حاشية الشهاب على تفسير البيضاويالجزء 8 · ص 319 - 329

عبس

أو فيهما، وقوله: ولذلك الخ يعني أنّ المعنى كما في الآية الأخرى لم يلبسوا إلا ساعة من نهار فكان أصل هذا لم يلبسوا إلا ساعة من نهار عشيته أو ضحاه فاختصر، وأفادت الإضافة ذلك لأنه لو قيل: الأعشية أوضحا احتمل أن يكونا من يومين استمر فيهما اللبث، وأن يراد بكل من العشية والضحا يوم على حدة بإطلاق الجزء على الكل فلما أضيف انتفى ذلك الاحتمال لأن العشية لا يتصوّر لها ضحا إلا بكونهما في يوم واحد. قوله: (عن النبي ﷺ) هو حديث موضوع، وقوله: ممن حبسه الله الخ هو عبارة عن استقصار مدّة اللبث فيها لما يلقى من البشرى والتحية في البرزخ، والموقف تمت السورة والحمد لله والصلاة والسلام على رسوله محمد وآله وصحبه.

عبس

سورة عبس

وتسمى الصاخة ولا خلاف في كونها مكية وقيل آياتها أربعون.

بسم الله الرحمن الرحبم

قوله: (روي أنّ ابن أم مكتوم الخ (قد اختلف في اسمه فقيل: عبد الله وقيل: عمرو، وكذلك في اسم أبيه فقيل: قيس وقيل: شريح وأما أم مكتوم فأمه بلا كلام واسمها عاتكة، وغلط الزمخشريّ في جعلها في الكشاف جدته وهو قرشيّ من كبار الصحابة، ومن المهاجرين الأوّلين وكان النبيّ ﷺ يستخلفه على المدينة في أكثر غزواته وموته بالقادسية شهيدًا، وقيل: بل رجع منها إلى المدينة فمات بها، وهو الأعمى المذكور في هذه السورة بلا كلام، وهو ابن خال خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها، وقوله: صناديد جمع صنديد وهو السيد الكبير، وقوله: يدعوهم الخ جملة مستأنفة أو حالية وقد سماهم غير المصنف إلا أنه لم يذكره الطبري وابن أبي حاتم فيما رواه ولذا تركه المصنف، وهم أبو جهل وعقبة بن ربيعة وأمية بن خلف والوليد بن المغيرة، وابن أم مكتوم عمي بعد نور وقيل: ولد أعمى، ولذا لقبت أمه أم مكتوم، وقوله: ولم يعالم تشاغله الخ لأنه لو علم بذلك لم يقل ما قاله: وكان تشاغل النبيّ-يخييه وإقباله عليهم رجاء لإسلامهم واسلام كثير بسبب إسلامهم، وما ذكروه من أنه لشدة سمعه كان يعرف شدة اهتمامه بهم لا صحة له إذ مثله يدرك بالبصر ولا يليق بمثله لو علمه أن يكلم النبيّءلمج! هـ، وقوله: فكان رسول الله ﷺ يكرمه أي لما علمه من قدم صحبته وقرابته من خديجة وصهارته، وقوله: واستخلفه الخ أي كان يصلي بالناس إذا ذهب النبيّ ﷺ للغزو، قال ابن عبد البرّ: روى أهل العلم بالنسب والسير أنّ النبيّ ﷺ استخلف ابن أم مكتوم ثلاث عشرة مرّة، ثم استخلف أبا لبابة.

تنبيه: ابن أم مكتوم مكي قرشي كما مرّ، وهاجر قبل النبيّ ﷺ للمدينة، وقيل: بعده

ومن لم يدر هذا ظنه مدنيًا وإن الصناديد المذكورين من أهل مكة لم يجتمع معهم ابن أم مكتوم كما قاله ابن العربي وهو خطأ كما في سيرة الشامي. قوله: (للمبالنة) يعني لا للتعدية وقوله: علة لتولي يعني به أنّ قبله لا ما مقدرة ولم يقل إنه منصوب للاختلاف فيه، وقوله على اختلاف المذهبين أي في إعمال أي الفعلين أولى في التنازع، وإن كان بحسب المعنى علة لهما معًا. قوله: (وقرئ " ن بهمزتين الخ) قراءة الجمهور بهمزة واحدة، وقراءة زيد وغيره بهمزتين بينهما ألف للفصل بينهما والاستفهام للإنكار، وقوله: الأن جاء. الخ فالجار متعلق بمقدر، وقوله: وذكر الأعمى الخ يعني به دفع ما يتوهم من أنه من كبار الصحابة وفي هذا تحقير له، أو أنه لإيذائه للنبيّ ﷺ استحق التأديب واللوم فوصفه بذلك ليس لتحقيره بل لبيان عذره، وأذا كان معذورا لم يستحق ما ذكر، وقوله: بالقوم متعلق بمقدر تقديره وتشاغله بالقوم، وقوله: لزيادة الإنكار أصل الإنكار معلوم من وصفه بالعبس والتولي فإذا كان عن العاجز كان أشد وفي الالتفات أيضًا إنكار للمواجهة بالعتب فلا حاجة للاستعانة بالمقام والغيبة مع أنه قيل إن في الغيبة والخطاب إجلالًا له ﷺ لإيهام أن من صدر عنه ذلك غيره لأنه لا يصدر عنه مثله كما أن في الخطاب إيناسا بعد الإيحاس، واقبالًا بعد إعراض، وهو أولى عندي. قوله: (أي وأي شيء يجعلك

319

داريًا بحاله) هذا بيان لحاصل المعنى لا تقدير إعراب، وفي الدر المصون أن الترجي أجرى مجرى الاستفهام في كونه للطلب فعلق به فعل الدراية بقوله: لعله الخ سادًا مسدّ مفعوله، والتقدير لا تدري ما هو مرجي منه من التزكية والتذكرة، وقيل: مفعوله مقدر أي ما يدريك أمره وعاقبة حاله ويطلعك عليه، وقوله: لعله الخ ابتداء كلام وفي كلام المصنف ميل لهذا.

قوله: (لعله يتطهر من الآثام الخ) فالترجي راجع إلى ابن أم مكتوم لا إلى النبيّ سك! فإنه

غير مناسب للسياق، وفيه إشارة إلى أنّ مجرّد رجاء مثله كاف في امتناع الإعراض والعبوس، ويتلقف ويتلقى متقاربان في المعنى كما مز. قوله: (ونيه إيماء بأنّ إعراضه الخ) ضمن الإيماء معنى الإشعار فعداه بالباء ولولا ذلك تعدى بإلى والإيماء المذكور بطريق التعريض كقولك لمن يقرر مسألة لمن لا يفهمها وعنده آخر قًا بل لفهمها لعل هذا يفهم ما تقرر فانه يدل على أنه قصد

تفهيم غيره، ولش بأهل لما قصده فلا وجه لما قيل من أنّ الإيماء في غاية الخفاء هنا قيل، وجعله كناية عما ذكر لأنه مزكى من الآثام فالمقصود تزكية غيره، وازدياده مما ذكر وهو كلام حسن لم يفهمه من ردّه، ثم إنّ ما قبله تخلية وهذا تحلية، ولذا عطف بأو وقدم الأوّل عليه وفيه تأمّل. قوله: (وقيل الضمير في لعله للكافرا لا للأعمى والترجي من الرسول ﷺ كما أشار إليه المصنف والمراد بالكافر الجنس ولعل على الأوّل أفادت أنك ما طمعت في تزكي الأعمى فأعرضت عنه، ولولا ذلك ما أعرضت وعلى الثاني المعنى إنك طمعت من الكافر في التزكي فأقبلت عليه وما يدريك أنّ ما طمعت فيه كائن قيل، ومرض المصنف هذا لعدم ذكر الكافر ولأفراد الضمير والظاهر جمعه، وقوله: إنك طمعت الخ إشارة إلى أنّ الترجي من الرسول -لمجي! ر، وأنّ الفعل واقع على قوله: لعله الخ كما مرّ، وقوله: ما طمعت فيه كائن فالترجي على ظاهره لا أنه في المستحيل بمعنى المتمني كما توهم حتى يقال إنه كناية عن تحقق المطموع فيه ووجوده فتأمّلى. قوله: (وقرا عاصم بالنصسب جوابًا للعل) بحملها على ليت أختها أو لإشمامها معنى التمني لبعد المرجو عن الحصول وهذا يؤيد كون الضمير للكافر كما مرّ ومذهب الكوفيين النصب في جواب الترجي، وعليه مشى المصنف رحمه الله. قوله: (تتعرض له بالإقبال عليه (فمآل معناه إلى أنه يقبل عليه وتقديم له للحصر أو للفاصلة لأنّ قوله: عنه تلهي يفيد ما ذكر فنفى عنه، وقوله: وقرئ تصدّى أي بصيغة المجهول، وقوله: تدعي إلى التصذي تفسير لقوله: تعرّض أي كأنه دعاه داع للتصدّي له من الحرص والتهالك على إسلامه، وتصدى يكون لازمًا ومتعديًا والإدغام إدغام التاء في الصاد. قوله: (وليس عليك بأس الخ) هو محتمل للوجهين في ما من كونها نافية أو استفهامية فإن الاستفهام هنا إنكاريّ وهو نفي معنى، وقوله: حتى الخ إشارة إلى أنّ الممنوع عنه في الحقيقة الإعراض عمن أسلم لا الإقبال على غيره حرصًا على إسلامه، وقوله: إن عليك إلا البلاغ أي لا أن تزكيه وتطهره حقيقة فإنه لا يقدر عليه إلا الله وهذا كان قبل الأمر بالقتال لأنّ السورة مكية. قوله: (يسرع طالبًا للخير) فيه إيماء إلى أنّ قوله أوّلًا استغنى يحتمل أن يكون بمعنى استغنى بكفره عن طلب ما يهديه فلا حاجة إلى القول بأنه من الاحتباك، وذكره للغنى أو لا يدل على الفقر في مقابله وذكر المجيء والخشية ثانيا يدل على ضدهما أوّلًا فإنه تكلف، وقوله: كبوة الطريق الإض افة على معنى في

أي سقوطه في الطريق إذا عثر. قوله: (يقال لهى عنه والتهى) اللهو كل ما يشغل الإنسان عما يهمه ولهى عنه كرضى ورمى فلا وجه لتعيين الأوّلى هنا، وقوله: ولعل ذكر التصدي والتلهي الخ يعني ليس مجرّد الاشتغال بالغني والتلهي عن الفقير مما يعاتب على مثله فإنه ربما اقتضى الحال مثله، وأنما المعاتب عليه كونه عن صميم القلب وتصميم العزم كما يفيد. التخصيص فيه فإن نحو أنا عرفت يحتمل التخصيص والتقوّي، وإذا أريد التخصيص يقدر تقديم الفاعل المعنوي على عامله والقرينة على الاختصاص هنا إضمار حرف الإنكار قبل الضمير المؤذن بان الكلام في الفاعل دون الفعل، ولما بين لفظ أنت ومثل من الملازمة جعل أنت كناية عن المثل في قوله: مثلك خصوصا لا ينبغي له أن يتصدى للغني، ويتلهى عن الفقير كما في الكشاف وشروحه إلا أنّ اشتغال قلب النبيّ ﷺ بمثله لا ينبغي ذكره لأنّ مقامه أعلى من ذلك لكن

320

إسناده لمثله دونه مما يحققه وكونه لحرصه على إسلامه، وتبعية غير. له يهونه ولو لم يذكر. كان أحسن فإن فيه ترك أدب لذكر ما لا يليق بمقام النبوّة. قوله: (ردع عن المعا-لب عليه) إذا كان نزول الآية في أثنائه وقوله: أو عن معاودة مثله إذا كان بعد انقضائه ووقع في نسخة عطفه بالواو، والمعنى عليها أنه في الأثناء فيزجر عنه وعن معاودته معًا وهذه موافقة لما في الكشاف، ومن قال إنّ العطف تفسيري حينئذ فقد وهم. قوله تعالى: (﴿فَمَن شَاء ذَكَرَهُ﴾) نقل عن جار الله أنه استطراد وليس باعتراض لأنه يكون بالواو وبدونها، وأمّ بالفاء فلا، وقال في الكشف: إنه ليس بثبت لأنه ينافي قوله في النحل إنّ قوله: ﴿فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ [سووة النحل، الآية: 43] من الاعتراض وقد صرّح به النحاة كما ذكره ابن مالك في متن التسهيل من غير نقل اختلاف فيه، وقال السعد في التلويح الاعتراض يكون بالواو والفاء:

واعلم فعلم المرء ينفعه

فتلطف في إشارته للردّ على من أنكره لكنه محل كلام بعد فليحرر. قوله: (حفظه) على

أنه من الذكر خلاف النسيان، أو أتعظ على أنه بمعنى التذكير وهو الوعظ، وقوله: والضميران يعني في أنها وذكره وكون عتابه على ما ذكر عظة لأنه مع عظمة شأنه، ومنزلته عند الله إذا عوتب على مثله فما بالك بغيره وعلى اتحاد الضميرين فلا بد من تأويل أحدهما والمصنف اختار تأويل الأوّل وغيره الثاني فقيل: إنه للآيات أو السورة أو المعاتبة والتذكير لكونه قرآنًا، وعتابًا أو لأنّ المصدر في تأويل أن والفعل ورجح هذا بعدم ارتكاب التأويل قبل الاحتياج إليه، وقيل: الضمير الثاني للتذكرة لأنها بمعنى الذكر والوعظ لا لمرجع الضمير الأوّل، وأمّا كون الضمير لدعوة الإسلام فما ياباه المقام. قوله: (مثبتة فيها) فمتعلقه خاص والصحف، إما

الصحف المنزلة على الأنبياء أو التي مع الملائكة منقولة من اللوح المحفوظ، وأمّا كونها عبارة عن اللوح نفسه فغير ظاهر وكذا كونها صحف المسلمين على أنه إخبار بالغيب فإنّ القرآن بمكة لم يكن في الصحف ومثله يحتاج إلى نقل، وقوله: منزهة عن أيدي الشياطين هو مأخوذ من مقابلته بقوله: بايدي سفرة فإنه يفيد القصر وهو بالنسبة إلى الثاطين، وليس بحقيقيّ كما أشير إليه في شروح الكشاف. قوله: (كتبة الخ) فسره به لأنه جمع سافر بمعنى كاتب في الأسفار كما ذكره أهل اللغة، وقوله: أو الأنبياء معطوف على الملائكة أو كتبة، ولا يخفى أنه غير مناسب لكون المراد القرآن ونبينا ﷺ لم يكتبه ولم يقرأ من الصحف فإنّ من معجزاته ﷺ كونه أمّيًا، ولذا لم يذكره الزمخشري؟ وقال: وقيل أصحاب رسول الله ﷺ، وقوله: ينتسخون الكتب من اللوح إذا كانت السفرة كتب الملائكة وما بعده على ما بعده ففيه لف ونشر مرتب. قوله: (أو سفراء) عطف على كتبة جمع سفير كفقيه وفقهاء، وهذا على أنه جمع سافر بمعنى سفير أي رسول وواسطة، وقوله: بين الله تعالى ورسله على أنّ المراد الملائكة، وقوله: أو الأمة على أنّ المراد الأنبياء فهو ناظر لما قدمه، وقوله: من السفر أو السفارة لف ونشر مرتب على التفسيرين فالسفر كالضرب مصدر بمعشى الكتابة والسفارة بكسر السين وفتحها مصدر كالكتابة والكفالة بمعنى التوسط للإصلاج وهذا بناء على المشهور فلا ينافي ما في القاموس من جعل السفر بمعنى السفارة أيضا. قوله،: (والتركيب للكشف) يعني واضع اللغة وضع هذه المادّة بجميع تراكيبها للكشف، وقوله: كشفت وجهها ويقال: بمعناه كشفت عن وجهها وأصله كشفت القناع عن وجهها وهو الأفصح المعروف في الاستعمال وكتب اللغة، ولذا قيل: على المصنف إنه تسمح في تعبيره وإن كان المخطئ له فيه مخطئا. قوله: (أعزاء على الله) أي مكرمون معظمون عنده فهو من الكرامة بمعنى التوقير، وقوله: أو متعطفين على المؤمنين يكملونهم لأنهم وسايط في الوحي وتبليغ الشرائع والإلهام ونحوه فإن فسر بالأنبياء فهو ظاهر وعلى هذا فهو من الكرم ضد اللؤم، وقيل: إنه من قولهم لشجر العنب كرمًا لتعطفه وهو معنى برأسه وهو تعسف بارد. قوله: (برؤ أتقياء (بررة جمع بر لا غير وأبرار يكون جمع بر كرب وأرباب وجمع بار كصاحب وأصحاب وإن منعه بعض النحاة لعدم اطراده واختص الجمع الأوّل بالملائكة والثاني بالآدميين في القرآن، ولسان الشارع فقال الراغب لأنّ الأوّل أبلغ لأنه جمع بر بخلاف الثاني فإنه جمع بار وليس كما قال: لما سمعت وللسيوطي فيه كلام مختل في الإتقان فإنه قال في

321

الصحاح قال الفراء لا يقولون فعلة إلا والواحد فاعل ككافر، وكفره فنقله

في الإتقان، ثم قال: ورد البارّ والأبرار في صفة الآدميين وبر وبررة في صفة الملائكة، ووجهه الراغب بأق الثاني أبلغ لأنه جمع بار وهو أبلغ من بر فقوله: بار أبلغ وهم وغره زيادة بنيته وهو مقيد باتحاد النوع فتدبر، وقيل في توجيهه إنّ صفات الكمال في بني آدم تكون كاملة وناقصة فوصفوا بالأبرار وهو جمع بر على الأصح عند النحاة إشارة إلى مدحهم بأكمل الأوصاف، وأما الملائكة فصفات الكمال فيهم لا تكون ناقصة فوصفوا بالبررة الذي هو جمع بر على الأصح الأفصح لأنه يدل على أصل الوصف بقطع النظر عن المبالغة فيه لعدم احتياجهم لذلك واشارة لفضيلة البشر لما في كونهم أبرارا من المجاهدة، وعصيان الجبلة فتدبر. قوله: (دعاء عليه) الدعاء هو معنى قتل الإنسان، والتعجب معنى ما أكفره، وقوله: وهو أي قوله: قتل الإنسان ما أكفره كلام في غاية الإيجاز لقلة لفظه وكثرة معناه. قوله: (يدل (أي هذا الكلام بجملته يدل بصدوره عن الله على غضبه العظيم، وهو معنى قوله: قتل الإنسان لأنه تعالى لا يتصوّر منه الدعاء فأريد به لازمه، وهو ما ذكر وقوله: ذم بليغ أي في غاية المبالغة، وهو معنى قوله: ما أكفره لأنّ التعجب أيضا لا يكون من الله كما مرّ فيكون تعجيبا لكل سامع فيدل على مبالغة في الكفران يتعجب منها كل واقف عليها، ولم يسمع هذا قبل نزول القرآن وما نسب إلى امرئ القيس من قوله:

يتمنى المرءفي الصيف الشتاء فإذا جاء الشتا أنكره فهولايرضى بحال واحد قتل الإنسان ما أكفره

لا أصل له ومن يعرف كلام العرب يعلم أنه من كلام المولدين دون الجاهلي، واعلم أنّ

العلامة روّح الله روحه قال في هذه الآية إنه لا يرى أسلوبا أغلظ منه ولا أخثن مساو لا أدل على سخط ولا أبعد شوطا في المذمة مع تقارب طرفيه، ولا أجمع للأئمة على قصر متنبه منه ولم يبينوا وجهه إلا أنّ الإمام قال: قتل الإنسان يدل على استحقاق أعظم أنواع العقاب عرفا، وقوله: ما أكفر. تنبيه على أنهم اتصفوا بأعظم أنواع القبائح والمنكرات شرعًا وأوردد في الكشف، وغيره من الشروح بلا زيادة عليه وعلل بأنّ الدعاء ليس على حقيقته لامتنًا عه منه تعالى لأنّ منشأه العجز فالمراد به إظهار السخط باعتبار جزئه الأوّل وشدة الذم باعتبار جزئه الثاني فتأمل. قوله: (بيان لما أنعم عليه الخ) يعني لما بالغ في وصفه بكفران نعم خالقه شرع في بيان ما أنعم به عليه، وقوله: خصوصًا قيد للمنعم عليه أي هو بيان للنعم التي اختص بها الإنسان من بين خلقه لأنه مختص بمجموعها والاختصاص إضافي إن أريد جنس الإنسان لأنه بالنسبة لغيره من أنواع الحيوان كما سنبينه. قوله: (والاستفهام للتحقير) وذكر الجواب لا يقتضي أنه حقيقي كما توهم لأنّ المراد بالجواب ما هو على صورة الجواب لأنه بدل من قوله من أي شيء خلقه، ولو قيل: إنه للتقرير، والتحقير من شيء المنكر كان له وجه وقوله: من

مبدأ الخ من ابتدائية متعلقة بقوله: بيان، ومقابله قوله: إلى أن أتم خلقه وأنما أخره لأنه متعلق بقوله: فقدّره أطوارا أيضًا أو مقابله مقدّر بقرينة ما بعده، وقوله: ولذلك أي لكون المقصود منه التحقير أجاب بقوله: من نطفة الخ فانها حقيرة قدرة. قوله: (فهياه لما يصلح له الخ) دفع لما يخطر بالبال من أنّ الخلق بمعنى التقدير أو يتضمنه وعلى كل تقدير فعطفه بالفاء غير ظاهر بأنّ التقدير المذكور بمعنى التسوية، والمذكور هنا بمعنى التهيئة لما يصلح له أو هو تفصيل لما أجمل أوّلًا في قوله: أي شيء خلقه، والفاء تفصيلية لأنّ التفصيل يعقب الإجمال واليه أشار بقوله: أو فقدّره الخ. قوله: (ثم سهل مخرجه) فالسبيل محل خروجه من البطن، وقوله: فوهة الرحم بضم الفاء وفتح الواو المشدّدة أو بسكونها مخففة بمعنى فمه، وقوله: ألهمه أي ألهم الجنين حيث كانت رأسه من جهة العلو فإذا جاء وقت خروجه نكسها لأسفل ليسهل خروجه على ما بينه أهل الخبرة بذلك. قوله: (أو ذلل له سبيل الخير الخ) أي سهل له الطريق الذي يريد سلوكه من طريقي الخير والشرّ بأن أقدره عليه ومكنه منه والاقتدار على المراد نعمة ظاهرة بقطع النظر عن خيريته وشرّيته فلا يرد عليه أنه كيف يعد تسهيل طريق الشرّ من الئعم، وقيل: إنه عد من النعم لأنه لو لم يكن مذللًا كسبيل

322

الخير لم يستحق المدح أو الثواب بتركه فتأمّل. قوله: (للمبالغة في التيسير) يسبب التكرير الدال على ذلك فالضمير للسبيل، وقوله: وتعريفه أي السبيل باللام دون أن يقول سبيله بإضافته لضمير الإنسان كما هو الظاهر إذ أربد مخرجه وكذا إذا أريد سبيل الخير والشرّ فإنه سبيله أيضًا لأنه لو قيل سبيله أوهم أنه على التوزيع وأنّ لكل إنسان سبيلاَ يخصه، وهذا جار على التوجيهين كما يشير إليه قوله وفيه على المعنى الأخير فلا وجه للقول بأنه مخصوص بالثاني، وقوله: والمقصد غيرها وهو الآخرة لأنّ السبيل عبارة عن الدنيا وهي ممر والمقرّ الآخرة، وقوله: ولذلك أي لكون المقصد غيرها عقب السبيل بالإماتة إشارة إلى أنها ليست مقرّا لأحد لعدم البقاء فيها والموت هو الوصلة لذلك المقصد فلذا عد من النعم على الوجهين أيضا. قوله: (وعد الإماتة الخ) وخصصت هذه النعم بالذكر لما فيها من ذكر أحوال الإنسان من ابتدائه إلى انتهائه وما تتضمن من النعم التي هي محض فضل من الله لأنه حقير مهين خرح من مخرح البول مرتين وتكوّن من نطفة قدرة، ثم صار وعاء للعذرة، ثم صار جيفة إكرامها دفنها فإذا تأمّل ذلك العإقل علم قبح الكفر، وكفران نعم الرب سبحانه وتعالى، وقوله: في الجملة إشارة إلى أنّ ذلك هو الأء ل، ومقتضى الفطرة واظ

اختص بالبعض كالمؤمنين. قوله: (والأمر بالقبر) أي وضع الإنسان في قبره وفيه إشارة إلى ما حققه أهل اللغة من أنّ معنى أقبر الميت أمر غيره بأن يجعله في قبره وقبره بمعنى دفنه في قبره، وفي قوله: تكرمة الخ إشارة إلى وجه مشروعيته، ودفن غيره من الجوانات بعد الموت غير مثروع بلا خلاف كما هو مدلول النظم فهو مباح لا مكروه، ولم يتعرض له الفقهاء فليحرر. قوله: (وفي إذا شاء إشعار الخ) وجه الإشعار لا كلام فيه وتخصيص النشور به دون الإماتة والإقبار لأنّ وقتهما معين إجمالًا على ما هو المعهود في الأعمال الطبيعية، وقيل: إنا نجزم بان أحدا من أبناء الزمان لا يتجاوز مائة وخمسين سنة مثلا، وليس لأحد مثل هذا الجزم في النشور. قوله: (وع للإنسان عما هو عليه) من كفران النعم المتناهي وانكاره لخالقه لكفره، وقوله: لم يقض بعد إشارة إلى أنّ لما نافية جازمة وأنّ نفيها غير منقطع والابتداء والانتهاء من نفي الماضي وعموم الإنسان وما قيل من أن المراد لم يقض من أوّل زمان تكليفه إلى زمان إماتته ما أمره به تعسف لا وجه له، وحمل لما يقض على رفع الإيجاب الكلي المساوي للسلب الجزئي دون السلب الكلي لعدم صحته فتأمّل. قوله: (اتباع للنعم الذاتية) المراد بالذاتي ما يتعلق بذاته من الذات نفسها، ولوازمها والخارجي ما يقابله فسقط ما قبل التيسير للخروج والإماتة والإقبار ليس بذأتي، وقيل: هذا تعداد للنعم المتعلقة ببقائه بعد تفصيل النعم المتعلقة بحدوثه ولا يخفى ما فيه. قوله: (استئناف مبين الخ) كأنه لما أمر بالنظر إلى ما رزقه الله من أنواع المأكولات قيل كيف أحدث ذلك وأوجده بعد أن لم يكن، وقوله: على البدل منه لأن هذه الأشياء تشتمل على تكون الطعام وحدوثه، إذ المراد لينظر الإنسان إلى صبنا الماء من السماء وضقنا الأرض لإخراج النباتات المختلفة نها وايجاده أي الطعام فالعائد مقدر، وقيل: إنه بدل كل على الادّعاء وهو تكلف بعيد والقراءة بالفتح وصلا ووقفًا وفتح روش! في الوصل وكسر في الابتداء. قوله: (أي بالنبات) أي بسبب النبات فإنه يشق الأرض بخروجه منها وهذا هو المناسب لقوله: فانبتنا الخ قيل، ويحتمل أنّ المراد شقها بالعيون على أن المراد بصب الماء أمطار المطر وبهذا إجراء الأنهار ولا يخفى أن السياق يأباه مع تكلفه، وقوله: بالكراب بكسر الكاف مصدر كربت الأرض إذا قلبتها للحرث، وهو إمّا تمثيل أو المراد ما يشمل الحفر للغرس فلا يرد عليه أن الكراب لا يلائم ما بعده من التخيل والكروم والشجر كما قيل. قوله: (وأسند) أي إلله سبحانه وتعالى الشق إلى نفسه بقوله: شققنا مجازا من الإسناد إلى السبب على الوجه

الثاني دون الأوّل وقد تبع فيه الزمخشري، وقد ردّه في الانتصاف بأنه تعالى موجد الأشياء، وخالقها فالإسناد إليه حقيقة وأنما ذكره الزمخشري اعتزالًا فإن أفعال العباد مخلوقة لهم عنده فلا ينبغي للمصنف أن يتابعه فيه، ورده المدقق في الكشف بأنه لشى مبنيا على ما ذكر بل لأن الفعل إنما يسند حقيقة لمن قام به لا لمن أوجده بدليل قوله: ﴿يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [سورة الرعد، الآية: 2 ا] ولذا اشتق منه اسم الفاعل وهذا مما لا شبهة فيه فالاعتراض عليه ناشئ من قلة التدبر

323

وما قيل من أنّ الشق يكون بمعنى الإيجاد والأحداث، وبمعنى الهيئة الحاصلة به ولا مرية في أن محدث تلك الهيئة في الأرض هو الله تعالى دون العبد فلا مانع من قيام الشق به كالإحياء والإماتة، وجعل الإسناد له حقيقيًا، وأمّا القياس على الخوف والطمع فغير سديد لأنه من الكيفيات النفسانية التي يستحيل قيامها بذاته تعالى غير سديد لما عرفته من اتفاق المحققين على أن الأفعال إنما تسند في اللغة لمن قامت به لا لمن أوجدها، والإحداث المذكور قائم بالعبد وأثره بالأرض فكيف يسند إلى الله حقيقة، وما ذكره مناقشة في المثال وهو لا ينحصر فيه. قوله: (يعني الرطبة) هي بفتح فسكون القضب ما دام رطبا كما في الصحاح عن أبي عبيد، وفي المصباح الرطبة القضبة خاصة قبل أن تج! وجمعه رطاب وبعضهم يقوله: رطبة بزنة غرفة الخلي، وهو الغض من الكلا الذي ترعاه الحيوانات، وفي كتب الفقه في العشر استعمال الرطبة بمعنى البقول كالكراث ونحوه، قال شيخنا المقدسي: ولم أجده في اللغة، وقوله: تقضب أي تقطع وتجز وأصولها ثابتة في الأرض. قوله: (عظامًا) المراد بعظمها عظم أشجارها وكثرتها وأصل الغلب جمع أغلب وهو الغليظ الرقبة توصف به الرقبة نفسها وصاحبها فيقال عنق أغلب ورجل أغلب لكن الأوّل هو الأغلب، والظاهر أن الثاني مجاز من وصف الكل بصفة جزئه، وقوله: وكثرة أشجارها عطف على تكاثفها عطفًا تفسيريا والمراد أنه استعارة معنوية شبه تكاثف الأوراق وعروقها بغلظ الأوداج وانتفاخ الأعصاب مع اندماج بعضها في بعض بغلظ الرقبة فلا يردان الغلظ في الأشجار أقوى لأنّ الأمر بالعكس نظرا إلى الاندماج، وتقوي البعض بالبعض حتى صارت شيئًا واحدًا، كذا حققه في الكشف وهو الذي أراده المصنف بقوله: وصف به الخ وقوله: أو لأنها ذات أشجار غلاظ الخ فهو مجاز مرسل كالمرسن بمعنى الغليظ الشفة مطلقا وفيه تجوّز في الإسناد أيضا لأنّ الحدائق نفسها ليست غليظة بل الغليظ أشجارها، وقوله: مستعار أراد به الاستعارة اللغوية، وهو أعم من الاصطلاحية، وقيل: إن الاستعارة فيه مكنية. قوله: (ومرعى) بمعنى الرعي والمأكول لا اسم مكان كما توهم وإن كان مقصودا، وأب المشدد بمعنى قصد أو هيأ فسمى به المرعى، وقوله: تؤب للشتاء أي تدخر. تهيأ للتفكه بها فعطفه على

الفاكهة لأنه أريد بها الرطبة بقرينة المقابلة، وقوله: فإن الأنواع الخ يعني أنه تعليل للمجموع فإنّ بعضها للناس، وبعضها للبهائم فيوزع وينزل كل على مقتضاه والعلف بفتحتين قوت الحيوان. قوله: (وصفت بها مجارّا) هذا بناء على أن صخ بمعنى أصاخ أي استمع فجعلت مستمعة مجازًا في الطرف أو الإسناد وكلام المصنف رحمه الله تعالى محتمل لهما، وقال الراغب: الصخ شذة صوت ذي النطق فعلى هذا هي بمعنى الصائخة مجازًا أيضا وقيل الصاخة: التي تؤثر الصمم وهي مستمعة وهو من بديع الفصاحة كقوله:

أصم بك الناعي وإن كان اسمعا

وقوله:

أصمهم سيرهم أياهم فرقتهم فهل سمعتم بسيريورث ا!

فتدبره وجواب إذا محذوف يدل عليه ما بعده كيشتغل كل بنفسه ونحوه مما يناسب ما بعده، أو افترق الناس وقد مرّ في النازعات مثله فتذكره. قوله: (لاشتفاله بشأنه الخ) يعني الإقبال عليهم إما للنفع أو للانتفاع وكلاهما منتف لاشتغاله بنفسه عن نفع غير. وعلمه بعدم نفعه فلذا يفر فالمجموع علة واحدة لا كل منهما كما توهمه عبارة الزمخشري، وقوله: أو للحذر الخ هو غير مناسب لما بعده. قوله: (وتأخير الأحب الخ) فهو للترقي لا للتنزل، والظاهر أنه لم يقصد ذلك لأنّ فيما ذكره نظرا لا يخفى مع اختلاف الناس، والطباع فيه وذكر المرء تغليبا أو لأنه يعلم منه المرأة بطريق المقايسة، وقوله: من أبويه قيل: لأنه جعل الأب معطوفا على الأمّ ثم عطف المجموع على الأخ لعدم ظهور كون الأب أحب إليه من الأمّ وفيه نظر ظاهر أيضا، وكذا قوله: بل من صاحبته، وبنيه اعتبر العطف للمجموع ولا يخفى تكلفه. قوله: (لكل امرئ الخ) قيل إنه جواب إذا وتركت الفاء لتقدير. مضارعا أو ماضيًا بدون قد وهو تكلف، وقوله: وقرئ يعنيه أي بفتح الياء التحتية والعين المهملة، وقوله: من أسفار الصبح أي إشراقه، وقوله: مستبشرة أي مسرورة من بشر بمعنى سرّ وقوله: كدورة أي تغير في اللون، والغبار على الوجه الأسود أشنع، وقوله: الذين جمعوا الخ يعني أنه

324

لم يعطف لقصد اجتماع الوصفين في موصوف واحد ولجمع الصفتين القبيحتين أظهر على الوجوه ما ذكر وقوله من قرأ

الخ حديث موضوع. تمت السووة والحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى اكه وصحبه.

التكوير

سورة التكوير

ويقال ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ ولا خلاف في كونها مكية وإمّا آياتها فثمان أو تسع وعشرون على قول فيها.

بسم الله الرحمن الرحيم

قوله: (لفت من كورت العمامة الخ) يعني أنه مجاز عن رفعها أي إزالتها من مكانها، وقوله: لأنّ الثوب الخ بيان لعلاقة اللزوم فيه والمانع من حمله على الحقيقة كونها من الأجرام التي لا تلف كالثياب، وأمّا كونه كريا غير منبسط فأهل الشرع لا يثبتونه فلا وجه له كما أنه لا وجه لما قيل من أنه لا مانع من حمله على حقيقته. قوله: (أو لف ضوؤها) عطف على قوله: رفعت، وهذا إمّا على أنّ الشمس مجاز عن الضوء فإنه شائع في العرف أو هو بتقدير مضاف، ويجوز أن يجعل من التجوّز في الإسناد، وقوله: فذهب انبساطه فلف الضوء مجاز عن ذهابه كما مرّ إمّا للزومه له فإنّ الثوب إذا أريد رفعه لف أو على الاستعارة التبعية بتشبيهه بالجواهر والأمور النفيسة التي إذا رفعت لفت في ثوب فلا وجه لادعاء تعذر الاستعارة هنا كما في الكشف وقد جوز فيها أن تكون مكنية أيضا، ولم يذكر المصمنف رحمه الله تعالى ما في الكشاف على هذا من جعل لف ضوئها عباوة عن إزالتها لأنها ما دامت باقية فضياؤها منبسط لأنّ مآله لغيره من الوجوه فيكون قليل المفاد لا لأنّ الله قادر على أن يطمس نورها مع بقائها كما قيل فإن مراده اللزوم العادي لا العقلي حتى يرد عليه بما لا ينكره عاقل. قوله: (أو ألقيت عن فلكها) عطف على لفت، وهو على هذا استعارة أو مجاز مرسل أو مكنى كما مر، ومعنى كون المطعون مجتمعًا ضم يديه ورجليه كما يشاهد فيمن ضرب بشدة أو طعن وقوله، والتركيب أي هذه الحروف والمادّة في جميع معانيها لا تخرج عن هذين المعنيين، وقوله: وارتفاع الشمس الخ هذا ليس بواجب بالاتفاق، ووجه الأولوية ما ذكر، وقيل: الأولى كونه مبتدا لأنّ التقدير على خلاف الأصل. قوله: (انقضت) بالقاف بمعنى سقطت ونزلت ومنه انكدار الصقر إذا نزل بسرعة على ما يأخذ. كما ذب الشعر المذكور، وهو من الكدر ضدّ الصفاء

والكدرة في اللون، والكدورة في الماء والعيش كما قاله الراغب: وما ذكره من أرجوزة للعجاج مدح بها عمر بن معمر التميمي، ومنها:

إذا الكرام ابتدروا الباع بدر تقضي البازي إذا البازي كسر

داني جناحيه من الطود فمر أبصرخربان فضاء فانكدر

يصفه بالكرم وانه لحرصه على السبق للمكارم يسرع إليها إسراع بازر أي صيدا فانقض

عليه وابتدروا بمعنى بادروا، والباع الذراع وقد رمد اليدين وهو مجاز هنا عن الإحسان كما يسمى يدًا، وهو منصوب بنزع الخافض وكسر بمعنى ضم جناحيه للنزول، والطود الجبل وخربان بكسر الخاء المعجمة وسكون الراء المهملة والباء الموحدة جمع خرب بفتحتين، وهو ذكر الحبارى وهي طائر معروف وفي الشعر هنا مبالغة بديعة ليس هذا محلها، والنجوم لا تشمل الشمس حتى يكون تعميمًا بعد تخصيص كما قيل. قوله: (أو أظلمت من كدرت الماء الخ) يعني أنه استعارة فشبه ذهاب ضوئها بتكدير الماء المذهب لصفائه ورونق منظره، وقوله: عن وجه الأرض متعلق بسيرت لأنه بمعنى أزيلت على الاستعارة أو المجاز المرسل أيضا وقوله: أو في الجو وهو ما بين الأرض والسماء فتسييرها رفعها أو نسفها كقوله: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ [سورة النمل، الآية: 88] . قوله: (النوق الخ (أي قرب وضمع حملها وقوله: جمع عشراء كنفساء يجمع على نفاس ولا نظير لهما، وقوله: تركت مهملة أي لا راعي لها ولا طالب لها وهو إمّا بعد البعث، أو قبيل قيام الساعة حيث لا يلتفت أحد إلى ما كان عنده وخص العشار لأنها أنفس أموالهم، وقوله: أو السحائب فهو استعارة

325

بتشبيه السحابة المتوقع مطرها بالناقة العشراء القريب وضع حملها وهي استعارة لطيفة مع المناسبة التامّة بينه وبين ما قبله فإن السحب تنعقد على رؤوس الجبال، وترى عندها ولا ينافيه كونه مناسبًا لما بعده على الأوّل فإنه معنى حقيقي مرجح بنفسه وتعطيلها على هذا مجاز أيضًا بمعنى عدم ارتقاب مطرها لأنهم في شغل عنه. قوله: (وقرئ بالتخفيف الم يذكر كونه مجهولًا أو معلوما وظاهره إنه مجهول كالقراءة المشهورة، وكذا هو مصرح به عن بعضهم إلا أن المعرب نقل عن الرازي في اللوامح إنه غلط، وأنما هو عطلت بفتحتين بمعنى تعطلت لأنّ تشديده للتعدية يقال: عطلت الشيء وأعطلته فعطل، وهذه القراءة مروية عن ابن كثير ولم يذكرها في النشر فكأنها لم تصح عنده، ثم إنه أجيب عما ذكر بأنه إذا صحت الرواية بالأول فيحتمل أنه ورد متعديا على أنّ فعلت بمعنى أفعلت أو هو على الحذف والإيصال كما قيل فليحرّر. قوله: (جمعت) فالحشر بمعناه اللغوي، وهو جمعها وليس هذا الجمع للحشر كما

قيل لأنه يكون مع ما بعده مكررا بل هو قبيل النفخة الأولى حين تخرج نار تفر الناس والأنعام منها حتى تجتمع. قوله: (أو بعثت للقصاص الأنه صح في الحديث أنّ الوحوس والطيور وسائر الحيوان تبعث، ويقتص لبعضها من بعض ولها من غيرها ثم تعود ترابا كما ذكره المصنف رحمه الله تعالى، وقيل: يبقى منها ما يسرّ به الناس كالطيور المؤنسة المألوفة. قوله: (أو أميتت (هذا بناء على القول بأنها لا تحشر فإنها تفنى وهذا كناية عن العدل التامّ وأجحفت بتقديم الجيم على الحاء يعنى استأصلتهم، وأهلكتهم لا بمعنى أفقرتهم كما ترهم وتشديد حشرت للتكثير، وقوله: أحميت أي غاضت مياهها وظهرت النار في مكانها، ولذا ورد أنّ البحر غطاء جهنم، وقوله: بتفجير الخ أي تتصل وتصير بحرا واحدا، وقوله: من سجر التنور هو على الوجهين ولبعض المتأخرين هنا كلام رأينا تركه أهتم من تسويد وجه الصحف به. قوله: (قرنت بالآبدان الخ) على أن التزوي! بصعنى جعل الشيء زوجا أي مقارنا والنفوس على الأوّل بمعنى الأرواح وعلى ما بعده بمعنى الذوات، وقوله: ونفوس الكافرين الخ هذا في جهنم، وقوله: أو كل عطف على المستتر في قرنت للفصل، وقوله: بشكلها هو في الموقف فالأنبياء مع الأنبياء والأولياء مع الأولياء وهكذا. قوله: (لئد البنات) كتعد أي تقتلها بالدفن، وقوله: أو لحوق العار بالحاء المهملة والقاف مصدر لحق وما في بعض النسخ من ضبطه بلام جارة للخوف ضد إلا من تحريف لاحتياجه لتكلف بتقدير ما لا قرينة عليه، ولحوق العار بوطء الرجال لهن وهو من جهل الجاهلية والوأد القتل، وقيل: إنه مقلوب من آده بمعنى أثقله لأنها تثقل بالتراب، وهو قول لبعض أهل اللغة كما في درر المرتضى فلا وجه للاعتراض عليه بأنه ادعاء للقلب من غير داع له. قوله: (تبكيتًا لوائدها) التبكيت التوبيخ وأنما أوّله لأنه لا ذنب لها حتى تسأل عنه فكان الظاهر سؤال قاتلها لا لأنها صغيرة فإنها تحشر عاقلة وادّعا أنّ الأصل سئل عنها تكفف، والتبكيت قرره الطيبي بأن المجني عليه إذا سئل بمحضر الجاني ونسبت له

الجناية دون الجاتي بعث ذلك الجاني على التفكر في حاله وحال المجني عليه فيرى براء ساحته، وانه هو المستحق للعقاب والعذاب وهذا استدراج على طريق التعريض، وهو أبلغ ص التصريح والمراد بالاستدراح سلوك طريق توصل إلى المطلوب بسؤال غير المذنب ونسبة الذنب له حتى يبين من صدر عنه ذلك كما سئل عيسى دون الكفرة، وهو فن من البديع بديع. قوله (وقرئ سألت أي خاصمت) وسألت من الله أو من القاتل لها، وقوله: على الأخبار عنها على القراءتين فإنه لو لم يخبر عنها لقيل على القراءة الأولى قتلت بكسر التاء وعلى الثانية قتلت بضمها، وفي الكشاف نقلا عن ابن عباس أنّ هذه الآية دليل على أنّ أطفال المشركين لا يعذبون، وعلى أن التعذيب لا يستحق إلا بالذنب وإذا بكت الله الكافر ببراءة الموؤودة م! الذنب فما أقبح به وهو اك ي لا يظلم مثقال ذرة أن يكرّ عليها بعد هذا التبكيت ليفعل بها ما ينسى عنده فعل المبكت من العذاب الشديد السرمد انتهى، قيل: وهو استدلال بدلالة النص كدلالة منع التأفيف على منع الشتم، ونحوه وليس مبنيا على التحسين والتقبيح كما توهم وأجيب بمنع الدلالة لأنه لا يقابل حال الخالق بحال المخلوق، ولا يستقبح منه ما يستقبح منهم كما أنّ الذمي المخلد في النار يستحق قاتله الذم والعقاب، وفي الكشف بعد تسليم قاعد

326

التحسين والتقبيح فإشارة الآية إلى أن باعثهم على القتل لم يكن الذنب لا إلى أنّ الذنب أعنى ما تستحق به الموؤودة التعذيب معدوم من كل وجه، وفيه أنها غير مكلفة فكيف يكتب عليها الذنب انتهى، وفيه خلل من وجوه إمّا كونه مبنيًا على التحسين والتقبيح فمما لا شبهة فيه وكيف ينكره ودلالة النص متفزعة على ذلك وجوابه مصرّح بذلك والمنع مبني عليه كما صرّح به في الكشف وأيضا فإن ما أورده على صاحب الكشف غير وأرد لأنه مصرج بأن المراد ما يستحق به العذاب، ولو بغير طريق التكليف، وهو إلزام لهم على مذهبهم والصحيح في الجواب عنه ما قيل إنّ تعذيب بني آدم أخذا من حقه في الدنيا، إنما يستحق بذنبه على الوجه الذي شرع فحين لم يكن للموؤودة ذنب يجوز أن يخاصم قاتلها فإمّا تعذيب الله فليس كذلد فيجوز أن يعذبهم تبعًا انتهى. قوله: (فرقت بين أصحابها) والمفرق صحف الأعمال، أصحف أخرى فيها شقيّ أو سعيد ونحوه كما روي في بعض الآثار إذا كان يوم القيامة تطاير! صحف من تحت العرش فيقع في يد المؤمن صحيفة فيها جنة عالية، وفي يد الكافر صحيفه فيها سموم وحميم، وقوله: للمبالغة في النشر بمعنييه، وهو ما يقابل الطيّ أو الجمع والتطا-

التفرق، وهذا مخصوص بالمعنى الثاني وقوله: كما يكشط الخ إشارة إلى أنه استعارة لمعنى أزيلت وقوله: اعتقاب أي إبدال كل من الأخرى، وقوله: إيقادا شديدا هو معنى التسعر وضعا، وقوله: وقرأ الخ هي رواية عن هؤلاء وروي عنهم التخفيف أيضا. قوله تعالى: (﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ﴾ الخ) معنى علمها إنها تشاهدها على ما هي عليه في الحقيقة فإن كانت صالحة ترى في أحسن صورة وإلا ترى في أشنع هيثة كما قرّره بعض المفسرين. قوله: (ست منها في مبادي قيام الساعة الخ) قيل هو على التفسير الأول لحشرت، وعلى الثالث إذا أريد الإماتة في الدنيا عند النفخة الأولى، وقيل الظاهر أنّ المراد به ما بين النفختين لظهور أنّ الست الأولى ليست قبل النفخة الأولى وإلا لعدّت من الأشراط، فإن قلت قد ثبت أنّ موت الناس والخلائق إلا بعض الملائكة بعد النفخة الأولى فكيف يتصوّر تعطيل العشار وحشر الوحوس بزوال وحشتها من الدهشة قلت قد قيل: إنه لم يثبت وقوع الموت في ابتداء تلك النفخة، فيحتمل أن يحصل في ابتدائها دهشة تؤدي لتعطيل النوق وحشر الوحوس، ثم تؤدي تلك الدهشة لهلاك الكل وقال بعض فضلاء العصر يكفي في صحة الكلام جريانه على أحد الوجوه في تينك الخصلتين، وهو أن يكون تعطيل العشار بمعنى تعطيل السحاب وأن يكون حشر الوحوس بمعنى إماتتها ولا يلزم إجراء الكلام على جميع الوجو.، ثم قال: إنّ الأظهر أن المراد بما قبل فناء الدنيا مجموع ما قبل النفخة الأولى وما بعدها إلى النفخة الثانية فإنّ جميعه من مبادي الساعة ويكون بعض الست قبل الأولى، وهو تعطيل العشار وحشر الوحوس على وجهين والبعض الآخر فيما بعدها ولا يلزم عدّها في الأشراط مستقلة لأنها من آثاو بعضها، وقد قيل عليه أيضًا إنّ كونه بين النفختين مخالف لما قاله في سورة النبأ من أنّ الدنيا تنتهي عند النفخة الأولى فتدبر، وقوله: لأنّ المراد الخ أي هو زمان ممتد وقعت فيه تلك الأمور وعلمه النفوس إذا أحضرت. قوله: (ونفس في معنى العموم) لأنّ النكرة قد تعم في الإثبات وذكر العلامة له نكتة وأنه من استعمال ما يدل على القلة والخصوص في الكثرة والعموم كما ترد قد ورب للتكثير، وهو من العكس في كلامهم كأنه تهويل لذلك اليوم واظهار لكبرياء الله وعظمته حتى كان جميع النفوس البشرية في جنب ما خلقه من الأجرام العظام أمور قليلة، ونفوس حقيرة وقيل: إنه إذا علمت نفس من النفوس ما أحضرت من خير أو شر لزم كل نفس ذات بصيرة رجاء، أو خوف أن تكون هي تلك النفس ففي النكرة تقليل ادعائي حينئذ. قوله: (تمرة خير من جرادة) قاله ابن عمر رضي الله عنهما لبعض أهل الثأم، وقد سأله عن المحرم إذا قتل جرادة أيتصدق بتمرة فدية لها فقال: ذلك يعني لا يلزمه شيء، ولذا قال: واعجبا لأهل الشام لا يبالون بدم الحسين ويستفتون في

قتل الجرادة، وهي هنا عامّة في الإثبات، ولذا ساغ الابتداء بها ولا حاجة لتأويله بالنفي أي لم تجهل، لا تساوي تمرة جرادة حتى تعم وشموغ الابتداء بها فإنه تكلف وفي شرح المفتاح إن تمرة لا عموم فيها والعموم، إنما جاء من تساوي نسبة الجزء إلى أفراد الجنس وكأنه نظر إلى منافاة العموم للوحدة والإفراد وهي إنما تنافي العموم الشمولي فتدبر. قوله:

327

(بالكواكب الرواجع الخ) النيران الشمس والقمر خصا بذلك لزيادة نورهما على نور غيرهما من الكواكب وما عداهما من السيارة هي الخمسة المسماة بالمتحيرة لأنها رجعت إلى الجهة التي تتحرك نحوها، وذلك بسبب التداوير التي تلك الكواكب مركوزة فيها لأنها غير محيطة بالأرض فحركة نصفها العالي مخالفة لحركة نصفها السافل فإذا تحرّك العالي للمشرق تحرّك السافل للمغرب، وبالعكس، وحركات الأفلاك التي فيها التداوير إذا وافقت حركة النصف الذي فيه الكواكب كان الكوكب مستقيمًا سريع السير بمجموع الحركتين، اواذا خالفتها زادت حركة النصف على حركة الفلك فيكون راجعًا عن صوب حركته والشمس ليس لها تدوير على الأصح فلا رجعة لها، والقمر لسرعة حركة فلكه الحامل لتدويره لم تزد حركة تدويره عليه، ولذا سميت هذه متحيرة لأنّ لها رجعة واقامة واستقامة كما تقرّر في الهيئة، وقوله: ولذلك أي لكون المراد السيارة خاصة دون الثوابت. قوله: (السيارات التي تختفي تحت ضوء الشمس (لصغر حجمها بالنسبة إليها وسميت سيارة لأنّ سيرها محسوس بخلاف الثوابت، وقوله: من كنس الوحش الخ فهو في الأصل مجاز بطريق التشبيه، ثم صار بالغلبة في الاستعمال حقيقة ومعنى الكناس ما ذكره المصنف رحمه الله. ءقوله: (أقبل ظلامه أو أدبر) - فهو من الأضداد عند المصنف رحمه الله وقال الراغب: في مفرداته العسعسة والعساس رقة الظلام وذلك في طرفي الليل، ل! فهو من المشترك المعنوي عنده وليس من الأضداد، وقوله: وسعسع- قال صاحب القاموس في كتابه تحبير الموشين فيما يقال: بالسين والشين تشعشع الشهروتسعسع إذا ذهب أكثره، وكذا في القاموس ولم يذكره في الليل كغيره لكن صاحب الكشاف وكفى به ذكره في صفة الليل، ولم يجعله بمعنى أقبل ولا مقلوبًا من الأوّل فالظاهر اختصاصه بمعنى الأدبار فقول المصنف رحمه الله إذا أدبر تفسير لسعسع وحده وليس من الأضداد كالأوّل، وأنما أعاد عسعس معه لبيان أنهما بمعنى واحد كما يشهد له كلام أهل اللغة ومن لم يقف على مراده قال: على هذا إنه لا يناسب ذكره في سياق كونه من الأضداد والأظهر تقديمه فتنبه. قوله تعالى: (﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾) مناسبته لقرينه ظاهرة على التفسيرين لأنّ ما قبله إن كان للإقبالط فهو أوّل الليل، وهذا أوّل النهار وإن كان للأدبار فهذا ملاصق له فبينهما مناسبة الجوار فلا وجه لما قيل من أنه على الأوّل

أنسب. قوله: (أي أضاء) بيان لحاصل المعنى المراد منه في كلامهم قال العجاج:

حتى إذا الصبح لهاتنفسا وانجاب عنهاليلهاوعسعسا

لكنه وقع في النسخ هنا اختلاف ففي بعضها غرّته أي أوّله على الاستعارة من غرّة الفرس

وفي بعضها غبرته بالمعجمة والباء الموحدة، ثم راء مهملة وتاء تأنيث ويصح أن يقرأ مرفوعًا ومنصوبا حينئذ، وهو أيضا استعارة بتشبيه أجزاء الظلام مع الفجر لاختلاطه بالنور بغبار مرتفع في الجوّ على هاتين النسختين، ووقع بعدهما عند إقبال روح ونسيم بعند الظرفية وفي نسخة عبر من العبارة بالعين المهملة بعدها باء موحدة، ثم راء مهملة ويعقبها عن الجارة الحرفية وهذا كله مصرّج به في الحواشي لكن الأخير مسلك من يعتمد عليه من المحشين، والمعنى عليها مختلف من وجه وتفصيله ما ذكره الإمام من أنه إشارة لتكامل الصبح ولا تكرار فيه وفي كيفية التجوّز قولان أحدهما أنه إذا أقبل الصبح أقبل بإقباله روح ونسيم فجعل ذلك نفسا له على المجاز، وقيل: تنفس الصبح والثاني إنه شبه الليل المظلم بالمكروب المحزون الذي جلس بحيث لا يتحرّك، واجتمع الحزن في قلبه فإذا تنفس وجد راحة فهاهنا لما طلع الصبح كأنه تخلص من ذلك الحزن فعبر عنه بالتنفس اهـ فعلى الأوّل فيه استعارة مصرحة بجعل ما يهب معه من النسيم نفسًا للطفه وللاستراحة به وأسند إلى الصبح مجازًا لمقارنته له ففيه استعارة مصرحة، وتجوّز في الإسناد ولو جعل مكنية وتخييلية حسن بأن يشبه الصبح بماس وآت من مسافة بعيدة، ويثبت له التنفس المراد به هبوب نسيمه مجازًا على طريق التخييل في قوله: ﴿يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ﴾ [سورة البقرة، الآية: 27] وعلى هذا ينزل كلام المصنف رحمه الله على النسخة الأولى والثالثة، وأما الوجه الثاني الذي اختاره واستحسنه فلا يخفى ما فيه من التعسف، بل لا يصح ما لم يقدر فيه مضاف أي تنفس ليله أو يشبه

328

طلوع الصبح في نفسه بالتنفس، ولا يخفى حاله والنسخة الثانية فيها ميل له فتأمّل. قوله: (فإنه قاله عن الله) أي نقله لأنّ قول الرسول قول مرسله وأنما ينسب إليه لأنه واسطة فيه، وتفسيره بالقرآن هو الظاهر وجعله للأخبار عن الحشر تعسف، ومعنى كريم عزيز عند الله أو متعطف كما مرّ في السورة السابقة، ولذا لم يتعرّض له المصنف رحمه الله هنا، وقوله: كقوله شديد القوى وقد مرّ تفسيره، وبيان قوته على تحمل أعباء الرسالة وعلى كل ما يؤمر به على ما مرّ من قصة المؤتفكة. قوله: (عند الله ذي مكانة) أي مرتبة وشرف قرب لأنّ المكان والمنزل تزاد فيه الهاء إذا نقل للمرتبة المعنوية غير المحسوسة، ولما كان علو المكانة بعلو الممكن قال عند ذي العرش ليدل على عظم منزلته عند الله، وأنه مطاع أمره في الملأ الأعلى على ما حققه الزمخشريّ واليه أشار المصنف رحمه الله بقوله: مطاع في ملائكته فلم يهمله كما توهم. قوله:

(وثم الخ) هي إشارة إلى المكان وإذا اتصل بما قبله فهو بيان لا طاعة الملائكة له، وإذا اتصل بما بعده فهو لأمانته عندهم، وقوله: قرى ثم بضم الثاء وهي عاطفة، وقوله: تفضيلًا لها لدلالتها على التراخي الرتبي، وقوله: سائر الصفات تعريفه للعهد والمراد الصفات المذكورة هنا، وقوله: كما تبهته الكفرة من البهتان أي كما تقول الكفرة في حقه ذلك بطريق الكذب، والبهتان وفي قوله: صاحبكم تكذيب لهم بالطف وجه إذ هو إيماء إلى أنه نشأ بين أظهركم من ابتداء أمره إلى الآن فأنتم أعرف به، وبانه أتم الخلق عقلاَ وأرجحهم نبلًا وأكملهم، وأصفاهم ذهنا فلا يسند له الجنون إلا من هو مركب من الحمق والجنون ولله در البحتري في قوله:

إذا محاسني اللاقي أذل بها كانت ذنوبي فقل لي كيف أعتذر

قوله: (واستدل الخ (المستدل هو الزمخشري وزبدته ما قرّره المصنف رحمه الله فلا وجه للنزاع فيه والقول بأنه لم يقصد الموازنة، وقوله: إذ المقصود الخ بيان وتعليل لضعفه ونفي قوله: إنما يعلمه بثر مأخوذ من كونه قول: رسول كريم عند ذي العرش فإنه دال على أنّ المتلقي منه ملك لا بشر، وقوله: افترى على الله كذبا مأخوذ من أنه أوصله إليه ملك مؤتمن عند الملائكة فكيف يكون ما بلغه كذبًا على الله، وقولهم أم به جنة نفيه معلوم من قوله: وما صاحبكم بمجنون فوصفه بما ذكر للدلالة على نفي ما أسندوه له لا للإطراء في وصف جبريل دون النبيّ ﷺ مع أنه لو سلم ذلك كان مدحا بليغا في حقه لأنّ الملك إذا أرسل لأحد من هو معزز معظم مقرّب لدبه دل على أنّ المرسل إليه بمكانة عنده، ليس فوقها مكانة كما لا يخفى وما قيل من أنه يكفي لأداء هذا المقصود لقول رسول كريم أو ملك كريم، فالزيادة فضول تعد لكنة عند البلغاء إلا أنه كلام على السند الأخص والأسلم أن يقال في الجواب إنّ الكلام مسوق لحقية المنزل، وصدق ما فيه من أحوال القيامة وأهوالها كما تدل عليه الفاء الشبية في قوله: فلا أقسم، وهو يقتضي وصف الآني به دون المنزل عليه فلذا اقتصر على نفي ما بهت به، وأنّ الأظهر أن يتلو يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون أن حقيق بأن يقال له:

سارت مشرقة وسرت مغربا شتان بين مشرق ومغرب

والحرّ تكفيه الإشارة والمسألة معروفة في الأصول. قوله: (بمطلع الشمس الأعلى) أراد

به وسط السماء فإنه أعلى مكان تطلع منه في كل يوم، وقيل هو رأس السرطان والأعلى صفة مطلع. قوله: (من الظنة وهي التهمة) بضم التاء وفتح الهاء ما يتوهم به وعليه وتسكين الهاء لا يجوز إلا في ضرورة شعرية، وقول الفاضل ابن كمال في شرحه لمفتاحه أنه بسكون الهاء لا بفتحها غلط مته، وتقديم قراءة الظاء المشالة لا يسئل عنه لأنه سؤال دوري فإن سلم ذلك فوجهه أنه أنسب بالمقام لاتهام الكفرة له بما مرّ ونفي التهمة أولى من نفي البخل وأيضا التهمة تتعدى بعلى دون البخل فيما قيل، لا لأنّ نفي المحقق أولى من نفي المقدر كما قيل إذ لا وجه لتفضيل بعض القراآت المتواترة على بعض، ولا طائل في البحث عنه أيضا. قوله: (بالضاد من الضن) بالكسر والفتح قال في النثر، وهو كذلك في جميع المصاحف ولا ينافي هذا قول أبي عبيدة إنّ الضاد والظاء في الخط القديم لا يختلفان إلا بزيادة رأس إحداهما على الأخرى زيادة يسيرة قد تثتبه وهو كما قال: ويعرفه

329