسده انتهى ولا عبرة بإنكار بعض المبتدعة له، وقال بعض أصحاب الطبائع: إنه ينبعث من العين قوّة سمية تؤثر فيما نظره كما فصل في شرح مسلم، وقالط القاضي عياض يجتنب من عرف بذلك وينبغي للإمام حبسه ومنعه عن مخالطة الناس كفا لضرره فيرزقه من بيت المال، وقوله: ليرهقونك يحتمل الإهمال والإعجام وقوله: حيرة الخ أي لا جهلا به فإنهم يعلمون أنه أعقل الناس، وقوله: وما هو الخ جملة حالية من فاعل يقولون والرابط الواو فقط أو من عموم العالمين الشامل لهم، وقوله: جننوه أي نسبوه للجنون بواسطة تسليط الجن عليه بزعمهم لأجل نزول القرآن، المعجز عليه لقولهم: إنه كهانة والقاء عليه من الجن وقوله: بين الخ إشارة إلى أنه تكذيب من الله لهم، قوله وعن النبي حديث موضوع. تمت السورة والحمد لله وأفضل صلاة وسلام على أفضل الأنام وآله وصحبه الكرام.

الحاقة

سورة الحاقة

لم يختلف في نزولها وعدد آياتها.

بسم الله الرحمن الرحيم

قوله: (أي الساعة) والقيامة المعروفة لأنها تسمى ساعة فهي اسم جامد، وقوله: أو الحالة التي يحق بكسر الحاء وضمها من باب ضرب وكتب ومعناه يتحقق ويجب فهي صفة لموصوف مقدر، وتفسيرها هنا بيليق لا يليق وكذا معنى قوله: تحق فيها الأمور أي تتحقق بصيغة المعلوم والمجهول من حققته إذا عرفت حقيقته وهو على الأوّل لازم على الأخير متعد. قوله: (أو يقع فيها حواق الأمور) أي ثوابتها وواجباتها، وقيل أوساطها وهو عطف على قوله تعرف حقيقتها ولم يذكره عقب الأوّل لاشتراكهما في كون الحاقة من حق الشيء اللازم إذا ثبت ليظهر تعلق قوله: على الإسناد المجازي به أيضا ولا يتوهم اختصاصه بالثاني كما في انكشاف، ولم يلتفت لنقدير المضاف فيه على الثاني أي ذو الحاقة لأنه ليس من تسمية الشيء باسم ملابسه فإنه ذا الحاقة هو الله تعالى وتقليل التأويل أولى، وما قيل من أنه جعل الفعل للساعة مجازًا وهو لأهلها على الوجه الأخير وعلى الثاني يحتمل الإسناد المجازي أيضا لأن الثبوت والوجوب لما فيها فالإسناد إلى الزمان مجازي، ويحتمل أن يراد ذو الحاقة بتسمية الشيء باسم ملابسه وهذا أرجح لأنّ الساعة وما فيها سواء في وجوب الثبوت فتضعف قرينة الإسناد المجازي والتجوّز فيه تصوير ومبالغة فقيل: إنه جعله أرجح لأنّ ظاهر ما ذكره يمنع من الحمل على الإسناد المجازي لأنّ المساواة الواقعية لا تنافي قصد المبالغة في أحد المتساويين لداع

233

فتجوز إرادة المبالغة في ثبوت ما اشتملت عليه الساعة من الأمور وصدقه والتصوير بأنه بلغ مرتبة في الثبوت سرت لظرفه، ولو فرض عدم وصفه به ولا يخفى توجه مثله إلى الوجه الذي رجحه فإنّ الساعة توصف بالوجوب، والثبوت في نفسها فما الداعي لتقدير المضاف وتسمية الشيء باسم ملابسه وما القرينة عليه فقد ردّ بأنّ المقام مفام مبالغة فيعد داعيًا وترينة للتجوّز لما فيه من التصوير، والمبالغة وما في الساعة لكونه مساويًا لها في وجوب الثبوت لم يكن محلًا لاعتبار المبالغة في اتصافه بالثبوت على الإسناد المجازي نعم يجوز أن يقال ة إنّ الساعة وما فيها، وإن استويا في وجوب الثبوت ونفس الأمر إلا أنّ ثبوتها لما كالن يثبت فيها ما فيها جعل الثبوت كأنه وصف بحا فيها فوصفت به الساعة على الإسناد المجازي مبالغة في اتصاف ما فيها

به فلذا قال: ما قال فتدبر. قوله: (على التعظيم لشأنها) لأنّ الظاهر يوضع موضع الضمير لذلك سواء كان الظاهر دالًا على ذلك أولًا وأهول أفعل تفضيل من الهول، وهو الخوف والفزع والمعنى أعظم في التخويف منها، وضمير لها للحاقة كأنها لعظمتها لا يقف أحد على حقيقتها. قوله: (وأي شيء أعلمك ما هي الخ (يعني أنه كني بالاستفهام فيه عن لازمه وهو أنها لا تعلم ولا تصل إليها دراية دار وجملة ما الحاقة علق عنها الفعل وهو إدراك لما فيه من معنى العلم وقوله: أعظم من أن يبلغها كقولهم أكثر من أن يحصى فالمعنى أعظم من كل ما تبلغه الدراية أو ضمن معنى المباعدة أي متباعدة من بلوغها كما تقرّر في محله، وقوله: ما مبتدأ خصه بالذكر لأنها فيما بعده يحتمل أن تكون خبرًا. قوله: (بالحالة التي تقرع الناس الخ (القرع ضرب شيء بشيء والقارعة القيامة، والداهية الفاجئة كما في القاموس فالمراد بالحاقة في كلام المصنف القيامة لا ما يحل بهم من العذاب الذي أوعدوا به وتقرع في كلام المصنف مضمن معنى تفجأ والباء للتعدية لا للآلة المجازية كما توهم والإجرام بمعنى السموات، وما فيها من الكواكب والانفطار الانشقاق والانتثار سقوط الكواكب إذا قامت القيامة، وقوله: في وصف شذتها لما في القرع من المعنى الذي لا تفيده الحاقة. قوله: (بالواقعة المجاوزة للحدّ (فإنّ الطغيان معناه تجاوز الحذ فسمي به ما ذكر لزيادة شدته، وقوله: بالقارعة يعني به القيامة وقوله: وهو لا يطابق الخ قال في الكشف: في الآية جمع وتفريق فلو قيل: أهلك هؤلاء بالطغيان على أنه سبب جالب وهؤلاء بالريح على أنه سبب إن لم يتناسقا حتى يجري على نهج التفريق، وليس المراد إنّ أحدهما عين والآخر حدث، وقوله: بالصيحة لقوله في هود: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ﴾ [سورة هرد، الآية: 67] لقوله في الأعراف: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ [سورة الأعراف، الآية: 78] وهي الزلزلة المسببة عن الصيحة فلا تعارض بين الآيات لإسناده إلى السبب القريب أو البعيد وأما الصاعقة المذكورة في حم السجدة ففسرت بالصيحة فلا تغايرهما ولذا لم يتعرض لها المصنف رحمه الله. قوله: (من الصرّ أو الصرّ (لأن الصرّ بالفتح الصوت وبالكسر البرد وأصله العقد وقوله: في صرة فسر بالصيحة كما مرّ ومنه الصرير، وقوله: كأنها

عتت الخ إشارة إلى أنه اسنعارة تبعية لا تمثيلية ويجوز أن يكون تشبيها بليغا من العتو وهو الخروج عن الطاعة وخزانها الملائكة الموكلون بها، وقوله: يقدروا ضمن معنى يطيقون فتعدى بنفسه دون على وقوله: جيء به جار على الوجهين وقوله: من اتصالات الخ المراد اقتران بعض الكواكب ببعض، ونزولها في بعض المنازل وهو نفي لكون ذلك بتأثير الكواكب استقلالًا بمقتضى اتصالاتها كما أشار إليه بقوله إذ لو كانت أي الاتصالات المقتضية لبعض الحوادث كان ذلك بتقديره وتسبيبه تعالى لا من ذاتها استقلالًا فكانت تامّة بمعنى وجدت أو ناقصة خبرها مقدّر أي مقتضية لما ذكر. قوله: (سلطها (قيل: التسخير نوعان تسخير رحمة كسخر لكم الليل والنهار ويفسر بالتذليل وتسخير عذاب ويفسر بالتسليط قوله: متتابعات فهي مجاز مرسل من استعمال المقيد، وهو الحسم الذي هو تتابع الكي لمطلق التتابع أو استعارة بتشبيه تتاييم الريح المستأصلة بتتابع الكي القاطع للداء. فوله: (نحسات الخ) فحسومًا بمعنى قواطع ومعموله مقدر وهو الخير أي قاطعات للخير بنحوسها فهو حقيقة لا استعارة والجمع باعتبار الأيام لا باعتبار الخير المحسوم فانه تجوّز بلا مقتض له، وقوله: مصدرًا كالخروج والمحسوم الخير أو دابرهم ولم يذكره لأنه يعلم مما قبله وقوله: على العلة أي مفعول له وجملة تحسمهم حالية، وهي حال مقدرة ففي

234

قوله: المقدرة حالًا إيجاز حسن، وقوله: بالفتح أي بفتح الحاء فإنه يتعين إفرادها وهي شاذة نقلت عن السندي.

قوله: (وهي كانت أيام العجوز) وهي أيام في آخر الشتاء مشهورة معروفة سميت بها لأن عجوزًا كاهنة أخبرت ببرد شديد يهلك المواشي فلم يكترثوا بقولها: وجزوا غنمهم لما قرب الربغ فوقع برد شديد أهلك المواشي فسميت بذلك هي، وكل ما وافقها في كل سنة وإليه أشار المصنف بقوله: أو لأنّ عجوزًا الخ، وقيل الصواب أيام العجز بدون واو أي آخر الشتاء، والصحيح الأوّل وقوله: لأنها عجز الشتاء فعجوز بمعنى عجز واختلف في عددها فقيل: خمسة، وقيل: سبعة وقيل: ثمانية وهي المختار هنا وقوله: الأربعاء الآخر بفتح الخاء وكسرها وهو الظاهر أي الواقع في آخر الشهر أو السنة ويقال له: أربعاء لا يدور كما وقع في الحديثأ1 (، وقوله: توارت في سرب هو بفتح السين والراء المهملتين حفير تحت الأرض،

وتوارت بمعنى اختفت عند هلاك عاد لظنها أنها تنجو من عذاب الله. قوله: (إن كنت حاضرهم) يعني أنّ الخطاب فيه فرضيّ، وقوله: أو في الليالي والأيام كان ينبغي تقديمه لأنه الأولى لذكره صريحا، وقوله: من بقية فهو منقول والتاء للنقل إلى الاسمية أو المراد جماعة باقية، وقوله: أو نفس باقية فالتاء للتأنيث والموصوف مقدر وقوله: أو بقاء فهو مصدر كالطاغية والكاذبة، والتاء للوحدة. قوله: (ومن تقدّمه (على قراءته بقبل الظرفية فهو تعميم بعد التخصيص كالمؤتفكات فإنّ ممن قبله عادا وثمود، وقوله: ومن قبله بكسر القاف وفتح الباء وقبل بمعنى جهة وجانب فلذا فسره بما ذكر، وقوله: ويدلّ عليه أي على أنّ المعنى ما ذكر وقراءة من معه شاذة منقولة عن أبي وابن مسعود وقوله، والمراد أهلها مجازًا بإطلاق المحل على الحال أو بتقدير مضاف فيه أو على الإسناد المجازي، وكلام المصنف يحتملها والقرينة عطفه على من يتصف بالمجيء. قوله: (بالخطأ) فهو مصدر على زنة فاعلة بمعنى ضد الصواب، وقوله: ذات الخطأ على أنه للنسبة لأنّ الخاطئ أصحابها ويجوز أن يكون مجازا في النسبة كعيشة راضية. قوله: (كل أمة رسولها) الظاهر أنه إبقاء لإفراد الرسول على ظاهره وتأويل عصوا بكل طائفة على عادته في الاكتفاء ببعض التأويلات في بعض المواضع، ولذا قيل إنه اختاره من بين الوجوه المذكورة في الشعراء لأنه الظاهر من قوله: فأخذهم، ويجوز أن يكون الرسول جمعًا أو مما يستوي فيه الواحد وغيره لأنه مصدر في الأصل، وأريد منه التكثير لاقتضاء السياق له فهو من مقابلة الجمع المقتضية لانقسام الآحاد أو أطلق المفرد عليهم لاتحادهم معنى فيما أرسلوا به، وقد حمل على هذا كلام المصنف فيكون بيانا لحاصل المعنى، وأنه من مقابلة الجمع بالجمع وفيه نظر. قوله: (زيادة أعمالهم في القبح) يعني أنه باستحقاق ومن جنس عملهم، وقوله: وذلك الخ هو على الوجهين وطغيانه على خزانه على أنه

استعارة ولا وجه لكونه حقيقة إلا بتكلف ما لا حاجة إليه والفرق بين الوص 0 ايخن أن تجاوز الحد قد يكون بالنسبة للغير وقد لا يكون مع الاشتراك في الاستعارة والمستعارص ما تجاوز المرء حده والمستعار له كثرة الماء، ويجوز كونه تمثيلًا، وقوله: وهو يؤيد من قبله ة تح القاف وسكون الباء أي يؤيد هذه القراءة لأنّ الطوفان قبل فرعون وهذه جملة مستأنفة لى، ن أحوال من ذكر أوّلًا، ثم إنه أشار بقوله: أي آباءكم وأنتم في أصلابهم إلى الارتباط علي القراءتين والمراد تقدير مضاف في النظم لا التجوّز في المخاطبين بإرادة آبائهم المحمولين ت! لاقة الحلول كما قيل لبعده غاية البعد سواء كان الخطاب لفرعون، ومن قبله التفاتا أو للص ر! حرين وقت النزول من غير التفات فتدبر. قوله:) وعن ابن كثير (لم ينسب هذه القراءة م ب كتب الأداء له، والمذكور فيها أن العامّة على كسر العين وتخفيف الياء بالفتح عطفًا على نب إؤللها، وابن مصرف وأبو عمرو في رواية هارون عنه، وقنبل بإسكانها تشبيها لها برحم من فعل بر-جلقى العين وروي عن حمزة إخفاء الكسرة في رواية شاذة وما روي عن عاصم من تشديد سياء إجراء للوصل مجرى الوقف قيل: إنه غلط وروي عن حمزة أيضا تسكين الياء كما في لدر المصون وهي شاذة أيضا- قوله: (من شأنها أن تحفظ ما يجب حفظها (الضمير لما باعتبا االمعنى لأنها عبارة عن الأمور المسموعة أو للأذن والعائد محذوف أي له أو هو المضاف إليد في قوله: بتذكره، وجعله الأذن حافظة ومتذكرة ومستمعة ومتفكرة وعاملة تجوز لأنّ الفاعل لا أك صاحبها لا هي

235

ولا ينسب لها حقيقة غير السمع وأنما أتى به مشاكلة لقوله واعية في النظ إه. قوله: (والتنكير الخ) فإنه مع الإفراد المتبادر منه التقليل والعموم في الإثبات في نحو ولتنظما؟ نفس نادر لا يقاس عليه، وقوله: تسبب الخ لأنه جعل وعي هذه الأذن علة لإنجائهم وانجا- أبائهم لعطفه على العلة، وقوله: بالتخفيف يعني سكون الذال. قوله:) تفخيمًا لشأنها (تعليل " للفعلين لأنّ تهويل أمرها وتهديد المكذب بها يفيد تفخيما لها وقوله: وتنبيهًا على مكانها يعظ، كونها عظيمة لأن المكان والرتبة يستعاران للرتبة وفي نسخة بدل مكانها إمكانها، وهي ظاه اة أيضا لأنها لو لم تكن ممكنة لم يعد التكذيب بها ذنبًا عظيمًا يتوعد صاحبه. قوله: (وإنماص ؤن إسناد الفعل الخ) لما كان الفعل دالا على المصدر لم يكن في الإسناد إليه فائدة وقد مبم مه السبكي وكلام المصنف رحمه الله يشير إلى جوازه مع قبح إن لم يقيد بأمر زائد فإن قيد 414 حسن وقد قيدها

بتاء الوحدة وهي وصف معنى وبصريح الوصف فأفاد فائدة تامّة ومن اقتصر على أحدهما فقد قصر، وقوله: وحسن تذكيره أي الفعل يعني أنّ المجوّز له كونه اسما ظاهرًا وقد انضم له أمور حسنته كالفصل، وكونه غير جمع حقيقي التأنيث ومصدرا فإنّ تأنيثه غير معتبر لتأويله بأن والفعل كما ذكره الجاربردي في شرح الشافية. قوله: (والمراد بها النفخة الأولى) كما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما واختاره على الروأية الثانية من أنها النفخة الثانية لأنه المناسب لما بعده، وإن كانت الواو لا تدل على الترتيب لكن مخالفة الظاهر من غير داع مما لا حاجة إليه. قوله: (أو بتوسط زلزلة الم يجعل الزلزلة حاملة حتى يقال عليه إن الزلزلة لا حمل فيها، ويعتذر بأنه من مقدماته كما ترى من يريد حمل شيء ثقيل يحركه ثم يرفعه، وقوله: فضربت الجملتان أي جملة الجبال بجملة الأرضين ضرب أحدهما بالآخر فتفتت وانتثر وصارا أرضا مستوية يعني أنّ أصل الدك الضرب على ما ارتفع لينخفض، ويلزمه التسوية غالبا فلذا شاع فيها حتى صار حقيقة ومعنى لا عوج فيها ولا أمتًا لا ارتفاع ولا انخفاض كما مرّ في الكهف، وقوله: ولذلك أي لكونه سببًا للتسوية وهذا لا ينافي عد الزمخشريّ له في قسم الحقيقة من الأساس لما عرفته، ومنه الدكان للصفة المستوية. قوله: (فحيئذ) يعني المراد باليوم هنا مطلق الوقت، وقوله: لنزول الملائكة فسره به لقوله: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاء بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ﴾ [سورة الفرقان، الآية: 25] الآية فإنّ القرآن يفسر بعضه بعضا ولا ينافي هذا ما في تفسير قوله: ﴿السَّمَاء مُنفَطِرٌ بِهِ﴾ [سورة المزملى، الآية: 18] من أنه لشدة ذلك اليوم وهو له كما قيل فإنّ الأمر قد يكون له علل شتى، وقوله: ضعيفة هو حقيقته، وقوله: مسترخية تفسير لضعيفة فإنه المراد منه. قوله: (ولعله تمثيل لخراب السماء) يعني قوله: ﴿وَانشَقَّتِ السَّمَاء﴾ إلى هنا تمثيل لما ذكر إنما حمله على التمثيل لأنّ الله يفني الملائكة قبله حتى لا يبقى غير الملك القيوم، وهو حين تجليه قائلًا لمن الملك اليوم لأنّ الملائكة يموتون بعد النفخة الأولى فإذا كان تمثيلا لم يناف ما ذكر فإن أبقى على ظاهره فذهاب الملائكة يكون عقب ذهاب هذا اليوم، وهو الفرق بينهما والمراد التوفيق بين النصوص وقوله: انضواء أهلها بالضاد المعجمة بمعنى التجائهم وذهابهم للأطراف وضمير أهلها للبنيان وأنثه لتأويله بالأبنية لأنه مصدر وحواليها بفتح اللام

بمعنى الجوانب. قوله: (فوق الملانكة) المدلول عليهم بالملك لأنّ المراد به الجنس كما مرّ فالفوقية على ظاهرها من العلو الحسي، وهم الحملة غير ملائكة الأرجاء، وقوله: لأنها في نية لتقديم لأنها فاعل رتبته التقديم فيجوز عود الضمير المتقدم عليه لتأخره لفظا لا رتبة كما لا يخفى إلا أنّ هذا فيه تكلف لأنهم حينئذ فوق أنفسهم والمحمول وإن لم يلزم بأن يكون فوق الحامل كما في اليد والجنب إلا أنه يلزم مغايرته له فكأنه أعاده عليه بمعنى الحملة مطلقًا فالفوقية معنوية بمعنى زيادة العدد، ويؤيده قوله: لما روي وإن كان دليلًا لكون الثمانية إملاكا لا صفوفا ونحوه فتأمّل. قوله: (ولعله أيضًا تمثيل الخ) فجملة تعرضون مستعارة لتحاسبون كما أن حمل العرض والإتيان به عبارة عن تجليه بصفة العظمة وهو وجه حسن فالاعتراض به بأنه تجوّز مع إمكان الحقيقة ومثله لا وجه له غير متجه. قوله: (وهذا) أي العرض والحساب وحمل العرس، وهو دفع لما يرد عليه من أنّ مقتضى النظم وقوع هذا بعد هذه النفخة وهي الأولى كما مرّ مع أنه بعد الثانية كما وردت به الأحاديث بأنّ يومئذ المذكور المراد به زمان متسع شامل

236

لجميع ما ذكر وقوله: سريرة تفسير لخافية وفي نسخة ذكر منكم بعده إشارة إلى أنه في نية التأخير صفة لخافية لما قدم للفاصلة صار حالًا ويصح تعلقه بخافية، ولذا قيل: إنه من التجاذب المذكور في شرح المفتاح وهو نوع من البديع، وهو أن يقع في الكلام لفظ يصح تعلقه بما بعده وما قبله، وهو في علم النحو من التنازع فيما توسط فأعرفه وقوله: للفصل مرجح كما مرّ، وقوله: تبجعًا بتقديم الجيم على الحاء ومعناه الافتخار على

وجه المسرّة بما افتخر به. قوله: (وفيه لغات الخ) ها تكون فعلا صريحا واسم فعل ومعناها في الحالين خذ فإذا كانت اسم فعل ففيها لغتان المدّ والقصر، وهي كذلك مع المذكر والمؤنث والمفرد وغيره، ويتصل بها كاف الخطاب اتصالها باسم الإشارة وإذا كانت فعلا صريحا اتصلت بها الضمائر البارزة المرفوعة وفيها حيحئذ لغات إحداها أن تكون بوزن عاطي يعاطي فيقال: هاء يا زيد وهائي يا هند وهائيا يا زيدان ويا هندان، وهاؤا يا زيدون وهكذا والثانية أن تكون مثل هب، والثالثة: أن تكون كخف وهي متعدية بنفسها كخذ وقيل؟ بإلى كتعال وتفصيله في كتب العربية. قوله: (أجودها هاء يا رجل) أي أفصح لغاتها أن تستعمل كما ذكرها لمصنف وهو المذكور في كتاب سيبويه وهاؤم بالميم قيل: مخفف من أمّوا بمعنى اقصدوا وقيل: الميم ضمير جماعة الذكور، وفيه كلام في محله ومرّ في الكهف طرف منه. قوله: (لآنه أقرب العاملين) فيرجح لقربه وهو أحد المذهبين وبهذا استدل من رجحه لأنه لو أعمل الأوّل أضمر في الثاني لأنّ الأولى إظهار الضمير إذا أمكن كما هنا، وإنما لم يظهر في الأوّل لأنه على اللغة الجيدة اسم فعل فلا تتصل به الضمائر كما مرّ. قوله: (والهاء فيه وفي حسابيه وماليه وسلطانيه للسكت الا ضمير غيبة فحقها أن تحذف وصلا وتثبت، وقفا لتصان حركة الموقوف عليه فإذا وصل اسنغنى عنها ومنهم من أثبتها في الوصل لإجرائه مجرى الوقف أو لأنه وصل بنية الوقف والقراآت مختلفة فيه على ما فصل في كتب الأداء واثباتها وصلا قراءة صحيحة ولا يلتفت لقول بعض النحاة إنها لحن وقوله: في الإمام هو مصحف عثمان رضي الله عنه، وقوله: ولذلك أي إثباتها في الإمام تبع فيه الزمخشريّ حيث قال: قرأ جماعة لإثباتها وقفًا ووصلا اتباعًا للمصحف قال في الانتصاف تعليل القراءة باتباع المصحف عجيب مع أنّ المعتقد الحق أتا لقرا آت بتفاصيلها منقولة عن النبيّ ﷺ وأطال في التثنغ عليه وهو كما قال. قوله: (ولعله عبر عنه بالظن الخ) بناء على أنّ الظاهر من حال المؤمن الكامل تيقن أمور الآخرة من الحشر والحساب، ونحوه فالمنقول عنه في مدحه ينبغي أن يكون كذلك لكن الأمور النظرية لكون تفاصيلها لا تخلو عن تردّد مّا في بعضها مما لا يفوت اليقين فيه كشدة الحساب وسهولته مثلا عبر عنه بالظن مجازا للإشعار بذلك وليس مراده أنه مما يلزم الإيمان به، وتيقنه كما قيل فإنه لا يلزم ذلك إذ من المؤمنين من يكرمه الله لأنه لا يحاسب فكيف يكون تيقنه لازما حتى يورد عليه

أن إيمان المقلد معتبر والظن الذي ليس معه احتمال النقيض كاف في الإيمان، ويجاب بأنّ المراد حسابه اليسير أو المراد ظننت أني ملاق حسابي مع الثدّة والمناقثة ونحو. مما لا داعي له، ثم هذا بناء على أنّ الظن لا يستعمل بمعنى العلم إلا مجازا وهو المصرّح به في كتب اللغة، وقيل: إنه يطلق عليه حقيقة وهو ظاهر كلام الرضي في أفعال القلوب وفيه نظر. قوله: (ذات رضا على النسبة بالصينة الخ) يعني أنّ النسبة على قسمين نسبة بالصيغة كلابن وزرّاد وبالحرف كروميّ وزنجيّ، والمراد هنا النسبة بالصيغة فهي بمعنى ذات رضا أي ملتبسة بالرضا فيكون بمعنى مرضية وهو المراد إلا أنه أورد عليه أنّ ما أريد به النسبة لا يؤنث كما صرّح به الرضي وغيره فكيف يصح هذا التاويل مع تأنيثه إلا أن يقال: التاء فيه للمبالغة كعلامة كما ذكره بعض المتأخرين ولا يخفى ما فيه، والحق كما يفهم من شراح الكتاب أنّ المراد أنّ ما قصد به النسبة لا يلزم تأنيثه وإن جاء فيه على خلاف الأصل الغالب أحيانًا وليس هذا محل تفصيله. قوله: (أو جعل الفعل لها مجازا) يعني أنه مجاز في الإسناد وأصله راض صاحبها فأسند الرضا إليها لجعلها لخلوصها دائما عن الشوائب كأنها نفسها راضية، ويجوز أن يكون فيه استعارة مكنية وتخييلية كما فصل في المطوّل. قوله: (أو الدرجات الخ) فوصفها بالعلو مجاز لعلو درجاتها وما فيها من بناء ونحوه وهو على الأوّل حقيقة، وعلى الأخيرين مجاز عقليّ أو بتقدير

237

مضاف وليس المراد أنها صفة جرت على غير من هي له فإنه لا يوافق كلام النحاة إلا أن يريد ما ذكرناه ولا يخفى ما فيه. قوله: (جمع قطف الخ) جعله جمع المكسور لأنّ المصدر لا يطرد جمعه، وقوله: وهو ما يجتني بسرعة السرعة لا بدّ منها في القطف لأنها من شأنه ومن لم يذكره تركه لظهوره فمن اعترض عليه بأنّ أهل اللغة لم يصرحوا به غفل عما ذكر، وقوله: يتناولها القاعد لم يقل والمضطجع لأنّ مراده التمثيل فلا وجه لاستدراكه. قوله: (بإضمار القول) أي مقولًا فيها، وقوله: وجمع الضمير الخ مع أنّ ما قبله من قوله: إني ظننت الخ يقتضي الإفراد لكنه وإن كان مفردا لم يرد به معين فهو جمع معنى فلذا روعي فيه جانب المعنى نظر المعنى من، وقوله: أكلا الخ بفتح الهمزة وضمها وشربا بضم الشين وكسرها يعني أنه منصوب على أنه مفعول به لكونه صفة المفعول وجعله صفة لهما لأنّ فعيلا يستوي فيه الواحد فما فوقه لا لأنّ المصدر يتناول المثنى لأنه ليس بمصدر على هذا فمن قاله لم يصب أو على المصدر لأنّ فعيلًا من صيغ المصادر كما مز فهو مصدر لفعل وقع حالًا والهنيء ما لم ينغص وهنئتم مبنيّ للمجهول. قوله: (من أعمار الدنيا) الإضافة على معنى اللام لأنه بمعنى مدة

الدنيا، ويجوز أن تكون على معنى في وما في بعض النسخ من أعمال الدنيا باللام من تحريف الكتبة، وقوله: الموتة التي منها فالضمير راجع على ما علم من المقام وإن لم يسبق ذكره، وقوله: أمر من الموت الخ لأنه كما قيل أشد من الموت ما يتمنى فيه الموت. قوله: (أو يا ليت حياة الدنيا) فالضمير للحياة المفهومة من السياق أيضًا، وقوله: كانت الموتة تفسير للقاضية لأنها اشتهرت في الموت فلا يرد عليه أنّ القاضية تقتضي تجدّد أمر ولا تجدّد في الاستمرار على العدم كما قيل نعم لا يخلو من البعد، وقوله: ما لي من المال جعل ما موصولة صلتها الجار والمجرور ولم يجعل مال مضافًا لياء المتكلم لأنه أشمل والتفسير به أتمّ فهو شامل للتبع والمال، وغيرهما ولو حمله على المال وأنّ ما ذكره لازم له صح ففيه تورية، وقوله: ما أغنى عني ماليه هلك.

تنبيه: قال في شرح التوضيح هاء السكت لا تدغم لأنّ الوقف عليها محقق أو مقدر وعن ورس إدغام ماليه هلك وهو ضعيف قياسا (قلت) هذا مروفي عن أبي عمرو في رواية شاذة والمرويّ عن ورس إنما هو النقل في كتابيه أني. قوله: (والمنهـ س ل محذوف) تقديره شيئا وما الموصولة فاعله، وقوله: أو حجتي الخ فسره به أكثر السلف ورجح بأنّ من أوتي كتابه بشماله لا يختص بالسلاطين لكن ما بعده أشد مناسبة للأوّل، وقوله: يقوله الله فهو بتقدير القول، وقوله: ثم لا تصلوه الخ الحصر من تقديم المفعول، وقوله: لأنه كان يتعظم الخ فالمناسب تعظيم عذابه وهذا على اختصاص ما قبله بالسلاطين والقرينة عليه تعظيم أمره وتنصيص الله على تعذيبه فلا وجه للتوقف فيه فإنه لا ضير في كونه بيانا لحال بعض من أوتي كتابه بشماله كقوله: ﴿وَلَا يَحُضُّ﴾ [سورة الماعون، الآية: 3] الخ فكم فيهم من لم يحض على الطعام من أهل الشمال، وقد مرّ أنّ الجحيم اسم طبقة منها. قوله: (طويلة) لأنّ السبعين كثرت في المبالغة والتكثير وحمله عليه هنا أبلغ من إبقائه على ظاهره وأن جاز، وقوله: بأن تلفوها الخ بيان لإدخاله في السلسلة فإنه يكون بلفها عليه حتى يكون داخلها، وقوله: مرهق بزنة اسم

المفعول بمعنى مضيق عليه من أرهقه عسرا إذا كلفه إياه أو بمعنى مغشى بها، وقوله: كتقديم الجحيم الخ فإنه كقرينه يقدر مقدما على عامله فلا يرد ما قيل إنّ قوله: في سلسلة ليس معمول فاسلكوه لئلا يلزم الجمع بين حرفي عطف، ثم والفاء فلا بد من تقدير عامل له فقد يقدر مقدمًا وستأتي تتمته وما فيه. قوله: (لتفاوت ما بينها في الثدّة) أي بين أنواع ما يعذبون به من الغل والتصلية، والسلك وفي نسخة بينهما أي بين المعطوف والمعطوف عليه والأولى أوفق لما في سورة نوج كما سيأتي ولم يجعلها للمهلة إذ مقام التهديد لا يناسبه ذكر تفرق العذاب، ثم إنه قيل: إنّ ثم الثانية لعطف قول مضمر على ما أضمر قبل خذوه إشعارا بتفاوت ما بين الأمرين وفاء فاسلكوه لعطف المقول على المقول لئلا يتوارد حرفا عطف على معطوف واحد وأورد عليه أنه يلزمه أن يكون تقديم السلسلة على الفاء بعد حذف القول لئلا يلزم التوارد المذكور، ومبني هذا التكلف البارد الغفلة عن أنّ الفاء جزائية في وربك فكبر فالتقدير ما يكن من شيء فاسلكوه في سلسلة الخ فقدم الظرف وما معه عوضًا عن المحذوف ولتتوسط الفاء كما هو حقها وليدل على التخصيص وعلى الأخير اقتصر المصنف لأنه مقتضى المقام، ويجوز

238

أن يكون التقدير هكذا، ثم ما يكن من شيء ففي سلسلة ذرعها سبعون ذراعا اسلكوه ففيه تقديمان تقديم الظرف على الفعل للدلالة على التخصيص، وتقديمه على الفاء بعد حذف الشرط للتعويض، وتوسيط الفاء وحينئذ، فمراد المصنف بقوله: وتقديم السلسلة التقديم الأوّل وهو الفائدة التي ذكرها المصنف ليس إلا فتدبر. قوله: (على طريقة الاستئناف) فإنه يفيد التعليل لوقوعه في جواب لم أستحق هذا فقيل إنه الخ وقوله: للمبالغة لأنّ السؤال المقدّر فيه تكثير للمعنى مع تقليل لفظه، وقوله: فمن تعظم فيها أي في الدنيا وقوله: على بذل طعامه يريد أنّ الحث إنما يكون على الفعل ففيه مضاف مقدّر وهو بذل أو الطعام بمعنى الإطعام بوضع الاسم موضع المصدر كالعطاء بمعنى الإعطاء، وقوله: فضلًا الخ على الوجهين، وقوله: تارك الحض لأنّ حض الغير ليس بلازم فالعقال عليه يدل على العقاب على غيره بالطريق الأولى فتدبر. قوله: (وفيه دليل الخ الأنه عذب على عدم إطعام المسكين، وترك الخير فلو لم يؤمر به لم يعاقب عليه، وقوله: الكفر بالله في قوله: لا يؤمن بالله الخ والبخل منءا- م بذل الطعام والقسوة من

منع المسكين الذي هو محل المرحمة يريد أنه جمع بهذين أقبح العقائد وأقبح الأعمال فدل على ما عداهما بالطريق الأولى، وقوله: وصديدهم عطف تفسير للغسالة بالضم لأنّ هذا الوزن للفضلات، وقوله: فعلين هو من أوزان الأسماء كصفين. قوله: (من الخطأ المضاذ للصواب) لا ضدّ العمد، وقوله: الخاطون بطرحها بعد إبدالها ياء وقيل إنه من خطأ يخطو كأنه يخطو من الطاعة إلى العصيان ومن الحق إلى الباطل كقوله: ﴿وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ﴾ [سورة الطلاق، الآية: ا] فيكون كناية عن الذنب أيضًا وقوله: فلا أقسم الخ تقدّم الكلام عليه في الواقعة والقول بأنّ أصله فلانا أقسم فتذكره، وقوله: لظهور الأمر الخ، ولذا لم يعين ما في المقسم به وقيل: إنّ بما تبصرون الخ تعيين له لأنه شامل لكل شيء وله وجه، وقوله: فإنّ الرسول الخ يعني أنّ الإضافة اختصاصية وأنما يكون القول خاصا برسل الله إذا بلغوه عن الله وليس دفعًا لما يرد من أنه كلام الله لا كلام الرسول فكيف أضيف له. قوله: (وهو محمد) قدمه لأنه الظاهر وعليه الأكثر لأنّ قولهم شاعر أو كاهن إنما كان في حقه عليه الصلاة والسلام لا في حق جبريل عليه الصلاة والسلام لما تحداهم وأعجزهم، وأمّا القول الآخر فمرجعه لهذا أيضا كما سترى، وقوله: أو جبريل هو قول مقاتل وبعض المفسرين وفسروه بأنه قول يلقيه جبريل عن الله لا من تلقاء نفس النبيّ عليه الصلاة والسلام لا أنه شاعر أو كاهن كما زعمتم، والمقصود إثبات حقية القرآن على القولين. قوله: (تصدّقون الخ) يعني نصب قليلًا على أنه صفة للمفعول المطلق، وأنّ القلة بمعناها الظاهر لا بمعنى العدم والنفي كما قاله الزمخشريّ: لأنهم لظهور صدقه لهم لزم تصديقهم له في الجملة، وإن أظهروا خلافه عنادًا وأبوة تمردًا بألسنتهم وكذا قليلا ما تذكرون لأنه خلاف الظاهر، وأمّا قول أبي حيان إنّ قليلًا إذا نصب لا يكون بمعنى النفي وإنما يكون بمعناه إذا رفع كقوله:

قليل بها الأصوات إلا بغامها

فدعوى لا تسمع على مثل الزمخشري بغير دليل وقد يجعل قليلا صفة زمان مقدر وقال

ابن عادل: نعت لمصدر أو زمان مقدّر أي إيمانا أو زمانًا والناصب تؤمنون أو تذكرون وما

زائدة، وقال ابن عطية يحتمل أن تكون نافية ومصدرية. قوله: (أمر بين لا بنكره إلا معاند) فلا عذر لقائله في ترك الإيمان وهو أكفر من حمار وأما مباينته للكهانة فيتوقف على تذكر ما لأنه يأخذ جعلا ويجيب عما سئل عنه ويتكلف السجع، ويكذب كثيرا وإن التبس على الحمقى لإخباره عن بعض المغيبات بكلام منثور، وقوله: بالياء التحتية في تؤمنون وتذكرون على الالتفات كما فصل في كتب الأداء. قوله: (سمي الافتراء) يعني الكذب والتفعل على التكلف كتحلم، وقوله: والأقوال المفتراة أقاويل الخ أما إطلاق الأقاويل عليها تحقيرا فلا كلام فيه وأنما الكلام في وجهه فقيل لأنه جمع أقوولة لأنّ وزن أفعولة مختص بالأمور المستغربة كأضحوكة، وأعجوبة ورده صاحب الانتصاف بأن أفعولة من القول غريب عن القياس التصريفي، ويحتمل أن يكون جمع الجمع كأناعيم جمع إنعام وهو غير وارد لأنّ مراده أنه جمع لمفرد غير مستعمل لأنه لا وجه لاختصاصه بالافتراء غير ما ذكر والأحسن في توجيهه أن يمنع اختصاصه وضعًا وإنه جمع قول على غير القياس أو جمع الجمع، ودلالته على ما ذكر بقرينة السياق لا تضر كما يقال في التحقير

239

بعض ألناس ولذا قال الشاعر:

وأقول بعض الناس عنك كناية خوف الوشاة وأنت كل الناس

وأمّا لزوم أن يعاقب بما دون ثلاثة أقوال فغير وارد لأنّ الألف واللام أبطلت جمعيته كالعالمين فتدبر. قوله: (لأخذنا منه) أي لأمسكناه وقوله: باليمين بعده بيان بعد الإبهام كما في قوله: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [سورة الشرح، الآية: ا] لأنه تفصيل بعد الإجمال، وقوله: بأفظع يعني أشد وأقبح فهو بفاء وظاء معجمة والفتاك بالفاء والكاف أو بالقاف واللام وهو المباشر للقتل، وقوله: يكفجه بالفاء والحاء المهملة يعني يواجهه بالسيف لأنّ الآخذ باليمين يقتله بعد مواجهته بالسيف ونظره له أشد عقوبة ومن يضرب عنقه من غيره مواجهة يأخذه من يساره فلذا قال بيمينه لبيان أنه يعاقب بأشد العقوبة أو اليمين بمعنى القوّة فالمراد أخذه بعنف، وشدة ومرضه لأنه يفوت فيه التصوير والتفصيل والإجمال ويصير قوله: منه زائدًا من غير فائدة، ويرتكب المجاز من غير فائدة أيضًا. قوله: (عن القتل) فالمعنى لا يمنع أحد عن قتله أو لا يحول أحد بيننا وبينه، وهو المقتول لأنّ الحجز المنع ومنه الحجاز لأنه بين تهامة ونجد،

وقوله: وصف لأحد أو خبر له وجمع وصفه أو خبره لأنه أحد الوجوه في إعرابه وما حجازية أو تميمية رعاية للمعنى لأنه نكرة في سياق النفي فيعم وفيه تفصيل في الدر المصون. قوله: (لأنهم المنتفعون به) توجيه للتخصيص، وقوله: فيجازيهم مرّ تحقيقه مرارًا، وقوله: اليقين الذي لا ريب فيه قد مرّ فيه في الواقعة كلام وأنّ إضافته لامية أو على معنى من أو هو من إضافة الصفة للموصوف وأصله اليقين الحق وفي كلام المصنف رحمه الله ميل إليه، وتفصيله في الكشف، وقوله: فسبح الله تقدير لمفعوله المحذوف بيان لاتصاله بما قبله، وقوله: عن النبيّ ﷺ الخ حديث موضوع تمت السورة والحمد لله والصلاة والسلام على سيد الرسل واكه وصحبه الكرام.

المعارج

سورة المعارج

وتسمى سورة سأل وهي مكية بالاتفاق وآيها أربع أو ثلاث وأربعون على قولين فيها.

بسم الله الرحمن الرحبًا

قوله: (أي دعا داع به الخ الما كان السؤال يتعدى بنفسه أو بعن في الاستعمال المعروف

وهنا تعدى بالباء اختلفوا في توجيهه على وجوه منها ما ذكره المصنف رحمه الله، وهو أنّ السؤال بمعنى الدعاء فعدى بالباء والمراد به الاستدعاء والطلب، وهو بهذا المعنى يتعدى بالباء كما في قوله: ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ﴾ [سورة الدخان، الآية: 55] وليس تضمينًا وقيل: إنها زائدة وقيل: إنها بمعنى عن كما في قوله: فاسأل به خبيرا واختلف في السائل على أقوال منها ما ذكره المصنف رحمه الله. قوله: (فأمطر علينا الخ) قد مرّ تفسيره وجعله واقعا على هذا وعلى ما بعده إمّ لأنّ جنسه واقع في الدنيا أو في الآخرة وعبر بما ذكر لتحققه فيهما من غير فرق بينهما، وقوله: استهزاء لأنه لا يريد عاقل حلول العذاب به. قوله: (استعجل بعذابهم) أي دعا عليهم، وقوله: وقرأ نافع وابن عامر الخ هو في هذه القراءة سال كقال وتبع فيه الزمخشري إذ قال: إنّ لغة قريث! فيه إنها تجعله أجوف واويًا وغيرهم يجعله مهموزا وباللغتين جاء القرآن على القراءتين فقوله: من السوال بالواو الصريحة بكسر السين وضمها كما في القاموس، وكون الواو فيه أصلية وهو لغة قريش فيه نظر لأنّ المصرّح به كتب اللغة والعربية خلافه وفي كتاب سيبوبه إنّ لغة أهل الحجاز همزه وتحقيق الهمزة فيه حتى قال: إنّ الألف مبدلة من الهمزة وإنه على خلاف القياس المقصور على السماع، وكيف لا والقرآن ورد بخلافه وهو فد نزل على لغة قريش إلا ما ندر والحاصل أنه اختلف في لغة سال بالف هل هي مخففة على خلاف القياس،

وفيه ما علصت ولا وجه لقول المحشي أنه مردود بعد السماع، وقيل: إنها لغة فيه واختلف هل هي منقلبة عن ياء أو واو وفي الكشاف هو من السوال، وهو لغة قريش يقولون: سلت تسال وهما يتسايلان قال الجاربردي: يعني هو من السؤال المهموز يعني لا اشتقاقا فلا ينافي قوله: يتسايلان والصواب من السوال بالواو ويتساولان كما في الحجة، اهـ فألفه منقلبة

240

عن واو كخاف، وحكى أبو عليّ أنه سمع من العرب من يقول: يتساولان وبه صرّح ابن عادل وأهل اللغة، وأمّ قول بلال بن جرير:

إذاضفتهم أوسوايلتهم وجدت لهم علة حاضرة

فهو جمع بين اللغتين ووزنه فعايلتهم. قوله:) سالت الخ) البيت من شعر لحسان يهجو

به هذيلا لما سألوا النبيّ ﷺ أن يبيح لهم الزنا، ومعناه ظاهر وقيل: سالت في البيت معناه طلبت سولًا منه وليس من السؤال في شيء، وقوله: قرئ سال سيل كباع بيع وهي قراءة ابن عباس رضي الله عنه، وهو من السيل المعروف في الماء وأصله مصدر كالسيلان بمعنى الجريان، وقوله: سال واد يعني السيل بمعنى السائل وهو الماء الجاري فالظاهر أنه تسمح في التعبير عنه بالوادي، وأراد ما فيه كما يقال: جرى النهر وفي الكشاف وشروحه هنا كلام لا حاجة لنا به. قوله: (ومضتي الفعل الخ) هو على الأوّل حقيقة والتجوّز في قوله: واقع وعلى الأخير مجاز لا! العذاب لم يحل بهم، وقوله: قتل بدر وقد قتل فيها النضر وأبو جهل والسورة مكية وهو وقع بعد ذلك فيكون مجازًا من الأخبار بالغيب. قوله: (أو صلة لواقع (واللام للتعليل أو بمعنى على وقد قرأ به أبيّ في الشواذ، وقوله: وإن صح أن السؤال في قوله: سأل سائل المراد به السؤال عمن يحل به العذاب المتوعد به كما روي عن قتادة والحسن لأنّ أهل مكة قالوا: لما خوّفهم النبيّ بعذاب الله اسألوا محمدا عنه فسألوه فنزلت كما في تفسير البغوي فيكون قوله: للكافرين جوابا لذلك السؤال، والمعنى أنهم سألوا عن العذاب الواقع على من يقع، ولمن هو فأجيبوا بما ذكره فتقديره هو للكافرين فقوله: ليس له دافع جمله مؤكدة لقوله: هو للكافرين لا محل لها حينئذ، ولك أن تقول لها محل لأنها تأكيد معنوقي إلا أنهم لم يذكروه في الجمل. قوله: (والباء على هذا لتضمن سأل معنى اهتم) وقيل: إنّ الباء

بمعنى عن كما في قوله: فاسأل به خبيرًا وعليه صاحب القاموس وذكره في المغني، ولم يرتض به المصنف رحمه الله كبعض النحاة وجعلوا الباء فيه تجريدية أو سببية أو التجوّز والتصرّف في الفعل لأنه أقوى من الحرف فيجعل مجازا أو مضمنا معنى الاهتمام والاعتناء، وقوله: من جهتة فمن ابتدائية متعلقة بدافع لقربه لا بواقع وما بينهما اعتراضى لبعده لفظا ومعنى وقوله: يصعد فيها الكلم ليس المراد به السموات، ولا طرقها لأنه وجه آخر سيأتي بل المراد مقامات معنوية تكون فيها الأعمال والأذكار كما أنه فيما بعده مراتب في السلوك معنوية أو في منازل الآخرة، وقوله: مراتب الملائكة معطوف على قوله: الدرجات، وكذا السموات وضمير فيها للسموات. قوله: (استئناف الخ) وضمير إليه لله أو للمكان المنتهى إليه الدال عليه السياق، وقوله: على التمثيل والتخييل على الوجو. كلها لأنّ المراد أنه في غاية البعد والارتفاع المعنوي كما في بعض الوجوه كمراتب السالكين أو الحسي لكنه ليس المراد به التحديد كما أشار إليه بقوله والمعنى، وقيل: إنه إنما يظهر إذا فسرت المعارح بغير السموات فتأمّل. قوله: (وقيل معناه تعرج الخ) فالضمير راجع لله بتقدير مضاف فيه وهو عرس، وقوله: يقطعون فيه أي في ذلك اليوم ضمير فيها للمدة وهي خمسون ألف سنة، وقوله: لو فرض أي قطع الإنسان لها وسيره فيها إلا أنه يسير الملائكة فإنه ما سيذكره وهو خمسة آلاف سنة، وقوله: لا أن بلا النافية وأنّ المشدّدة ووقع في نسخة لأنّ وهو من غلط الناسخ فتدبر، وقوله: إلى محدب السماء فخمسمائة منها مسافة ما بين المقعر والمحدب وتقدم في السجدة إنه مسافة الذهاب والإياب في قول مع وجوه أخر مرّت مع ما فيها. قوله: (وقيل في يوم الخ) وقد كان متعلقا بيعرج فيما تقدم، وقوله: إذا جعل من السيلان فإنه يدل على وصول العذاب لهم في ذلك اليوم بخلاف ما إذا كان من السؤال فإنه لا يتعلق به لأنّ السؤال لم يقع فيه. قوله: (والمراد به يوم القيامة (يعني على هذا التفسير وقد صححه القرطبي وقال: إنه ورد في الحديث وهو أقرب الوجوه،

وقوله: واستطالته الخ يعني ليس المراد بالعدد المذكور حقيقته بل مجرّد الاستطالة على هذا الوجه وهكذا كل زمان شدة كما قيل:

تمتع بأيام السرور فإنها قصار وأيام الغموم طوال

قوله: (أو لكثرة ما فيه) بحيث لو وقع من غير أسرع الحاسبين وفي الدنيا طال إلى هذه المدة فهو مجاز عما

241

يلزمه من كثرة ما وقع فيه أو كناية، وقوله: كذلك أي طويل حقيقة، وقوله: وافراده ًاي بالذكر مع دخوله في الملائكة. قوله: (وهو متعلق بسأل) أي متفرّع عليه ومتعلق به تعلقًا معنويا، وقوله: عن استهزاء أي على أنّ السائل النضر أو أبو جهل، وقوله: أو تعنت أي إن كان السؤال عمن وقع به العذاب والسائل كفار مكة والتعنت تفعل من العنت وهو المكابرة عنادا، وقوله: يضجره أي النبيّ ﷺ إن كان هو السائل استعجالًا كما مرّ، وقوله: أو يسال بالألف على القراءة به مع سائل وسيل في الوجهين لأنّ معناه حينئذ قرب وقوع العذاب فيظهر تفريع الأمر بالصبر عليه، والحاصل أنه متعلق به على القراآت كلها وقد أورد على قوله: لأنّ المعنى قرب الخ أنّ المناسب لهذا أن يكون صيغة المضي لاقتراب الوقوع لا للتحقق كما مرّ ويدفع بأنه أشار يخما مضى إلى وجه وهنا إلى آخر أو هما متقاربان فتأمّل. قوله: (أويوم القيامة الخ) في الكشاف فيمن علق في يوم بواقع لأنّ المراد به يوم القيامة ويصح وصفه بالقرب والبعد وأمّا إذا علق بتعرح فليس المراد به يوم القيامة، ولا يوصف بالقرب والبعد معنى لأنّ استبعادهم إياه لاستحالتهم له وهم يستحيلون يوم العذاب لإنكارهم له لا يوم عروج الملائكة لأنه لم يقرع أسماعهم فمن قال: يجوز إرادته إذا تعلق بيعرج أيضا لأنّ واقع يدل عليه في أحد الوجهين لم يقف على مراده لأنّ مراده أنه لا يعود إلى يوم المذكور، وعلى ما ذكره يرجع إلى ما فهم من الكلام وهو شيء آخر. قوله ة (من الإمكان) فالمراد بالبعد البعد عن الإمكان وبالقرب القرب منه، ولا شك أنّ العذاب أو يوم القيامة ممكن ولا معنى لوصف الممكن بالقرب من الإمكان لدخوله في حيزه إلا أن يكون للمشاكلة والمراد، وصفه بالإمكان وهم يحيلونه لقولهم من يحي العظام وهي رميم. قوله: (أو من الوقوع) قدره في الثاني دون الأوّل لأنه لو تعلق به أفاد إمكانه عندهم وهم يحيلونه كما سمعت فيصير المعنى أنهم يرونه بعيدًا من الإمكان، ونحن نراه قريبًا من الوقوع فضلًا عن الإمكان وهو أحسن من تقدير الإمكان فيهما فمن قال: الأوّل في إيفاء حق البلاغة أظهر، وتعليق الثاني ببعيدًا فيه إيهام اعتقادهم لإمكانه لم

يصب. قوله: (يمكن يوم تكون) بيان لحاصل المعنى وفيه إشارة إلى ما قلنا من أنّ المراد بالقرب من الإمكان الإمكان وعبر به إما مشاكلة أو إرخاء لعنان المساهلة، والمراد أنه ليس في ذلك اليوم ما يحيله فهو باق على إمكانه، والا فالإمكان متحقق في كل زمان فلا معنى لتقييده به، وقيل: المراد يظهر إمكانه فيه. قوله: (دل عليه واقع) وهو يقع وقوله: من في يوم إن علق به أي بواقع لأنه يكون المراد به يوم القيامة فيجوز إبداله منه بخلاف ما إذا علق بتعرج فإنه غير هذا اليوم وهو إبدال من المحلى لنصبه، وقول أبي حيان في ردّه إنّ مراعاة المحل إذا كان الجارّ زائدًا أو شبيهًا بالزائد كرب فإن لم يكن كذلك لم يجز فلا يقال: مررت بزيد الظريف بالنصب غير وارد لأنّ اشتراط ما ذحص غير صحيح عندهم كيف لا وقد مرّ في قراءة وأرجلكم مراعاة المحل وليس كذلك، وأنما هو يتغنى ويضطرب وعلى التقادير الثلاثة المراد بالعذاب عذاب القيامة أما إذا أريد عذاب الدنيا فالمتعلق مقدر تقديره يكون كيت، وكيت فكان على المصنف أن يذكره مقدما لتاليه على الوجوه كتقدير اذكر ونحوه كما أشار إليه الزمخشري. قوله: (المذاب في مهل) أي ما تقع إذابته في زمان ممتذ لا ما يذاب بسرعة كالسمن والفلزات جمع فلز بكسر الفاء واللام، وتشديد الزاي المعجمة وفيه لغات هذه أفصحها وهو نوع من المعادن أشهر الأقوال فيه أنه ما يقبل السبك، والدق بالمطارق وقيل: ما ينفيه الكير والدرديّ بضم الدال وتشديد الياء ما يتجمد في قعره. قوله: (فإذا بست) أي فتتت وطيرت في الهواء ومشابهة العهن في التطير، واختلاف الألوان، وقوله: لا يسال قريب أي لاشتغاله بحاله عن غيره فمفعوله الثاني محذوف تقديره عن حاله مثلا وعلى قراءة ابن كثير في إحدى الروايتين عنه لا حذف ولا تقدير فيه ومعناهما متقارب. قوله: (يبصرونهم) أي يشاهدونهم وفي الجملة وجوه لاحتمال أن تكون مستأنفة لا محل لها كانه لما قيل، ولا يسأل الخ قيل: لعله لا يبصره فقيل: يبصرونهم أو هي صفة حميم أو جمع الضمير نظر المعنى العموم فيه قيل، وهو أولى من الحالية لتنكير صاحبها وأن كان العموم فيه مسوّغا له، وهو حينئذ إما حال من الفاعل أو المفعول أو من كليهما، وهو ذهول عما نظر إليه المصنف من أنّ الحالية أقعد معنى لأنّ

242

التقييد بالوصف في مقام الإطلاق، والتعميم غير مناسب بخلاف الحالية كما ذكره فتدبر، وقوله: تدل على وجه الدلالة ظاهر وهو جار على الوجهين، وقوله: ما يغني عنه معطوف على التشاغل

والضمير للسؤال. قوله: (حال من أحد الضميرين) أي من ضمير الفاعل على فرض أن يكون هو السائل فإنّ فرض السائل المفعول فهو حال من ضميره لأنّ هذه الودادة إنما تمنع عن كونه سائلا لا مسؤولًا عنه، والتقدير يوذ المجرم منهم، وقيل الظاهر أنه حال من ضمير الفاعل لأنه المتمني. قوله: (فضلاَ أن يهتم الخ) انتصاب فضلا على المصدرية، وفي استعماله كلام طويل في شرحي الكشاف والمفتاح وقد أفرده ابن هشام برسالة فلا يسع المقام بيانه، إنما الكلام في أنه اشترط فيه أن يقع بعد نفي صريح أو ضمنيّ على كلام فيه، وعلى تسليمه فالتقدير هنا يتمنى أن لا يبقى أحد منهم إلا وقد قربه لعذابه فضلًا عن اهتمامه به واعتنائه لأنّ له في خويصة نفسه ما يعنيه، وهذا أحسن من جعل قوله: يتمنى الخ بمعنى ما يبالي بهم. قوله: (بفتح ميم يومئذ) لأنه مبنيّ على الفتح لإضافته لغير المتمكن المبنيّ كما مز، وقوله: عشيرته الذين فصل عنهم أي آبائه أو أقربائه الأدنين الذين ولدوه، وقوله: في النسب الخ تفسير للإيواء وهو الجمع والضم بضم نسبه لنسبهم أو ضمه نفسه لهم عند احتياجه والثقلين الإنس والجن والخلائق جميع المخلوقات الشامل لهم ولغيرهم، وقوله: ينجيه الافتداء فالضمير راجع للمصدر الذي في ضمن الفعل، ويجوز عوده إلى المذكور أو إلى من في الأرض وهو ظاهر. قوله: (على أنّ الافتداء لا ينجيه) يعني لو كان ابتداء أو هو من قبيل قوله:

على لا حب لا يهتدي بمناره

أي لا نجاة ولا افتداء. قوله: (الضمير للنار (المفهومة من العذاب وكونه مبهما يعود

على متأخر مرّ تفصيله في البقرة، وقوله: وهو خبر أي على الوجهين، وقوله: أو بدل لأنه علم شخص لجهنم ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث أو العدل عن المعرف باللام ولذا لم ينون كما قاله الراغب: لا علم جنس للنار كما قيل ولا يرد عليه إبدال النكرة غير منعوتة من المعرفة لأنّ أبا علي وغيره من النحاة أجازوه إذا تضمن فائدة كما فصله النحاة وعليه كلام المصنف رحمه الله في الوجه الأوّل الذي اختاره فلا وجه لتخريج كلامه على العلمية كما قيل مع أنه قيل: إنّ نزاعة حينئذ صفة لظى لأنه بمعنى النار، وقوله: للقصة معطوف على قوله للنار

وقوله: ولظى مبتدأ يعني على الوجه الأخير، وقوله: وهو أي لظى اللهب الخالص من الدخان لشدة احتراقه وهذا بناء على أنه غير علم لكنه يأباه اتفاق القراء على عدم تنوينه فإنه مقتض لمنع الصرف ظاهرا، وقوله: وقيل علم للنار فهو علم جنس منقول لا علم بالغلبة لتخلف شرطه والأحسن كما مرّ أنه علم شخص وكلامه محتمل له لأنّ النار قد يراد بها جهنم أيضًا. قوله: (على الاختصاص) يعني به تقدير أعني أو أخص لا مصطلح النحاة، والمصنف رحمه الله كالزمخشري يستعمله بهذا المعنى كثيرًا، وقوله: المؤكدة لأنه لا ينفك عنها التلظي، وقوله: أو المنتقلة لانفكاكه بالزمهرير ومخالطة الدخان وقوله: على أن لظى بمعنى متلظية فالحال من الضمير المستتر فيها لا من لظى لأنها نكرة أو خبر وفي مجيء الحال من مثله ما فيه، وليس المراد بالمؤكدة مصطلح النحاة والعامل أحقه مقدرًا أو الخبر لتأويله بمسمى أو المبتدأ لتضمته معنى التنبيه أو معنى الجملة فإنه لا يوافق شيئًا منها كلامه، وقوله ة على أن لظى بمعنى متلطية أو ملتظية الظاهر أنه غير علم وليس مخصوصا بكونها منتقلة كما توهم فإنه لا وجه لجعله علمًا منقولًا ثم نأويله بما نقل عنه ففي كلامه لف، ونشر وهو مشوّس. قوله: (والشوي الآطراف) يعني أطراف الأعضاء كاليد والرجل، وقيل: الأعضاء التي ليست بمقتل ولذا يقال: رمى فاشوي إذا لم يقتل، وقوله: تدعو خبر مبتدأ مقدر أو حال من لظى أو نزاعة أيضًا، وفسره بقوله: تجذب من الجذب وهو سحبه إلى جانبه وتحضر مضارع أحضره إذا أتى به إليه واستشهد لورود تدعو لهذا المعنى بهذا البيت المذكور كما ستراه. قوله: (تدعو أنفه الريب الخ) هو من قصيدة طويلة لذي الرمة مطلعها:

مابال عينك منها الماءينسكب كأنه من كلامقريه ينسرب

وهو من قصيدة ذكر فيها بقر الوحش وثورها فقال في وصف الثور:

أمسى بوهبين مجتازا لمرتعه من ذي الفوارس تدعو أنفه الربب

243

ووهبين وذو الفوارس علمان لموضعين، ومجتازا لمرتعه أي مارا بمحل يرتع فيه والربب

بالراء المهملة والباءين الموحدتين بزنة عنب جمع ربة بالكسر والتشديد، وهو النبت الذي يرعى بالصيف وليس نبتا معينًا كما في شرحه وبه فسره في المجمل أيضا، وتدعو فيه بمعنى تجذب وتحضر في الأصل وتجوّز به عن كونه نبتًا حسنًا لا تفارقه البقر إذا رأته فجعل ذلك كأنه يدعوها على أنه استعارة تمثيلية أو تبعية، ولذا قال: مجاز من جذبها الخ. وقوله: لمن فرّ الخ، متعلق باحضارها وذكره إشارة إلى أنّ ما في الآية أيضا استعارة بتشبيه استحقاقهم للدخول

فيها بالدعوة لهم ولذا استشهد له ييت ذي الرمّة. قوله: (تدعو رّبانيتها) أي تجذبهم وتحضرهم لها فهو على حقيقته، والتجوّز في الإسناد أو يقدر فيه مضاف ودعاه بمعنى أهلكه الظاهر أنه حقيقة أيضًا، وهو خلاف المشهور في استعماله وإن ورد في كلامهم كقوله: دعاك الله من رجل يافعي وقوله: حرصًا وتأميلًا أي طول أمل وكل منهما علة لكل منهما، وكونه على اللف والنشر بعيد معنى. قوله: (شديد الحرص الخ) لأنّ سرعة الجزع إذا مسه المكروه، وسرعة المنع إذا ناله الخير فهي صفة مفسرة له، وقال ثعلب: إنّ الله فسر. بتفسير لا يكون تفسير أوضح منه فكان إذا سئل عنه قرأ هذه الآية وقال هو كقوله في الألمعي:

الألمعي الذي يظن بك الظن كان قد رأى وقد سمعا

وهو كلام حسن يناسب كون جزوعًا ومنوعا صفتين كاشفتين لهلوعًا كما قيل، ولا ينافيه

ما ذكره المصنف رحمه الله تعالى من الحالية فإنها قد تكون مفسرة وإن كان الأول أولى، وقوله: الضرّ بفتح الضاد المراد به ضيق المعيشة بدليل ما يقابله. قوله: (أحوال مقدّرة الخ) لأنه في حال الخلق لم يكن كذلك وأنما حصل له ذلك بعد تمام عقله ودخوله تحت التكليف إن أريد اتصافه بذلك بالفعل فإن أريد مبدأ هذه الأمور من الأمور الجبلية والطبائع الكلية المندرجة فيها تلك الصفات بالقوة كانت الحال غير مقدرة بل محققة، وهذا الوجه الثاني هنا هو بحسب المآل ما ذكره في الكشاف بعينه إلا أنه قال: إنّ الإنسان لإيثاره الجزع والمنع ورسوخهما فيه كأنه مجبول عليهما مطبرع، وكأنه أمر خلقي ضروري غير اختياري كقوله تعالى: ﴿خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [سورة الأنبياء، الآية: 37] فجعله استعارة لا أنه خلقي فيه حقيقة بناء على مذهبه كما بيته وزيفه في الانتصاف والمصنف رحمه الله تعالى جعله حقيقة بناء على قاعدة أهل الحق قصدًا للرد عليه ضمنا فيما زعمه من أنّ الخلق على هذه الصفة قبيح لا يصح إسناده إلى الله تعالى كما سيأتي، ثم إنه بعد كونه مطبوعا عليها هل تزول أم لا اختلف فيه في علم الأخلاق فقيل: إنها تزول بالمعالجة، ولولاه لم يكن للمنع منها والنهي عنها فائدة فإنها ليست من لوازم الماهية فالله كما خلقها يزيلها وقيل: إنها لا تزول وأنما تستر ويمتنع المرء عن آثارها الظاهرة كما قيل:

والطبع في الإنسان لا يتغير

قوله: (أحوال مقدّرة أو محققة الخ) شروع في الرد لما في الكشاف من الانتصار لمذهبه

لما رأى الآية مخالفة له حيث قال إنه استعارة لشدّة تمكن الهلع ورسوخه حتى كأنه أمر طبيعي

وأيده بأنه في البطن والمهد لم يكن به هلع وانه ذم والله لا يذم فعله، والدليل عليه استثناء المؤمنين المجاهدين لأنفسهم بترك الشهوات حتى لم يكونوا مانعين ولا جازعين يعني أنه ليس بخلق الله لأنه قبيح لا يصدر عنه مثله، والدليل عليه أنه لو كان خلقيًا ظهر في المهد والبطن وكان الله ذم ما هو فعل له ولم يذمهم والواقع بشهادة العقل خلافه فلذا صح استثناء المصلين الموصوفين بما ذكر منهم بخلاف ما إذا أريد ما جبلوا عليه لاستوائهم معهم، وعدم مخالفتهم لهم في الأمور الجبلية وما يكون لنوع الإنسان في الطفولية فذكر ثلاثة أدلة لنصرة مذهبه، وتأويله الآية بما ذكره فيها فرد المصنف رحمه الله تعالى الأول بأنها طبائع حقيقة لا مستعارة كما تكلفه وعدم ظهورها في البطن والمهد غني عن الرد لأنّ ما في البطن لا يعلمه إلا الله واسم الإنسان إنما وقع عليه بعد الوضع فذكر ما قبله لا وجه له، وفي المهد هو متصف به بلا شبهة حتى لو نزع الثدي منه أو أبطأ لحظة كان في غاية الجزع والهلع وامّا أنه لا يذم فعله فمسلم لأنه ذم لما قام بالعبد منه باعتبار قيامه به وكسبه لا باعتبار إيجاده كما حقق في الكلام، والجواب عن الاستثناء سيأتي قريبا والحكمة

244

وفي خلقه مجبولًا عليها أنه ينازع نفسه فيها، ويمانعها فيظهر قوّة عقله ويتم له ما يستحق به الثواب والعقاب وزوالها وعدم زوالها قد ذكرناه،

قوله: (استثناء الخ) ردّ لما في الكشاف من أنّ الاستثناء لا يصح، لو كانوا مجبولين عليه لاقتضلأفه تحققه في المهد بل قبله وهم كغيرهم في حال الطفولية، ولذا خصه بالمطبوعين لأنه المذكور في الكشاف، ولأنه المشكل لا لترجيح الوجه الثاني كما توهم لأنه يخالفه ما ذكره قريبًا ولم يبين أنه متصل أو منفصل، وقد جوز فيه الانقطاع لأنه لما وصف من أدبر وتولى معللًا بهلعه، وجزعه قال: لكن المصلين في مقابلتهم أولئك في جنات الخ ثم كر على السابقين بقوله: ﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [سورة المعارج، الآية: 36] تخصيصا بعد تعميم عودا على المستهزئين الذين استفتح السورة بسؤالهم أو هو متصل على معنى إنهم لم يستمر خلقهم على لهلع فإنّ الأوّل لما كان تعليلا كان معناه خلقًا مستمرا على الهلع والجزع إلا المصلين فإنهم لم يستمر خلقهم على ذلك، وعلى الثاني حمل كلام المصنف رحمه الله تعالى، وهو وإن لم يصرّج به فإنه عند التأمّل كالصريح فيه فتدبر. قوله: (بالصفات المذكوررة (في قوله: ﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾ الخ، وقوله على الأحوال المذكورة قيل في جعله هلوعا جزوعا منوعًا، وقوله: لمضادّه تلك الصفات متعلق باستثناء وضمير لها للأحوال، وقوله: من حيث إنها أي الصفات المذكورة وقوله: الحق المراد به الله والاستغراق في طاعته معنى قوله: ﴿عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ والإشفاق الخ معطوف على الاستغراق، وهو من قوله: في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم والإيمان بالجزاء من قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [سورة المعارج،

الآية: 26] فإنّ الدين بمعنى الجزاء، والخوف من العقوبة من قوله تعالى: ﴿مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ﴾ الخ وكسر الشهوة من قوله تعالى: ﴿لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ . قوله: (وإ-شار الآجل (أي تقديم أمور الآخرة على العاجل من الدنيا هذا معلوم من جميع ما ذكر ومن بذل أموالهم واستغراقهم في الطاعة، وقوله: وتلك أي الأحوال من الهلع ورفيقيه، ولما كان المراد بقوله: العاجل الدنيا أنث الضمير الراجع إليه فقال عليها لأنها المراد منه، ولو قال عليه استغنى عن التأويل. قوله: (كالزكوات والصدقات الموظفة (ترك قول الزمخشري لأنها مقدرة معلومة واقتصر على قوله: موظفة، ومعناه تعيين زمانها فقط لأن السورة مكية والزكاة إنما فرضت وعين مقدارها بالمدينة، وكانت قبل ذلك مفروضة من غير تعيين لكن في كون زمانها موظفا معلوما أيضا نظر فليحرر. قوله: (والذي لا يسأل فيحسب الخ) يعني معنى المحروم هنا بطريق الكناية المتعفف عن السؤال لأنه من شأنه أن يحرم إذ لو أريد من يحرموه بأنفسهم كان أوّل الكلام مناقضًا لآخره. قوله: (تصديقًا بأعمالهم (هو مصدر لقوله: ﴿يُصَدِّقُونَ﴾ ولم يرد بذكره أنه مقدر بل أراد تفسير التصديق، وبيان أن المراد به أكمله وهو ما فاض من الباطن على الظاهر لأنّ التصديق القلبي عام لجميع المسلمين لا امتياز فيه لأحد منهم، وأمّا كونه مصدرًا مؤكدًا لا يعمل أو هو عامل وذكر لئلا يتعلق حرفا جر بمتعلق واحد كما قيل فليس مرادًا له، وإنما هو إلزام له بما لم يلتزمه، وقوله: وهو أي التصديق بالأعمال وجعله عين الأتعاب مبالغة، والمراد بالأتعاب الجد في الأعمال الدينية. قوله: (ولذلك ذكر الدين) الإشارة إفا للتصديق بالأعمال فذكر الدين لأنه في الأصل الطاعة والانقياد فيناسب العمل أو للطمع في المثوبة لأنّ الدين بمعنى الجزاء. قوله: (اعتراض يدل على أنه الخ (بيان لوجه الاعتراض بين المتعاطفين هنا وقوله: لأحد العموم من عدم ذكر الآمن وقوله، وإن بالغ في طاعته من جعل هؤلاء خائفين مع ما وصفوا به من الطاعة، وقوله: حافظون لأن أصل معنى الرعي حفظ الحيوان بما به بقاؤه، ثم شاع لمطلق الحفظ. قوله: (يعني لا يخفون ولا ينكرون) وقع هنا في النسخ اختلاف،

وأظهرها وأصحها ما ذكر فإن القيام بالشهادة وحقوقها عدم الإخفاء والإنكار لها أو لشيء منها، وفي نسخة سقطت لا وذكر يحقودط بالحاء المهملة والقاف وفي نسخة يحنون بنون بدل الفاء وفسر بلا يضيعون، وقيل: إنها أولى لشمولها للعهد والظاهر أنها كلها تحريف والصواب هو الأوّل، وقوله: أو لا يخفون ما علموه تفسير للقيام بالشهادة وتعميم لها بما يشمل حقوق الله وحقوق العباد، وقوله: لاختلاف الأنواع إذ لم يقصد هذا أفرد لأنه مصدر شامل للقليل والكثير. قوله: (فيراعون شرائطها الخ الأن الحفظ عن الضياع استعير للإتمام والتكميل

245

للأركان والهيآت وهذا توطئة لدفع توهم التكرار، وقوله: أولًا وآخرًا أي في أول هذه الصفات وآخرها وقوله: باعتبارين هما ما صرّج به من اعتبار المداومة وانحبار التكميل، وانافتها بمعنى شرفها وعلوّ قدرها لأنها معراج المؤمنين ومناجاة الرحمن ومبالغات هذه الصلاة قد مر في المؤمنين بعضها، وهي من جهة ما يفيده الموصول من أنّ صلته أمر محقق معلوم، وتقديم هم المقوي للحكم وتقديم على صلاتهم الدال على أنّ محافظتهم لأمور الآخرة لا يتجاوزها لأمور الدنيا، وصيغة المفاعلة مع ما يعرف من تعظيم الموصوف لمن له ذوق سليم. قوله: (أولئك في جنات الخ) إيثاره على هؤلاء إمّا لبعد المشار إليهم في الفضل أو في الذكر باعتبار مبدأ الأوصاف المذكورة، وقوله: (مسرعين) يعني للحضور عنده ليظفروا من استماعه بما يجعلونه هزأ وعزين حال من الذين كفروا أو من الضمير في مهطعين على التداخل، وعن اليمين إمّا متعلق بعزين لأنه بمعنى متفرقين أو بمهطعين أي مسرعين عن ارجهتين أو هو حال أي كائنين عن اليمين. قوله: (جمع عزة) وهي الفرقة من الناس، وقوله: ل أصلها عزوة فلامها واو من عزوته بمعنى نسبته وأصل العز والضم لأنّ المنسوب مضموم لطمنسوب إليه وقيل: لامه ياء وقيل هاء وقوله: يحلقون حول رسول الله ىشببرو أي يجتمعون، وقوله: حلقًا حلقًا قيل: إنه بفتح الحاء وكسرها، وقيل: فتحها في الدرع وكسرها في الناس، وفي القاموس حلقة الباب والقوم وقد فتح لامها وتكسرًا، وليس في الكلام حلقة محرّكة إلا جمع حالق أو لغية ضعيفة جمع حلق محرّكة وكيد انتهى. قوله: (تعليل له) أي للرح المذكور، وقوله: والمعنى الخ كان

الظاهر أن يقول إنهم بالغيبة فكأنه عدل عنه إلى الخطاب إشارة إلى أنه أمر مشاهد محسوس لأنه المراد بقوله: مما يعلمون وقوله: لا تناسب عالم القدس ليس فيه مخالفة لمذهب أهل الحق وأهل السنة كما قيل، وقوله: لم يستعد دخولها ضمته معنى يستحق فعداه بنفسه، ولولاه كان الظاهر أن يقول لدخولها فإنه يتعدى باللام فالمراد على هذا بما يعلمون النطفة ومن ابتدائية، وضمير دخولها للجنة. قوله: (أو إنكم مخلوقون من أجل ما تعلمون) فمن تعليلية وما الموصولة عبارة عن العلم والعمل مما يكملهم فهو كقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [سورة الذاريات، الآية: 56] . قوله: (أو الاستدلال بالنشأة الأولى لخ) كان الظاهر تنكيره وأن يقول أو استدلال لأنه معطوف على قوله: تعليل، وقد وقع في بعض النسخ كذلك وقوله: بعد ردعهم متعلق بقوله: استدلال وضمير عنه للطمع وأخره المصنف رحمه الله تعالى إشارة إلى ما فيه من الخفاء كما لا يخفى، وأراد به أنّ فيه ردعا عن الطمع معللا بإنكارهم البعث لأنّ ذكر الدليل إنما يكون مع المكر فأقيم علة العلة مقام العلة مبالغة لما حكى عنهم طمع دخول الجنة، وهو مناف لحالهم في عدم إثباتها فكأنه قيل: إنّ من ينكر البعث أنى يتجه طمعه في دخول الجنة فاحتج عليهم بخلقهم أوّلًا وبقدرته على خلق مثلهم ثانيًا وفيه تهكم وتنبيه على مكان مناقضتهم فإنّ الاستهزاء بالساعة، والطمع في دخول الجنة مما يتنافيان، وهذا هو الوجه كذا قرّره في الكشف فتأمّله. قوله: (أو نعطي الخ) معطوف على قوله: نأتي وقوله: بمغلوبين الخ لأنّ السبق يكون بمعنى الغلبة وهو حقيقة أو مجاز مشهور، وقوله: مر في آخر سورة الطور يعني قوله: فذرهم حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون، وقد قال: المصنف رحمه الله تعالى فيه هو عند النفخة الأولى فهو المراد هنا أيضا لا النفخة الثانية كما توهم، وهو لا يناسب ما بعده أيضًا وقوله: مسرعين إشارة إلى أنه حال وهو جمع كظريف وظراف. قوله: (منصوب للعبادة) يعني النصب الصنم المنصوب للعبادة، أو العلم وهو المنصوب على الطريق ليهتدي به السالك، وقيل: ما ينصب علامة لنزول الملك وسيره فهم يسرعون إسراع عبدة الأصنام نحو صنمهم أو إسراع من ضل عن الطريق إلى أعلامها، وقيل: ما ينصب علامة ليرد الجند للملك وقوله: يسرعون لأنّ أوفض بمعنى أسرع، وقيل: بمعنى انطلق وقيل: استبق.

قوله: (بضم النون والصاد الخ (فيه قراآت والجمهور على الفتح والإسكان وابن عامر وحفص على ضمتين، وقراءة مجاهد بفتحتين وقتادة بضم فسكون فالأولى على أنه اسم مفرد بمعنى العلم المنصوب ليسرع نحوه، وقيل هو الشبكة لأنّ الصائد يسرع لها إذا وقع فيها الصيد لثلا ينفلت، والثانية يحتمل أنه مفرد بمعنى الصنم المنصوب للعبادة قال الأعشى:

246