حاشية الشهاب على تفسير البيضاويالجزء 1 · ص 352 - 371

سورة البقرة (11 من 14)

الميزاب، فإنّ الإضافة لا تدل على الكسب ولا على عدمه، ألا ترى أنك تقول عبد زيد وبلدة فإنّ موضوعها إنما هو الاختصاص التام بايّ طريق كان فالظاهر أن يقال أنه للإشارة إلى أنّ طغيان غيرهم في جنبهم كلا شيء لادّعاء اختصاصهم به، وهذا أنسب بطريق البلاغة، ومصداق الشيء ما يصدقه أي يحققه ويدلّ على إنه أمر واقع وهو بكسر الميم صيغة مبالغة كما يقال فلان منحار ومطعام، وقد يكون مصدرًا واسم مكان وزمان كميعاد وميقات، وليس هذا بشيء فإنّ تعريف اللام والإضافة متقاربان وهو تفنن وسيأتي تفسير هذه الآية في سورة الأعرإف. قوله: (أو كان أصله يمد لهم إلخ) عطف على لما منعهم إلخ، وقيل أنه عطف على قوله من مدّ الجيش، ولا يخفى بعده وهو قول الجبائي من المعتزلة، وهو أحد التأويلات لما تعذر عنده إبقاؤه على ظاهره كما مرّ، وإليه ذهب الزجاج وتبعه البغوي، وغيره من المفسرين ورجح كونه بمعنى الإمهال لأنه في حد ذاته إحسان وخير وهو تعالى لا يمدّهم في الشرّ وقد مرّ ما فيه وإنّ الحذف والإيصال خلاف لأصل وإنّ كونه لا يتعدّى إلا بالحرف غير مسلم عند أهل اللغة فتذكره هـ قوله: (كي يتنبهوا ويطيعوا إلخ) هذا أيضًا من تتمة التأويل، وكلام المعتزلة فإنّ المدّ في العمر فعل الله

تعالى حقيقة، وهو عندهم معلل بالإغراض!، وجار على الوجه الأصلح الواجب عليه ليجري على وفق مصالح العباد فإمهالهم ليس للازدياد في المعاصي القبيحة حتى لا يسند إلى الله، وهذا وما بعده بناء على أنّ في طغيانهم ليس لغوًا متعلقا بيمدّهم بل حال من ضميره أو متعلق بيعمهون مقدم عليه والجملة حالية، والمعنى أنه يمهلهم لينتبهوا وهم يزدادون طغيانا وعمى أو بمدهم من المدد أي يمدهم بالمال والبنين لأجل أن يصلحوا والحال أنهم بخلافه، وقد قيل على قوله كي ينتبهوا إلخ أنه لا يدل عليه اللفظ ولا السياق بل يدل على خلافه لأنّ قوله يمدهم معطوف على قوله يستهزىء بهم كالبيان له على أنّ الإمهال يكون للتنبيه والاسندراج والسياق يؤيد هذأ دون ذاك، والله تعالى عالم بعواقب أمورهم وأنهم لا ينتبهون فكيف يقصد خلاف ما يعلمه فإن أراد الاعتراض على المصنف فليس بوارد عليه لأنه ناقل لما قاله المعتزلة وان أراد بيان ما في نفس الأمر فلا ضير فيه، وقوله فيما ازدادوا إلخ الحصر مستفاد من المقام لا من حاق النظم. قوله: (أو التقدير يمدّهم إلخ) هذا جواب رابع للمعتزلة على أن يمدهم من المدد بإرشادهم للأدلة العقلية والنقلية، وافاضة ما يحتاجون إليه ليصلح حالهم واستصلاحا مبنيّ على مذهبهم في التعيل بالإغراض، والإستصلاح إرادة الصلاح، وقد قيل عليه إنه يلزم تخلف مراده تعالى، وهو مذهب المعتزلة وأمّا عندنا فمحال والكلام في تقرير مذهبهم فلا يضرنا، وأمّا أنه وارد على قوله تعالى ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [صورة الذاريات: 56] إلا أن يراد البعض منهم، وهم السعداء فهو ساقط ولك أن تفسر الإستصلاح بطلب الصلاح، والطلب غير الإرادة عندنا، وأمّا الآية فلا يرد عليها شيء كما توهم لأنّ ما خلق له الجن! غير ما أريد منهم وسيأتي تفسيرها في محلها فلا حاجة لتلقي الركبان وقوله وهم مع ذلك إلخ قيل إنه إشارة إلى أنّ يعمهون خبر مبتدأ محذوف، وفي طغيانهم متعلق به أو بيمدهم والظاهر أنه بيان لحاصل المعنى من غير تقدير فيه، ويعمهون حال من منصوب يمدهم أو من مجرور طغيانهم أو هما حالان من ضمير يمدهم وان منعه بعضهم وقيل إنه إشارة إلى تقدير مبتدأ، وأنّ الجملة مستأنفة لبيان عدم انتفاعهم بما أمدهم الله تعالى به. قوله: (والطيغان إلخ) المصدر يكون مضمومًا كشكران ومكسورًا كحرمان، وقد سمعا في مصدر اللقاء كما أشار إليه المصنف، وقال الراغب: الفرق بين الطغيان والعدوان أنّ العدوان تجاوز المقدار المأمور بالانتهاء إليه، والوقوف عنده، والطغيان تجاوز المكان الذي وقفت فيه، ومن أخل بما عين من المواقف الشرعية والمعارف العقلية فلم يرعها فيما يتعاطاه فقد طغى ومنه طغى الماء أي تجاوز الحد المعروف فيه قيل، وابغي طلب تجاوز قدر الاستحقاق تجاوزه أو لم يتجاوزه وأصله الطلب ويستعمل في التكبر لأنّ المتكبر طالب منزلة ليست له، وقوله عن مكانه عدى التجاوز

بعن، وقد وقع مثله في كلامهم كما في عبارة الرضي والزمخشريّ السكاكيّ وقد اعترض! عليه السيد في حواشي الرضي فقال: جاوزت الشيء وتجاوزته بمعنى، وتجاوز عنه بمعنى عفا يعني أنّ المتعدي بعن، إنما هو بمعنى العفو والمغفرة

352

فهذه العبارة وأمثالها مخالفة لكلام العرب، وكأنه ضمن التجاوز معنى التباعد واليه ذهب كثير من الفضلاء، وقد وقع مثله في شعر من يوثق به ويجعل ما يقوله بمنزلة ما يرويه كقول أبي تمام في بعض قصائده:

فلا ملك فرد المواهب واللها تجاوز لي عنه ولا رشأدفرد

وقد تعرّض له الإمام التبريزي في شرحه، ولم ينتقده عليه وهو من أئمة اللغة وهذا مما

لم يقف عليه المعترضون كما بيناه في حواشي الرضي تجاوز الله عنه. قوله: (والعمه في البصيرة كالعمى في البصر (ظاهره إنهما متباينان لاختصاص أحدهما بالباطن والآخر بالظاهر، وهو مخالف لقول الزمخشريّ العمى عام في البصر والرأي، والعمه في الرأي خاصة لأنه جعل بينهما عمومًا وخصوصا مطلقًا وهو المشهور، وقد أيد بقوله تعالى ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: 46] ولك أن تقول في التوفيق بينهما إن العمه مخصوص بالقلب والعمى بالبصر بل بالعينين إذ لا يقال لفاقد أحدهما أعمى بل أعور، ثم تجوّز به لما في القلب وشاع حتى صار حقيقة عرفية لغوية، ولذا لم يذكره في الأساس في المجاز فإن نظرنا لأصل الوضع كانا متغايرين كما ذكره المصنف وان نظرنا للاستعمال، والحقيقة الثانية كان كما ذكره الزمخشريّ ولذا كان له صفتان أعمى وعم كحذر وتحقيقه كما في المصباح عمه في طغيانه عمها من باب تعب إذا تردد متحيرًا، وتعامه مأخوذ من قولهم أرض عمهاء إذا لم يكن فيها إمارات تدل على النجاة فهو عمه، وأعمه وعمى عمى فقد بصره فهو أعمى، والمرأة عمياء والجمع عمى من باب أحمر، وعميان أيضا ويعدى بالهمزة فيقال أعميته ولا يقع العمى إلا على العينين جميعا ويستعار العمى للقلب كناية عن الضلالة والعلاقة عدم الاهتداء فهو عم وأعمى القلب، اهـ. وما قيل في التوفيق إنّ المصنف رحمه الله لم يرد اختصاص العمى بالبصر بل أراد بيان العمه بأنه صفة للبصيرة بمنزلة العمى في البصر لا طائل تحته، والدهر يرضى العمى بالعور. قوله: (وهو التحير إلخ) تحقيقه كما عرفته أنّ أصل العمه عدم الإمارات في الطرق التي تنصب لتدلهم من حجارة وتراب ونحوهما، وهو المنار، ثم تجوّز به عن التردّد والتحير مطلقا وصار هذا حقيقة ثانية واليه أشار ا! شيخان كغيرهما فأشارا بالتحير إلى المعنى المستعمل فيه وأشار بقوله وأرض إلخ إلى وصفه الأصلي فمن قال إنّ هذا من توصيف المحل بوصف من فيه لم يصب، وقوله:

أعمى الهدى بالجاهلين العمه

مصراع أو بيت من الرجز من أرجوزة طويل لرؤبة بن العجاج الراجز المشهور وقبله: ومخفق من أهله ونهله من مهمه أطرافه في مهمه

وهو في وصف مفازة، وفي شرح الكشاف أي رلت مفازة لا تنتهي سعة بل أطرافها من جوانبها في مفازة أخرى أعمى الهدى أي أخفى المنار بالقياس إلى من لا دراية له بالمسالك جعل خفاء العلم عمى له بطريق الاستعارة، وقيل: أعمى صفة من عمى عليه الأمر التب! أي ملتيس الهداية إلى طرقها على من يجهل ويتحير فيها، وقد يقال أعمى فعل ماض أي أخفى طرق الاهتداء، والعمه بضم العين وتشديد الميم جمع عامه، وقال الطيبي رحمه الله: إنه جمع عمه أو عامه أي المهمة طريقه مشتبهة على الغيّ إذ ليس فيه جادّة أو منار يهتدي به، وقوله إنه جمع عمه أي أثبته أهل اللغة على خلاف القياس فيها وإلا فمفرده المطرد فاعل وفاعلة كركع، ولذا تركه غيره من الشراح. قوله: (تعالى أولئك الذبن إلخ) موقع هذا كموقع أولئك على هدى ومقابله لأنه بعد ذكر المنافقين وصفاتهم القبيحة المفصلة كأنه قيل من أين دخل عليهم هذه القبائح، ولم ينفعهم النذر والنصائح فأجيب بأنهم وإن استعدوا لغير ذلك فإنما خسر أولئك على ما مرّ لأنهم أبطلوا استعدادهم الفطري فاستبدلوا الهداية بالضلالة حتى خسرت صفقتهم، وفقدوا الاهتداء للطريق المستقيم ووقعوا في تيه الحيرة والضلال، ثم لا يخفى موقع الضلالة بعد العمه الذي أصله الضلال في القفار التي لا منار لها.

وقال قدّس سرّه: إنّ هذه الآية تعليل لاستحقاقهم الاستهزاء الأبلغ والمد في الطغيان

على سبيل الاستئناف أو هي جملة مقرّرة لقوله ويمدهم فتأمّل. قوله: (اختاروها عليه واستبدلوها إلخ) أدخل الاستبدال على المتروك الذي كأنه كان في يده فتركه وعدى الإشتراء بنفسه

353

للنأخوذ المختار، وسيأتي تفصيله وحرك واو اشتروا لالتقاء الساكنين، وجعلت الحركة ضمة لمناسبة الواو فهي عليها أخف من الكسرة، وقال الفرّاء: إنها حركت بحركة المحذوف قبلها والاشتراء مجاز، وهو أمّا مجاز مرسل لأنّ الإشتراء استبدال خاص أريد به المطلق أو استعمل في لازمه، ويجوز أن يكون هذا مراد الزمخشريّ بالاستعارة لأنها تستعمل بمعنى المجاز مطلقًا، وتسمى استعارة لغوية، وذهب بعض شراح الكشاف إلى أنها ألاستعارة المتعارفة لتشابههما في الإعطاء والأخذ، ولا يضر كونه جزء المعنى كما توهم لأنّ وجه الشبه كما يكون خارجا يكون داخلا كما صرّج به أهل المعاني، وجوّز فيه بعضهم أن يكون استعارة مكنية وتخييلية بأن تشبه الضلالة بالمبيع والهدى بالثمن تشبيهًا مضمرًا في النفس بجامع الاختيار فيهما، ويجعل الإشتراء قرينة له تخييلية، ثم إنّ ما ذكره المصنف رحمه الله هو ما في الكشاف بعينه حيث قال: ومعنى إشتراء الضلالة بالهدى اختيارها عليه واستبدالها به على سبيل

الاستعارة، وما قيل، عليه من أنه كان الأحسن والأليق بما سيأتي أن يقول المصنف إسنبدلوها به أو أختاروها عليه بالعكس، واستعمال أو مكان الواو ليس بشيء لأنّ المراد أنهم جمعوا بين الإختيار والإستبدال فلا وجه للعطف بأو، وقدّم الاختيار لأنه المراد في الحقيقة وما سيأتي شيء آخر سيأتي بيانه. قوله: (وأصله بذل الثمن إلخ) الثمن العوض، وهو أعمّ من القيم لأنها المثل المقاوم له وإن استعملت بمعناه أيضا، والناض بنون وضاد معجمة مشدّدة المراد به النقد وهو الدراهم والدنانير، ويستعمل بمعنى الناجز قال ابن القوطية: نض الشيء حصل والناض من المال ما له مدة وبقاء، وأهل الحجاز يسمون الدراهم والدنانير نضًا وناضًا، والأصل في عبارة المصنف رحمه الله بمعنى الحقيقة لأنه أحد معانيه المستعه لى فيها وفيه إشارة إلى أنّ ما فسره به أولا معنى مجازي له والأوّل أولى، وهذه قضية اتفاقية فإن وجود النقد في أحد الجانبين يعينه للثمنية والإشتراء عرفا وشرعا، فما قيل عليه من أنّ كون أحدهما ناضًا لا مدخل له في تسميته بذل الناض إشتراء لإبتنائه على وضع الشراء لبذل الثمن من ترك ما يعني للاشتغال بما لا يعني، وقوله: من حيث إنه لا يطلب إلخ تعليل لثمنيته أي لكونه غير مقصود لذاته إذ لا ينتفع به في نفسه، ولذا جاء في الحديث الدراهم والدنانير خواتيم الله في أرضه وهو من جوامع الكلم، وقوله وبذله إشتراء بنصب إشتراء إن عطف على اسم كان المستتر، وخبرها للفصل أو بالرفع مبتدأ وخبر، وقوله والا إلخ أي وان لم يكن نقد فيجوز جعل كل من الطرفين ثمنًا، وهذا برمته مأخوذ من كلام الراغب في مفرداته، وخرج بقيد الأعيان المعاني كالمنافع في الإجارة، وأن يكون فاعل تعين ومن حيث متعلق به، وقيل إعتراض. قوله: (ولذلك عدّت الكلمتان إلخ) المراد بالكلمتين البيع والشراء وما شاركهما في المادّة وذلك إشارة لما ذكر ولما دلّ عليه الكلام من دلالة أحدهما على البذل والإعطاء، والآخر في الأخذ الذي يقابله واستعمال كل منهما في مكان الآخر على البدل، والأضداد جمع ضدّ، والمراد بها عند الإطلاق في اللغة إذا قالوا هو من الأضداد كلمات وردت في كلام العرب موضوعة بالاشتراك للضدين كالجون الموضوع للأبيض والأسود، وفي قوله عدت إشارة إلى أنّ بعض أهل اللغة ذكر ذلك إلا أنه في الحقيقة ليس منها لأنّ كلا منهما إنما أطلق عى الطرفين باعتبار تثابههما لا باعتبار تضادّهما، وفي المصباح إنما ساغ أن يكون الشراء من الأضداد، لأنّ المتبايعين تبايعا الثمن والمثمن فكل من العوضين مشترى من جانب مبيع من جانب، اهـ ومن لم يقف على المراد قال: لم يلزم مما ذكر كونهما من الأضداد بل يلزم منه أن يكون الشراء بذل الثمن والبيع أخذه ولا يلزم أن يكون لكل منهما معنيان أحدهما ضد الآخر وهو غنيّ عن الردّ. قوله: (ثم استعير للإعراض إلخ) قد مرّ بيان معناه وأنه من أيّ أنواع المجاز، وقد صرّح أولا بأنّ معناه

الحقيقيّ مختص بالأعيان وهذه الحقيقة عرفية لغوية، وقوله سواء كان اسم كان المستتر راجع لما قبله من مدلول ما الموصولة وغير الدالة على مقابلة لتأويله بالمذكور، ونحوه لا لكل منهما على البدل كما قيل لأنّ مثله إن سلم صحته فخلاف الظاهر في الضمائر، وما ذكر سائغ صحيح وقد صرحوا بأنّ الضمير قد يجري مجرى اسم

354

الإشارة. قوله: (أخذت بالجمة رأسًا أزعرا إلخ) في شرح الفاضل المحقق الجمة أي بضم الجيم وتشديد الميم مجتمع شعر الرأس، والأزعر افعل من الزعر بزاي معجمة، وعين وراء مهملتين الأصلع، وفي الصحاح الدردر بضمتين مغارز أسنان الصبي، وقيل إنّ المراد هنا الأسنان الساقطة الباقية الأصول من الدرد بالفتح تحات الأسنان إلى الأسناخ أي انهيارها وإنفتاتها إلى الأصول، والعمر عطف بيان للطويل وفي حواشي شيخ الإسلام الحفيد الظاهر أن يقال مغرز لأنّ الدردر واحد جمعه الدرادر على ما في الصحاح ألا ترى أنّ الفاضل اليمني قال الدردر: قيل هو جمع الدردإر فكتب قدس سرّه في الحاشية الصواب هو واحد الدرادر اهـ.

(أقول) الباء في قوله بالجمة إلخ باء البدلية أي استبدلت بالشعر التام الكثير شعر رأس

أصلع وبالثنايا الحسنة الواضحة ثنايا مكسورة أو ساقطة، وبالعمر الطويل عمرًا قصيرا وهو كناية -عمن يبدل شبابه بمشيبه، وهذا استبدال لأمر سنيّ حسن بأمر حقير قبيح كاستبدال الرجل المسلم إذا ارتد إسلامه بكفره، وهذه الأبيات لأبي النجم الشاعر المذكور من أرجوزة له رائية والمراد بالمسلم المتنصر جبلة بن الأيهم الغساني، وكان وفد على عمر رضي الله عنه وأسلم وهو ملك فكتب عمر رضي الله عنه إلى أجناد الثام أي نواج لها إنّ جبلة ورد إليّ في سراة قومه وأصبلم فأكرته، ثم سار إلى مكة فطاف فوطيء إزارة رجل من بني فزارة فلطمه جبلة لطمة هشم بها أنفه وكسر ثناياه فشكاه إلى عمر رضي الله عنه فقال له: إمّا العفو وامّا القصاص فقال أتقتص مني وأنا ملك وهو سوقة فقال له قد سوّى بينكما الإسلام فسأله التأخير إلى الغد فأمهله فلما أتى الليل هرب مع قومه إلى الشام، وارتد وكان كما يقال ندم بعد ذلك وقال شعر ابن أمية:

فيا ليت أمي لم تلدني وليتني صبرت على القول الذي قالى عمر

والجيذر كضيغم بجيم وياء مثناة تحتية يليها ذال معجمة أو مهملة، ثم راء مهملة.

وفي القاموس مجذر كمعظم القصير الغليظ الشثن الأطراف كالجيذر أو هذه بالمهملة ووهم الجوهريّ يعني في إعجامه كما في الذيل والصلة من أنه جتذرا وجتدر بمثناة فوقية أو مهملة، وفي حواشي الصحاج لابن بري قال أبو سهل: الهروي الإعجام تصحيف، والصواب

الجيدر بدال مهملة هذا ما رأيته في كتب اللغة بعد كثرة مراجعة الدفاتر من غير اختلاف في المثناة التحتية ثانية وإنما الخلاف في الإعجام والإهمال، وفي حواشي القاضي للجلال السيوطي الجبذر بالجيم والموحدة والذال المعجمة القصير ولولا حسن الظن به قلت إنه تصحف عليه فإنه مما لم يقله أحد من أهل اللغة، وتعريف المسلم كما اتفق عليه الشراح للعهد، ثم إنّ اكتراض الفاضل المذكور على تفسير الجوهريّ الدردر بالمغارز وأنّ صوايه الإفراد لا وجه له فإنه وان كان مفردًا يستعمل بمعنى الجمع كما في البيت المذكور، ومثله كثير في أسماء الأبخناس، ثم إنهم ردّوا على ما ذكره الفاضل اليمني، ولا يرد ما أوردوه عليه أيضًا لأنه ناقل له وهو ثقة ولا مانع من كون الدردار كسلسال مفردا والدردر اسم جمع له، وأيضا قوله إنّ العمر عطف بيان خلاف الظاهر إذ المتبادر أنه مضاف ومضاف إليه كزيد الطويل النجاد، وفي الشعر لطيفة أدبية لم ينبهوا عليها وهي أنه إذا كان المراد بالمسلم جبلة، وسبب ردّته لطمه للبدوي لطمة أسقعمت أسنانه ففيه مناسبة لقوله:

وبالثنايا الواضحات الدردرا

وما ذكروا أن أمل ما فيه من الإسهاب، فهو مغتفر بما أهداه من لطائف الآداب، والحمد

لله الهادي لصواب الصواب، وقوله إذا تنصر أي ارتد ودخل في دين النصارى بدل من المسلم كقوله ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ﴾ [مريم: 16] .

قال ابن الصائغ شبه حال صباه بالإسلام وحال شيخوختة بالكفر ومما يضاهيه قوله:

أورد قلبي الرد لام عذا ربدا

أسود كالفكر في مثل بياض الهدى

قوله: (ثم اتسع فيه إلخ) يعني أنّ أصله في عرف اللغة وحقيقته كان استبدال الأعيان بالأعيان، ثم استعمل مجازا لما يعم العين والمعنى، ثم توسعوا فيه فأرادوا به مطلق الرغبة عن شيء سواء كان عينًا أو لا في يده أو لا طمعًا في غيره سواء حصل ذلك الغير أو لا وضمير فيه للإشتراء المفهوم من السياق، وهذا أعمّ مما قبله إذ لا يعتبر

355

فيه التحصيل بل مجرّد الطمع، وهذا إطلاق على إطلاق والمتبادر منه أنه مجاز على مجاز والتوسع مناسب له وهم قد يستعملونه لمطلق التجوّز، وقد يراد به ما هو قريب من الحقيقة كالتفسح والتمسح، وما قيل من إنه يقال لما لم تقم عليه قرينة ليس بشيء والقرينة هنا معمولاه. قوله: (والمعنى أنهم أخلوا بالهدى إلخ) هذا تحقيق لمعنى النظم بعد بيان معنى الإشتراء على وجه يعلم منه ما في الكشاف حيث قال: فإن قلت كيف (اشنروا الضلالة بالهدى) وما كانوا على هدى قلت جعلوا لتمكنهم منه واعرضه لهم كأنه في أيديهم فإذا تركوه إلى الضلالة فقد عطلوها واستبدلوها به، ولأنّ

الدين القبم هو فطرة الله التي فطر الناس عليها فكل من ضل فهو مستبدل خلاف الفطرة والضلالة الجور عن القصد، وفقد الاهتداء يقال ضل منزله وضل دريص نفقه فأستعير للذهاب عن الصواب في الدين، وقال قدّس سرّه:

الجواب الأوّل أنهم لما كانو! متمكنين منه تمكنًا تاما بعد التكليف به، وتيسير أسبابه أستعير ثبوته لهم لتمكنهم منه فإنّ العبارة تدلّ على ثبوت الهدى لهم والمراد تمكنهم، وأمّا الحمل على جعل الهدى مجازا عن تمكنه فمما يأباه ظاهر كلامه.

والجواب الثافي أنّ المراد بالهدى هو الهدى الذي جبلوا عليه، وقد كانوا على هذا الهدى

بلا شبهة، ثم استبدلوا به الضلالة فلا مجاز في ثبوت الهدى لهم بل في لفظ الهدى إن لم تكن الفطرة مندرجة في حقيقته، وهو ردّ على قول الشارح المحقق جعل تمكنهم من الهدى بعد التكليف به بمنزلة تملكهم إياه فيكون التجوز في نفس الهدى حيث أريد به التمكن منه، أو في نسبته إليهم حيث استعير ثبوته لهم لتمكنهم منه وإذا أريد الهدى الذي جبلوا عليه فلا مجاز أصلا أو هو في الهدى فقط إن كان، وقد قيل عليه إنّ أوّل كلامه يشعر بأنّ الإسناد مجازي، وآخره بأنّ التجوّز لغوي وكلاهما غير ظاهر وصحة الكلام مقتضية لإسناد الضلالة والهدى إليه. (أقول) لله در الفاضل المحقق فيما أبداه فإنّ العلامة لما قرّر التجوّز في الإشتراء، وأنه بمعنى الاختيار والاستبدال فورد عليه أنّ استبدال الشيء بشيء يقتضي أن يدخل كل منهما تحت حيازة تصرفه، وهم لم يجوّزوا الهداية في الواقع كما ينادي عليه قوله، وما كانوا مهتدين أجاب عنه بوجهين إمّا جعل التمكن من الشيء بمنزلة حصوله، أو يراد بالهدى الهدى الجبليّ فإنّ كل مولود يولد على الفطرة فأشار المحقق رحمه الله إلى أنه إذا نزل التمكن منزلة التملك يجوز، أن يقال إنّ ما بالقوّة جعل كأنه بالفعل فالتجوّز في الهدى كما يسمى العصير مسكرا، أو في النسبة أي نسبة الفعل إلى مفعوله لأنّ معناه بدّلوا الهدى أي بدلوا تمكنه لهم فتركوه، والتجوّز في الإسناد بناء على الظاهر من لفظ الإشترإء وهو لا ينافي التجوّز اللغوي في الظرف كما مرّ، ول! في التجوّز في النسبة من الخفاء أخره، وقوله إنه إذا أريد ما جبلوا عليه فلا مجاز يعني به أنّ إطلاق الهداية على ما في الجبلة، وهو أمر معنوي غير محسوس يكفي في تحقق حقيقة ثبوته في نفس الأمرظهر أم لا كما سيأتي بيانه، وإن قيل إنه لا بد في تحققه من قيامه بهم بالفعل إذ لا يسمى ال! لم قبل وجوده في الذهن مثلا علما، والهدى ليس كذلك فهو مجاز، وهو الظاهر فإنكاره قدس سرّه التجوّز فيه، وادّعاء أنّ كلام الكشاف يأباه لا يسلم بسلامة الأمير، ثم إنه على التجوّز الظاهر أنه من قبيل ضيق فم الركية وبما قرّرناه لك ظهر اندفاع ما أورده عليه من إضطراب كلامه كما سمعته آنفًا، وأمّ كلام المصنف رحمه الله فتقريره إنه لما جعله مجازًا في المرتبة الثانية عن الرغبة عن الشيء بتركه طمعًا في تحصيل غيره، وهم

قد رغبوا عن الهدى طمعًا في علو أمرهم، ونفاق نفاقهم واختاروه فاشتروا مجاز، وحاصل معناه مع متعلقاته ما ذكره المصنف أي تركوا الهداية مائلين عنها إلى الضلالة، والغواية وجعل الوجهين وجهًا واحدا لأنّ الهدى المركوز في الجبلة، والفطرة إن لم يكن هدى حقيقيًا يرجع إلى الهدى المتمكن منه فما قيل من إنّ ملخص كلام المصنف رحمه الله أنّ المراد بالهدى الهدى الذي جبلوا عليه لا الخارج إلى الفعل إمّا أنّ ذلك هدى حقيقة، أو مجازًا ففيه توقف من الفحول، وقوله واختاروا الضلالة إشارة إلى جواب آخر، وهو أنّ الإشتراء ليس عبارة عن الاسنبدال بل عن الإستحباب والأوّل مبنيّ على حمل الإشتراء على مقتضى الإتساع الأوّل، والثاني على حمله على مقتضى الإتساع

356

الثاني على ما فيه من التكلف ليس بمراد له لمن تأمّله حق التأمّل، ثم إنه كان الظاهر على هذا أو بدل الواو كأنه وقع في نسخته كذلك كما وجدناه. قوله: (واختاروا الصلاة إلخ) تقدم تفسيره، وأن المختار أنه مع ما قبله وجه واحد. وفي عدم ذكره الإستبدال في بيان المعنى المراد إشارة إلى أنه غير مقصود بالذات، وأنّ ما! معنى اشتروا اختاروا الضلالة على الهدى والاستبدال ملحوظ في معناه الأصلي ليتعلق به باعتباره الباء، ولذا أخره في التفسير ولم يعطفه بأو إلا أنه بقي ههنا أمور.

(مئها) أنّ حقيقة الإشتراء استبدال عين بعين على جهة العوضية المعروفة فلو تجوز به

ابتداء عن اختيار أمر على آخر لأنه لازم له أو مشابه له من غير توسيع للدائرة، وتطويل للمسافة كما فعله الزمخشريّ. كان أهون وأحسن.

(ومنها) أنه وقع في بعض شروح الكشاف كلمات واهية كما قيل إنّ جواب الفطرة لا يطابق السؤال، وهو أنّ المنافقين لم يكونوا على هدى فكيف استبدلوا الضلالة به، والمراد بالفطرة السلامة عن الاعتقادات الفاسدة والتهيؤ لقبول الحق، وأجيب بأنّ المراد أنّ مآل الفطرة إلى الهدى فهي على نهج أعصر خمرا، وفيما قدمناه لك غنية عما ذكر فتدبر.

(ومنها) أنه قيل هنا إن حمل الهدى على الفطرة الأصلية الحاصلة لكل أحد يأباه أنّ إضاعتها غير مختصة بهؤلاء، ولثن حملت على الإضاعة التامّة الواصلة إلى حدّ الختم على القلوب المختصة بهم فليس في إضاعتها قط من الشناعة ما في إضاعتها مع ما يؤيدها من المؤيدات العقلية، والنقلية على أنّ ذلك يفضي إلى كون ما فصل في أوّل السورة إلى ههنا ضائعا، وأبعد منه حمل اشتروا الضلالة بالهدى على مجرّد اختارها عليه من غير اعتبار كونها في أيديهم بناء على أنه يستعمل اتساعا في إيثار أحد الشيئين الكائنين في شرف الوقوع على الآخر فإنه مع خلوّه عن المزايا المذكورة مخل برونق الترشيح الآني.

(أقول) قد ذكر قبل هذا بعد تقرير التجوّز تقريب ما ذكروه أنه ليس المراد بما تعلق به الاشتراء ههنا جن! الضلالة الشاملة لجميع أصناف الكفر حتى تكون حاصلة لهم من قبل بل

هو فردها الكامل الخاص بهؤلاء على أنّ اللام للعهد، وهو عمههم المقرون بالمد في الطغيان المترتب على ما حكي عنهم من القبائح، وذلك إنما يحصل لهم عند اليأس عن اهتدائهم والختم على قلوبهم، وكذا ليس المراد في حيز الثمن نفس الهدى بل التمكن التامّ منه بتعاضد الأسباب، وبأخذ المقدمات المستتبعة له بطريق الاستعارة كأنه نفس الهدى بجامع المشاركة في استتباع الجدوى ولا مرية في أنّ هذه المرتبة من التمكن، كانت حاصلة لهم بما شاهدوه من الآيات الباهرة والمعجزات القاهرة من جهة الرسول ﷺ وبما سمعوه من صالح المؤمنين التي من جملتها ما حكي من النهي عن الإفساد في الأرض والأمر بالإيمان الصحيح، وقد نبذوها وراء ظهووهم وأخذوا بدلها الضلالة الهائلة التي هي العمه في تيه الطغيان، وهو كما قيل:

قعاقع) 1) ماتحتهاطائل! نها! مر أبي ورد

وهو على طرف الثمام لأنه ناشىء من الغفلة عن معنى الإشارة فإنها تقتضي ملاحظتهم لجميع ما مز من الصفات والمعنى أنّ الموصوفين بالنفاق المذكور هم الذين ضيعوا الفطرة أشد تضييع بتهويد الأبناء، ثم بعدماظ فروا بها أضاعوها بالنفاق مع تحريضهم على المحافظة عليها، ونصحهم شفاهًا ونحوه مما لا يوجد في غيرهم كما يشير إليه تعريف الطرفين وأقي تضييع للمزايا وكل ما ذكرونا موجود في كلامهم بغير إسهاب ممل، وأمّا الترشيح المذكور فيكفي له وجود لفظ الإشتراء، وان كان المعنى المقصود غير مرشح به كما هو العادة في أمثاله. قوله: (ترشيح للمجارّ إلخ) أصل معنى الترشيح وحقيقته الوضعية خروج البلل والقطر الصغار مما يشتمل على شيء مائع ماء كان أو لا وعاء كان أو غيره كالضرع، وفي المثل: وكل إناء بالذي فيه يرشح

ولا يختص بالجلد من الحيوان كرشح الجبين ورشح الفرب، وإن كان في بعض كتب

اللغة ما يوهمه، ثم إنّ العرب كنوا به عن تربية الأمّ ولدها لأنها ترشحه بلبنها قليلا قليلا فقالوا رشحت الغزالة ولدها إذا عودته المشي معها، ورشحت الأمّ ولدها باللبن إذا جعلته في فيه شيثا فثيثا حتى يقوى على مصه، ثم تجوّزوا به تجوّزا مبنيا على الكناية عن مطلق التربية، والتهيئة لأمر مّا فقالوا فلان ترشح للوزارة إذا تأهل لها، ثم نقله أهل

357

المعاني لما يلائم المعنى المجازي غير القرينة المعينة، والظاهر أخذه من الأخير لما فيه من تقوية المعنى المجازي وتربيته وتحقيق معناه في إصطلاحهم إنه لفظ يذكر مع المجاز يناسب معناه المراد منه ظاهر المعنى المجازي سواء تقدّم أو تاخر، وسواء كان مستعملا في معناه الحقيقي أم لا وسواء كان المجاز استعارة

كرأيت في الحمام أسدا ذا لبد أو مجازًا مرسلا نحو له في الكرم يد طولى، وقد يصحب التشبيه، والتجريد يد على كلام فيه مفصل في الرسالة الليثية وشرحها ومن أراده فليرجع إلى كتب المعاني.

(وأعلم) أنّ المدقق قال في الكشف هنا أنّ التعقيب بالملائم قد يكون تبعًا لاستعارة

الأصل لأوجه له غير ذلك، كما في قولك رأيت أسدا وافي البراثن عظيم اللبدتين لا يقصد بذلك إلا زيادة تصوير الشجاع بأنه أسد كامل، وهو حقيقة لا يذهب به إلى شيء كالبراثن واللبدة، وقد يكون مستقلا مع الملاءمة كما في قوله: ولما رأيت النسر إلخ وكما في هذه الآية وهذا القسم أعجبها لتقاطر ماء الفصاحة منه وترشحها، وقد يكون بين بين بأن يكون مجازًا مبنيا على الأول ولا يحسن بدونه كقوله:

وما أمّ الردين وإن أدلت بعالمة بأخلاق الكرام

إذا الشيطان قصع في قفاها تنفقنماه بالحبل التوام

فإنّ تقصيع الشيطان تمثيل على سبيل الاستعارة لإساءة الخلق وما يتبعها من تغير الهيثة والخلقة، والتنفق مثل للاجتهاد في إزالة غضبها لكن لولا استعارة التقصع من القاصعاء، أو لا لم يصح استعارة التنفق من النافقاء، والحبل التوأم من تتمة التنفق وفيه لطف آخر فليكن هذا أصلا محفوظا عندك فلقد اشتبه على كثير من الكبراء، اهـ. وحاصله أنّ الترشيح ثلاثة أقسام ما المراد به حقيقتة، ولم يذكر إلأ لأجل الترشح وما هو استعارة في نفسه حسنة مع أنه ترشيح وما هو استعارة تابع لاستعارة أخرى لولاها لم يحسن، وخير الأمور أوسطها وهو كلام حس. قوله: (لما استعمل الاشتراء في معاملتهم إلخ) يعني أنه تجوّز بالإشتراء كما مرّ وعبر بالمعاملة ليشمل الوجوه السابقة مع ما في لفظ المعاملة بمعناها العرفي المعروف من مناسبة البيع والشراء وفيه لطف ظاهر، ويثاكله بمعنى يثابهه ويناسبه وتمثيلا تصويرًا وهو تمييز أو مفعول لأجله والخسار بفتح الخاء الخسران الفعروف حقيقته ومجازه أي المقصود الأصلي من الترشيح في الآية تصوير ما فاتهم من نفع الهدى بصورة خسار التجار حتى كأنه هو بعينه مبالغة في تخسيرهم في هذأ الإستبدال، ووقوعهم في أشنع الخسار الذي يتحاشى عنه أولو الأبصار لا تصوير ألاستبدال بصورة التجارة فإنه وسيلة إلى ذلك المقصود، وفي قوله تمثيلا إشارة إلى أنه استعارة مرشحة للاستعارة الأخرى وليس من الترشيح الصرف المتبادر منه عند الإطلاق، وفي لفظ الخسار إشارة إلى أنّ عدم الربح عبارة عن الخسران وان كان أعم والمسند إلى التجارة عدم الربح لا الربح، ثم أدخل عليه النفي فإنه ليس من المجاز في شيء، وتحقيقه ما ذكره المحقق في بحث الرؤية من شرح المقاصد أنّ الكلام المشتمل على نفي وقيد قد يكون لنفي

التقييد، وقد يكون لتقييد النفي فما ضربته تأديبًا بل إساءة سلب للتعليل، والعمل للفعل وما ضربته إكرامًا له أي تركت ضربه تعليل للسلب، والعمل للنفي وعلى هذا الأصل يتبنى أنّ النكرة في سياق النفي إنما تعم إذا تعلقت بالفعل لا بالنفي، وأنّ إسناد الفعل المنفي إلى غير الفاعل والمفعول يكون حقيقة إذا قصد نفي الإسناد مثل ما نام الليل بل صاحبه ومجازا إذا قصد إسناد المنفيّ مثل ما نام ليلي بمعنى سهرت وما ربحت تجارته بمعنى خسرته، وهذا يجري في المجاز العقلي واللغوي ويجري في غير النفي كالنهي والشرط، والأمر كما فصله وما قيل عليه من أنّ حقيقة الإسناد إسناد الشيء إلى ما هو له فلا يكون نفي الإسناد حقيقة ليس بوارد لما سيأتي وبينهما فرق مقرّر.

(فإن قيل) إسناد النفي لازم لنفي الإسناد وهو المراد فتتحقق الحقيقة إذ المجاز إسناد

النفي الذي بمعنى الإثبات كإسناد نفي الربح بمعنى إسناد الخسران.

(قبل الا فرق حينئذ بين السالبة والمعدولة عندهم إلى آخر ما ذكره هنا، وهذا مما يتراءى بحسب جليل النظر بناء على أنّ السالبة لا حكم فيها أصلا كما صزح به في كتب الميزان قال القطب: في مبحث القضايا من شرح الشمسية لا يقال السوالب

358

الحملية والمتصلة والمنفصلة على ما ذكرتم يرفع فيها الحمل والإتصال والانفصال فلا تكون حملية أو متصلة أو منفصلة لأنها لم يثبت فيها الحمل والاتصال والانفصال لأنا نقول ليس إجراء هذه الأسامي عليها بحسب مفهوم اللغة بل بحسب الاصطلاح.

(أقول) كذا قرّروه هنا من غير نكير وهو عندي في غاية الخفاء والإشكال فإنهم اتفقوا

على أنّ الحكم إسناد أمر إلى آخر إيجابًا أو سلبا فإذا كان في السوالب حكم بالاتفاق وإلا لم يكن خبرًا محتملا للصدق والكذب وهو بديهيّ البطلان والحكم أيضًا مستلزم للحمل أو الاتصال " أو الانفصال بديهة فقولهم اجس فيها شيء من ذلك مناقض لهذا فلا بدّ من التوفيق بينهما ولا يكون ذلك إلا بتسلييم إسناد النفي له أو عنده وهذا غير مستلزم لما توهموه من عدم الفرق بين المعدولة والسالبة فإن المعدولة فيها النفي جزء من أحد الطرفين أو منهما وهذا نفي للنسبة الحكمية مع قطع النظر عنهما والفرق بينهما ظاهر وإنما بسطت الكلام في هذا المقام لأني لم أر له تفصيلاَ شافيًا للصدور فعليك بالتأمّل الصادق فإنه المخلص لك من مثل هذه المضايق ثم إنهم قالوا إنّ عدم الربح جعل كناية عن الخسران لأنه وإن كان أعم منه إلا أنّ التجارة تستلزم غالبا عملا واتلافًا فإن لم يربح لم يخل من الخسران لأنّ المال غاد ورائح معد لآفة النقصان فإن قلت إن كان رأس مالهم الهداية وقد استبدلوها بالضلالة فقد فقد رأس المال فضلاَ عن الخسران قلت هذا بناء على أنهم عدوا ما نالوه في الدنيا عوضًا عنه أو أنه اكتفي في توبيخهم بالخسران فكيف ما هم عليه من عدم رأس المال ولله در القائل:

إذا كان رأس المال عمرك فاحترس عليه من الإنفاق في غير وأجب

فوله:

ولما رأيت النسر عز ابن دأية وعشش في وكريه جاش له صدري)

النسر طائر معروف وأقواه الأبيض ولذا شبه به الشيب وإن كان الأحسن الأشهر تشبيهه

باليوم كقوله:

أيا بومة قد عششت فوق رأسه

وابن دأية الغراب وهو علم جن! له ممنوع من الصرف وإنما صرفه الشاعر هنا للضرورة

وقد استعير ههنا للأسود من الشعر الذي في سن الشباب وسمي الغراب ابن دأية لأنه يقع على دأية البعير الدبر والدأية اسم لموضمع الرحل والقتب من ظهره فينقرها فنسب إليها لكثرة ما يرى عليها أو هي الفقار وهي تغذوه كما تغذو الأمّ وقيل سمي به لأن أنثاه إذا طارت عن بيضها حضنها الذكر فيكون كالداية للأنثى والعرب تقول إذا أرادت تكذيب أحد تعريضا غراب ابن دأية وحديث ابن دأية وحدّثه بذلك ابن دأية كما في كتاب المرصع فيجوز أن يراد هنا أيضا أنّ الصبا لسرعة زواله كاضغاث الأحلام وخرافات اكاذيب والأوهام وهو حسن ورشح إحدى الاستعارتين بالأخرى كما رشح بالتعشيش وهو أخذ العش أو اتخاذه وهو الوكر أو بينهما فرق فإنّ الأوّد ما كان من العيدان والثاني ما كان في الجدران ونحوها أو الثاني ما يعد لحفظ البيض والفراخ والتعشيش كناية عن حلوله فيه وعز بمعنى غلب وقهر ومنه العزة لأنّ العزيز من شأنه ذلك وجاس من جاشت القدر إذا غلت وهو هنا كناية أو مجاز عن ارتفاع الأنفاس والاضطراب والترشيح في البيت كالآية ليس من الترشيح المشهور كما أشرنا إليه قبل والنسر يصيد الغراب ويقتنصه كثيرا ووكراه جانبا رأسه أو رأسه ولحيته وقيل طرفا لحيته وزعم بعضهم أنّ الغراب له وكران صيفيّ وشتويّ ولو قيل إنه وصف الكهولة واختلاط الشعر الأبيض بالأسود واحاطته بجانبيه لم يبعد وقوله جاش له صدري خارج عن الاستعارة ولو قال بدله طار له صبري كان أحسن كما قلت:

وافى لوكر غرابه سحرا يوما فطارالصبرمن صدري

قوله: (طلب الريح بالبيع والشراء إلخ) فيه تسامح لأنّ التجارة كما قال الراغب التصرّف

في رأس المال طلبا للربح وفي المصباح ولا يكاد يوجد تاء بعدها جسيم الانتج وتجر والرتج وهو الباب وأرتج في منطقه وأمّا تجاه وتجيب وتجوب فأصلها الواو فلا ترد نقضًا والفضل معناه الزيادة كالشف بالفتح والكسر إلأ أنّ هذا يكون بمعنى النقصان ولذا عده بعض اللغويين من الأضداد ويقال أشف بعض أولاده على بعض إذا زاد عليه ورأس المال بمعنى أصله استعارة

صار فيه حقيقة عرفية. قوله: (وإسناده إلى التجارة

359

وهو لأربابها) أي أصحابها، وهم التجار فهو من المجاز اللاغلي وأصله ربحوا في تجارتهم وأورد عليه أنّ الربح الفضل على رأس المال، وهو صفة للتجارة لا للتاجر.

(وأجيب) بأنّ هذا معناه في الأصل، ثم نقل إلى تحصيله إذ هو بذلك المعنى لا يصلح

أن يكون مصدرًا لاتجر وهو المقصود بالتفسير وفيه ما لا يخفى إذ لو كان الفضل معنا. الأصلي لم يكن الإسناد مجازيًا فالقاهر أن يقال إنهم تسمحوا في تفسيره بالفضل نظرا إلى حاصل المعنى المراد منه هنا وحقيقته الأفضال لا الفضل، قال الأزهريّ: ربح في تجارته إذا أفضل فيها وكذا نقله في المصباح، ثم إنّ المصنف رحمه الله جعل المسند الربح، وفي الكشاف إسناد الخسران إلى التجارة من الإسناد المجازي، وقد قيل عليه أنّ حقه أن يقول كيف أسند الربح كما ذكر. المصنف رحمه الله لأنّ النفي لا مدخل له في الإسناد فالفعل إذا أسند إلى غير فاعله لملايسة بينهما كالنوم إلى الليل كان مجازًا عقليا سواء كان الإسناد مثبتًا أو متقيًا فقولك نام ليلي، وما نام ليلي كلاهما مجازان لأنّ النوم قد أسند فيهما إلى غير ما هو له إمّا بطريق الإثبات، أو بطريق النفي، ورد بأنه ليس بشيء لأنّ نسبة الفعل قد تكون ثبوتية، وقد تكون سلبية وكل واحدة منهما تعتبر في نفسها ألا ترى أنك إذا قلت ما ربحت التجارة بل التجار لم يكن هناك مجاز أصلاَ، وعلى هذا فحقه أن يقول كيف أسيند عدم الربح إلا أنه عدل عنه تنبيهًا على أنّ عدم الربح هنا كناية عن الخسران، وإن كان أعئم منه، ثم أسند وأشار بذلك إلى أنه لو اقتصر على عدم الربح كان منسوبا إلى ما هو محله فلا مجاز، نعم إذا كنى به عن الخسران وأسند إلى التجارة كان مجازًا وفائدة هذه الكناية التصريح بانتفاء مقصود التجارة مع حصول ضده بخلاف ما لو قيل فخسرت تجارتهم، وفي االحال فيما إذا قلت ما صام نهاره بمعنى أفطر وما نام ليله بمعنى سهر فإنه يكون من قبيل المجاز، وان قصد بهما نفي الصوم عن النهار والنوم عق الليل فقط كما في قولك ما صام النهار وما نام الليل لم يكن منه قطعًا، والضابط أنّ الفعل إذا نفي عن غير فاعله، وقصد مجرّد نفيه عنه كان حقيقة، وإذا أوّل ذلك النفي بفعل آخر ثابت للفاعل دونه كان مجازًا، ثم إنه قيل هنا إنّ ما ذكره قدّس سرّه من قصد مجرّد النفي إنما يصح إذا لم توجد قرينة صارفة وقد وجدت هنا فانّ قوله ﴿اشْتَرُوُاْ الضَّلاَلَةَ﴾ إلخ، وقوله ﴿وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ﴾ في الدلالة على التجوّز كنار على علم، ثم إنه جعل النسبة السلبية كناية عن الخسران لقوله تمثيلاَ لخسارهم لأنّ عدم الربح وان كان أعمّ من الخسران نظرًا لمفهومه فهو مساو له بحسب المادّة، فظهر أنّ المصنف رحمه الله يخالف كلامه ما في الكشاف بناء على الظاهر المتبادر منه من إرجاع ضمير إسناده إلى الربح فإن أرجع إلى الخسار المذكور في قوله تمثيلا لخسارهم وافقه لكن الأوّل هو الأولى، وأن اختار بعضهم الثاني، وفي شرح التأويلات إنّ نفي أحد الضدّين إنما يوجب إثبات الآخر إذا لم يكن بينهما واسطة، وهي موجودة هنا فان

التاجر قد لا يربح ولا يخسر، وأجاب بأته إنما يكون كذلك إذا كان المحل قابلا للكل كما في التجارة الحقيقية أمّا إذا كان لا يقبل إلًا اثنين منها فنفي أحدهما يكون إثباتًا للآخر، والربح والخسران في الدين لا واسطة بينهما، على أنه قد تامت القرينة هنا على الخسران لقوله ﴿وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ﴾ فتدبر. قوله: (لتلبسها بالفاعل أو لمشابهتها لىلاه) قد سبق ما في الكشاف في تحقيق الإسناد المجازي من أنّ للفعل ملابسات شتى تلابس الفاعل والمفعول به، والمصدر والزمان والمكان والسبب فإسناده إلى الفاعل حقيقة، وقد يسند إلى هذه الأشياء على طريق المجاز لمضاهاتها الفاعل في ملابسة الفعل، وقال: هنا الإسناد المجازي أن يسند الفعل إلى شيء يتليس بالذي هو في الحقيقة له كما تلبست التجارة بالمشترين فذهب بعض الشراح إلى أنّ ما هنا أعمّ مما سبق لأنه اشترط هناك مضاهاة الفاعل المجازي للفاعل الحقيقي في ملابسة الفعل، واقتصر هنا على تلبسه به مطلقا سواء كان بينهما مشابهة فيما ذكر أم لا، ومنهم من حمله على التقييد اعتمادًا على ما قدمه أوّلًا، والتجارة سبب يفضي إلى كل واحد من الربح والخسران، ورجحوا إجراءه على ظاهره، فإنّ التليس بالذي هو له في الحقيقة مصحح للإسناد كما في قولهم قال الملك: كذ! ورسم كذا، وإنما القائل والراسم بعض خاصتة فمجرّد الملابسة كافية في صحته إلا أنه قيل إنها بمجرّدها وان كفت في ذلك

360

لكن ملاحظة مشابهته لما هو له أدخل فيه، وأتم فإنّ الإسناد إنما هو حق ما هو له فناسب أن يكون صرفه إلى غيره لمناسبة، ومشابهة بينهما كما اعتبره صاحب الإيضاح، وكثير من علماء المعاني فقول المصنف لتلبسها بالفاعل أو لمشابهتها إياه إشارة إلى الطريقين، وقوله من حيث إلخ بيان لمشابهة الفاعل.

(أقول) لم يوضحوا الخلاف بين الطريقين، وقد قال قدس سرّه في شرح المفتاح نقلاَ

عن عبد القاهر: إنه ليس المراد بالمشابهة بين الفاعلين المشابهة التي تبتني عليها الإشتعارة بل الجهة التي راعاها المتكلم حين أعطى أحدهما حكم الآخر، والظاهر أنها هي الملابسة بعينها، ثم إنه قال إذا أسند فعل الأمير إلى بعض خواصه لم يبعد أن يقصد هناك المبالغة في تشبيهه بالأمير حتى كأنه هو، وهذا مناف لما ذكره هنا وان أمكن التوفيق بينهما فتدبر. قوله: (من حيث أنها) أي التجارة المسند إليها الربح المنفي الذي هو هنا كناية عن الخسران فيصح إسنادهما إليها لأنها سبب لهما باعتبار وقوعهما فيها إذ لولاها لم يتحققا فعلى هذا لو كان مال التجارة مشترى به رقيق جاز إسناد الربح له مع القرينة فيصح أن يقال ربح عبدك، وخسرت جاريتك على الإسناد المجازي واحتمال كون العبد والجارية بنفسهما ربحا أو خسرًا للإذن لهما في التجارة لا يضرّ مع وجود القرينة الصارفة فلا وجه لإنكاره إلأ أن يقال إنه أنكر حسنه فهو ممتنع في عرف البلغاء، والبلاغة فله وجه وجيه. قوله: الطرق التجاوة فإنّ المقصود إلخ) هذا ما في الكشاف بعينه، وقال الشارح المحقق: إنه بيان لوجه الجمع بين عدم ربح تجارتهم، وعدم اهتدائهم بالواو وترتيبها على اشتراء الضلالة بالهدى بالفاء مع أنّ عدم الإهتداء تكرار

وملائم للمستعار له على ما هو شأن التجريد لا للمستعار منه كالترشيح، والجواب أنهم لما أضاعوا رأس المال الذي هو الهدى حيث أخذوا الضلالة التي هي عدم له لا بدل منه تسد مسدّه، وتقوم مقامه فرع على ذلك عدم إتصافهم بإصابة الربح، وعدم إهتدائهم لطرق التجارة فيعود هذا أيضًا إلى الترشيح، ونحوه ما في حواشي الشريف إلا أنه قال: بعده لكن عطفه على إشتروا الضلالة بالهدى أولى كما يرشدك إليه تأملك، يعني أنّ ما ذكر يقتضي عطف ما كانوا مهتدين على قوله (ربحت تجارتهم) مع أنّ عطفه على اشتروا الضلالة أولى بل هو الصواب كما قيل لأنّ عطفه على ما ربحت يوجب ترتبه على ما قبله بالفاء فيلزمه تأخره عنه، والأمر بالعكس إلا أن يقال إنّ ترتيب قوله ﴿وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ﴾ باعتبار الحكم والإخبار، وهذا وجه قوله أولى فلا يرد عليه شيء كما قيل، ولو جعل قوله وما كانوا مهتدين حالا كان وجها وجيهًا، ففي هذه الجملة ثلاثة أوجه، ثم إن تصريح الشراح بأنه على هذا التفسير ترشيح ردّ على الفاضل الطيبي حيث قال إنّ المصنف يعني أنه إن لم يصلح لأن يكون ترشيحا يصلح أن يكون تجريدًا لأنه يحسن أن يوصف التاجر الحقيقيّ بأنه ليس مهتديا لطرق التجارة فكما أنّ مطلوب التجار في متصرّفاتهم الربح كذلك مطلوبهم سلامة رأس المال، ولا يسلم رأس المال إلا بمعرفة طرق التجارة، ورأس مالهم الثبات على الهدى والربح حصول الفلاح في الآجل إلى آخر ما ذكره، وهو مع أنه غير صواب لأنه لا يناسب تقريرهم، فيه إن أوّل كلامه مناقض لما بعده، ولذا قيل إنه سهو منه ونبه عليه الفاضك اليمني، وإنما تركه الشارح لظهوره.

(وأقول) إنه لو كان معطوفًا على اشتروا كان الظاهر تقديمه لما في تأخيره من إيهامه عطفه على ما يليه وحيئمذ يكون الأحسن ترك العطف فيقطع احتياطًا كما ذكره أهل المعاني في نحو قوله:

، وتظن سلمى أنني أبغي بها بدلا أراها في الضلال تهيم

وما ذكروه من عدم تعقبه على الإشتراء فيه أنه لو عطف عليه، ومعناه أخلوا بالهدى الذي فطروا عليه ومعنى ما كانوا مهتدين أيضًا تضييع رأس مالهم من الفطرة السليمة، وهما متقاربان فلا وجه للعطف فيه على أنه قد يقال المعطوف بالفاء مجموعهما والخسران كما يعقب الاشتراء فكذلك جهلهم الفطري مستمرّ فيتعقب باعتبار أجزائه الأخيرة وإنما ذكر احتراسا لأنّ الخسران قد يكون لآفة نادرًا لا لعدم اهتدائهم لطرقه فتدبر. قوله: (قد أضأعوا الطلبتين إلخ) هو تثنية طلبة بفتح فكسر بزنة كلمة ويجوز تسكين ثانيه بمعنى المطلوب، والاستعداد أصل معناه طلب العذة بالضمّ، وهو بمعنى التهيؤ والقابلية، ويكون بمعنى

361

الاستحقاق والمراد به الاستعداد القريب من الفعل لأنّ الاستعداد الأصلي باق لا يزول بالضلالات والاعتقادات الباطلة وان منعت الوصول إلى المطلوب، ودرلث الحق بفتحتين وسكون الراء لغة اسم من أدركت الشيء

الكلام على المثل

يتوسلون به إلى درك الحق ونيل الكمال فبقوا خاسرين آيسين من الربح فاقدين للأصل ﴿مثلهم كمثل الذي استوقد نارا﴾ لما جاء بحقيقة حالهم عقبها بضرب المثل زيادة ني التوضيح والتقرير، فإنه أوقع في القلب وأقمع للخصم الألدّ لانه يريك المتخيل محققًا، والمعقول محسوسًا ولأمر ما كثر الله في كتب الأمثال، وفشت في كلام الأنبياء، والحكماء والمثل في الأصل بمعنى النظير يقال مثل ومثل ومثيل كشبه، وشبه وشبيه، ثم قيل للقول

إذا بلغته ووصلت إليه. قوله: (لما جاء بحقيقة حالهم إلخ) أي لما ذكر صفات المنانقين عقبها بضرب المثل لزيادة إيضاحها فإنه إذ تخيل من المعاني شيء لم يصل إلى التحقيق أبرزه المثلى في معرض المحقق، وكذا إذا توهم ولم يتيقن أخرجه في صورة المتيقن، ولو غاب عن الحس صيره كالمحسوس المشاهد، وربما تكون المعاني التي يراد تفهيمها معقولة صرفة فالوهم ينازع العقل في إدراكها حتى يحجبها عن اللحوق بما في العقل فبضرب الأمثال تبرز في معرض المحسو*سات فيساعد الوهم العقل في إدراكها ولهذا تضرب الأمثال لمن يخاصم لأنّ خصومتة بسبب إنقياده للوهم وعصيان العقل، فإذا اتفقا زالت الخصومة لا محالة وأوقع أفعل تفضيل من الوقع، وهو القرار والثبات أي أشد تمكنًا في القلب، وأقمع من القمع وهو الصرف والمنع أو القهر والتذليل، وفي القاموس قمعه قهره وذلله كأقمعه وفلانًا صرفه عما يريده، وأصله ضرب الرأس بالمثقل فكني به عما ذكر وصار حقيقة فيه، والألد أفعل تفضيل من اللدد وهو شدة الخصومة وفسره بعضهم هنا بالخصومة وفسر الخصم الألد بالخصم الأخصم كليل أليل وهو سهو منه، والحال الصفة والقصة والحديث وكل منها صحيح هنا وفي هذا إشارة إلى أنّ ما سبق إلى هنا المقصود منه توبيخهم وبيان حالهم وإن احتوى على استعارات وتجوّزات لأنّ المثل في محاورتهم يضرب بعد تقرير المراد، وما قيل من أنه يفهم من هذا إنّ ما ذكر هنا أوّل مثل ضرب في شأنهم، وأنّ بيان أحوالهم إلى هنا حقيقة، وليس كذلك لأنّ قوله ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الضَّلاَلَةَ﴾ تمثيل لحالهم بحال التاجر الذي لا يدري أمور التجارة، وكذا قوله ﴿؟ الله يستهزىء بهم ولا محيص عنه﴾ إلا بأن يتكلف فيقال ليس المقصود بما ذكر هنا إفادة أمر زائد على ما سبق بل القصد إلى تقريره، وتوضيحه على وجه بديع ناشىء من قلة التدبر، وعدم الفرق بين المجاز والمثل وسيأتيك عن قريب تحقيقه وقوله (ولأمر مّا إلخ) أي لأمر عظيم بليغ كثر ضمرب الأمثال، وفي الإنجيل سورة تسمى سورة الأمثال والمراد بهذا الأمر ما قرّرناه لك 0 قوله: (والمثل في الأصل بمعنى النظير إلخ) قال الراغب: أصل المثول الانتصاب، والممثل المصوّر على مثال غيره يقال مثل الشيء أي انتصب وتصوّر، ومنه الحديث: " من أحب أن

يتمثل له الناس قيامًا فليتبوّأ مقعده من النار " (1) والتمثال المصوّر اهـ فأصله الأوّل ما ذكر، ثم استعمل بمعنى النظير، ويقال مثل بفتحتين ومثل بكسر فسكون ومثيل كقتيل بمعنى، وقال الميداني: سمع فعل وفعلى وفعيل بمعنى في ثلاثة أحرف شبه ومثل وبدل لا غير، وقد يكون بمعنى الصفة كما سيأتي. قوله: (ثم قيل للقول السائر إلخ) المراد بالسائر الشائع المشهور على الألسنة، وهو مجاز مشهور فيه صار كالحقيقة وحقيقته كقطع المسافة فشبه تداول الألسنة بتنقل الأمكنة، وقد أفصح عن هذا المعنى القائل في صفة تنقله في البلدان، وعدم استقراره في الأوطان:

لا استقرّبأرض! قدنزلت بها كأنني بكرمعنى سارفي مثل

والمضرب بفتح الميم وكسر الراء، ويجوز فتحها اسم مكان والمراد به الموضع الذي أستعمل فيه بعد استعمال قائله الأوّل، والمورد بالكسر لا غير الموضع الذي ورد فيه أي أوّل استعمالاته فيه وسيأتي أنّ له معنى آخر وهو المعنى الوضعي، ومعنى قول المصنف رحمه الله قيل أنه نقل من معناه الأصلي اللغويّ إلى هذا المعنى المذكور، وفي قوله هنا الممثل أي المشبه تنبيه على ما ذكره المفسرون وأهل المعاني من أنّ المثل هو المجاز المركب والاستعارة التمثيلية الشائعة في الاستعمال فلا تسمى الاستعارة المركبة أو مطلقًا ولا التشبيه مطلقا ولا معنى اللفظ الأصلي الحقيقي مثلا عندهم على ما قزره شراح التلخيص، والمفتاح وكافة أهل المعاني واتفقت كلمة الشروح هنا عليه أيضًا وهذا إذا سلم وأخذ على ظاهره لا غبار فيه، وان قيل على تفسير المورد بالحالة الأصلية التي ورد فيها الكلام إنه على هذا يكون في الكلام مجاز على مجاز وتشبيهان، مثلاَ الصيف ضيعت اللبن أصله أنّ امرأة شابة كانت تحت شيخ ذي مال قال لها ذلك لما تزوجت بشاب، وأتت تطلب

362

منه الإعانة فقحمد اششبيه بحال تلك المرأة دون المعنى الأصلي لما اشتهر في تلك القصة، ولو أريد بالمورد المعنى الأصلي الموضوع له لم يكن إلا تشبيه ومجاز واحد لكنه لم يقصد في الكلام إلأ التشبيه بحال تلك المرأة لا بالمعنى الأصلي، وهذا وان كان غير مسفم لا بأس به.

(وههنا بحث):

فيما قاله القوم، وهو أنّ أمثال العرب أفردها المتقدمون بالتأليف، وصنفوا فيها تصانيف جليلة المقدار كأمثال أبي عبيدة والميداني وابن حبيب والزمخشرفي وابن قتيبة وابن الأنباري

وابن هلال، وقد ذكروا فيها أمثالا كثيرة مستعملة في معناها الحقيقي، كقولهم السعيد من اتعظ بغيره، وأمثالا مصرحا فيها بالتشبيه كقولهم لمن يخاف شرّه ويشتهي قىهـ به، كالخمر يشتهي شربها ويخشى صداعها، إلى غير ذلك مما لا يحصر أمثاله فكيف يشترط فيها أن تكون استعارة مركبة فاشية.

وقد قال الميداني: المثل ما جعل كالعلم للتشبيه بحال الأوّل كقول كعب رضي الله عنه:

كانت مواعيد عرقوب لها مثلاَ وما موا! رها إلًا الأ! ا! ل

فمواعيد عرقوب مثل لكل ما لا يصح من المواعيد، وقال ابن السكيت: المثل لفظ يخالف لفظ المضروب له ويوافق معناه معناه شبهوه بالمثال الذي يعمل عليه+غيره، وقال غيره: سميت الحكم القائم صدقها في العقول أمالا لانتصاب صورها في العقول مشتقة من المثول الذي هو الانتصاب.

وقال النظام: يجتمع في المثل أربع لا تجتمع في غيره، إيجاز اللفظ واصابة المعنى، وحسن التشبيه، وجودة الكناية، فهو نهاية البلاغة، اهـ فالحاصل إنه إنما يشترط في المثل أن يكون كلاما بليغا شائعًا مشهورا لحسنه أو لاشتماله على حكمة بالغة، وأمّا ما ذكروه فلا يلائم أنّ ما نحن فيه من أمثال القرآن أيضًا ليس داخلا في تعريفهم لأنّ الله ابتدأها وليس لها مورد قبله فإنّ الله لا يستحي أن يضرب مثلا مع أنها تشبيهات لا استعارة فإن كان هذا اصطلاحًا حادثا لأهل المعاني ومن حذا حذوهم من الأدباء ينبغي التنبيه عليه مع أنّ السياق ياباه فإن أريد أنه الأغلب فعلى فرض تسليمه ليس في الكلام ما يدل عليه، والمثل كما يطلق على اللفظ باعتبار معنا. يطلق على المعنى أيضا فليس من تسمية الدال باسم مدلوله كما توهم فعليك بتدقيق النظر في هذا المقام، فإنه مما تزل فيه أقدام الأفهام. قوله: (ولذلك حوفظ عليه من التغيير إلخ) أي لما فيه من الغرابة لم يغير لفظه الأوّل، فإنه لو غير وبما إنتفت الدلالة على تلك الغرابة، وأن منع بعضهم زوالها بفتح تاء ضيعت اللبن مثلًا، وقال قدس سرّه: تبعًا للفاضل المحقق الأظهر كما في المفتاح أنّ المحافظة على المثل إنما هي بسبب كونه استعارة فيجب لذلك أن يكون هو بعينه لفظ المشبه، فإن وقع تغيير لم يكن مثلاَ بل ماخوذا منه واشارة إليه كما في قولك الصيف ضيعت اللبن على صيغة التذكير وإنما قال الأظهر لأنه لا تزاحم في الأسباب مع أنه يرجع إليه باعتبار أن في معنى الاستعارة اشتمالا على الغرابة كما قيلى، وقيل إنما حوفظ عليها لأنها صارت بسبب الغرابة والاشتهار كالعلم لتلك الحالة العجيبة، والإعلام لا تتغير، ثم إنّ الشارح المحقق والشريف قدس سرّه لم يفسر المراد بالغرابة، وقد فسرها الشارح الطيبي، وأطال في تفسيرها بما حاصله أنها غموض الكلام، وكونه نادرا بحسب المعنى واللفظ أمّ الأوّل فلما يتراءى منه ظاهرا من التناقض، والتنافي كرمية من غير رام ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾ أسورة الأنفال: 17] والثاني باشتماله على ألفاظ نادرة لا تستعملها العامة كقوله أنا جذيلها المحكك، وعذيقها المرجب يضرب لمن له خبرة وتجربة والظاهر أنه ليس المراد بالغرابة ما ذكر ولذا لم يعرج عليه من بعده من الشراح، وأنت إذا تتبعت الأمثال، وجدت كثرها مخالفًا لما ذكره وليت شعري أيّ غرابة في قوله، السرّ أمانة وقوله السكوت أخو الرضا وأمثاله مما لا يحصى إذا عرفت هذا فأقول أنا استقصيت الأمثال فوجدتها ما بين تشبيه بلا شبهة كقولهم للظالم المتورع هو كالجزار فيهم يذكر الله ويذبح، أو استعارة رائعة تمثيلية أو غيرها نحو أنا جذيلهـ االمحكك، أو حكمة وموعظة نافعة كالصبر مفتاح الفرج، أو كناية بديعة أو نظم من جوامع الكلم الموجز وإليه أشاو في المستقصي بقوله الأمثال قصارى فصاحة العرب العرباء وجوامع كلمها ونوادر حكمها وبيضة منطقها، وزبدة حوّاراها

363

وبلاغتها التي أعربت بها عن القرائح السليمة والركن البديع إلى دواية اللسان، وغراية اللسن حيث أوجزت اللفظ، وأشبعت المعنى وقصرت العبارة، وأطالت المغزى، ولوحت فاعرقت في التصريح، وكنت فاغنت عن الإفصاح، ثم إنّ الظاهر في توجيه عدم التغيير ما ذكروه هنا وإن اسنظهروا خلافه إلا أنّ المراد بالغرابة ليس ما مرّ بل المراد أنها لما فيها من البلاغة، ورونق الفصاحة، والندرة التي ترقت بها إلى الغاية في بابها حتى عدت عجيبة جدًا قيل لها غرابة لإطلاق الغرابة على مثله، ًا ولكونها من كلام الغير كالتضمين عدت غريبة أجنبية.

وأمّا ما في المفتاح من أنّ الاستعارة التمثيلية قد تغير ألفاظها المؤدّية لمعناها الحقيقي لأنهم صرّحوا بجواز التجوّز في مفرداتها كما مرّ فيه أنّ المثل لا يلزم أن يكون استعارة كما تلوناه عليك آنفًا، وأمّا القول بأنّ الاستعارة مشتملة على الغرابة ففي غاية الغرابة، وكذا كون العلم لا يغير فالمعنى أنها لكونها فريدة في بابها، وقد قصد حكايتها لم يجوّزوا تغييرها لفوات المقصود، وقد صرح بهذا في المستقصي، هذأ وإن طال تطوّلنا بما فيه من الفوائد البديعة فانظره بعين الإنصاف. قوله: (ثم استعير لكل إلخ الما قرّروا للمثل معنى لغويا، وهو النظير، ثم معنى ثانيّ نقل منه إليه وهو القول السائر، وليس واحد منهما مناسبًا هنا قالوا إنه استعير من الثاني لمعنى ثالث هو المراد وهو الصفة العجيبة، وقوله لها شأن وفيها غرابة إشارة إلى العلاقة بينهما، وهي الاشتراك في الغرابة وعظم الشأن كما اتفق عليه الشرّاح وأرباب الحواشي، فما قيل من أنّ المثل إذا قصد به القصة لم يرد تشبيهها بذلك القول مما يتعجب منه، وفي مجمع الأمثال، ولشدة امتزاج معنى الصفة به صح أن يقال جعلت زيدا مثلا والقوم أمثالًا، ومنه قوله تعالى ﴿سَاء مَثَلًا الْقَوْمُ﴾ [الأعراف: 177] في أحد القولين، ثم إنّ الحال والقصة والصفة أموو متقاربة، وقد جمع المصنف والزمخشريّ بينها متعاطفة بأو الفاصلة، ولم ينبهوا على وجهه (والذي يظهر لي) أنّ الشأن العجيب لما كان يعلم تارة بالمشاهدة كحال المنافقين،

وما هم عليه مما هو كنار على علم ومنه ما يعلم بإخبار الصادق المسوقة إليه كقصة الجنة التي قصها الله تعالى كما قيل:

وعشقتكم قبل العيان لكم كما تهوى الجنان بطيب الأخبار

ومنه ما يعلم بالبرهان ويدرك بالبصائر كصفات الباري جمع بينها كذلك وإليه إشارة ما في الكشاف حبث قال: أستعير المثل استعاوة الأسد للمقدام للحال أو الصفة أو القصة إذا كان لها شأن وفيها غرابة كأنه قال حالهم العجيبة الشأن كحال الذي استوقد نارًا وكذلك قوله ﴿مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ [الرعد: 35] أي وفيما قصصنا عليك من العجائب قصة الجنة العجيبة، ثم أخذ في بيان عجائبها ولله المثل الأعلى أي الوصف الذي له شأن من العظمة والجلال، اهـ. فالحال عبارة عن أمور متعدّدة بقوم شتى وتدرك منهم وهي في المعاني كالقصة في الألفاظ، ولذا يعبر بها عن الاستعارة التمثيلية في اكثر، وفي الكشف جملة مثلهم إلخ الأشبه أن تجعل موضحة لقوله ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرُوُاْ﴾ وفي كلامه ما يدل عليه، ويحتمل أن تجعل مقرّرة لجملة قصة المنافقين المسرودة إلى هنا ولا يبعد تنزيل قوله عليه أيضا بحمل حقيقة الصفة على أحوالهم المفهومة من مجموع الآيات، والحمل على الإستئناف ضعيف جدا لا سيما والأمثال تضرب للكشف، والبيان فإن قلت قوله أوّلا بضرب المثلى يقتضي أنّ ما هنا من قبيل ضرب المثل والمعنى الثاني، وتفسيره بالحال يقتضي أنه ليس بمراد بل لا تصح إوادته، قلت هنا أمران لفظ مثل، والتمثيل المدلول عليه بالكاف أداة التشبيه، والمفسر بالحال الأوّل والمشار إليه أولًا الثاني، والمراد به أن يؤتى للحال بنظير من غير نوعه ليرفعه على منصة العيان ويرميه على قارعة التقريع فالمراد بالضرب صياغة ذلك النظير واعتماله من ضرب السكة التي هي بيانه لا الضرب الذي هو مصدر لضرب المقابل للمورد، وهذا من إرسال ااصمثل والمراد بالتمثيل الإتيان بمثال فتدبر. قوله: (والمعنى حالهم العجيبة الشأن إلخ) ذكر للمثل ثلاثة معان، وفسر ما في النظم بالثالث، وحقيقة حالهم هيئة منتزعة من عدة أمور هي استضاءة معنوية بإظهار الإيمان واذهاب الله ذلك النور عند الإستضاءة بتفضيحهم وبقائهم متحيرين في ظلمات معنوية، كما قيل: وفي شرح الفاضل المحقق وجه الشبه هو أنّ المستوقد والمنافقين جميعًا وقعوا عقب مباشرة أسباب المطلوب، وملاحظة خيال

364

المحبوب في الحرمان والخيبة والتحسر فعبر عن الأوّل بالإضاءة، وعن الثاني بالظلمة، ولا خفاء في اشتراك الطرفين في الإضاءة والظلمة بهذا المعنى، وبهذا يسقط ما قيل إن أريد بالإضاءة الإضاءة حقيقة لم يشترك فيها المنافقون، أو مجازًا لم يشترك فيها المستوقد، والتحقيق أنه من قبيل ما يتسامح فيه فيذكر مكان وجه الشبه ما يستتبعه كما يقال كلام كالعسل في الحلاوة قصدا إلى لازمها الذي هو ميل الطبع، وقيل عليه الظاهر في تشبيه الأمر المعنوي بالحسي في وصف محسوس في المشبه به غير محسو! ى! في المشبه أن ينزل ما في المشبه منزلة المحسوس لكمال المناسبة بينهما،

ويجعلا من نوع واحد إدّعاء ومبالغة في كمال المشابهة فالهيئة المتنزعة من الإضاءة والإنطفاء المعنويين مع بقاء التحير تنزل منزلة تلك الهيئة الحسية ادّعاء، وهذا أقرب إلى مقاصد البلغاء من أن يجعل ما به الاشتراك غير ما يتادر إلى الأذهان من بعض اللوازم، وفي الإتقان عن ابن عباس إنّ هذا مثل ضربه الله للمنافقين كانو! يعترفون بالإسلام فيناكحهم المسلمون ويوارثونهم "! قاسمونهم العز فلما ماتوا سلبهم الله العز.

(أقول) إنّ الفاضل يعني أنّ وجه الشبه ملتئم من عدّة أمور، وطرفاه مركبان والوجه هو

أنهم عقب حصول تباشير المقصمود، وقوّة الرجاء وقعوا في حيرة الحرمان وتيه الخيبة، وهذا أمر مشترك بين الطرفين قطعا من غير حاجة إلى اعتبار لازم له كما في التشبيه بالعسل، ولا حاجة أيضًا إلى أن ينزل ما في المشبه منزلة المحسوس كما توهمه القائل، وإن كان كلام الفاضل لا يخلو من الكدر لكن إذا ظهر المراد سقط الإيراد، وهذا ليس محل تفصيله لكنه لما أورده ذلك المحشي هنا لزم التعرّض! له فتأمل. قوله: (والذي بمعنى الذين إلخ) يعني أنّ الذي له استعمالان في كلام العرب أحدهما أن يكون مفردا والآخر أن يعم المفرد، وغيره كمن وما في الموصولات وضعا لا استعمالا فإن كان ضمير بنورهم المجموع راجعا إليه لا إلى المنافقين كما ستعرفه كان من الثاني، وجعل المصنف رحمه الله المقتضى لتوجيه هو الضمير لا تشبيه الجماعة بالواحد كما في الكشاف ة إنه جعله منشأ للتوجيه لأنّ المقام ليس مقتضيا لتشبيه الجماعة بالواحد كما في قوله:

" - والناس ألف منهم كواحد وواحد كالألف إن أمر عني

فأشار بالعدول عنه إلى الاعتراض عليه بأنّ السؤال غير متوجه بعد بيان المعنى، وأنّ

التشبيه واقع بين حالهم وحال المستوقد لا بينهم وبينه حتى يتوهم ما ذكر وان وجهه الشراح بما كفانا المصنف مؤنته بتركه، ولذا ذكر هذا المصنف عقب قوله والمعنى حالهم إلخ فمن أرجعه إلى ما في الكشاف، وقال: إنّ هذا جواب سؤال تقديره كيف مثلت الجماعة بالواحد فقد وهم، ومثل لمجيء الذي بمعنى الذين بناء على أحد الوجود فيه فلا يرد عليه أنه ليس متعينا له. قوله: (وإنما جاز ذلك إلخ) إشارة إلى ما ذكره النحاة على اختلاف فيه في وضع المفرد موضع الجمع فإنّ منهم من جوّزه مطلقا كما في قوله تعالى ﴿يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ [غافر: 67] أي أطفالا ومنعه الجمهور وأوّلوا ما ورد منه فعلى هذا لا يصح استعمال القائم بمعنى القائمين، ولا يصح أيضا أن يكون الذي بمعنى الذين على ذكره في بعض الوجوه،

فأشار إلى جوابه على فرض التسليم بأنه خالف غيره لخصوصية إفتضته فإنه إنما وضع ليتوصل به إلى وصف المعارف بالجمل كما جيء بذي توصلاَ للوصف بأسماء الأجناس فلما لم يقصد لذاته توسعوا فيه دون غيره، ولأنه مع صلته كشيء واحد وعلامة الجمع لا تقع حشوًا فلذا لم يلحقوها به ووضعوه لما يعلم كإخواته، ولما ورد عليه أنه جمع على الذين قال: إنه ليس جمعًا له بل اسم وضع مزيدًا فيه لزيادة المعنى وقصد التصريح بها، ولذا لم يعرب بالحروف كغيره من الجموع على الأفصح فإنه يقال: الذين في الأحوال الثلاث، وأمّا اللذون في حالة الرفع كما في قوله:

نحن اللذون صبحوا الصباحا

فلغة قليلة لهذيل وقوم من العرب، ويؤيده أنّ جمع السلامة إنما يكون في الأسماء المتمكنة وأنّ الذي يعم العقلاء وغيرهم والذين يخص العقلاء، وقوله أخواته وفي نسخة أخواتها أي من الأسماء الموصولة كمن وما. قوله: (ولكونه مسنطالا إلخ) علة لقوله إستحق مقدمة عليه للإهتمام بها والإستطالة إستفعال من الطول المقابل للعرض، وهو أطول الإمتدادين إلا أنّ إستطال وطال لازم قال في القاموس طال طولا بالضم إمتد

365

كاستطال فهو طويل، اهـ. إلا أنّ الزمثس يّ استعمله متعدئا وتبعه المصنف فبنى منه اسم مفعول وكذا وقع في المفصل، وقال شرّاحه: إستطالة عده طويلا إلأ أنهم لم يستندوا فيه إلى نقل من اللغة، وقد ذكر لجواز وضع المفرد موضع الجمع هنا دون غيره وجوها اثنان منها بالنظر إلى نفس الذين، وثالثها بالنظر إلى الصلة ولذا أخره أي لا يستحق أن يجمع لوجهين كونه ليس مقصودا بالوصف فلا يقصد مطابقته حتى يجمع، وأنه كجزء الكلام الذي لا يجمع، ولما ورد عليه أنه جمع على الذين دفعه بأنه ليس بجمع، ولذا لم يجر مجراه في اللغة الفصيحة بل هو مما زيد في لفظه زيادة تدلّ على زيادة معناه على قاعدتهم، وثالثها أنه استحق التخفيف لطوله بالصلة لكنه على هذا حقه أن يقول ولأنه لكونه مستطالا إلخ كما في أخويه فكأنه نبه بصنيعه هذا على إنحطاط رتبته حتى كأنه لا يستحق أن يكون وجهًا مستقلا بل تتمة لغيره، وقيل محصل الوجوه أنّ حذف العلامة في الذين دون القائمين لأمرين.

أحدهما راجع إلى ذي العلامة، وهو كونه وصلة غير مستحق لأن يجمع وكونه مستطيلأ. وثانيهما إلى العلامة وأنها زيادة لا علامة محضة.

وهذا يقتضي أن لا يفصل بين توله ولأنه ليس باسم تام وقوله ولكونه مستطالا ويؤخر

قوله، وليس الذين كما في الكشاف فهذا مناسب لكلام الكشاف والأوّل مناسب لكلام المصنف رحمه الله، وبهذا علم أنّ بينهما فرقا آخر، وكون أل الموصولة أصلها الذي فبولغ في تخفيفها

فحذف ياؤها، وقيل اللذ بذال مكسورة ثم سكنت فقيل اللذ إلخ كما حكاه النحاة مذهب مرجوح فيه تكلفات كما فصل في المطوّلات من كتب العربية.

وأورد على الوجه الأوّل أنه مناف لتوحيد ضمير استوقد، وأجيب بأنه وان كان جمعا

معنى مفرد صورة، قيل: وهذا مع ضعفه معارض بأنّ كونه على صورة المفرد مقتض للجمعية لا للإفراد لما فيه من الإلباس، وفيه نظر، وقرأ ابن السميفع كمثل الذين بلفظ الجمع واستوقد بالإفراد، وهي مشكلة وان خرجت على وجوه ضعيفة، وقد قيل إنّ هذه القراءة مؤيدة للقول بأنّ أصله الذين (وأعلم) أنّ قوله تبعا للزمخشري لم يجز وضعالقائم مقام القائمين إشارة إلى مسئلة ذكرت في المطولات من كتب النحو كما فصله ابن هشام في تذكرته فقال مذهب أبي عليّ الفارسي، وحكي عن ابن كيسان وغيره جواز وضمع المفرد موضع الجمع مطلقًا، وقيل إنه يختص بالمعرفة فقالوا يقال جيرانك ذاهب وقومك راكب وأنشدوا عليه قوله: ياعمروجيرانكم الباكر والقلب لا لاه ولا صابر

وخرجوا عليه قوله تعالى ﴿سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ [المؤمنون: 67] في أحد القولين

فيه ووجهه في المعرفة ظاهر، وأمّا في النكرة فيحتاج إلى التأويل. قوله: (أو قصد به جنس المستوقدين إلخ) معطوف على قوله بمعنى الذين أي نظر فيه إلى معنى الجنسية العامّة إذ لا شبهة في أنه لم يرد به مستوقد مخصوص، ولا جميع أفراد المستوقدين والموصول كالمعرف بالألف واللام يجري فيه ووهها واسم الجنس وإن كان لفظه مفردًا قد يعامل معاملة الجمع كما في قوله تعالى ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ﴾ [الإنسان: 21] وقولهم الدينار الصفر والدرهم البيض، أو يقال إنه مقدر له موصوف مفردًا للفظ مجموع المعنى كالفوج والفريق، ويلاحظ في الذي وفي ضمير استوقد لفظ الموصوف، وفي ضمير بنورهم معناه، والفرق بين هذين الوجهين أنّ الضمير على الأوّل راجع للذي وعلى هذا للموصوف المقدر. قوله: (والاستيقاد طلب الوقود إلخ) هذا بناء على أصله لأنّ بنية الاستفعال موضوعة للطلب وذهب الأخفش إلى أنّ الاستفعال هنا بمعنى الأفعال كاستجاب بمعنى أجاب في قوله:

فلم يستجبه عند ذاك مجيب

أي لم يجبه ورجح بأنه على الطلب يحتاج إلى التقدير أي طلبوا نارا واستدعوها فأوقدوها فلما أضاءت لأنّ الإضاءة لا تتسبب عن طلب الوقود بل عنه نفسه، والوقود في كلام المصنف بضم الواو مصدر، وأمّا بفتحها فما يوقد به على المشهور، وفوله وهو سطوع النار ضمير هو للوقود وقيل إذا كان هذا معنى استوقد والوقود فلا حاجة إلى ذكر النار، ولذا قيل إنه تجريد وهو غير وارد على من فسر الوقود بإشتعال النار والقول بأنّ التقييد داخل فيه، والمقيد

به خارح عن مسماه بعيد والأمر فيه سهل لعدم احتياجه للتنوير، وإشتقاق النار من نار إذا نفر أو تحرك واضطرب، والنوو مأخوذ من النار

366

لأنها الأصل فيه وهذا هو المشهور وترك تعريف النار الذي في الكشاف لعدم احتياجها للتعريف كما لا يخفى. قوله: (أي النار ما حول المستوقد إلخ) الضمير المؤنث في قول المصنف رحمه الله جعلتها للإضاءة المفهومة من أضاءت أو لأضاء باعتبار أنها كلمة، والإضاءة جعل الشيء مضيثًا نيرا، وأضاء يكون متعدّيًا ولازما كما صرّج به الجوهريّ، وغيره من أئمة اللغة فعلى الأوّل ما موصولة أو موصوفة والظرف المستقرّ صلة أو صفة وهي مفعوله، وعلى الثاني فما كذلك وهي فاعل وأنث فعله لتأويله بمؤنث كالجهات والأمكنة أو فاعله ضمير النار، وما في محل نصب على الظرفية أو زائدة وحوله ظرف كما سيأتي تحقيقه، ونصب ما محلاَ على الظرفية لأنه في معنى الأمكنة الآ أنه قيل على هذا إنه يقتضي التصريح بقي إمّا لأنّ ما موصولة معرفة أو في معناها، ولا بدّ في المكان المعين من ذكر في فإنه لا يقال جلست المسجد، وأمّا ما قيل من إنّ في إنما تحذف في لفظ مكان لكثرة استعماله في كلام العرب، ولا كثرة في الموصول الذي عبر به عنه وما أجيب به عنه من أنها تركت لما في الحول من الإبهام وإن كان مضافًا لمعرفة أو إنه مخرج على نحو قوله: كما عسل الطريق الثعلب

فاعترض عليه بأنه لا دخل للتعريف، وغيره في النصب على الظرفية على ما تقرّر في

كتب النحو، وبانّ ما خرج عليه شاذ أو ضرورة لا يقاس عليه، وأمّا الحل بأن ما حوله في معنى عند ونصسب ما في معنى عند لإخفاء فيه، فليس بشيء، وقولهم: إنه مختص بلفظ مكان مخالف لما قرّره النحاة قال: نجم الأئمة الرضي لفظ مكان، وكذا لفظ الموضع والمقام ونحوه ينصب بشرطه، وهو انتصابه بما فيه معنى الاستقرار كقعدت وقمت وهو صريح في خلافه، وهذا كله على ما فيه مما لا يجدي فالحق أن يقال إنّ ما الموصولة أو الموصوفة إذا جعلت ظرفًا فالمراد بها الأمكنة التي تحيط بالمستوقد، وهي جهاته الست وأسصاء الجهات الست مما ينصب على الظرفية قياسًا مطردًا فكذا ما عبر به عنها، وهو المراد بالأمكنة اختصارا لا المكان وحده وهذا اللفظ هو الذي أوقعهم فيما وفعوا فيه، وهذا معنى قوله في الكشاف وفيه وجه آخر وهو أن يستتر في الفعل ضمير النار ويجعل إشراق ضوء النار حوله بمنزلة إشراق النار نفسها على أن ما مزيدة أو موصولة في معنى الأمكنة قال قدس سرّه:! أنّ سائلا يقول إذا استتر في الفعل ضمير النار وجب أن توجد النار حول المستوقد حتى يتصوّر إضاءتها وإشرإقها، فأجاب بأنّ النار وإن لم توجد فيما حوله فقد وجد ضوءها فيه فجعل إشراق ضوء النار حوله بمنزلة

إشراق النار نفسها فيه فأسند إليها إسناد الفعل إلى السبب كبني الأمير المدينة فإنّ النار سبب لإشراق ضوئها حول المستوقد، وما-له ما اشتهر في العرف من أنّ الضوء ينتشر من المضيء إلى مقابلاته فيجعلها مستضيئة، وقد قيل عليه إنّ هذا بناء على أنّ إشراق النير في البيت إنما يطلق إذا حل ذلك النير في البيت، وكأنّ المصنف رحمه الله لم يتعرّض له لأنه لا يقول به لإقتضائه أت لا يصلح أن يقال أضاءت الشمس في الأرض إلا على التجوّز، وهو خلاف الظاهر وعلى المدعي إثباته وأيضًا النار في جهة مما حوله ولا يلزم أن تكون في جميع جهاته كما لا يلزم في قولنا أشرق السراج في البيت كونه في جميعه إذ يكفي وقوعه في موضع مّا منه ألا ترى إلى قوله تعالى ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ﴾ [التوبة: 101] ونحوه مما هو شائع في كلام العرب كقول حسان رضي الله عنه:

أولاد جفنة حول قبر أبيهم

- إلى آخر ما فصلوه.

(أ-! ول) قد تقرّر في الحكمة أنّ الضوء عرض، وكيفية مغايرة للون وليس عبارة عن ظهور اللون كما ذهب إليه بعض الحكماء وليس أجساما صغارًا تنفصل من المضيء فتتصل بالمستضيء كما ذهب إليه بعض الحكماء، وان كان قد يشاهد للضوء بروق، وتلألؤ على الجسم حتى كأنه يفيض منه ويضطرب مجيئا وذهابا بحيث يكاد يستره فإن كان ذاتيا كما للشمس سمي شعاعا، وان كان عرضيا كما للمرآة سمي بريقا، وهذا ما أشار إليه قدّس سرّه، ثم إنه إذا تعلق الظرف بفعل قاصر صار ظرفا لفاعله بالذات 6 ولحدثه بالتبع كما في قام زيد في الدأر، وهذا غنيّ عن البيان فإن كان ذلك الحدث له أئر متعد كالإشراق والإصباح فهل يشترط في تحقق النسبة للظرفية ذلك أيضا فلا بدّ من قولك أشرق كذا في لو كذا من كون الإشراق، والمشربن فيه أو يكفي وجود أثره فيه، وإن لم يوجد هو بذاته كما في الأفعال المتعدّية فإنك إذا قلت رميت الصيد في الحرم يكون حقيقة

367

وان لم يكن الرامي في الحرم على ما ستسمعه إن شاء الله تعالى مفصلا في سورة الأنعام فالعلامة في الكشاف ارتضى الأوّل وجعل ما خالفه مجازا وقياسه مع المتعدّي قياس مع الفارق لأنّ المفعول مظروف حقيقة وان كان لك أن تقول إنه حقيقة عرفية، وفي كلامهم إيماء إليه، وقد يقال إنه لذلك تركه المصنف رحمه الله تعالى، وقياس البيت والبلد على الحول إذا كان بمعنى الإحاطة والجهات غير ظاهر، وقوله على الظرف قيل إنّ تخصيص الإضاءة بما حول المستوقد في الوجهين الأوّلين ظاهر لأنها لا تتعلق بمحل المستوقد وأمّا على الظرفية فغير ظاهر، وليس بشيء لأنّ نحله نفسه على كل حال لا تتعلق به الإضاءة كما قال الشاعر:

وشمس تضيء الأرض شرقًا ومغربا وموضع رجل منه في البيت مظلم

وفيه نكتة لطيفة، وهي الإشارة إلى أنه بنفسه مظلم ظالم لنفسه غير قابل للأنوار الإلهية. قوله: (وقيل للعام حول لآنه يدور) يعني أنّ أصل هذا التركيب من الحاء وما بعدها موضوع للطواف، والإحاطة كالحول بمعنى السنة فإنه يدور من الفصل الذي ابتدأ منه إلى مثله ولما لزم ذلك الانتقال والتغير استعمل فيه بإعتبار. كالإستحالة والحوالة، وان خفي في بعض الموادّ كالحول بمعنى القوّة وهذا مسلك لبعض أهل اللغة ارتضاه العلامة وتبعه المصنف.

وقال الراغب: أصل الحول تغير الشيء وانفصاله عن غيره وباعتبار التغير قيل حال الشيء يحول حولا واستحال تهيأ لأن يحول وباعتبار الانفصال، قيل: حال بيني وبينكم كذا اهـ والعام في تقدير فعل بفتحتين، ولذا جمع على أعوام مثل سبب وأسباب، وقال ابن الجواليقي عوام الناس لا تفرق بين العام والست، فيقولون لأفي وقت من السنة إلى مثله عام، وهو غلط والصواب ما قال ثعلب من أنّ السنة من أفي يوم عددته إلى مثله، والعام لا يكون إلا شتاء وصيقًا، وفي التهذيب أيضًا العام حول يأتي على شتوه وصيفه، وعلى هذا فالعام أخص من السنة فكل عام سنة وليس كل سنة عاما فإذا عددت من يوم إلى مثله فهو سنة، وقد يكون فيه نصف الصيف ونصف الشتاء والعام لا يكون إلأ صيفا وشتاة متواليين كذا في المصباح المنير وحول، وحوال بزنة ظلام وحوالان مثناه وحولان تثنية حول وأحوال جمعه وكلها ظرف مكان سمع منصوبا على الظرفية كما صرّحوا به. قوله: (جواب لما إلخ) قدمه لأنه المتبادر الأرجح عند الأكثر ولأنّ الأصل عدم الحذف، والتقدير ولما حرف وجود لوجود أو وجوب لوجوب أو ظرف بمعنى حين أو إذ لاختصاصها بالماضي فعلى الظرفية الأمر ظاهر إن لم يعتبر فيها المجازاة، وعلى اعتبارها بناء على أنه المعروف فيها يتراءى فيه مانع لفظيّ، وهو توحيد الضمير في استوقد وحوله وجمعه في بنورهم، ومعنويّ وهو أنّ المستوقد لم يفعل ما يستحق به إذهاب الله نوره بخلاف المنافق فجعله جوابا يحتاج إلى التأويل، ولذا أورده الزمخشرفي سؤالا وجوابا والمصنف رحمه الله أشار إلى المانع الأوّل والى أنه كان مقتضى الظاهر أن يقال بنارهم بدل قوله بنورهم، وأمّا العدول عن الضوء إلى النور فلم يتعرّض! له هنا وأخره، وأمّا إسناد الإذهاب إلى الله تعالى فليس بمانع عند أهل السنة فلذا تركه إشارة إلى ابتنائه على الاعتزال، وأشار بقوله وجمعه إلخ إلى جواب الأوّل، ولم يفصله لأته قد سبق ما يغني عنه في بيان إفراد الذي، وأشار بقوله لأنه المراد إلخ إلى اختيار النور على النار لأنه المقصود منها، ولا ينافيه أنه يقصد بها أمور أخر كالإصطلاء (1) والطبخ كما توهم لأنّ هذا أعظم منافعها وأدومها وأشهرها وهو المناسب للتشبيه، والمقام كما يعرفه من تأمل قوله ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ﴾

﴿؟ حاشية الشهاب لم ج ا / م 37.﴾

﴿ظلمات﴾ [البقرة: 17] وأمّا حمل النار على نار حقيقية لا يرضاها الله كنار الغواة الموقدة للمعاصي المستحقة للإنطفاء من الله أو النار المجازية كالفتنة كما في قوله تعالى ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ﴾ [المائد 5: 64] ليظهر التسبب فلا يخفى ما فيه من التكلف، وكذا ما قيل من أنّ الإيقاد سبب لفناء الحطب فتكون الإضاءة المتفرّعة عليه سببًا لإنطفائه. قوله: (أو استئناف أجيب به اعتواض! سائل) المراد بالإعتراض التعرض له فرضًا، وليس بمعنى الإشكال هنا وان جاز، وفي المصباح يقال سرت فعرض لي في الطريق عارض من جبل ونحوه أي مانع يمنع من المضيّ، واعترض لي بمعناه ومنه اعتراضات الفقهاء لأنها تمنع من التمسك بالدليل اهـ، وفيه إشارة إلى أنّ الاعتراض بالمعنى المشهور ليس بلغويّ، وإنما هو اصطلاحيّ، وهذا الوجه رجحه

368

الزمخشريّ لما فيه من المبالغة، والإيجاز بحذف الجواب، وذهاب النفس كل مذهب مع سلامته عن الموانع السالفة، وبين السؤال المقدر بما ذكره وحاصله السؤال عن وجه الشبه فإنّ مشاركة حال المنافقين لحال المستوقد في المعاني المذكورة غير ظاهرة، وحال المشبه معلومة مما مضى، وحال المشبه به وهو المستوقد مذكورة، فأجيب بأنهم بعدما منحوا الهدى ﴿خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهمْ﴾ وصيرهم هائمين في الضلالة التي هي ظلمات بعضها فوق بعفر،، ثم لا بدّ للحذف من مجوّز ومرجح على الإثبات الذي هو الأصل، فأشار المصنف إلى الأوّل بأمن الإلباس، وإلى الثاني بالإيجاز وعدل عن قول الزمخشريّ، وإنما جاز حذفه لإستطالة الكلام أي لطوله لما قيل عليه من أنه لا استطالة هنا بخلاف قوله قلما ذهبوا به، وإن دفع بأنّ المراد لولا حذف ذلك الجواب لطال الكلام، وأيضا عد الإستطالة في المرجح أولى من عدّها في المجوز، ودفعه بأنه حاول أن يذكر في كل منهما أمرين ليس بشيء كما قاله قدّس سرّه هذا، وفد قيل إن جعل ذهب الله جوابا أوى لعدم الإستطإلة، ولأنّ كونه من تتمة التمثيل الأوّل يوجب مطابقته للتمثيل الثاني لاشتماله على مبالغات، ومن دأب البليغ أن يبالغ في المشبه به ليلزم منه المبالغة في المشبه ضمنًا، والحمل على الإستئناف ضعيف لأنّ السبب في تشبيه حالهم قد علم مما سبق فلا معنى للسؤال عن وجه الشبه، أو تعيين المشبه، وجعله بدلا من جملة التمثيل يدل على أنّ المذكور لفظًا أو في لتأدية الغرضى مما حذف لقصور العبارة عنه، وهو باطل نعم لو قيل ذهب الله ابتداء كلام لبيان حال المشبه لم يكن بعيدا، ولعل ما ذكره المصنف من نكتة الحذف ليس إيثارا له بل إيناسًا به، وإزالة لاستبعاده فالوجه هو الأوّل وسيرد عليك من كلامه ما يشعر به، وأجيب بأنّ الحذف لما كان أبلغ كانت المبالغة في المشبه به كثر والتطابق بين التمثيلين أوفر، وأيضًا إذهاب النور، وتركهم في ظلمات يدل على أنه كان لهم نور فزال، وصاروا متحيرين خابطين فتكون المبالغة في الطوفين أمّ في المشبه به فبالحذف، وأمّا في المشبه فباللفظ وهذا أوفى بتأدية الغرض الذي هو بيان حال المنافؤين وقيل إنّ قول المصنف رحمه الله شبهت حالهم إلخ معنا، أنّ له حالين

الأولى إنطفاء ناره بالكلية بحيث لا يبقى لها أثر، والثانية إنطفاؤها مع بقاء الأثر ففي أيّ الحالتين شبه المنافقون بالمستوقد فكأنه قيل في الأولى حيث ذهب الله بنورهم إلخ فإنّ الميالغات التي فيه تفيد عدم بقاء الأثر فيكون هذا الاستئناف مما يكون السؤال فيه عن أمر غير سبب الحكم هو وجه الشبه أو المشبه، ومما حذف فيه الاسنئناف كله مع قيام شيء مقامه قوله:

زعمتم أنّ أضص تكم قريش لهم ألف وليس لكم آلاف

فعلم من هذا أنّ وجه الشبه أو المشبه لم يعلم على التعيين مما مرّ، وأنّ حذفه وجعل المذكور استئنافا أبلغ من كونه جوابا لما فيه من بيان حال المشبه بوجهين يوجبان الأبلغية الإجمال والتفصيل، والتصريح بالمبالغة بدون اكتفاء بما في ضمن المبالغة في المشبه به فيطابق التمثيل الثاني بل يكون أبلغ فلا يرد عليه ما في الكشف من الاعتراض! .

(أقول) وبالله التوفيق كون الجواب أرجح كما أشار إليه المصنف بتقديمه بأنّ المهم المقدم وارتضاه المدقق مما لا يخفى على من له إنصاف وتطابق التمثيلين وجريهما على نهج فيه أظهر من الشمس، وكل ما ارتكبوه في ردّه على طرف الثمام، والمرجح المذكور معارض بما فيه من الحذف الذي هو خلاف الأصل وبما فيه من الإلباس لاحتمال قوله ﴿ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ﴾ غيره بحسب الظاهر المتبادر وقرينة جمع الضمير خفية فالحق الحقيق بالقبول ما في الكشف فإنه غنيّ عن الكشف، وكيف يتعين بما ذكر المراد من أنه لم يبق له أثر، وهذا إنما يتضح لو قيل بنارهم بدل بنورهم. قوله: (أو بدل من جملة التمثيل إلخ) معطوف على قوله جواب لما وقد سمعت آنفًا ما في الكشف في البدل فليكن على ذكر منك إذ لا فائدة في الإعادة، والذي يهمنا هنا بيان ما يتعلق به غير ذلك، وإنما قال: المصنف على سبيل البيان إلف رة إلى أنّ المبدل منه ليس في نية الطرح كما اشتهر في أمثاله فهذا معتبر أيضا لأنّ المصرّح به في التمثيل حال المشبه به، وأردفه بالتصريح مجال المشبه على هذا التقرير، ولذا قيل إنه بدل كل والبيان لازم، ولذا جعل بعض المحققين عطف البيان

369

كله بدل كل وهو في الجمل التي لا محل لها يفيد مفاد المبدل منه فيبينه ويؤكده، وهذا بناء على أنّ المراد بالبدل بدل الكل في الكل، والظاهر أنه بدل بعض لأنّ جملة التمثيل من قوله مثلهم إلى قوله حوله مشتملة على حال المشبه والمشبه به، وهذه الجملة مقصورة على الثاني فكونها بدل أقرب إن قلنا بجريانه في الجمل ولا يلزمه الضمير لأنه شرط بدل البعض، والاشتمال في المفردات دون الجمل لعدم صلاحيتها لذلك باقية على أصلها، وقيل إنه بدل اشتمال لأنّ الغرض بيان حال المنافقين من ظهور نورهم حالًا، ثم اضمحلاله مآلًا، وظاهر أنّ هذا أوفى بتأدية الغرض من ذلك فهو بمنزلة:

أقول له ارحل لا تقيمن عندنا

فسقط اعتراض! صاحب الكشف السابق على ما في الكشاف، وقد قدمنا لك أيضًا ما زعمه أبو حيان في ردّ البدلية من أنّ انفعلية لا تبدل من الاسمية اتفاقا، وقيل إنّ الجملة الأولى لا محل لها والبدل تابع معرب بإعراب سابقه فلا تصح البدلية، ورد ما ذكره رواية ودراية من غير حاجة إلى الالتجاء إلى أنّ المراد بالبدل هنا ليس هو البدل النحوي بل أن تكون الجملة الثانية مفسرة، وموضحة للأولى قائمة مقامها في الجملة فتحصلى لك في البدل احتمالات أربعة. قوله: (والضمير على الوجهين للمنافقين) أي على أنه استئناف أو بدل وجواب لما محذوف وتقديره إنطفأت أو خمدت وقد مرّ بيانه وشرح ما ذكره المصنف هنا من المجوّز والمرجح، ووجه عدوله عما في الكشاف من الإستطالة إلى الإيجاز والإعتراض عليه بأن تبادر الجوابية من جملة ذهب إلخ موقع في الإلباس، حتى قال أبو حيان أنه الغاز وهو مدفوع بأنّ ضمير الجمع قرينة على أنه راجع للمنافقين المشبه وهو يقتضي أن لا يكون جوابًا، فإن قلت إن سلم هذا اقتضى أن لا يصح كونه جوابا، وهو لأرجح عند المصنف رحمه الله، قلت القرينة لا يلزم أن تكون قطعية ولذا تراهم يجوزون تقادير مختلفة في تركيب واحد من غير نكير، ولذا قالوا في نكتة الحذف هنا أنها إيهام أنّ الجواب مما تقصر عنه العبارة لأنّ ما قدروه أمر غير متعين وأتى المصنف رحمه الله له بنظير من القرآن المجيد، وان كان ثمة الإستطالة ظاهرة لأنه عنده مثبت للحذف لأجل الإيجاز فتدبر. قوله: (وإسناد الإذهاب الخ) عبر بالإذهاب الذي هو مصدر المزيد والمذكور في النظم ذهب إشارة من أوّل الأمر إلى المعنى المراد، وأنه لتعديه بالباء في معنى إذهب كما ستراه.

وفي الكشاف فإن قلت فما معنى إسناد الفعل إلى الله تعالى في قوله ﴿ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ﴾

قلت إذ! طفئت النار بسبب سماويّ ريح أو مطر فقد أطفأها الله تعالى، وذهب بنور المستوقد، ووجه آخر وهو أن يكون المستوقد في هذا الوجه مستوقد نار لا يرضاها الله، ثم إمّا أن تكون نارًا مجازية كنار الفتنة والعداوة للإسلام وتلك النار متقاصرة مذة اشتعالها قليلة البقاء، ألا ترى إلى توله ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ﴾ [المائدة: 64] وأمّا نارًا حقيقية أوقدها الغواة ليتوصلوا بالإستضاءة بها إلى بعض المعاصي، ويتهدّوا بها في طرق العيث فأطفأها الله وخيب أمانيهم، وإنما أوردناه برمته لتعلم مراده ومراد المصنف رحمه الله فتتحقق الفرق بينهما، وقد ذهب اكثر إلى أن السؤال على تقدير كونه جواب لما وأنه لدفع المانع المعنويّ الذي قرّرناه اوّلا وأنه مبنيّ على الاعتزال وقاعدة الحسن والقبح لأنّ إطفاء نار المستوقد عبث والعبث عندهم قبيح والوجوه ثلاثة والإسناد. على الأوّل منها مجازقي لكونه المسبب في الريح والمطر، وقال المحقق إنه من قبيل أقدمني حق لي على فلان وهناك قدوم بلا إقدام، وفائدة الإسناد المب لغة في الإذهاب وعلى الئاني فالمراد كما قاله قدس سرّه مستوقد

نار لا يرضاها الله، وإطفاؤها ليس قبيحًا، وسواء كان! ت النار مجازية أو حقيقية فالإسناد حقيقيّ، فإن قيل المنافق مستوقد نار الفتنة والعداوة مع ما ذكر من الإضاءة فلا معنى للتشبيه، قيل: هذا المستوقد أعئم وقيل: إنه لا حاجة في توجه السؤال إلى أنّ ذلك الإذهاب قبيح مانع من صحة الإسناد عنده بل يتجه بمجرّد أنّ. الإذهاب عادة يقع بالأسباب بل قبحه علئ- رأي المعتزلة محل مناقشة إلأ أنّ تقريره للجواب الأخير يشعر باعتبار القبح في السؤال، والأظهر في الجواب أن يقال لا حاجة في تمثيل حال المنافقين إلى تحقق الإذهاب من الله تعالى لنورهم إذ يكفي فيه الفرض! والتقدير؟ وعدم رضا الله تعالى بإستيقاد النار لا يلائم التمثيل، والحق في الجواب عن اعتبار التشبيه في نار الفتنة أنهم لم يوقدوا

370

نار الفتنة بتهييج الحروب إذ لم يفعلوا ذلك وإنما صدر منهم ما يؤدّي إليه كما مرّ في تفسير قوله تعالى ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ﴾ وأمّا الجواب بأنّ المستوقد أعمّ من المنافقين ففيه إنه لا يحسن تشبيه الخاص بالعام إلا أن يراد بالأعم الخاص الآخر المقابل للمشبه.

(أقول) هذا ما في الكشاف، وشروحه ومراده بالتجوّز في النار أنه استعارة تصريحية حيث شبه تهييج الفتن والحروب بإستيقاد النار تشبيه معقول بمحسوس بجامع عقليّ، وهو الإصرار بما يصادفه وأثبت له ما يخصه، وهو الإيقاد ففي الكلام استعارة في تشبيه، وهو من أبلغ ما يكون، وذكر المجاز وإرادة الاستعارة غير مستبعد، ثم إنهم اتفقوا على أن توجيه الإسناد في الكشاف مبني على جعل جملة ذهب جوابا للما والضمير للمستوقد، وانه على الأوّل مجاز في الإسناد لا حقيقة له بناء علىءا قاله عبد القاهر، والشريف لم يعرج على هذا نفيا واثباتا، فكأنه ليس عنده ثلج صدر مته، ووجهه إنه إذا لم يكن فعل الله والريح ونحوه ليس بفاعل مختار وإنما هو سبب عادي لم يكن له فاعل حقيقي، وقد جوّز أهل المعاني مثله وهو كلام حسن، وما ذكره قدس سرّه من تشبيه الخاص بالعام لا وجه له، والمعروف عكسه وهو نوع من التشبيه يسمى التمثيل كما تقول الجمل الفعلية كقام زيد، ولو عكسته كان عبثا، وقد صزح به ًا هل المعاني، وأمّا ما ذكره المصنف رحمه الله فالظاهر أنه توجيه للإسناد على الوجوه كلها سواء رجع الضمير إلى المستوقد أو إلى المنافقين، وقوله كريح ومطر إلخ ناظر إلى عوده على المستوقد، وهو مقابل للسبب الخفيّ وما يحصل بأسباب سماوية يسند إلى الله تعالى عادة والسبب الخفيّ يعتبر بحسبه، وهو ناظر إلى عود الضمير للمنافقين كما أشار إليه هنا بعض المتأخرين رحمه الله، فقوله لأنّ الكل بفعل الله بناء على مذهب أهل السنة من أنه الفاعل لكل شيء حسنًا كان أو قبيحا ولا قبح فيما صدر عنه سبحانه، وفعل الإطفاء إن كان بدون سبب عاديّ، فهو من الله واسناده إليه حقيقة على هذا، وخفاؤه بالنسبة إلينا لعدم إطلاعنا عليه فإذا كان من أحوال المستوقد المشبه به فهو أمر فرضيّ لغير فاعل معين ترى ناره، ويدري ما يطفئها فأسند إلى الفعال المطلق الذي بيده التصرّف في الأمور كلها، والظاهر أنه حقيقة على هذا أيضا

وأما إذا أطفئت بأمر سماوي كريح هبت بقدرة الله تعالى فهو الفاعل، والريح اكة كالسكين للقاطع، وإذا قصد المبالغة التي سنقرّرها فهو محتمل للحقيقة، والمجاز بناء على تفسير النار فكلام المصنف مخالف لما في الكشاف من وجوه فمن طبقه عليه، وقال في تقريره إنه يشير إلى أنه على تقدير رجوع الضمير للمنافقين حقيقة بلا خفاء، وعلى رجوعه للذي استوقد فلا يخلو من أن يكون حقيقة أو مجازا، وعلى الثاني إمّا أن يعتبر له فاعل حقيقيّ لو أسند إليه كان حقيقة، وقد نقل عنه إلى الفاعل الجازي أولا وعلى الأوّل إمّا أن يكون الفاعل مجهولا أو معلوما فأشار إلى الأوّل بقوله لأنّ الكل إلخ، وإلى الثاني بقوله أو لأنّ الإطفاء حصل بسبب خفيّ، وإلى الثالث بقوله أو أمر سماويّ إلخ وإلى الرابع بقوله أو للمبالغة كأقدمني حق لي عليك فقد ألزمه بما لا يلتزمه وفسر كلامه بما لا يحتمله، وبما عرفت من تفسير السبب الخفيّ عرفت سقوط ما قيل عليه من أنه تعالى لا يخفى عليه شيء إلى آخر ما أطال به من غيرطائل، وقد بقي هنا أمور يضيق عنها نطاق البيان. قوله: (ولذلك عدي الفعل بالباء دون الهمزة إلخ) أي الباء والهمزة للتعدية إلا أنّ الباء لما فيها من معنى الإلصاق والمصاحبة أبلغ من الهمزة، ولذلك عدي بها هنا والفرق بينهما مذهب المبرد وارتضاه كثير من المحققين وفي المثل السائر كل من ذهب بشيء فقد أذهبه، وليس كل من أذهب شيئا ذهب به لأنه يفهم من ذهب به أنه استصحبه معه وأمسكه عن ال- جوع إلى حاله الأولى، وليس كذلك أذهب، وارتضاه أبو حيان، واستدل عليه بأمور مفصلة في محلها ردا وقبولًا، وذهب سيبويه إلى أنهما بمعنى وتبعه أكثر النحاة، واستدل بهذه الآية لأنه تعالى لا يتصف بالذهاب فمعناه أذهبه لا غير، ودفع بأنه مجاز هنا عن شدة الأخذ بحيث لا يرد كما في قولهم ذهب السلطان بماله فإنه مجاز عن المعنى المذكور بذكر الملزوم، وارادة اللازم فإنّ السلطان لم يذهب، ولم يجعل المال ذاهبا وإنما أخذه وأه سكه، فإن قلت هذا الفرق بين تعدية الباء، والهمزة هل هو مخصوص بهذه المادّة أم لا وعلى ك تقدير كيف يقال إنّ المبالغة جاءت من الإلصاق، والمصاحبة وهو

371