حاشية الشهاب على تفسير البيضاويالجزء 1 · ص 15 - 34

فاتحة الكتاب (1 من 7)

أكذب النفس إذا حدثتها ... إنّ صدق النفس يزري بالأمل

قوله: (وينطوي على نكث الخ) انطوى مطاوع طواه ضد نشره وضمن معنى الاشتمال

فعدّاه بعلى أي ينطوي مشتملًا على النكت وهو جمع نكتة بضم النون، وهي اللطيفة المستخرجة بقوّة الفكر من نكت في الأرض إذا نبشها بإصبع، أو قضيب ونحوه سميت بها

لمقارنتها لذلك غالبًا، أو لأنّ تأثير الفكر كالنكت في القلب، ويصح أن ينقل من نكتة الأديم والثوب، وهي ما تخالف لونه لكونها تخالف غيرها بلطافتها، وبارعة بمعنى فائقة، ورائعة من الروع بفتح الراء، وهو الإعجاب يقال راعني الشيء إذا أعجبني ورافني أو من راعه إذا أفزعه كان الرائع الجميل يفرط حتى يروع من يراه قاله السهيلي في) الروض الأنف): وقيل إنه من الريع بمعنى الزيادة والنماء، والاستنباط أصل معناه إستخرج ماء البئر ونحوه، فاستعير لاستخراج المعاتي بجدّ واجتهاد وفيه تشبيه المعاني بالماء للطفه، وصفائه، أو لأنه سبب الحياة، ومراده رحمه الله بالأفاضل الزمخشريّ والراغب والرازي، فإنّ معوّل المصنف رحمه الله على هؤلاء في الأثر حتى قيل: إنّ كل ما فيه من العربية وما فيه من اللغة من الراغب، وما فيه من الكلام من التفسير الكبير. قوله: (ويعرب عن وجوه القراآث الخ) المعزية ويقال: معزوّة بمعنى منسوبة، وفعله عزيتة وعزوته، والثاني كثر والثمانية هم القرّاء السبعة المشهورون، والثامن يعقوب بن إسحاق الحضرمي البصري وراوياه روح بفتح الراء وروشى بالتصغير، والشاذ ما وراء السبعة والأصح أنه ما فوق العشرة، وأحكامه مبسوطة في محلها قوله: (الثمانية الخ) إشارة إلى وجه اختياره الثامنة دون باقيها لأنها اشتهرت حتى قيل إنها الشائعة في الصدر الأوّل إلى رأس الثلثمائة، ثم أسقطها منها ابن مجاهد وأثبت بدلها قراءة الكسائي، وقد قالوا: إنّ يعقوب كان أعلم أهل عصره بالعربية، ووجوه القراآت كما في الإتقان وغيره. قوله: " لا أن قصور بضاعتي الخ) في الأساص قصر عنه قصورا عجز عنه، ولم ينله والبضاعة المتاع المجلوب،. فنسبة القصور إليه مجازية، والأصل قصوري عن تكثير بضاعتي، أو ترويجها وهو استعارة شبه العلم والاشتغال به بالمال الذي يتجر فيه أهله، وقلة معلوماته بقلة رأس مال التجارة، وثبطه عن الأمر عوقه عنه، وأبطأه عتة، قوله: (ويمنعني عن الانتصاب في هذا المقام) ويعني به مقام تأليف ما ذكره. وقوله: (أن أوسمه) أي أجعل سمة وعلامة والمعروف فيه وسمه يسمه كوعده يعده، وأمّا وسم المشدّد، فإنه بمعنى حضر الوسم، فإن صح روايته هنا، فهو لأجل الازدواج مع قوله أتممه، وصمم على صيغة المبني للفاعل أي خلص عن التردّد، وموجب التوقف وصار ماضيًا لا فتور فيه. يقال صمم في السفر ونحوه أي مضى، وصمم السيف نفذ للعظم وقطعه، وصمم أي عض ونشب فلم يرسل ما عضه ويجوز كون صمم مبنيًا للمفعول من هذه اللغة أي أخذ عزمي ولم يرسله قوله: (بأنوار التنزيل الخ) النور هو الظاهر بنفسه المظهر لغيره فإن فهمت، فهو نور والسر ما يلزم كتمانه ولب الشيء ولا يخفى مناسبته

للتأويل، والسول السؤل أبدلت همزته واوا على القياس، وفي بعض النسخ مسؤل بدله، وأقول هنا نزل منزل اللازم فلا سول له، أو سوله ومقوله ما بعده على الحكاية.

فاتحة الكتاب

سورة فاتحة الكتاب

السورة مهموزة وغير مهموزة بإبدال إن كانت من السؤر وهو البقية، لأن بقية كل شيء بعضه، وبدونه إن كانت من سور البناء، وهي المنزلة منه أو من سور المدينة لإحاطتها بآياتها، ومته السوار المحيط أو من التسوّر، وهو العلوّ والارتفاع نقلت إلى مقدار من القرآن يشتمل على آيات ذي فاتحة، وخاتمة أقلها ثلاث آيات، وقيل: السورة الطائفة المترجمة، والترجمة في الأصل تفسير لغة بأخرى وتطلق على التبليغ مطلقا كما في قوله:

إنّ الثمانين وبلغتها قد أحوجت سمعي إلى ترجمان

وتطلق على التسمية كثيرًا في كلام المصنفين وهو المراد هنا وأسماء السور كلها توقيفية

ثابتة بالأحاديث

15

والآثار، والمراد بالطائفة قطعة مستقلة أو آيات مخصوصة منه فلا يراد آية الكرسي لأنها غير مستقلة إذ هي بعض من سورة البقرة وآية واحدة أيضا، ودفعه بأنّ المراد بالترجمة أنها مسماة بالسورة ضعفه غنيّ عن البيان، وإنما جعل القرآن سورا لأنه أسهلى للحفظ وأ نشط.

وقال الشريف قدس سره: الفاتحة مصدر كالكاذبة بمعنى الكذب، ثم أطلق على أوّل الشيء تسمية للمفعول بالمصدر لأنّ الفتح يتعلق به أوّلًا، ثم بواسطته يتعلق بالمجموع، فهو المفتوح الأوّل، وهذا بالنسبة للمقروء، والمكتوب مطلقًا، فقول بعض المتصلفين من أهل العصر أنه إنما يتحقق في المكتوب إذا كان كالطومار من خمود الفكر وجموده، وقيل: الفاتحة صفة جعلت اسمًا لأوّل الشيء إذ به يتعلق الفتح مجموعه، كالباعث على الفتح فالتاء علامة للنقل من الوصفية إلى الإسمية، وقيل: للمبالغة ولا اختصاص لها بزنة علامة كما توهم، وهذا أقرب لقلة فاعلة في المصادر قيل، ولم يجعل آلة، وأن أطلق عليها فاعل كالقاطع والقاتل لأنّ الآلة لا تتصف بالفعل، وهذه متلبسة بالفتح، ولا باعثًا لأنه لا يقارن الفعل، وهذه قارنت الفتح، وفيه أنه إن ادّعى كلية ما ذكر، فليس كذلك فإنّ الصبغ آلة للصباغ يصبغ أيضًا، وفي نحو قعدت عن الحرب جبنًا الجبن باعث على القعود،، وهو مقارن وإن ادّعى الأغلبية لم يفد لأنه يقال له هذا من غير الغالب، اللهمّ إلا أن يقال كفى بالندرة باعثًا على الترك أو المراد أنه لا يقصد اتصافها به، وما ذكر لا يعد باعثا مع أنّ جعل بعض القرآن آلة غير مناسب لإيهام أنه غير مقصود منه وحيسئذ يتمّ هذا وجهًا، والحاصل أنه مفتوح من جهة، وفاتح من أخرى، فنظر كل فريق إلى جانب، وجوّز أن يكون للنسبة أي ذات فتح مع وجوه أخرى مرجوحة لم نكثر بها السواد، ثم قال: الكتاب بمعنى المكتوب والمصحف يطلق على المجموع وعلى جزئه وعلى المشترك بينه وبين أجزائه، وفاتحة الكتاب صارت علما بالغلبة لهذه السورة، فالفاتحة علم آخر، والألف واللام عوض عن الإضافة وفيه نظر، وذكر بعضهم أنّ هذه الإضافة بمعنى

من لأنّ أوّل الشيء بعضه، ورد بأن البعض يراد به الجزئي كزيد للإنسان، والجزء كاليد لزيد

واضافة الأوّل بيانية بمعنى من، وإضافة الثاني على معنى اللام وليس الكتاب جنسا شاملًا هنا

لأنّ فتح الفاتحة بالقياس إلى المجموع لا إلى الكل الذي هو القدر المشترك، فإن قيل في

الكشاف أن معنى إضافة اللهو إلى الحديث التبيين، وهي الإضافة بمعنى من أي من يشتري

اللهو من الحديث، فبين اللهو بالحديث لأنه قد يكون من الحديث، وقد يكون من غيره

والمراد بالحديث المنكر كما ورد) الحديث في المسجد يأكل الحسنات ") 1 (ويجوز أن تكون

الإضافة بمعنى من التبعيضية، كأنه قيل: ومن الناس من يشتري بعض الحديث الذي اللهو منه،

فعلى التقدير الثاني إن أريد بالحديث مطلقه كان جنسا للهو صادقا عليه، كما يطلق عليه

الحديث المنكر، فتكون الإضافة بيانية لا مقابلة لها وإت أريد العموم والاستغراق، كان لهو

الحديث جزأ منه، فقد ثبت أنّ إضافة الجزء إلى كله بمعنى من التبعيضية وإن لم تكن مشهورة

قيل الظاهر أنّ المراد مطلق الحديث، لكن العلامة دقق النظر في إضافة الشيء إلى ما هو

صادق عليه، فإن حسن فيه جعل المضاف إليه بيانًا وتمييزًا للمضاف كالساج للباب، والحديث

المنكر للهو جعلها بيانية، وان لم يحسن ذلك فيه كالحديث المطلق للهو جعلها تبعيضية ميلًا

إلى جانب المعنى. أقول هذا ردّ لما في الكشاف تبع فيه الشارح المحقق، وليس بوارد عليه

وما ذكره المدقق مخالف لكلام قدماء النحاة كشرّاح الكتاب، ومن حذا حذوهم، فإن إضافة

نحو يذ زيد على معنى اللام، وقال قوم منهم كابن كيسان والسيرافي: إن إضافة ما هو جزء من

المضاف إليه بمعنى من التبعيضية، واستدلوا عليه بفصله عن الإضافة بمن كقوله:

كأنّ على الكتفين منه إذا انتحى ~ مداك عروس أو صلاية حنظل

وهو شائع كما فصله أبو حيان في شرح التسهيل، ومنهم من ذهب إلى أنّ من المقذرة

في الإضافة مطلقا تبعيضية من غير فرق بين الجزء والجزئي، كما في لمع ابن جني وشرحه

للثمانين، وعبارته: إن كان الأوّل جزأ من الثاني كانت الإضافة بمعنى من نحو باب ساج، ودار

آجرّ وجبة صوف، وتقديره باب من ساح ودار من آجرّ

16

والأوّل في هذا جزء من الثاني ومن فيه

للتبعيض انتهى.

فادعاء أنها غير موجودة، أو غير مشهورة مكابرة لمخالفته ما سطر في كتبهم المعوّل

عليها، وفيما ذكره في توجيه كلام الكشف دقة لا يتحملها نظر أهل العربية، ثم إنّ للناظرين في

كلام الشريف وجوهًا شتى كلها خارجة عن قانون العربية، لاقتصارهم على ما لا يغني، ولا يسمن من كلام المتأخرين ولذا أضربنا عنهما صفحا، وأمّا إضافة السورة فحن إضافة المسمى

إلى الاسم كيوم الأحد وهي مشهورة، ثم إنهم أطلقوا كون الإضافة إلى الجزئي بيانية، وهو

مخالف لما صرّح به كثير من المتقدمين والمتأخرين من أنها إنما تكون كذلك إذا كان بينهما عموم وخصوص وجهيّ، كخاتم فضة، فإن كان مطلقًا كمدينة بغداد فهي لامية، وذهب شاوح الهادي إلى أنها بيانية أيضا، ولذا تراهم يجعلون شجر الأراك من الإضافة اللامية تارة، ومن البيانية أخرى، وهذا مما غفل عته كثير من الناس فاحفظه. قوله: (وتسمى أمّ القرآن) عطف على مقذر رأى تسمى بفاتحة، أو على سورة الفاتحة باعتبار المعنى، أو التقدير هذه سورة فاتحة الكتاب وتسمى الخ وعطف الفعلية على الاسمية شائع كعكسه، والمراد بالتسمية وضع العلم لا الإطلاق.

وتال الفاضل الشريف: فاتحة ألكتاب صارت علما بالغلبة للسورة وقد ذكر. في الكشف أيضًا، وفي اجتماع الغلبة والتجوّز نظر مع أنه مناف لما مرّ من النقل قيل: وفيه خفاء أيضًا لأنّ القول بعلمية الجنس ضروريّ لمنع الصرف ونحوه من الأحكام ويجب في العلمية الشخصية تشخص المعنى ولا تشخص هنا، والأصح أن أسماء السور موضوعة لتلك الألفاظ المقروأة، فتكون واحدة بالنوع كما في التلويح وشرح المقاصد إلا أن يقال مثل هذا المؤلف بحسب العرف يعد شخصا، وأمّا جعلها وأمثالها من قبيل أسماء الإشارة في عموم الوضع وخصوص الموضوع له فبعيد جدًا، وما ذكر من السبب في عدم اعتباوه فيها من أنها لو كانت موضوعة لشيء من الخصوصيات كانت في غيره مجازيات، وإن كانت موضوعة لكل منها كانت مشتركة بين معان غير محصووة، وإن كانت. موضوعة لمعان كلية لزم كونها مجازات لا حقائق لها، والكل فاسد لا يتاتى هنا إذ قلما تستعمل في شخص، والأكثر استعمالها في الكل، فلا يلزم ما ذكر وتفصيله في شرج الرسالة الوضعية.

، أقول الذي عليه المعوّل في أسماء السور وأسماء الكتب والعلوم، ونحوها أنها أعلام شخصية لتلك الألفاظ المخصوصة لا للصور الذهنية، ولا للنقوس، ولا للمركب منها وهي تعد في العرف شيأ واحدا شخصا، واختلاف اللافظ، وتعدّده كتعدد أمكنة زيد لا يغير تشخصه، لأنها غير معتبرة فيه، ومما يشهد له شهادة يزكيها الاستقراء تسميتها بالجمل ك ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ و﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ ومثله معهود معروف في الاعلام كتأبط شرّا وبرق نحره وصردر دون اسم الجنس، فإئه وان لم يكن مفقودًا فيها نادر، وأمّا الاسندلال بدخول اللام عليه كالكافية والثافية، فليس بشيء، لأنه ليس مما يستدلّ بمثله، وما قيل من أنّ العلمية الجنسية ضرورية مما تفرّد به الرضيّ، وهو غير مسلم عند النحاة، ودلالة الموصول على ماهية نوعية أو جنسية لا ترد عليه نقضا.

وفي شرح الفوائد العتابية لشيخ مشايخنا أسماء العلوم كأسماء الكتب أعلام أجناس عند

التحقيق وضعت لأنواع وأعراض تتعدد بتعدد محالها القائمة بها كزيد وعمرو، وقد تجعل أعلاما شخصية باعتبار أن المتعدد باعتبار المحل يعد واحدًا في العرف، وهو إنما يتتم إذا لم تكن موضوعة للمفهوم الاجماليّ وتردّد السبكيّ في أسماء العلوم هل هي أعلام بالغلبة أو منقولات عرفية كالدابة ورجح الثانية، وسيأتي تتمة لهذا المبحث في تعريف الجلالة الكريمة. قوله: (لأنها مفتتحه ومبدؤه الخ) الأمّ في اللغة الأصل والوالدة ثم أطلق على الفاتحة ومحكم القرآن قال تعالى: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [اس عمران: 7] ومفتتح اسم مفعول أو اسم مكان أو مصدر ميمي، وقال صاحب القاموس في شرح الديباجة المفتتح لغة شائعة فصيحة يقال فتحه وافتتحه نقيض أغلقه، وأمّا المختتم فغير فصيحة، ولا تكاد توجد عند لغويّ ثبت، والمراد به غير الأوّل ولذا عطف عليه قوله ومبدؤه عطفًا تفسيريًا، ولما كان افتتاحه وابتداؤه بها في كتابة المصاحف، أو في التلاوة، أو في الصلاة أو في النزول بناء على أنها أوّل سورة نزلت ويتلوها ما عداها في ذلك جعلت أمّا وأصلاَ له

17

ومنشأ بطريق التسبب لأنّ الولد يتكوّن ويوجد بعه أمّه، ولذلك سميت أساسًا لتوقف بقية البناء وابتنائه عليه، ووجوده بعده وبهذا التقرير سقط ما في بعض الحواشي من الأوهام مثل ما قيل من أنّ المبدأ يقال للجزء الأوّل، ولما منه ذلك الشيء، والفاتحة مبدأ بالمعنى الأوّل، وأمّ بالمعنى الثاني، فجعل هذا وجها لتسميتها أمّا غير مرضي، وكذا ما قيل أنه لا فائدة لذكر الأصالة والمنشئية إذ ليس في الفاتحة سوى المبدئية، وان كانتا موجودتين في المنقول عنه، وهي الوالدة والأمّ في اللغة الأصل، ومنه قيل للوالدة: أصل وحينئذ لا يناسب ذكر كان، لأن الجزء الأوّل من الشيء أصل ينبني عليه باقي الأجزاء من حيث أنها أجزاء متأخرة انتهى.

وقيل: إنها سميت امًا لجمعها كل خير كأمّ الدماغ الجامعة للحوأس، أو لأنها مفزع أهل الإيمان كما تسمى الراية أمّا وركاكته ظاهرة، فإن قلت: زعم بعض فضلاء العصر أنّ قوله في الكشاف، وتسمى أمّ القرآن لأنّ أم الشيء أصله وهي مشتمدف على كليات معاني القرآن أولى مما ذكره المصنف، لأنّ الاشتمال أنسب بالأمّ من الافتتاح، والمبتدئية بمعنى الابتداء، وان كان ما ذكره صحيحا أيضًا.

قلت: هذا وهم منه فإنّ المصنف ذكر ما في الكشاف بعينه وزاد عليه وجها آخر قدمه

عليه إشارة لأرجحيته عنده لأنّ أصل معنى القرآن والكتاب الألفاظ لا المعاني، وهو فيما اختاره باق على أصله بخلافه في الوجه الثاني فإنه محتاج إلى التجوّز أو التقدير. أي أمّ معاني القرآن، وهو بعيد كحمل القرآن على المعاني، وهذا لم ينبه عليه أحد وتنبه له.

واعلم أنّ في كلام المصنف هنا وجهين:

أحدهما: أن يكون قوله مفتتحه بيانا لوجه التسمية بفاتحة الكتاب، ومبدؤه لأمّ القرآن لفا

ونشرًا. وقوله: (فكأنها الخ) بيان لمشابهته للمعنى الأصلي للامّ في المبتدئية حقيقة للمعنى العرفي وهو الوالدة فيما له زيادة خصوصية واشتهار به أعني المبتدئية، والمنشئية ادّعاء دون المتبدئية الأوّلية، وكونه مفتتحًا غنيّ عن البيان.

والثاني: أن يكون مبدؤه عطفا تفسيريًا وهما علة لقوله أمّ القرآن، وترك تسميتها بالفاتحة لظهوره.

قال الفاضل الليثيّ: وهو وجه وجيه إلا أنه مخالف لما نقل عن المصنف في حواشيه من

أنّ قوله لأنها مفتتحه تعليل لما تضمنه قوله سورة فاتحة الكتاب من الجملة الخبرية التي تقديرها تسمى فاتحة الكتاب، في هذا الوجه يكون المنقول عته بالمعنى العرفيّ أنسب، كما أنّ الوجه الأوّل بالأصليّ أنسب، وان جرى كل منهما في كل منهما. وقوله: (ولذلك) أي لكونها أصلاَ وهو ظاهر، ثم أنها تسمى أيضًا أمّ الكتاب، وفاتحة القرآن ووجهه يعلم مما مرّ، ثم أنه قيل: إن في كلام المصنف إشارة إلى أنّ التسمية بفاتحة الكتاب من قبيل تسمية المكان باسم الفاعل، وهي من فروع الإسناد إليه، واذا كان مصدرًا كالعافية، فمن فروع تسمية المكان بالمصدر وجعلها من تسمية المفعول بالمصدر إذ فاتحة الشيء أوّله والفتح يتعلق به أوّلًا وبتبعيته للمجموع، فهو المفتوح الأوّل بعيد إذ تسمية المفعول بالمصدر غير مشهورة، وقيل: فاتحة الشيء، وأوّله آلة لفتحه، وهو من تسمية الآلة بالفاعل كالباصرة والسامعة، وعلى اشتقاقها تاؤها للنقل لا للتأنيث بتقدير طائفة فاتحة ولا للمبالغة لقلة مجيئه في غير صيغ المبالغة، وعدم مناسبته هنا وجعله من النسب كتامر بعيد غير مسموع إذ هو مقصور على السماع انتهى.

ولا يخفى ما فيه من التعسف، لأنه ليس بمكان حقيقيّ، فنقل اسم الفاعل إلى المكان المتجوز به عن الأوّل مع صحة تسمية الأوّل فاتحًا لحصول الفتح به تطويل بغير طائل، وقد مز ما فيه غنية عنه، والذي حمله على هذا قوله مفتتحه. قوله: (أو لأنها تشتمل على ما فيه الخ (في بعض الحواشي أن المراد جميع ما فيه يعني ادّعاء واجمالًا ويأباه قوله فيما بعد أو على جملة معانيه إلا أن يكون تفننًا في التعبير، والذي في الحواشي الشريفية وغيرها تفسيره بأصول ما فيه، ومقاصده، وهو الظاهر فلا يرد عليه أن فيه القصص وغيرها، وان قيل إنها ترجع لما ذكر لما فيها من العبرة والإتعاظ، وهذا هو الوجه الثاني لكونها ًا مّا. وعليه اقتصر في الكشاف كما مرّ. قوله: (والتعبد بأمره ونهيه (أي التكليف، وهو في إياك نعبد لأن العبادة قيام العبد بما تعبد به من امتثال الأوامر واجتناب النواهي كما قيل، وأورد عليه أق في قوله إياك نعبد التنسك الذي هو وصف العبد لا التكليف، وأجيب بأنه بناء على أنه على لسان العباد تعليما لهم

18

وطلبا لعبادتهم فهو تكليف، ثم إنّ تفسير التعبد بالتكليف لا تساعده اللغة إلا أن يقال هو تفسير له بلازم معناه، وحقيقته اتخذه عبدًا، أو تضمين لتعذيه بالباء كذا قيل.

(وأنا أقول) الذي دعا الشريف وغيره لتفسير التعبد بما ذكر أنه ليس المراد مطلق التنسك

لتقييده بأمر الله ونهيه، بل تعبد المرء تنسكه بما كلفه الشارع به، فتفسيره بالتكليف إمّا لأنه

أظهر في العبادة المقصودة هنا سواء كانت الآية تعليمًا للعباد أم لا نعم إذا كانت تعليما كانت

أظهر وأنور فهو كقولهم حصول الصورة أو هو حقيقة لغة قال السمين في " مفرداته ": قوله

تعالى: ﴿أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: 22] أي اتخذتهم عبيدًا وقيل ذللتهم ذلة

العبيد وقيل كلفتهم الأعمال الشاقة التي يكلف مثلها العباد، وبهذا وقفت على ما في كلام هذا

القائل، وأن قوله لا تساعده اللغة من قصور الباع وعدم الإطلاع، ثم إنّ الإيمان بالله ورسله

داخل في التعبد، لأنه مع توقف العبادة عليه مأمور به في آمنوا بالله ورسله، فلا يتوهم أنه

خارج وهو أجل المقاصد، واشتمالها على الثناء من الحمد واجراء الصفات المذكورة، والتعبد

في قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ كما مرّ وفي قوله: ﴿الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ﴾ إن أريد به ملة الإسلام،

وقيل: هو في قوله الحمد لله لأنه بتقدير قولوا وفيه نظر، وأمّا الوعد والوعيد، ففي قوله:

﴿أَنعَمتَ﴾ و﴿المَغضُوبِ﴾ عليهم أو في يوم الدين والجزاء لتناوله الثواب والعقاب، ولما كانت

مقاصد الأمور نتائجها والنسل أعظم المقاصد ونتيجة مقذمات الأعمار شبهت بالولد، ولذا

سمي نتاجا ووجه الشبه ظاهر كما قيل:

لنامن بنات الفكر نسل بهانسلو

وإنما كانت هذ. مقاصد وأصولًا، لأنه أنزل إرشادًا للعباد، إلى معرفة المبدإ والمعاد

ليؤدّوا حق المبدإ بامتثال أوامره ونواهيه، ويدّخروا للمعاد مثوبة كبرى، ولأنه كافل لسعادة

الإنسان، وذلك بمعرفة مولاه، والتوصل بما يقرّ به والتنصل عما يبعده منه، والباعث عليه

الوعد والزاجر عنه الوعيد، والا حجب عن نور الأنوار، وهوى في ظلمات بعضها فوق

بعض، وأمّا الدعاء والسؤال، فوسيلة يعتبر منها ما تعلق بالمعاد، ولا يرد اشتمال غير هذه

السورة على مثل ما ذكر لأن وجه التسمية لا يلزم اطراده ولأنها استحقته بالسبق إليه، والترتيب

الخاص والإجمال المفصل في غيرها فضاهت مكة في تسميتها أمّ القرى لما تقذمت، ودحيت

الأرض عنها، وتمام تفصيله في شروج الكشاف، وفي بعض الحواشي أنّ ابن سيرين كره

تسميتها أمّ القرآن والحسن البصري تسميتها أمّ الكتاب، وردّ بثبوته في الصحيحين وغيرهما

كحديث " الحمد لله أمّ القرآن وأمّ الكتاب " (1 (قوله: (أو على جملة معانيه الخ) الجملة بمعنى

الجميع، وبمعنى الإجمال والمراد الثاني، والحكم جمع حكمة وهي لغة العلم الحق المحكم

عن قبول الشبه، ولذا فسرها ابن عباس في قوله عز وجل: ﴿وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: 269] بعلم القرآن وفسرها الحكماء بمعرفة حقائق الأشياء على ما هي عليه بقدر الطاقة البشرية، وهو قريب مما قبله، والنظرية نسبة للنظر بمعنى الفكر والمراد ما لا تعلق له بالعمل من العقائد الحقة الشاملة لأمر المعاد والنبوّة وسائر الإلهيات ونحوها مما المقصود منه بالذات العلم دون العمل، والأحكام مرّ تفسيرها، والعملية منها العبادات، وكل ما ذكر في الفروع، والأوّل مستفاد من أوّل السورة إلى قوله: ﴿يَوْمِ الدِّينِ﴾ والثاني من قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ وما بعده، وسلوك الطريق المستقيم من قوله اهدنا الصراط، والإطلاع بتشديد الطاء افتعال من طلع ظهر، وبسكونها أفعال منه والأوّل أظهر وهو من قوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ﴾ الخ وفيه، وعد ووعيد فدخلا فيه، والأمثال والقصص المقصود بها الاتعاظ، وكذا الدعاء واك اء فهذه جملة المعاني القرآنية إجمالًا مطابقة، والتزاما فقوله من الحكم بيان لجملة وقوله: (التي الخ) في موصوفه احتمالات، لأنه يحتمل أن يكون صفة جملة أو معان أيضًا المبينة بالحكم، والأحكام فيكون في المعنى صفة لهما من غير تكلف، كما في القول بأنه صفة لهما معا وليس صفة للأحكام وحدها كما في بعض الحواشي قيل: لأن السلوك شامل للنظرية والعملية، وقيل لأنه لا يصح الحكم عليها بأنها سلوك الطريق المستقيم، لأنه العمل لا الحكم يخحتاج إلى تقدير مضاف أي أحكام الخ، وكلاهما على طرف الثمام، ومنهم من جعل المشير إلى الأحكام العملية الصراط المستقيم، وإلى النظرية ذكر السعداء والأشقياء على أنه لف ونشر غير مرتب مع أنّ ذكر الصفات دال على ما هو من الحكم

19

النظرية أيضا، وقوله والإطلاع الخ إن قرىء بالجرّ على أنه معطوف على الحكم في قوله من الحكم فالأقسام ثلاثة، والإطلاع على مراتب السعداء للإقتداء، وعلى منازل الأشقياء للإتقاء، والأوّل من قوله: ﴿أَنْعَمْتُ﴾ والثاني من ﴿غَيرِ المَغضُوبِ﴾ الخ وهذا لا يختص بالنظرية، ولا بالعملية بل هو من آثارهما وثمراتهما، وان رفع فهو معطوف على قوله سلوك الطريق على أن التي صفة للحكم، والأحكام معنى أو حقيقة لا للثاني، ولذا قيل الإطلاع ناظر إلى الحكم النظرية، ولم يراع ترتيب اللف محافظة على ما عليه التنزيل من تقديم الأوّل أعني ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ﴾ وتاخير الثاني أعني الذين أنعمت الخ. وقد قيل عليه أيضا: إنه محتاج إلى التقدير أي بعيد سلوك الخ أو أصله التي غايتها أي المقصود منها، فلما حذف المضاف ارتفع الضمير، وانفصل أو هو محمول عليه مبالغة وادّعاء، وليس هذا مخصوصًا بكونه صفة للأحكام فقط كما توهم.) قلت (نقل هنا بعض أهل العصر عن المصنف حاشية قال فيها: الحكم النظرية معرفة الله

تعالى بصفات الكمال المشتمل عليها الحمد لله إلى قوله ﴿يَوْمِ الدِّينِ﴾ والأحكام العملية هي سلوك الطريق المستقيم، والإطلاع على مراتب السعداء والأشقياء المشتمل عليها ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ إلى آخر السورة انتهى.

فإن صح عنه ما ذكر فهو مخالف لما مرّ، وصاحب البيت أدرى بالذي فيه تدبر، وعبر

في السعداء بالمراتب لاشعاره بالعلوّ والرفعة لأنه من رتب بمعنى انتصب قائمًا كما في الفائق، وفي الأشقياء بالمنازل لًا نه من النزول، وهو الانحطاط المقابل به كما قيل: درج الجنة ودرك النار، والفرق بين التوجيهين قد مرّ، وقيل: مبنى الأوّل على اشتمال ألفاظه باعتباره جميع أجزائها والثاني على اشتمالها باعتبار ما هو دعامتها ولو عكس كان أظهر، ولذا قيل: إنّ الأوّل بيان لاشتمالها على ما يستفاد منه أصول المعاني القرآنية وأساس مقاصدها. والثاني لاشتمالها على جملة مقاصده المستفادة من تلك الأصول وكونها أمًا على هذا لتأخر التفصيل عن الإجمال تأخر الولد عن الأمّ، كما قيل في أمّ القرى وقيل إنّ هذا التوجيه متضمن لوجه تسميتها فاتحة أيضًا لأن ما يدلّ على الشيء إجمالًا حقه أن يكون فاتحة، كعنوان الكتاب الدال على ما فيه، ويدل عليه عطف قوله وتسمى، وذكر المبدأ بعد المفتتح والمنشأ بعد الأصل، والتأسيس أولى من التكيد مع مناسبة ألفاظه للفتح لفظًا ومعنى، والمبدأ لللامّ، ولا يخفى ما فيه من التكلف مع أنه قد اعترف بما ينافيه وقد علم مما ذكرناه ضعف ما قيل: من أنّ ما ذكر هنا مستفاد من الوجه السابق لأنّ الحكم، وهي الأحكام الاعتقادية تستفاد من إجراء صفات الكمالى عليه تعالى، والأحكام العملية من تفاصيل التكاليف المشار إليها بالتعبد، والإطلاع المذكور من الوعد والوعيد، ونوقش بأن الإطلاع من قبيل العلم والمعاني معلومات فكيف يعد منها، ودفع بأنّ المراد به الاطلاع بقرينة السياق وقال بعض المدققين: لا يخفى ما في جعل الثناء مقابلًا للتعبد أي التكليف بالعبادة، والوعد والوعيد من عدم المناسبة، وأيضا لا يظهر من الدليل جعل الثناء مقصودًا أصليا من الكتاب بل المقصود معرفته تعالى وقد أشير إليها بقوله ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أي موجدهم ومربيهم، وأبعد منه جعل الوعد والوعيد مقصودين وهما مقحمان باعثان على العبادة، وقد عرفت مما قدمناه الجواب عنه، وبقي هنا وجوه أخر لم نسودّ بها وجه القرطاس، فإن قلت اشتمال الفاتحة على جميع المعاني القرآنية مناف لما في الحديث من أنها تعدل ثلثي (1) القرآن قلت: إن صح فلا منافاة، لأنّ الإجمال لا يساوي التفصيل فزيادة مبانيه تنزل منزلة ثلث آخر في الثواب، ومن العجب ما قيل هنا من أنّ ذلك لاشتمالها على دلالة التضمن والالتزام، وهما ثلثا الدلالات، وقيل الحقوق ثلاثة حق الحق على العبد وعكسه، وحق العبد على العبد، وقد تضمنت الأوّلين فلذا جعلت ثلثيه. قوله: (وسورة الكئز الخ الذلك أي لاشتمالها على مقاصد القرآن، أو جملة معانيه التي هي كالجواهر النفيسة المكنوزة لأنها ذخر المعاد، والسعادة الأبدية فتفي، وتكفي في ذلك، وقيل سميت وافية لأنها لا تنصف في الصلاة كغيرها وكافية لأنها تكفي المصلي دون غيرها، وهذه الألفاظ كلها

منصوبة عطفا على قوله أمّ القرآن، وهو الموافق لتصريحهم بأنّ الوافية والكافية بدون إضافة سورة من أسمائها، وإن وقع في كلام بعضهم خلافه وجرهما يستلزم حذف جزء العلم، أو العطف عليه، وقد قيل حذفه جائز إذا أمن اللبس كما سيأتي في شهر

20

رمضان وان كان من قبيل حذف بعض الكلمة نظرًا لأصله إلا أنه قيل عليه أنه في مقام بيان الاسم لا يؤمن الإلباس وانما يلزم ما ذكر لو لم يكن كل منهما بدون السورة، وقد قيل به، ويؤيده ما جاء في الحديث مما يدل على أنه يطلق عليها الكنز بدون السورة وهو قوله عليه الصلاة والسلام " إن الله قال فيما من به على رسوله إتي أعطيتك فاتحة الكتاب وهي كنز من كنوز عرشي " وقد قالوا إنه سبب تسميتها به ثم إنّ كونها كنزا أو من كنز استعارة وتمثيل لعظم ما فيها وهو أنفس من الجواهر بل هي عنده من الحجارة، أو أخس وجعل العرس، والسموات مهبطه، لأنها محل ابتداء ظهوره وفيضه، ولذا رفعت الأيدي في الدعاء نحوها وان تنزه الله عن المحل والجهة وقيل: إنه من المتشابه الذي استأثر به وهو أسلم. قوله: (سورة الحمد والشكر الخ الاشتمالها عليها أي على المذكورات أمّا اشتمالها على الحمد فظاهر، وكذا على الشكر لأنه في مقابلة نعمة الربوبية والرحمة الشاملة كما سيأني، وليس هذا مبنيا على تقدير قل كما قيل واستشكل بأنه في مقابلة النعمة بل النعمة الواصلة للشاكر، وأين ذلك هنا إلا أن يقال إنّ توصيفه برب العالمين يشعر بالعلمية وأنّ الحمد لذلك كما صرّح به الإمام، وهذا لا يتم إذا جعل حمدًا من الله لذاته الأقدس، ولذا قيل إنه شكر إذا قرأه العبد في مقابلة نعمة، وهو تكلف ولا يخفى سقوطه، لأنه سواء قدر قل، أولا فإن كل قارىء منعم عليه فإذا حمد كان في مقابلة ذلك، ولا حاجة إلى ما قيل إنه يؤخذ من قوله: (أنست الخ (بل لا وجه له، فإنها مشتملة على الحمد وهو أعم من الشكر والحمد الحقيقي شكر لغوفي فتدبر. وقوله: (والدعاءا لوقوعه فيها وتعليم المسألة بأن يثنى ويبظم المسؤول، ثم يتوجه إليه بصفاته، والمسألة هنا مصدر ميمي بمعنى السؤال، والمراد تعليم كيفية السؤال، وطريقه وليس محل السؤال لاحتياجه إلى التكلف، والشكر وما بعده مجرورات، وفيه ما مرّ من حذف جزء العلم أو العطف عليه، وكون التسمية بمعنى الإطلاق لا وضع العلم، ونصبها على أنّ العلم الشكر وما بعده بعيد، وفي التفسير الكبير الاسم العاشر السؤال يروى عن رسول الله ﷺ: " إن رب العزة سبحانه وتعالى قال: من شغله ذكرى عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين " (2) وقد فعل الخليل عليه الصلاة والسلام

ذلك حيث قال: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ [الشعراء: 78] إلى قوله: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [الشعرأء: 83] ففي هذه السورة وقعت البداءة بالثناء عليه تعالى، ثم ذكر العبودية، ثم ذكر الاستعانة، ثم وقع الختم على طلب الهداية.

وأورد عليه أنه لا يتحصل مما ذكره الدلالة على تسميتها بالسؤال الذي أراده، ثم مقتضى الحديث تجرّد الذكر عن السؤال والسورة جامعة بينهما، فلا مناسبة لهذا الحديث هنا، وليس كما توهمه المعترض بل المراد أنّ تسميتها بالسؤال، لأنها مشتملة على تعليمه وبيان كيفيته اللائقة بالكاملين كما مرّ، ويشهد له قصة الخليل عليه الصلاة والسلام، وكذلك هذا الحديث القدسي أيضا بناء على أنّ المراد منه اشتغاله بذكره في ابتداء توجهه للسؤال لأنه نصب عينيه وقبلة اقباله، ومن أحب شيأ أكثر من ذكره ويؤيده ما ذكره بعده نعم هو لا يخلو من الخفاء وكون المراد بالحديث ما ذكر غير مسلم، وقد سئل بعض التابعين عما ورد في الحديث " أفضل ما دعاني به عبدي، لا إله إلًا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد ") 1 (فقيل كيف سمي هذا دعاء، وهو صرف ذكر، فقال هو دعاء أيضًا لحديث " من شغله ذكري " الخ ثم نقل هذا الجواب لبعض السلف فقال: هو كما قال فإنّ الثناء على الكريم سؤال وطلب، فقيل: هل عرف مثله فقال: نعم أما سمعت قول أمية بن أبي الصلت في ابن جدعان في قصيدته المشهور ة:

" ذكرحاجتي أم قدكفاني حياؤك إنّ سميتك الحياء

إذا أثنى عليك المرءيوما كفاه من تعرّضك الثناء

ونحوه قول الغنوي:

واذا طلبت إلى كريم حاجة فلقاؤه يكفيك والتسليم

وهو معنى بديع سيأتي بيانه. قوله: (لاشتمالها عليها) أي على المسألة، وكيفية تعليمها

ولو قال: عليه بإرجاع الضمير للتعليم كان أظهر وفي تفسير ابن برحان من آداب الدعاء وحلية السؤال، والضراعة إلى الملك

21

الملك الأمر كله أن يقدم العبد بين يدي دعائه التوحيد والتعظيم والإجلال، ثم يحمد الله بمحامده التي هو لها أهل، ويثني عليه ويمجده ويتبرأ إليه من حوله وقوّته، ثم يسأل الله الهداية إلى ما يرضيه، وحسن العون على ذكره، ئم يسأل الله بعدما ما يشاء، لعموم قوله الحق: " ولعبدي ما سأل " ومن قدم أمر الآخرة على أمر الدنيا نظمه الله في نظام الاقتداء بأمّ القرآن وإنّ المطلوب الأعظم لفي أمّ القرآن مجملًا ويحق ما قال بعضهم: لو قرئت أمّ القرآن على ميت فحي ما كان ذلك بعجب لأنّ الحمد اسم من أسماء الله وكذلك سائر الحروف كلها فافهم انتهى. قوله: (والصلاة لوجوب قراءتها الخ الفعل الصلاة يجوز جرّ. ونصبه هنا لأنها كما تسمى سورة الصلاة، تسمى الصلاة أيضًا، وهو من تسمية الجزء باسم كله، أو تسمية أحد المتلازمين باسم الآخر والصلاة بمعنى العبادة المعروفة. قوله. (واستحبابها) قيل عليه إنه لا قائل بالاستحباب لأنها فرض عند الشافعي وواجبة عند أبي حنيفة، وانما تبع صاحب الكشاف في قوله لأنها تكون فاضلة أو مجزئة بقراءتها فيها، وما ذكروا رد عليه أيضًا، ولذا قال في المدارك لأنها واجبة أو فريضة، وهو أحسن لأنه لا قائل بالاستحباب كما عرفت هذا زبدة ما في جميع الحواشي، وهو لا يسمن ولا يغني من جوع (وأنا أقول) كون المذاهب الأربعة متفقة على عدم الاستحباب، وأنه لا صلاة بدونها مما اتفق عليه هنا لما رووه في كتب الفقه المشهورة خصوصا كتب الحنفية، وليس كذلك، فإنّ المصنف شافعي المذهب، وفي كتبهم المعتمدة ما يخالفه، وعبارة الإمام الغزالي في شرح الوجيز الفاتحة متعينة في الصلاة خلافا لأبي حنيفة حيث قال: فرض الصلاة قراءة آية ما طويلة أو قصيرة، وان كان ترك الفاتحة مكروها انتهى.

وعليه اعتمد المصنف رحمه الله، فالاستحباب عنده مذهب أبي حنيفة، ولو سلم عدم صحة ما ذكر فالسلف لهم في أكثر الأحكام أقول شتى، ومذاهب مختلفة، وان لم يرخص لنا العمل بها، وقد نقل الإمام الجصاص رحمه الله في كتاب أحكام القرآن مذهب ابن عباس رضي الله عنهما أنه يجزىء في الصلاة قراءة شيء ما من القرآن، ولا تتعين الفاتحة، وبه فسر قوله تعالى: إ فاقرؤا ما تيسر من القرآن﴾ [المزمل: 20] فإن أردت تفصيله فراجعه فإذا ثبت عن بعض الصحاية ومجتهدي السلف أنها غير واجبة في الصلاة مطلقا، وأنّ المراد بقوله في الحديث " لا صلاة إلًا بفاتحة الكتاب " (1 (نفي الكمال لا الصحة، فمراد المصنف والزمخشرفي الإشارة إلى مذهب هؤلاء لا إلى شيء من المذاهب الأربعة حتى يحتاج إلى ما قالوه من التعسف هنا: من أنّ استحبابها إشارة إلى مذهب أبي حنيفة رحمه الله بناء على تفسير المستحب بما يشمل الواجب والسنة لا المستحب المتعارف على أنّ الواجب بمعنى الفرض والمستحب ما يقابله، أو هو مبني على أنّ الوجوب في الكل عند الشافعي رحمه الله أو الركعتين الأوليين عند أبي حنيفة والاستحباب فيما عداهما عنده، أو في صلاة النفل في رواية

عن الشافعي، وأبعد منه ما قيل من أنه مذهب ابن حنبل، وأنه لورعه كان لا يطلق الواجب على ما لم يتواتر عن السلف إطلاقه عليه، وقد جوز أن يكون المراد بالصلاة هنا الدعاء فيكون كتسميتها بسورة الدعاء، فإن قلت هل لما قيل من تعين الجرّ هنا وجه وان كان النصب بناء على تسميتها صلاة الحديث " قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين الحديث " (11 لأن تعليل المصنف يناسب معنى الجرّ لا النصب، لأنّ تسميتها في الحديث بالصلاة من إطلاق اسم الكل، وارادة الجزء الذي هو ركن تنتفي الحقيقة بانتفائه، وهو غير منايسب لقوله، أو استحبابه مع أن بعضهم قدر في الحديث مضافا أي قراءة الصلاة، أو ذكر الصلاة قلت لا، فإنّ ما ذكره من الشرط غير مسلم عند المحققين من أهل الأصول، مع عدم تعين التجوّز أيضًا فتدبر. قوله: (الشافية والشفاء الخ) بالنصب أي تسمى الشافية الخ. كما صرّحوا به ويجوز جرّه.

وفي الكشاف أنها تسمى سورة الشفاء. وقيل: إنّ المصنف ذهب إلى أئه يطلق عليها هذا

بدون سورة، ولولاه لقدّم الشفاء على الشافية وفيه نظر، وقد ورد في البخاري أيضا تسميتها سورة الرقية، وهو قريب مما هنا والحديث الذي ذكره المصنف (2) صحيح أخرجه البيهقي، والدارميّ، وغيرهما، إلا أنه قيل عليه إنه لا يدل على تسميتها بذلك إذ لا يدل قولنا زيد كاتب على غير اتصافه، وصدق كاتب عليه، وأمّا تسميته به فلا، وقريب منه ما قيل

22

الحديث إنما يدل على أنها شفاء في نفس الأمر وأنه أطلق عليها الشفاء شرعا، وليست التسمية هنا بمعنى الإطلاق إلا أن يقال وضمع الاسم ثبت بالنقل عن الثقات، ولا حاجة لدعوى الاجماع كما قيل، فالحديث إنما ذكر لبيان سند ما نقل ولا ثبات الباعث على التسمية به. قوله: (والسبع المثاني الخ) السبع منصوب. وقوله: (لآنها الخ) علة لتسميتها سبعا، وفيه أنه ذكر في التيسير أنها ثمان آيات عند الحسن البصريّ وست آيات في قول الحسن الجعفي، وقد نقل عن بعضهم أنها تسع أيضا فكيف يتأتي دعوى الإتفاق أو الإجماع المذكور في كثير من التفاسير وعليه المصنف فقيل أراد اتفاق الجمهور ومن يعتد به فخلاف غيرهم بمنزلة العدم، ومخالفة واحد أو اثنين تسمى خلافا لا اختلافًا، فلا يخرج بها الحكم بكونه متفقا عليه، وقيل المراد اتفاق القرّاء، وقيل اتفاق الحنفية، والشافعية وما له لما مرّ فلا وجه لردّه به، وقيل: إنه لا خلاف فيه والزيادة

وأخرجه الديلمي 4385 والبيهقي في الشعب كما في الدر 1 / 22 من حديث أبي سعيد الخدري بلفظ " فاتحة الكتاب شفاء من السم ". وللحديث شواهد أخرى انظر الدر المنثور 1 / 22- 23.

والنقص وهم من الراوي لأنه لما رأى عد ﴿أَنعَمتَ عَلَيهِمْ﴾ آية ظن أنه في الباقي مع غيره ولما رأى عدّ التسمية فيه كذلك، وهو مراد المصنف بقوله إلا أنّ الخ وفي قوله: ﴿أَنعَمتَ عَلَيهِمْ﴾ تسامح أي ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ﴾ الخ لظهور أنّ الموصول بدون صلته، والمضاف بدون المضاف إليه لا يعد آية فمبدؤها معلوم وانما الخلاف في آخرها قوله: (ومنهم من عكس) أي عد أنعمت عليهم آية دون التسمية والمناسب لما جعل عكسا له أن يكون المراد أنه جعل التسمية جزأ من آية كما ذهب إليه البعض، فيلزمه عدم التعرّض لمذهب الحنفية وهو أنّ التسمية خارجة عن السورة. وقوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ﴾ آية وقوله ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ﴾ آية أخرى، وان لم يحمل عليه يلزم عدم التعرّض لبعض المذاهب وأمره سهل إذ ليس في كلامه ما يدل على الانحصار قيل: ولا يبعد أن يجعل قوله: ومنهم من عكس إشارة إليهما على أنّ المراد بعدم جعل التسمية آية ما يتناول خروجها عنها وجعلها جزأ منها وليس في القرآن سورة آياتها سبع غير الفاتحة، وسورة أرأيت. قوله: (وتثني في الصلاة الخ) أي تكرّر وأصل معنى ثني الشيء ردّ بعضه على بعض. قال الراغب سمي القرآن مثاني لأنه يثني على مرور الأوقات، ويكزر فلا يدرس وينقطع، ولا تنقضي عجائبه، ويصح أن يكون من الثناء لأنه يثنى عليه، وعلى من يتلوه ويعمل به وجوّز فيه أن يكون جمع مثنى كمرمى أو مثنى مشدّد النون أو مثنى مخففًا مته، وكلها مع هاء التأنيث وبدونها، والجمع بالنظر للآيات، وهذا بيان لإطلاق المثاني عليها وهي من التثنية، وقد فسرت هنا بالتكرير ولا يرد أنها تثلث في المغرب، وتربع في الرباعية مع أنه اقتصار على الأقل، فلا ينفي الزيادة، ولا ترد الركعة الواحدة، وصلاة الجنازة لأنّ المراد المتعارف الأغلب من الصلاة، وغير المصنف عبارة الكشاف وهي قوله: تثني في كل ركعة وهي عبارة مأثورة عن عمر بن الخطاب رضي الله عته، وقد أورد عليها أنها تثني في الصلاة لا في الركعة وأجيب عنه بأنه مجاز مبالغة في أنّ كل صلاة فعلة واحدة كركعة أو أنها تكرّر في كل ركعة بالقياس إلى أخرى، وقيل: في للمصاحبة أي تثني مع كل ركعة، ويفهم منه عرفا أنّ كل ركعة تثني معها كما إذا قيل فلان يأكل مع كل أحد لا يفهم مته إلا أنه يأكل مع كل أحد يأكل معه، وهذا مع كونه تكلفا باردًا زعم قائله أنه أحسن الوجوه وأولاها، وقيل الأشبه أن يراد بيان محل التكرير على معنى أنّ الفاتحة تكرّر في كل الصلاة بحسب الركعة لا بحسب أركانها كلها، كالطمأنينة ولا بحسب ركعتين ركعتين كالتشهد في الرباعية ولا بحسب كل صلاة كالتسليم، فإن تعددت الركعة تعدّدت الفاتحة والا فلا كأنه قيل تثني باعتبار الركعة واعترض عليه بأنّ هذا المعنى، وان كان واضحًا في نفسه إلا أنّ دلالة هذه العبارة عليه في غاية الخفاء ويردّ بأنّ مراده أنّ لفظ في ههنا، كما في قولهم يستعمل في وضع الشرع لكذا بمعنى أنه مستعمل بحسبه، واعتباره وهو واضح، وان خفي عن الفاضل المعترض (وأقول) هو لم يخف عليه كيف وهو أبو عذرته كما حققه في شرح العضد في قول

ابن الحاجب الحقيقة اللفظ المستعمل في وضع أوّل حيث قال: هذا يحتاج لتمهيد مقدمة وهي أنّ في ليس ظرفًا للاستعمال تحقيقا، بل تقديرًا، فإنه لما تعلق بالمعنى تعلقا مخصوصا صار كأنه ظرف للاستعمال محيط به، ولا شك أنّ الاستعمال متعلق بالوضع ناشىء عنه بحيث يتصوّر فيه ظرفية تقديرية، فكما يقال

23

استعمل اللفظ في معنى كذا بناء عليها يقال استعمل في وضع كذا أيضًا لأنّ مآل الظرفية هنا إلى تعلق خاص تستعمل فيه اللام كثيرًا وان كان في أكثر وههنا أيضًا ما لها إلى السببية والباء فيه أكثر وفي تستعمل فيه أيضًا نتهى وليس إنكار خفائه وتكلفه مسموعا وان لم تنكر صحته فكيف يعترض عليه بما مرّ وليس الغافل إلا المعترض، ثم إنّ، الظرفية المجازية به إنما تظهر وتحسن إذا لم يكن مقارن في صالحًا للظرفية الحقيقية كما في التوضيح فليس وزان في كل ركعة وزانها في قوله المستعمل في وضع أول فتأمل، ثم قال: والذي أدّى إليه الخاطر القاصر أن اضطرابهم في هذه العبارة إنما نشأ من حمل الظرفية على اللغوية المتعلقة بتثني وهو مستقرّ، والتقدير تثني واقعة في كل ركعة، وقال بعض علماء العصر: لا يخفي ما فيه.

أمّا أوّلًا: فلأنه مع التقدير فيه لا فائدة فيه بالنظر لهذا المقام لتعزضه للوقوع في الركعة والكلام في بيان تكرارها وليس هذا قيد للتكرار بل خارج عنه.

وأمّ ثانيًا: فلأنه لا يصح قوله باعتبار كل ركعة إذ الصحيح أن تكرارها باعتبار تعذد كل

ركعة وفهمه من هذه العبارة في غاية الخفاء كما قاله السيد السند رحمه الله والمعترض لم يفهم مراده وفيه بحث وقيل إنه لا يبعد حمل العبارة على التضمين أي تثني مقروأة في كل ركعة وقيل يرد عليه أنه مع الاستغناء عنه فاسد لظهور أنّ التكرار ليس في حال القراءة في كل ركعة، بل في حال القراءة في الركعة الثانية والثالثة والرابعة، فإذا قلنا زيد يقوم في زمان قيام كل واحد من القوم لا يفهم منه إلا أن يكون قيام زيد مقارنا لزمان قيام كل واحد لا لزمان قيام المجموع من حيث هو مجموع فافهم. قوله: (أو الإنزال) عطف على الصلاة إلا أنّ العامل وهو تثني لا يظهر تعلقه به لأن تثنية الإنزال قد وقعت فعاملها فعل ماض لا مضارع، ففي هذه العبارة خلل ظاهر، ولذا قيل إنّ تثني للاستمرار بالنسبة إلى الصلاة وماض بالنسبة إلى الإنزال والتعبير بالمضارع لاستحضار الصورة وحكاية الحال الماضية بناء على وأي المصنص رحمه الله في جواز إرادة معني اللفظ معًا أو على عموم المجاز بأن يراد مطلق الزمان الشامل للماضي وغيره يعني أنّ المضارع لدلالته على الحال الحاضر الذي من شأنه أن يشاهد قد يذكر ليستحضر به ما مضى، فيستمر وتثني لاستحضار التسمية المعللة بالتثنية ولا يفعل ذلك إلا بما يهتم بمشاهدته لغرابته أو فظاعته، كما ذكره أهل المعاني، وهو مجاز، ولذا لما لزم المصنف الجمع بين الحقيقة، والمجاز أشار المحشي إلى دفعه بما ذكر ولا يخفى بعده لاختصاصه بما يستغرب ولا غرابة هنا، والأقرب عندي أن يقال إنّ المراعى تحقق الاستقبال وغيره زمان الحكم لا زمان

التكلم كما حقق في كتب الأصول والتسمية مقدمة على تثنيتها في الصلاة، وكذا على تكرار الإنزال لأنها توقيفية، فإن كان الواضع هو الله في الأزل فاستقبال الإنزال ظاهر وان كان الرسول ﷺ، فالتسمية في أوّل النزولين وتكرر النزول إنما يتحقق بالثاني فهو مستقبل من غير تكلف لتقدير متعلق أو عطف معمول ماض على معمول مستقبل، وأمّا كونه من قبيل.

*علفتها تبنًا وماء باردا*

فلا يخفى برودته وركاكته مع أنهم لم يذكروه إلا مع اختلاف الحدثين دون الزمانين وان

كان القياس لا يأباه فتدبر. قوله: (إن صح أنها نزلت بمكة) هذا بناء على جواز تكرّر النزول وهو في الآيات متفق عليه وفي السورة مختلف فيه، فأنكره بعضهم مطلقًا لعدم الفائدة فيه قيل ولذا قال المصنف: إن صح واستدل المنكر له بأنّ نزوله ظهوره من عالم الغيب إلى الشهادة والظهور به لا يقبل التكرر فإن ظهور الظاهر ظاهر البطلان كتحصيل الحاصل وايجاد الموجود ويرد بأنه ليس من هذا القبيل، وفي منازل السائرين من توإضع للدين لم يعارض بمعقول منقولًا، ولم يتهم دليلًا، ولم ير إلى الخلاف سبيلًا، وقال الزركشي في البرهان: قد ينزل الشيء مرتين تعظيمًا لشأنه وتذكيرا عند حدوث سببه خوفًا لنسيانه وفي جمال القراء للسخاوي فائدة نزول الفاتحة مرتين أنها نزلت أوّلًا على حرف، وبعده على آخر كملك ومالك، ويجري هذا في وجوه القرا آت وقد قيل إنها نزلت مرّة أخرى بعد تحويل القبلة ليعلم أنها ركن في الصلاة كما كانت وقيل: نزلت مرّة بالبسملة، وأخرى بدونها، واستحسنه ابن حجر والجزري، وبه جمع بين المذاهب، والروايات وسقط ما قاله المعترض من أنه لا فائدة في تكرر النزول، وذهب الغزالي رحمه الله إلى أنه ليس في القرآن

24

مكرر أصلًا لأنه يفسر بمعان مختلفة وما توهم من أنه لو تكرّر نزولها كانت أربع عشرة آية توهم باطل ومعنى قوله إن صح الخ إن صح مجموع هذين الأمرين لأنه لا تردّد في نزولها بمكة ولذا قيل لو قال إن صح أنها نزلت بالمدينة لما حوّلت القبلة وقد صح الخ كان أوضح وأخصر، وقد علم مما مرّ أنّ في تكرّر النزول مذاهب. قوله: (وقد صح أنها مكية الخ) هذا قول ابن عباس وأكثر الصحابة والمفسرين والمراد بكونها مكية أنها نزلت بمكة لأنه أشهر معانيه كما سيأني وقيل: إنه لم يقل نزلت بمكة لأنه ليس بصدد إثبات ما في الشرطية بل بصدد بيان كون السورة مكية باصطلاح المفسرين وأمّا القول بأنها مدنية وهو قول مجاهد فقد قيل إنه هفوة منه والقول بأنّ بعضها مكي وبعضها مدنيّ في غاية الضعف، وكون المراد بالسبع المثاني في الحجر الفاتحة عليه أكثر المفسرين، وقد ورد التفسير به مسندا إلى النبي ﷺ في صحيح البخاري وقيل هي السبع الطوال وقيل الحواميم وقيل غير ذلك، فإن قيل اسمها السبع المثاني والواقع في الآية سبعا من المثاني فلم جعلت عين المثاني قيل من في الآية بيانية فمؤداهما واحد لأن الجار والمجرور صفة والمعنى سبعًا هي المثاني مع أنّ كونها مثاني مخصوصة لا ينافي كونها بعضا من مطلق المثاني وكونها مكية

بالنص على ما في بعض النسخ وقد سقط من بعضها، وأورد عليه أنّ المكية والمدنية إنما يعلم من الصحابة والتابعين لا بالنقل عن النبي ﷺ، فإنه أمر لم يؤمر به ولا يلزم بيانه؟ " ضاسخ والمنسوخ كما نقله في الإتقان، وفيه أنه لا مانع من نقله عنه عليه الصلاة والسلام كان يقول بمكة أو بالمدينة بملا من الصحابة (أنزل علئ اليوم أو الساعة كذا) ثم ينقل ذلك عنه عليه الصلاة والسلام وقد وقع مثله وقيل المراد بالنص هنا نص العلماء أي تصريحهم بأنها مكية فهو بالمعنى اللغوي، والنص له معان منها اللفظ المفيد لمعنى لا يحتل غيره ويقابله الظاهر، ومنها ما يقابل القياس والإجماع والاستنباط فيراد به أدلة الكتاب والسنة، ويطلق في الفروع على ما يقابل التخريج أي القول المأخوذ من النعى، كما قاله ابن أبي شريف رحمه الله، وقيل إنه هنا بمعناه المتعارف، فإنّ ما قبلها وما بعدها إلى آخر السورة في حق أهل مكة، وظاهر أن الله لم يمن على النبي ﷺ بإتيانه السبع المثاني بمكة ثم نزلها بالمدينة، وما قيل عليه من أنه لا بعد في الإمتنان بما هو محقق الوقوع قبل وقوعه لبيان شأنه، وقد وقع قوله. ﴿إِنَّا فَتَحْنَا﴾ [الفتح: ا، الآية والمجاز المتعارف يساوي الحقيقة في جواز الإرادة فلا يعترض عليه بأنّ الأصل الحقيقة سقوطه في غاية الظهور لأنه لا يدفع الظهور، وأمّا بعد صلاة النبي ﷺ بمكة بضع عشرة سنة بلا فاتحة الكتاب، وفرض الصلاة كان بمكة ففيه أنه أمر ظني مستقل في إثبات مكيتها خارج عن الاستدلال بالآية والكلام فيه، وقيل المراد بالنص صريح النقل عن الصحابة لأنه ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما، وكلام الصحابة فيما لا اجتهاد فيه له حكم المرفوع، فلذا أطلق عليه النص، وبما ذكرناه علم حال ما قيل من أنا لا نسلم أنّ المراد بالسبع المثاني في الآية الفاتحة للاختلاف في تفسيرها وكون آتيناك فيها من قبل، ونادى أصحاب الجنة، وأنه لو سلم لا ينافي نزولها مرة أخرى بالمدينة ولا يخفى عليك أنّ كون ما قبلها، وما بعدها في حق أهل مكة إنما يكون مؤيدًا على القول بأنّ المكي ما كان في حق أهل مكة، والمشهور خلافه، وكون سورة الحجر نزلت بمكة بعد الفتح لم يقل به أحد، وفيه نظر، وفي الوجيزأنّ ترتيب السور، ووضع الشملة في أوّلها بوحي له عليه الصلاة والسلام، ولو كان من الصحابة لكان بحسب النزول، ولا خلاف في ترتيب الآيات، وقال ابن عطية: إن زيدا رضي الله عنه لما جمع القرآن في المرة الأولى جمعه غير مرتب السور، ونقل عن القاضي أن ترتيب السور اليوم من تلقاء زيد رضي الله عنه مع مشاركة عثمان رضي الله عنه، ومن معه في المرة الثانية، وذكر نحوه مكي أيضا والصحيح أنه بوحي له عليه الصلاة والسلام في العرضة الأخيرة.

بسم الله الرحمن الرحيم

ويقال لمن قال بسم الله الرحمن الرحيم: بسمل بالنحت كحمدل وحوقل، وهو كثير في

كلام العرب إلا أنه قيل إن بسمل لغة مولدة لم تسمع من النبيّ لمجيرو، ولا من فصحاء العرب والمشهور خلافه، وقد أثبتها

25

كثير من أهل اللغة كابن السكيت والمطرزي، ووردت في قول عمر بن أبي ربيعة:

لقد بسملت ليلى غداة لقيتها فياحبذاذاك الحديث المبسمل

قوله: (من الفاتحة الخ) في البسملة في غير النمل، فإنها فيها بعض آية بالاتفاق أقول عشرة.

الأوّل: أنها ليست آية من السور أصلأ.

الثاني: أنها آية من جميعها غير براءة.

والثالث: أنها آية من الفاتحة دون غيرها.

الرابع: أنها بعض آية منها فقط.

الخامس: أنها آية فذة أنزلت لبيان رؤوس السور تيمنا، وللفصل بينها وهذا وإن ارتضاه متأخرو الحنفية لا نظير له إذ ليس لنا قرآن كير سورة، ولا بعض منها.

السادس: أنه يجوز جعلها آية منها وجعلها ليست منها بناء على أنها نزلت بعضًا منها

مرّة، ولم تنزل أخرى لتكرّر النزول استقلالًا أو لمدارسة جبريل له عليه الصلاة والسلام في كل عام، وهكذا سانر القراآت وهو المشار إليه في حديث: أنزل القرآن على سبعة احرف كلها كاف شاف وهذا أغربها، وكان ابن حجر يرتضيه، ويقرّره في دروسه، ويدفع به الاعتراض بأنّ القرآن فطعيّ التواتر، فكيف يصح إثباته، أو نفيه، بدونه، فيقول: إثباتها ونفيها حينئذ متواتران كسائر القراآت، وقد نقله القرّاء كأبي شامة وغيره، وأطنب في تحسينه السيوطي في حواشيه، فإن قلت لو سلم هذا لجاز على سائر المذاهب الجهر بها وعدمه ولا قائل به، وأيضا لم يعهد في وجوه القرا آت اختلاف في الآيات بل في الحروف وهيآتها، ووقع في بعض حروف المعاني، وهذا سرّ التعبير عن القرا آت بالأحرف في الحديث وتقليلها، وان اندفع به الاعتراض بأنه قرىء بالبسملة في السبعة، وهي متواترة فيما عدا الأدأء، فكيف صح تركها قلت: هذا غير وارد، فإنه يجوز ترجيح أحد المتواترين، وان لم يبلغ غيره مرتبته مع تواتره كما في وجوه القرا آت السبعة، وكونه خلاف المعروف يبعده ولا يبطله.

والسابع أنها بعض آية من جميع السور كما نقله السيد رحمه الله والثامن أنها آية من الفاتحة وجزء آية من السور.

والتا سع: عكسه.

والعاشر: أنها آية فذ وان أنزلت مرارًا، وعلى هذا اختلف الأداء وبنوا علية فصلها ووصلها وتركها، فابن كثير وعاصم والكسائي يعتقدون أنّ البسملة آية من كل سورة الفاتحة وغيرها وقرّاء المدينة، وأبو عمرو يرونها آية من الأوائل وحمزة يراها آية من الفاتحة فقط كما تاله الجعبري.

والمصنف سكت عن سائر السور، فلا ينافيه أنّ قزاء مكة ومن تبعهم ذهبوا إلى أنها آية

من كل سورة مصدرة بها، وكلامه شامل لكونها آية وبعض آية، وقرّاء مكة ابن كثير ورواته، والكوفة عاصم وحمزة والكسائي ورواتهم، والمدينة نافع ورواته، والبصرة أبو عمرو ويعقوب ورواتهما والشام ابن عامر ورواته، ومالك من فقهاء المدينة، والأوزاعي هو الإمام عبد الرحمن الشامي منسوب للأوزاع، وهي قبيلة معروفة، وذكر مالك والأوزاعي من ذكر الخاص بعد العام للتنبيه على جلالته. قوله: (وفقهاؤهما) كذا هو في كثير من النسخ بالتثنية رجوعا إلى البصرة، والشام فقط دون المدينة. وفي الكشاف: وفقهاؤها بضمير الجمع للجميع، وتعقبه البلقيني بأنه يقتضي اتفاق أهل المدينة عليه وليس كذلك، فإنّ جماعة من فقهاء المدينة من الصحابة والتابعين كابن عمر والزهري وغيرهما يرونها آية من الفاتحة وغيرها، فكأن المصنف رحمه الله غير عبارته إشارة إلى إصلاحها بذلك، وفي بعض النسخ فقهاؤها كما في الكشاف، وقدّم كونها من الفاتحة على خلافه ترجيحًا لمذهبه، ولذا عكسه الزمخشري. قوله: (ولم ينص أبو حتيفة الخ) ضمير فيه يرجع إلى كونها من الفاتحة المعلوم من السياق، وهي المراد بالسورة لحضورها أو كل سورة، ولما كان المصنف رحمه الله شافعيا قائلًا بمفهوم المخالفة مع أنه مراعى في الروايات وعبارات المصنفين، ومفهوم قوله لم ينص أي لم يصرّح أنّ في كلامه إشارة، وتلويحا يورث الظن كاخفائها في قراءة الصلاة، فصح تفريع قوله فظن عليه فلا يرد عليه أنّ عدم النص على الشيء نفيا واثباتا لا يتسبب ويتفزع عليه ظن عدمه، ولا حاجة إلى ما قيل إنه بناء على أنه من أهل الكوفة الذاهبين إلى كونها من الفاتحة كما مر، فسكوته يشعر بمخالفته لهم لما تقرّر في الأصول من أنّ السكوت في موضع الحاجة إلى البيان بيان ولا مرية في أنّ هذا موضعه، وأورد عليه أن سكوته يجوز أن يكون احترازًا عن الخوض فيما لا دليل عليه كما ذهب إليه الإمام أو لتعارض أدلته، واقتصر على الظن دون

26

نفي القرآنية رأسا لأنه أدنى مراتب الخلاف مع قيام الأدلة على قرآنيتها، وكذا ذهب بعض الحنفية إلى أن الصحيح أنها آية فذة أنزلت للفصل أو لبيان أوائل السور فلا يرد عليه الفاتحة حتى يقال هو بالنسبة لعود الخاتم إلى الصدر. وقوله: (ليست من السورة عنده) يحتمل القولين وقيل الفاء لمجرّد تأخر الظن عن عدم

النص، وسبب الظن أمر بالإسرار بها، وقال الكرخي: لا أعرف هذا المسألة بعينها لمتقدمي أصحابنا إلا أن أمرهم باخفائها يدل على أنها ليست من السورة، وقيل: إنه لم ينص فيها بشيء ظن أنه أبقاها على أصلها من العدم حتى يظهر الثبوت وقيل: ظن في هذه العبارة ليس فعلاَ مجهولًا بل مصدر منوّن مرفوع لأنه خبر أنّ مقدم والمراد تزييف نسبته إليه، والردّ على الزمخشري في قوله: إنه مذهب أبي حنيفة تلميحًا لقوله تعالى: ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ (قلت) وهو من بعض الظن أيضا. وما في الكشاف: إن لم نقل أنه ظفر برواية عنه بناء على إطلاق مذهب أبي حنيفة على ما يشمل كلام أصحابه كما هو المتداول بينهم. فمان قلت: كيف يصح القول بأنها ليست منها وأن أبا حنيفة لم ينص فيها بشيء مع أنّ محمد بن القاسم، والبرهان الكافي وغيرهما نقلوا عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى إيجابها في الصلاة، حتى قال الزيلعي رحمه الله: يجب سجود السهو بتركها، ونقل عن المجتبى وجوبها في كل ركعة قلت: قال أستاذي المقدسي في كتاب الرمز عن شرح المختار لشيخه السمديسي: إنها ليست بواجبة فقد حكى المحققون كالإمام أبي بكر الرازي والكاشافي وغيرهما أن الخلاف في السنية لا في الوجوب، وقال بعض المحققين: القول بوجوب البسماة ليس له أصل في الرواية وما نسب إلى أبي حنيفة من الخلاف في الوجوب من طغيان اليراع، وكذا ما ذكره الزيلعي ويلزم مما ذكر أنها ليست آية من غيرها أيضًا إذ لا قائل بأنها آية من غير الفاتحة فقط قوله: (وسئل محمد الخ) الدف والدفة بفتح الدال المهملة وتشديد الفاء الجنب من كل شيء، ودفتا المصحف جانبا جلده المتضمن له ونحوه وهو أيضًا لم ينص على نفي، وإثبات تأدّيا وان كان المراد قرآنيتها، والمراد المصاحف العثمانية القديمة المتداولة، فلا يرد كتابة القنوت في مصحف ابن مسعود رضي الله عنه. فإدط قلت: ما بين دفتي المصحف صور الألفاظ ونقوشها وكلام الله إمّا لفظيّ أو نفسيّ فما وجه إطلاقه عليها.

قلت: في المواقف أنّ الكلام يطلق بالاشتراك عليها وعلى صور الألفاظ، والصور دلائل

ألفاظ القرآن، ولشذة الامتزاج يقال لها قرآن انتهى وأورد عليه أنه كلام متناقض، لأنّ قوله بالاشتراك يقتضي أنه حقيقة، وقوله لشدة الامتزاج يدل على أنه مجاز، وهو من إطلاق الدال على مدلوله، وفي قوله لشذة الامتزاج تسامح ظاهر، ورذ بأنه لا منافاة لأنه مجاز بالعلاقة المذكورة شاع فصار حقيقة عرفية، ولما قال محمد: هذا قيل له لم نسرّ بها فلم يجب إشارة إلى أنه أمر تعبدي لا ينبغي الخوض فيه، وما قيل في توجيهه من أنّ نزولها للفصل والتبرك ولا يلزم أن يثبت لها سائر أحكام القرآن، أو هي لقوّة الشبهة في قرآنيتها في أوائل السور ألحقت بالأذكار، والأصل فيها استحباب الإسرار فسكوت محمد رحمه الله أبلغ منه، فإنها كيف تكون للفصل، وهي في الابتداء، ولو قيل بالتبرك وحده، فهو لا يدري مع الإخفاء، والحاق القرآن بالأذكار فيه عبرة لأولى الأبصار فتدبر. قوله: النا أحاديث كثيرة الخ) أي يدل لنا، والأحاديث

جمع حديث لا أحدوثة على خلاف القياس والضمير لأصحاب المذهب الأوّل، وقد عرف ًان منهم من يقول بكونهم بعض آية من السور، وان لم يذكره المصنف، كما أنّ منهم من يقول بكونها آية من كل سورة وهم المذكورون على ما في الكشاف وشروحه. فمجموع الفريقين يستدل على المدعى الأعمّ المشترك بالحديثين على التوزيع أي من يقول بكونها آية من كل سورة يستدل بحديث أبي هريرة رضي الله عنه على جزء دعواه وهو المعنى الأعم، ومن يقول بكونها بعض آية من السورة يستدل بحديث أم سلمة رضي الله عنها عليه، وما قيل. من أنّ الاستدلال على جزء المدعى بما ينافي الكل غير مستحسن خصوصا عند الحاجة إلى ارتكابه لا وجه له إذ عدم المنافاة ظاهر، وأما الإجماع والوفاق مع المبالغة في التجريد فلنمي مذهب المخالف إذ لا يلزم من كونها كلام الله بل من القرآن كونها من الفاتحة، ونقل عن المصنف هنا حاشية، وهي هذان الدليلان يدلان على أنها من القرآن

27

لا أنها من الفاتحة اللهم إلا أن يضم إلى الدليل الأوّل في كل محل أثبتت فيه، والى الثاني عما ليس بقرآن في محله والقيدان في حيز المنع انتهى.

وأنت تعلم أنه على تقدير تسليم القيدين لا يلزم كونها جزأ من الفاتحة لجواز كونها قرانأ

في صدر السورة، وليست جزأ منها، وكون القرآن مفصلًا سورا وسوره آيات فإذا كانت من القرآن كانت من سوره قطعًا ممنوع عند الخصم واذا حمل قوله ليست من السورة عنده على.، ذهب إليه المتقدمون لم يكن المصنف رحمه الله متعرّضا إلا لخلاف من قال: إنها ليست ص، القرآن أصلًا لا لمن قال إنها آية فذة فيلزم من قرآنيتها كونها من الفاتحة لعدم القاثل بالفصل إلا أنه إنما ينفع في إلزام الخصم لا في إثبات المدّعى وهذا تحقيق حقيق بالقبول، وإن كان هـ أعلى أنّ المراد بالسورة في كلام المصنف رحمه الله الجنس لا الفاتحة بقرينة مقابلة وتد مز، وتفصيله في المطوّلات، فاستدل الشافعيّ رحمه الله بهذا الحديث، وما ضاهاه، وتد قيل عاء4 إنه موقوف، وفي سنده ضعف، وهو معارض بما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أيضًا أ / " تعالى قال: < قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل فإذا قال الحمد لله رب العالمين قال الله حمدتي عبدي >) 3) الحديث. وما ذكر خبر واحد والمسألة مما يطلب هـ " اليقين. وأجيب بأنه روى من طرف أخرى تقوّى بها وأنّ له حكم المرفوع لأنّ مثله لا يقال. من قبل الرأي، وما رووه من الحديث القدسي مداره على العلاء بن عبد الرحمن وقد ضعمه الم،

معين، وهو انفرد بروايته مع احتماله التأويل بأنّ التقسيم لما يخص الفاتحة والبسملة مشتركة بينها وبين غيرها، وردّه ابن عبد السلام رحمه الله بأنّ ظاهره ليس بمراد، لأنّ الصلاة ليست مقسومة بالإجماع بدليل السورة المضمومة بل بعض القراءة، فالتقدير قسمت بعض قراءة الصلاة، وبعض قراءة الصلاة لا يستلزم الفاتحة فالمقسوم بعض الفاتحة، ونحن نقول به انتهى. وفيه نظر بعد، وكونه مما يطلب فيه اليقين قول القاضي أبي بكر الباقلاني، وقد خالفوه

حتى قال القرطبي رحمه الله المسألة اجتهادية ظنية لا قطعية، كما ظنه بعض الجهلة من المتفقهة.

) أقول (فيه إنّ القرآن على المشهور إنما ثبت بالتواتر وهو قطعي، فكيف يقال إنّ المسألة

ظنية ويجهل من قال بقطعيتها وقد أجيب بأنّ المتواتر كونه منزلًا من عند الفه للإعجاز بنوعه وقرآنيته وأمّا كونه جزأ منه في بعض معين فليس بمتواتر والا لم يسمع الاختلاف فيه، وتحقيقه كما في تفسير السمين المسمى بالوجيز أنّ الأحاديث تدل على أنّ البسملة آية من الفاتحة، وهي متعاضدة محصلة للظن القوي بكونها قرآنآ والمطلوب هنا الظن لا القطع خلافًا لأبي بكر الباقلاني حيث قال: لا يكتفى هنا بالظن، وشنع على الشافعية، وقال: كيف يثبت القرآن بالظن، وأنكر عليه الغزالي رحمه الله، وأقام الدليل على الإكتفاء بالظن، فيما نحن فيه كحديث كان النبي ﷺ لا يعرف ختم السورة حتى تنزل عليه بسم الله الرحمن الرحيم (1 (والقاضي معترف بهذا، ويتأوّل على أنها كانت تنزل، ولم تكن قرآنًا، وليى كل منزل قرآنا قال الغزالي رحمه الله ما من منصف إلا وششبرد هدّا التأويل ويضعفه انتهى.

(أقول (هذه مسألة أصولية اختلف فيها وحاصلها أنه هل يكفي فيما نحن فيه الظن لأنّ التواتر إنما يشترط فيما يثبت قرآنًا على سبيل القطع كغيرها من القرآن فأما ما يثبت قرآنا على سبيل الحكم فيكفي فيه الظن كما مرّ عن الغزالي ومعنى كونه على سبيل الحكم أنّ له حكم القرآن مبن الكتابة بين الدفتين ووجوب القراءة وهو الأصح عند الشافعية وذهبت الحنفية إلى أن كل ما يشمى قرآنا لا بد فيه من القطع والتواتر في نفسه ومحله كما في سورة النمل، وما بين السور ليس كذلك فحيث انتفى ذلك انتفت القرآنية والشافعية مختلفون في هذه المسألة، فمن ذاهب إلى المنع على الأصح عندهم، ومن ذاهب إلى التسليم مذع لثبوت موجبه لأنّ اثباتها في جميع المصاحف في معنى التواتر وانما لم يتواتر تسميتها قرآنا، وآية بالنقل عنه عليه الصلاة والسلام إذ لو تواتر لكفر جاحدها، وهو لا يكفر بالاتفاق بينهم، ولا ضير فيه إذ لا يلزم من انتفاء تحققه تحقق انتفائه، وهو المذعى لهم.

قوله:) وقول أمّ سلمة الخ) هي أمّ المؤمنين رضي الله عنها من كبار الصحابة وسلمة بفتح

السين المهملة واللام والميم، وحديث أبي هريرة رضي الله عنه أخرجه الطبراني وابن مردوية والبيهقي وصحح الدارقطني ما يفيد معناه وحديث أمّ سلمة رضي

28

الله عنها لم يثبت بهذا اللفعل، وانما الوارد في طرقه أنه عد البسلمة آية وصحح البيهقي بعض طرقه، وتفصيله في حاشية السيوطي رحمه الله، وقد طعن الطحاوي فيه بأنه رواه ابن مليكة ولم يثبت سماعه منها مع أنه روى عنها ما يخالفه.

وأجيب: بأنّ له حكم الاتصال لأنه تإبعي أدركها وعدم السماع خلاف الأصل وقد روى الشيخان ما يعارضه من حديث كان رسول الله ﷺ يفتتح القراءة بالحمد لله رلث العالمين وتأويله بأنّ معناه يفتتح القراءة بهذه السورة لأنه علم لها خلاف الظاهر، وقد رووا أحاديث كثيرة تؤيده، وقد حمل النفي الواود على نفي السماع والجهر، وقيلى: إنّ عليا رضي الله عنه كان مبالغًا في الجهر فشدد بنو أمية في المنع منه إبطالًا لآثاره، واضطراب رواية أنس فيه لا يبعد أن يكون لخوف بني أمية، ولا يخفى فساده لما فيه من سوء الظن بالسلف، وقول الدارقطني: لم يصح في الجهر حديث يشهد على فساده وما قيل من أن الخلاف في التسمية ينفي تواتر القرآن، فلا بد من القول بعدم جزئيتها حتى يكون القرآن متواترًا ردّ بما في النشر من أنّ هذا الاختلاف كاختلاف القراآت بالزيادة والنقص، ولكنها عند الجمهور ليس لها حكم القرا آت في جواز الترك احتياطا ليحصل الخروح من فرض الصلاة يقينا. قوله: (ومن أجله الخ (بإفراد الضمير أي من أجل اختلاف الرواية، أو من أجل ما ذكر، وفي بعض النسخ من أجلهما بضمير التثنية أي من أجل الروايتين أو الحديثين، فإن قلت: الحديثان متعارضان، وليس هذا مما يقع فيه النسخ حتى يقال: المتأخر ناسخ للمتقدّم ما لم يمكن الجمع بينهما. قلت: قد جمع بينهما بأنّ أمّ سلمة فهمت كونها بعض آية من الوصل والوقف على العالمين، وهو لا يدل على ذلك مع أنّ حديث أمّ سلمة لم يصح بهذا اللفظ، كما في الإتقان. قوله: (والإجماع على أنّ الخ) هو مرفوع لعطفه على أحاديث أو لأنه مبتدأ خبره على أنّ الخ. قيل: من المخالفين من نفي كونها من الفاتحة، ومنهم من نفى كونها في أوّل السورة قرآنا، والمصنف أراد أن يصرح برد كل منهما فأتى بالأحاديث لرد الأوّل وبالإجماع لردّ الثاني والإجماع المشهور قول وفعل، والأوّل أقوى ولذا قدّمه وعبر عن الثاني بالوفاق، وأورد عليه أنهما لا يثبتان كونها جزأ من الفاتحة لما مرّ، وجوابه يعلم مما قدمناه، والمراد بالمصحف هنا المصحف العثماني، وما جرى على وسمه من المصاحف القديمة، وهي مجردة عن أسماء السورة وغيرها فلا يرد أنه يكتب في المصاحف أسماء السور وعدد آياتها، وكونها مكية أو مدنية ولو أطلق، فالمراد بما فيه ما فيه احتمال القرآنية، وهذه خارجة بالإتفافي، والمخصص عقلي فبقي الثاني على عمومه قطعًا وثبت بحجة قطعية أو أمر ظني كما مرّ، فلا يرد أنّ العام إذا خص منه البعض لم يبق

حجة قطعا ولا حاجة إلى الجواب بأنه مميز بكتابته بلون آخر أو خط آخر، وما نقل عن ابن مسعود رضي الله عنه من أنّ الفاتحة والمعوّذتين ليست من القرآن لا أصل له، وأن اذكر في مطاعن القرآن من الكلام. قوله: (مع المبالنة في تجريد القرآن الخ) يعني أنّ الإجماع والإتفاق المذكورين مع المبالغة ني تجريده بحسب الظاهر يقتضي أنها من القرآن في ذلك المحل، والمخالف فيه لا يسلمه ويقول: إنه إنما يقتضي أنها قرآن وأمّا كونها من السورة، فلا ولا يرد أنه لا نزاع في هذا الإجماع، فكيف جاز للحنفية مخالفته، وقد روى عن ابن مسعود رضي الله عنه جرّدوا القرآن، ويروى جرّدوا المصاحف أخرجه عبد الرزاق والطبراني عن ابن عباس وعن ابن مسعود أنه كان يكره التعشير في المصاحف، وقال البيهقي: المراد لا تخالطوا به غيره وعن قرظة بن كعب أنه قال لما خرجنا إلى العراق قيل: إنكم تأتون أهل قرية لهم دويّ بالقرآن كدوقي النحل، فلا تشغلوهم بالأحاديث، فتصدوهم وجرّدوا القرآن كما في غريب الحديث. وفيه أنه يحتمل أمرين التجريد في التلاوة وأن لا يخلط به غيره والتجريد في الخط، والنقط والتعشير حتى قيل يكره نقطه وشكله وأوّل من فعل الأوّل أبو الأسود الدؤلي، وأوّل من فعل الثاني الخليل بن أحمد، والمتأخرون على أنه بدعة حسنة، وقيل: هو أمر بتعليم القرآن وحده دون غيره من كتب الله لتحريفها. قوله: (حتى لم يكتب آمين) غاية لتجريد القرآن عن غيره، لأنها أبعد أفراد ما ليس بقرآن عن عدم الكتابة لأنها مأمور بذكرها بعدها، ولذا قيل إنه دليل على السلب الكلي المستفاد من المبالغة في التجريد، وهو لا شيء مما ليس من

29

القرآن أذن في كتابته لأنّ أنسب الأشياء بالإذن آمين، فإذا لم يؤذن فيه كان غيره أولى، وقد قيل عليه لا نسلم هذا بل أنسب الأشياء مما ليس من القرآن البسملة، فإنّ من ذهب إلى أنها ليست من القرآن يقول أثبتت فيه للتبرك والفصل، والإذن من الشارع إلى غير ذلك مما لا يوجد في آمين ولا يخفى أنه محل النزاع 0 قوله: (والياء متعلقة بمحذوف الخ (تقديره أي تقدير المحذوف وحروف الجرّ تسمى حروث- الإضافة أيضًا وهي تفضي بمعاني الأفعال وما أشبهها، وما يفضي بمعناه يسمى متعلقا لها بفتح اللام وهي متعلقة بكسرها وقد يعكس ذلك، ثم قال: وسائر الظروف منها ما هو لغو، وما هو مستقرّ بفتح القاف لأن معنى العامل استقرّ فيه فهو من الحذف والإيصال، واختلف في تفسيرهما فقيل: اللغو ما يكون عامله مذكورًا، والمستقرّ ما يكون محذوفا مطلقًا، وقيل: المستقرّ ما يكون عامله عامّا من معنى الحصول والاستقرار، وهو مقدّر واللغو بخلافه كما في اللب، ويسمى مستقرّ التقدير معنى الاستقرار، والمفهوم من اللب وشرحه أنّ اللغو ما يكون عامله خارجا عن الظرف غير مفهوم منه سواء ذكر أو لا والمستقرّ ما فهم منه معنى عامله المقدر الذي هو من الأفعال العامة، ولما كان تقدير الأفعال العامة مطردًا اعتبره النحاة، وفسروا المستقرّ بما عامله محذوف عام وكائن المقذر هنا من كان التامة، وإلا تسلسلت التقديرات، كما قاله الفاضل الشارح، وتقديره خاصًا هنا لأنه أولى عند قيام قرينة الخصوص، وأتم فائدة وكون

هذا لغوًا أو مستقرّا علم مما ذكر، والحاصل أنّ متعلقه أما مذكور أو محذوف، وعلى الثاني مؤخر أو مقدم عام أو خاص، فعل أو اسم، مفرد أو جملة، ويضم له معاني الباء فتزيد احتمالاته على ثلاثين، واختار المصنف منها كونه فعلًا خاصًا مؤخرا، وفي الكشاف تقديره أقرأ أو أتلو إشارة إلى أنه لا يتعين هنا لفظ بل كل ما يؤذي هذا المعنى ولظهوره تركه المصخف فلا يتوهم أنّ الأحسن ذكره كما قيل. قوله: (بسم الله أقر " بلفظ المضارع ورجح بعضهم تقديره ماضيا لوروده كذلك كما في الحديث " باسم ربي وضعت جنبي " (1 (ومنهم من قدره أمرا وعن الفراء أنه قال المقدّر فعل أمر لأنه تعالى قدم التسمية حثا 4 للعباد على فعل ذلك، فالتقدير ابدؤا أو اقرؤا ورواه السيوطي عن ابن عباس رضي الله عنهما، وهو المناسب لتعليم العباد الآتي. قوله: (لأن الذي يتلوه مقروء الخ) ضمير يتلوه للفظ التسمية، ومقروّ بتشديد الواو وتخفيفها قبل همزة لأنه يقال: صحيفة مقروّة ومقروأة ومقرية، والمراد بما يتلوه ما جعل التسمية مبدأ له، وفي الحواشي الشريفية فإن قلت: الأولى أن يقال لأنّ الذي يتلوه قراءة لأنّ المقصود افتتاح القراءة بالتسمية كما يدل عليه قوله وكذلك يضمر كل فاعل الخ قلت: المراد بتلو المقروّ تلو القراءة لاستلزامه إياه وانما ترك ذكره ودلّ عليه يتلو المقروّ رعاية للمجانسة بين التالي والمتلو إذا أمكنت، وبيانه أنّ البسملة يتلوها فيما نحن فيه شيئان.

أحدهما: من جنسها ويتلو ذكره ذكرها وهو المقروّ.

والثاني: من غير جنسها، ويتلو وجوده ذكرها، وهو القراءة، وتلو كل واحد منهما مستلزم تلو الآخر، فصرّح بتلوّ الأوّل ليفهم الثاني مع المحافظة على التجانس، وإنما قلنا إذا أمكنت الرعاية، لأن تسمية الذابح مثلًا لا يتلوها إلا الذبح لتبع وجوده لذكرها، وأمّا المذبوح فلا يتغ ذكرها لا في الوجود ولا في الذكر فلا يستقيم أن يقال ما يتلو التسمية مذبوح انتهى. فإن قلت على تقدير كونها من القرآن أو السورة كيف يتأتى تقدير أقرأ فعل المتكلم وهي متقدمة على قراءة هذا القارىء بل على وجوده وكيف يتأتى أن يقال القراءة قرينة لهذا المقدر، فينبغي أن يقدر اقرؤا من أمر الله للعباد ليتحد قائل الملفوظ، والمقدر، ويكون على نسق ما نطق به التنزيل. قلت: الظاهر أنه على هذا يقدر قبل قراءة كل قارىء ويكون إخبارًا منه تعالى عما يصدر من عباده وليس المراد باقرأ متكلما مخصوصا، بل من يصح منه التكلم على حد قوله: ﴿وَلَوْ تَرَىَ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ﴾ [الأنعام: 27] وبعد الوقوع ينوي كل بالضمير نفسه كما في الاستفتاح بقوله: " وجهت وجهي " الخ ومن هنا يتبين لك وجه جعل القرينة المقروّ دون القراءة، لأن ذلك القدر اقتضى تقديره في الأزل يدل عليه المقروّ قبل وجود القراءة، فعبر به

المصنف رحمه الله بناء على مذهبه، والزمخشري ليشمل المذاهب فلا حاجة لما ذكره قدس سره ولا للاعتذار بأنّ القرينة اللفظية أظهر، ثم قوله إنّ المذبوح الخ إن أراد به

30

الشاة وإن لم تذبح، فمثله لا يسمى مذبوحا حقيقة، وان أراد بعد تعلق الذبح به، فكونه لا يليه في الوجود غير مسلم إذ المذبوح من حيث هو مذبوح تال له بلا مرية، فإن قلت مقدّرات القرآن هل هي منه حتى يطلق عليها كلام الله أم لا قلت: معانيها مما يدل عليها لفظ الكتاب التزاما للزومها في متعارف اللسان فهي من المعاني القرآنية، وأمّا ألفاظها فليست منه لأنها معدومة، ومنها ما لا يجوز التلفظ به أصلًا كالضمائر المستترة وجوبا، وأمّا جعلها مقدرة فامر اصطلاحي ادّعاه النحاة تقريبا للفهم، فانظره فإنه من الحور المقصورات في الخيام، ثم إنّ في جريان هذا التقدير على القول بأنها آية فذة، ولذا وقف عليها بعض القراء نظر أو بتفسير ما يتلوها بما مر مما قصد جعله تاليًا لها، وجعلت مبدأ له، وان كان يقارنه غيره سقط ما قيل من أنّ الذي يتلوها، كما وقع عليه القراءة وقع كثير من الأفعال، ككونه ملفوظا ومحدثا ومؤلفا وغير ذلك، والمراد بقوله: كل فاعل الفاعل الذي جعل التسمية مبدأ لفعله بقرينة السياق لسقوط غيره عن درجة الاعتبار، والمراد بالإضمار معناه اللغوي أي أنّ كل فاعل يتصوّر ما هو بصدده من الأفعال، فالظاهر أن يقدر بحسب الصناعة ما يليق به، فلا يرد عليه ما قيل لا نسلم أنّ كل فاعل يضمر اللفظ المذكور بل يقصد المعنى، وينويه ولا حاجة إلى الجواب: بأن النفس تعوّدت ملاحظة المعاني، وأخذها من الألفاظ حتى تناجي نفسها بألفاظ متخيلة كما نقله السيد عن ابن سينا، وان كان هذا أمرًا عقليا وجدانيًا لا منطقيا اصطلاحيا كما توهم، ثم اختار مقروّا على متلوّ مع ما فيه من التجنيس حتى قيل: إنّ تقديره أحسن لما فيه من الإبهام المشوس لذهن السامع فما اختاره أظهر، وبمقام التفسير أنسب قوله:) وكذب يضمر الخ) أي كالقارىء الذي يضمر القراءة التي جعلت التسمية مبدأ لها يضمر الخ، وهذا تتميم للفائدة بوضع قاعدة مطردة كلية في تقدير كل متعلق باسم الله، وقد تبع 10 لمصنف في هذه العبارة الزمخشري، وفيها تسامح كما في عامة حواشيه، فإنّ التسمية جعلت مبدأ للفعل الحقيقي كالقراءة والحلول والإرتحال، والمضمر الفعل النحوي الدال عليه فلا بد من تقدير في الكلام في آخره بأن يقدر ما جعل التسمية مبدأ لمعناه أي معنى مصدره، وهو معناه التضمني أو في أوّله بأن يقدر لفظ ما تجعل التسمية مبدأ له وهذا مختار الشريف تبعا للشارح المحقق، وتبعه المحشون للكشاف وهذا الكتاب، وقد قيل عليه إنّ اعتبار الحذف قبل مسيس الحاجة إليه غير مرضي وهنا كما يحتمل أن يكون المراد بكلمة ما في عبارتهم المذكورة المعنى يحتمل أن يكون اللفظ، ووقوعها بعد قوله يضمر الخ يقتضي الثاني، فالأول الحمل عليه بلا تقدير، فإذا جاء قوله ما جعل التسمية الخ مست الحاجة للتقدير فيقدر فيه معنى، ويؤيده أنّ ما جعل التسمية مبدأ له الفعل الحقيقي أي القراءة، والمضمر فعل اصطلاحي، وهو أقرأ والقول بأن أقرأ لفظ للقراءة، كما اقتضاه تقديرهم غير متعارف بخلاف القول بأن القراءة معنى أقرأ

اللازم لتقديرنا، فإن معنى اللفظ يراد به المعنى التضمني كثيرا، وقيل عليه أيضا إن هذا الإضمار إنما يحسن لو كان المقدر مصدرًا، وقد يقال يجوز أن يراد بالإضمار الإخفاء في القلب لا الحذف، فيتعلق بالمعنى لكنه لا يلائم المشبه به، أو يجعل ما مفعولًا لفاعل، وفيه أنّ المقصود بالبيان التقدير، ولم يحصل إلا أن يقال علم من التشبيه، وقد يوجه بالاستخدام بأن يراد بلفظ ما اللفظ وبضميرة المعنى.

(أقول): ما ذهب إليه الشراح هو الأظهر، وكونه قثل الاحتياج إليه أمر سهل، فإنّ المبادرة إلى الإصلاح أصلح وأوضح، واذا كان جزء المعنى يطلق عليه معنى فلا بعد في جعل اللفظ له، وما ذكر من كون المقدّر مصدرا غير صحيح لما عرفت من أنه معنى تضمني لا مطابقي، فإن قلت: الذابح مثلًا إذا ذكر البسملة يريد التيمن بالقرآن وتقدير أذبح لا يناسب كونها قرآنا، وتقدير أقرأ لا يناسب فعله قلت: هذا تخيل فاسد تخيله بعض الناس، وليس بشيء، فإن كالاقتباس لفظه منقول من لفظ القرآن إلى معنى آخر كما نبه عليه علماء البديع، فإن قلت كيف قيل هنا بالاستخدام، وتعريفه لا يصدق عليه، لأنه ليس هنا معنيان برجع الضمير لأحدهما قلت: هو كقولك بعته بدرهم ونصفه، وسيأتي بيانه في قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ﴾ [فاطر: اا] الآية ولفظ ما عام عموما بدليا، وقد أريد به أحد ما يصدق علبه، وأرجع إليه الضمير باعتبار الآخر مع أن

31

أبا عذرته لم يصرح بالاستخدام ومن لم يقف على مراده قال إنه غير صحيح، وغاية توجيهه أنّ كل لفظ إذا أطلق يصح أن يراد به معناه الموضوع له ونفس لفظه كما في نحو ضرب فعل فما عبارة عن الفعل باعتبار لفظه أو باعتبار معناه ولا يخفى فساده، فإنه لم يؤت بلفظ الفعل ولا بما يصدق عليه بل بما المكنيّ به عنه فتدبر. قوله: (وذلك أولى الخ) ردّ على من زعم أن تقدير الإبتداء أولى لأنهم يقدرون متعلق الظرف المستقرّ عاما كالكون والحصول، ولأنه مسثقل بما قصد بالتسمية من وقوعها مبتدأ بها، فتقديره أوقع في المعنى ولا يرد عليه ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ لأنّ الأهم هنا فعل القراءة لا الابتداء لوقوعه في أوّل البعثة قبل أن يألف القراءة المطلوبة منه، ولذا صرح به وقدم، وردّه صاحب الإنصاف بأن تقدير الخصوصيات أحسن وأليق بالمقام، وأولى بتأدية المرام لأن تقدير أقرأ يدل على تلبس القراءة كلها بالتسمية على وجه التبرك والإستعانة وابتدىء يفيد تلبس ابتدائها، وتقدير النحاة لا يجد به لأنه تمثيل، وتقريب اقتصروا عليه لإطراده، وأذا قامت قرينة الخصوص نحو زيد على الفرس، فلا شك في أنها أولى، وأمّا قوله إنّ الغرض وقوع التسمية مبتدأ بها فمسلم لكن معناه أن يجعل في الأوائل سواء قدز لفظ الابتداء أو لا، وقد قيل إن في تقدير أقرأ امتثالًا للحديث فعلًا فقط، وفي تقدير أبدأ امتثالًا له قولًا وفعلًا، ولا شك أنه أولى. (قلت) هذه مغالطة لا يلتفت إليها بعد ما نوّر. شراح الكشاف لأن الامتثال القوليّ إن أراد

به أنّ معنى قوله لا يبدأ فيه باسم الله لا يقدر فيه أبدأ فغير صحيح لأنه أمر اصطلاحي حادث

بعد عصر النبوّة فلا يصح حمله عليه وان أراد مجرّد الموافقة اللفظية، فيعارض بما يرجح مقابله كإفادة تلبس الفعل كله بالتبرك ونحوه، وفي بعض الحوإشي فإن قلت الحديث المشهور المستدعي للابتداء بالبسملة، ووقوعها في الابتداء قرينة ظاهرة على تقدير أبدأ قلت: لا يصلح شيء منهما لذلك أمّا الحديث، فلأنه يستدعي تقدّم البسملة على الأمر ذي البال، والتلفظ بها في ابتداء ذلك الأمر ولا يستدعي تقدير ابتدىء أو فعل آخر، وأمّا الوقوع في الابتداء، فإنه وان صلح مع حث الشارع على وقوعه فيه قرينة لكنها ليست بظاهرة لأنه لو كفى قرينة على تقدير أبدأ لكفى الوقوع في النهاية والوسط على تقدير الانتهاء والتوسط، وليس كذلك، وهو كلام حسن، وفي قول المصنف رحمه الله لعدم ما يطابقه إشارة ما إليه إذ معناه أنّ كل ما صرح فيه بالمتعلق ذكر مخصوصًا نحو باسمك ربي وضعت جنبي وغيره مما ضاهاه، وقيل: المراد عدم ما يطابقه في القرآن لوقوع القراءة مستعلقًا في قوله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ا] ولم تقع الباء فيه متعلقة بإبدأ، وردّ بأنه في الآية ليس تعلقه به متعينًا، ولو سلم فلا يلزم كون ما في أوائل السور مثله، ولذا قيل: إنّ المطابقة بهذا الاعتبار لا تصلح مرجحًا بدون ملاحظة ما ذكر عند وجود القرينة الدالة على تعيين المحذوف في محل التكلم، فلا يلتفت إليها فيصلح لأن يعتبر ضميمة لا استقلالًا.

(بقي ههنا بحث) وهو أنّ الشريف كغيره قال في تقرر تقديره عامًا زعم بعض النحاة أنّ تقدير الابتداء أولى فيقال بسم الله ابتدىء القراءة مثلاَ، ولا يخفى أنّ ابتداء القراءة أخص من القراءة لا أعم لصدقها على قراءة الأوّل والوسط والآخر واختصاص ابتداء القراءة بالأوّل وليس هذا هو الكون، والحصول الذي قدره النحاة حتى يحتاج إلى الجواب وما قيل من عموم ابتدئ باعتبار أنه منزل منزلة اللازم لكته يعلم بقرينة المقام أنّ المبتدأ به هو القراءة، أو باعتبار أصل العامل في الجميع لا يخفى فساده، فإنه إذا دل المقام على إرادته ما معنى تنزيله منزلة اللازبم حينئذ وكونه باعتبار الأصل لا يدفع السؤال باعتبار الحال فتدبر. قوله: (لعدم ما يطابقه وما يدل عليه) وفي نسخة ويدل عليه بدون ما والضمير المرفوع للموصول والمنصوب لأبدأ، والمراد بما يدل عليه القرينة الدالة عليه دلالة ظاهرة، وإن وجد الدليل في الجملة، فلا يرد عليه أنه يدل على عدم صحة إضمار أبدأ لا على مرجوحيته، وقوله أولى يدل على خلافه فإنّ ابتداءه بالبسملة قرينة لإرادة البدء لكنها في الظهور ليست بمنزلة الأولى، فسقط أنّ وقوعه في الابتداء دال عليه كغيره من الدلالات الحالية إذ لا قرينة إلا مقارنة الفعل وهي داعية إلى تقدير شيء من جنسه لا إلى تقدير الابتداء وقيل معنى قوله: وذلك أولى أن إضمار كل فاعل ما جعل التسمية مبدأ له أولى من إضمارًا بدأ لعدم ما يطابقه فيما إذا كان

32

الفعل الواقع بعده غير ممتدّ، ولا يخفى بعده.

وأمّا كون تالي التسمية ما يصدق عليه مقروء لأنفسه فسهل لأنّ تحقق ما يصدق عليه الشيء تحقق له، وقد يقال يمكن اعتبار مثله عند تقدير ابدا لأن الفعل المبدوء بالتسمية يصدق عليه المبدوء بها، وقد أجيب عته بأنّ عنوان القراءة أقرب إلى الفهم لأنه المقصود من التصدير بالتسمية، وفيه نظر ظاهر. قوله: (أو ابتدائي لزيادة إضمار فيه) ومو إضمار المصدر وفاعله والخبر سواء جعل الجار والمجرور متعلقًا بالمصدر المذكور أو خبرًا، وسواء قدر ابتدائي أو بدئي وهذه احتمالات عقلية والا فكلامه مقتض لتعلق الجار بابتدائي والسياق صريح فيه، ويلاحظ هذا مع ما مر من عدم المطابقة والدلالة، وأقرأ وان كان جملة فعلية والفاعل مستترة، وأقل لما مرّ ودلالة الإسمية على الثبوت معارضة بدلالة المضارع على الاستمرار التجددي المناسب للمقام، وقيل زيادة الحذف هنا باعتبار زيادة الحروف فلا بد أن حذف الجملة ليس أقل من حذف المضاف والمضاف إليه، وأورد عليه أن النظر هنا متوجه إلى المعنى كما مرّ في كلام الكشاف في ذكر أقرأ وأتلو، وهنا لو قذر بدئي لا زيادة له في الحروف وانما ارتكب هذا التكلف بناء على أنّ أهل المعاني لا يطلقون الحذف على إضمار العام، وأنت تعلم أن كلا منا في زيادة الإضمار سواء أطلق عليه الحذف عند أهل المعاني أم لا، ثم إنّ المصنف رحمه الله لما أتمّ الكلام على تقديره فعلًا خاصًا شرع في بيان تقديمه. قوله: (وتقديم السول ههنا أوقع الخ) هنا إشارة إلى البسملة في أوائل السور، وأوقع بمعنى أحسن مرقعًا وأنسب بمقامه يقال: إنه ليقع مني في موقع مسرة وله موقع حسن كما في الأساس، وقيل: أوقع بمعنى أثبت وأمكن من وقع الحق إذا ثبت وثباته باعتبار وقوعه في محل يقتضيه الحال، وفي نسخة بدل المعمول المفعول أي المفعول بواسطة حرف الجر وقوله ههنا للاحتراز عن نحو: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: أ] مما يقتضي المقام تقديم عامله لأنه أوّل نازل من الآيات اهتماما بثأن القراءة وان كان اسم الله أهم في ذاته كما سيأتي. قوله: كما في قوله: ﴿بِسْمِ اللهِ مَجْرَاهَا﴾ [هود: 41] تنظير له باعتبار المتبادر لا استشهاد ونقل الفاضل الليثي هنا حاشية عن المصنف رحمه الله وهي أي على تقدير أن يكون معناه مجراها وفي نسخة مجراة بالنصب والتنوين باسم الله وجوز فيه غير هذا الوجه انتهى.

يعني أن التمثيل به على تقدير أن يكون عاملاَ في باسم الله بناء على وجواز تقديم معمول المصدر عليه مطلقا، واذا كان جارًا ومجرورًا لأنه مصدر ميمي بمعنى الإجراء والإرساء أي ذلك باسم الله لا بهبوب الرياح والقاء المرساة بكسر الميم وقيل إنه إشارة إلى وجه كون الجملة الإسمية حالًا بدون الواو لأنها في تأويل المفرد كما في قوله: ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [البقرة: 36] أي متعادين وفيه نظر ستراه ثمة، وقيل: هو تنظير لمجرّد التوضيح حيث قذم فيه هذا الظرف بعينه إلا أنه مستقز، وفيما نحن فيه لغو فدل على تقدم المتعلق هنا خصوصًا على القول بأنّ المبتدأ عامل في الخبر والاستشهاد أيضا، إنما يتأتى إذا جعل اسم الله خبرا

لمجراها لا متعلقا باركبوا كما أشار إليه المصنف رحمه الله حيث قال إنه حال من الواو أي اركبوا فيها مسمين الله أو قائلين باسم الله وقت إجرائها وإرسائها أو مكانهما على أنّ المجرى والمرسي للوقت أو المكان أو المصدر والمضاف محذوف كقولك آتيك خفوق النجم وانتصابهما بما قدر حالًا أو جملة اسمية من مبتدأ وخبر انتهى.

وقيل عليه: إنّ الاستشهاد ليس بصحيح على الوجوه كلها لأنها منافية له، ودفعه يعلم

مما مرّ، واياك نعبد مثال لتقديم مطلق المعمول. قوله: (لآنه أهم الخ) الظاهر أنّ الضمير للمعمول فإن أهميته تقتضي التقديم حتى صار قولهم المهم المقدم كالمثل كما قال:

فقلت له هاتيك نعمى أتمها ودع غيرها إنّ المهم المقدم

لكن قوله أدل وما بعده يقتضي كون الضمير للتقديم لأنها من صفاته إلا أن يكون فيه

تقدير تقديمه ولذا قيل إنّ الضمير للتقديم وإن كان أهميته باعتبار ما أضيف إليه لأنّ قوله أدل وما بعده معطوف على أهم ولا يصح أن يقال المعمول أدل إلا بتكلف أن يكون المراد وتقديمه أدل بحذف المضاف واقامة المضاف إليه مقامه وفيه ما فيه، وأهميته ذاتية لاشتماله على اسم الذات الأقدس المعبود بحق لأن الاستعانة نصب خاطره في كل أمر خطر، ولظهوره لم يصرح بوجه الأهمية فيه، فلا يرد عليه ما قيل إنه لا يكفي أن يقال

33

قدم كذا للأهمية من غير بيان وجه الاهتمام كما صرح به الشيخ عبد القاهر، فالظاهر أن يقول لأنه أدل على الاختصاص ولا يجوز أن يكون عطفًا تفسيريا لأنه لا يحسن تفسير الشيء بما يوجبه، وكلام المصنف رحمه أدلّه صريح في خلافه أيضا فسقط ما قيل من أنّ الردّ على المشركين المبتدئين بأسماء الأصنام منوط على الاختصاص المستفاد من التقديم وقيل عليه إنه من فوائد الاختصاص المذكور، فلا وجه لجعله من نكات التقديم نعم لو قلنا إن المشركين يبتدؤن أفعالهم بذكر آلهتهم الباطلة، فالمنأنسب لنا الابتداء بذكره سبحانه لكان وجها انتهى.

وقد عرفت مما قدمناه ما يغنيك عنه ومن الناس من جعل أدل وما بعده معطوفا على

أوتع، وقال: لما كان دليل الوسطين معلوما، ودليل الطرفين غير معلوم تعرّض للأوّل بقوله لأنه أهم وللرابع بقوله فإنّ اسمه الخ واكتفى بذلك لأنّ دليلهما دليل الوسط بعينه، وقول عبد القاهر، إنهم لم يعتمدوا في التقديم شيأ يجري مجرى الأصل غير العناية والاهتمام، ونقله عن سيبويه ليس لإبطال إفادته الحصر كما توهمه ابن الحاجب وأبو حيان بل إشارة إلى أنّ العناية أمر كلي مجملى لا بد له من وجه كالتعظيم والاختصاص، ولذا قيل إن قوله وأدل الخ بيان وتفصيل للأهم لكنه كان الأظهر أن يقول لأنه أدل، واعتذر له بأنه إشارة إلى تمييز الأهمية الناشئة من ذاته عن غيرها، وحذف متعلق اسم التفضيل لمعلوميته والقصد لأهميته أي أهم من غيره كالعامل، وقيل: إنه مجرّد عن التفضيل مؤوّل باسم الفاعل أو الصفة المشبهة. قوله:

(وأدل على الاختصاص) أمّا الاختصاص فلابتداء المشركين بأسماء آلهتهم استعانة وتبركا فقطع الموحد عرق الشرك باختصاصه ردًّا عليهم وقوله أدل يستدعي وجود أصل الدلالة بدون التقديم ووجه بأنّ التخصيص بالذكر قد يفيد الحصر بمعونة السياق وتعليق الحكم بالأوصاف يشعر بالعلية وانتفاء العلة يستلزم انتفاء المعلول في المقام الخطابي إذا لم تطهر علة أخرى فيفيد الاختصاص أيضًا، فكأنه قيل باسمه أقرا لأنه الرحمن الرحيم لا سيما عند القائل بمفهوم الصفة لإشعاره بأنّ من لم يتصف بها لا يتبرك باسمه وقيل: الظاهر أنّ المراد بالاختصاص مطلق التعلق لا الحصر، فيكون التقديم المفيد للحصر دلالته أظهر على اختصاص القراءة باسم الله وتكلفه غني عن البيان، ثم إنّ هذا القصر كما قالوه قصر إفراد لأنهم لا ينكرون التبرك باسم الله تعالى، فإن قلت: المعروف في قصر الإفراد أنّ المخاطب بالكلام الواقع فيه يعتقد أن المتكلم مشرك لصفتين، أو أكثر في موصوف واحد، أو لموصوفين فأكثر في صفة واحدة، والمخاطب بقصر القلب يعتقد أن المتكلم بعكس الحكم، وما نحن فيه ليس كذلك كما لا يخفى قلت: هذا مما اعترف بوروده بعض الفضلاء وفي شرج الفاضل المحقق ما يشير إلى الجواب عنه بأنه غير لازم، وإن ترك القوم بيانه في كتبهم، والشارج المحقق جعل قصره قصر إفراد وتبعه فيه السيد السند ولم يجزم به لاحتمال كونه قصر قلب لأنّ ابتداءهم بأسماء آلهتهم لما كثر وقوعه منهم على الإنفراد قلبه الموحد، ثم إنّ اعتبار مخاطب لكل موحد غير من خاطبه في غاية التكلف وتوجيه السعد رحمه الله له بأن المشركين لما كانوا يبتدؤن بأسماء آلهتهم كان مظنة أن يتوهم المخاطب أن سائر الناس كذلك تعسف بعيد، وقال قدس سره: التقديم من المشركين لمجرّد الاهتمام لا للإختصاص، فوجب على الموحد أن يقصد قطع شركة الأصنام لئلا يتوهم تجويز الابتداء بأسمائها، وكتب في حواشيه أنه لردّ السؤال السابق وهذا القدر كاف في قصر الأفراد إذ لا يجب أن يكون معتقدًا للشركة بل ربما كان متوهما وهنا مظنة توهم الشركة، وأورد عليه أنه ادّعاء منه مخالف لما صرح به أهل المعاني إلا أن يقال أنه ليس قصر أفراد على الحقيقة بل على التشبيه، وتنزيله منزلته.

(وأنا أقول): ليت شعري ما الداعي لما ارتكبوه من التكلفات مع إمكان جعله قصرآ حقيقيا ولو ادّعائيا حتى لا يحتاج فيه إلى مخاطب ولا إلى اعتقاده فمرد الموحد التبرك في أفعاله باسم الله لا اسم غيره وهو يتضمن الردّ على المشركين فإياك من الوقوف في حضيض التقليد إذأ أمكنك الصعود لقصر التحقيق المشيد، وأمّا توهم التنافي بين قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ وبين الاستعانة باسمه في البسملة الكريمة بناء على أنّ الباء للاستعانة فما لا ينبغي أن يذكر وان تكلف له بعض المتأخرين بأنه هنا استعانة توسل، والمنفي ثمة استعانة تحصل المستعان فيه، ثم إنه قال

34