حاشية الشهاب على تفسير البيضاويالجزء 3 · ص 189 - 207

سورة النساء (6 من 6)

استعارة تهكمية هو المشهور، وفيه احتمالات أخر مر تحقيقها، وقوله: مكان أنذر أحسن من قول الزمخشريّ مكان أخبر لأنّ التهكمية تكون في استعارة الضد لضده، والأخبار ليس ضدا له لأنه أعم، ولك أن تقول إنه مجاز مرسل فهو وجه آخر في التهكم. قوله: (على الذم الخ) متعلق بهما بدليل ما بعده ولم يجعله منصوبا على اتباع المنافقين لوجود الفاصل فلا يرتكب بغير ضرورة، وجوزه المعرب فيحتمل أنه سكت عنه لظهوره، وقوله: لا يتعزز الخ. يعني ليس

المراد أن العزة ثابتة لله بل أنها مختصة به يعطيها من يشاء لأنه المناسب لما قبله، ويعلم منه ثبوتها له بالطريق الأولى، ولا يؤبه بمعنى لا يعبأ، ويعتد بها وان ظن في الدنيا أنّ لهم عزة فهو دفع لما يتوهم، وقرأ عاصم نزل يعني معلومًا، والاستفهام للإنكار أو التعجب، وجوز كون عليكم نائب الفاعل، وأن تفسيرية، وهو خلاف الظاهر. قوله: (والمعنى أنه الخ (أي اسمها ضمير شأن مقدر لا أنكم كما قيل لأن أن المخففة لا تعمل في غير ضمير الشأن إلا لضرورة عند أبي حيان، وعند ابن عصمفور وابن مالك جائز وهو الصحيح، والجملة الشرطية خبر، وهي تقع خبرًا في كلام العرب. قوله: (لتقييد النهي الخ) لأنّ الشرط قيد للجواب، وهذا قيد له، وقيد القيد قيد، والمعنى لا تقعدوا معهم وقت كفرهم واستهزائهم بالآيات، وضمير غيره راجع لحديثهم بالكفر والاستهزاء، وقيل للكفر والاستهزاء لأنهما في حكم شيء واحد. قوله:) هازئًا معاندًا غير مرجوّ) أي غير مرجوّ إسلامه وعناده يعلم من كفره بالآيات المعجزة عند سماعها واستهزائه بها، ومن هذا حاله لا يرجى فلاحه فلا يقال إنه لا دلالة في الآية عليه، وقوله: (ويؤيده الناية) أي تؤيد كونه قيدًا للنهي لأنّ مفهومها يقتضي أنهم لم ينهوا عن مجالستهم إذا خاضوا في غيره. قوله: (أو الكفر الخ) لأنّ الرضا بالكفر كفر وفي الكشف قال مشايخ ما وراء النهر الرضا بالكفر مع استقباحه ليس بكفر وإنما يكون كفرًا مع استحسانه قالى تعالى حكاية عن موسى ولمجت: ﴿واشدد عل قلوبهم فلا يؤمنوا﴾ [سورة يونس، الآية: 88] قصد الزيادة عذابهم وعلى تقدير كونهم منافقين فهم كفرة مثلهم في الحقيقة فلا يحتاج إلى تأويل، ويؤيده قوله بعده أنّ الله جامع المنافقين الخ، وسيأتي تفصيله في سورة يونس، ولذا لم يعطف لأنه مبين لما قبله. قوله: (وإذن ملناة الخ) لأنّ شرط عملها النصب في الفعل أن تكون في صدر الكلام فلذا لم يجىء بعدها فعل، ومثل خبر عن ضمير الجمع مع إفراده لأنه في الأصل مصدر فيستوي فيه الواحد المذكر وغيره، ولما لم يتعين عند المصنف مصدريته قال كالمصدر أي في الوفوع على القليل، والكثير أو لأنه مضاف لجمع فيعم، وقد يطابق ما قبله كقوله

تعالى: ﴿ثم لا يكونوا أمثالكم﴾ والجمهور على رفعه، وقرئ بالنصب فقيل إنه منصوب على الظرفية لأنّ معنى قولك زيد مثل عمرو أنه في حال مثله، وقيل إنه إذا أضيف إلى مبنيّ اكتسب البناء، ولا يختص بما المصدرية الزمانية كما توهم بل يكون فيها نحو مثل ما أنكم تنطقون، وفي غيرها كقول الفرزدق:

إذ هم قريش واذ ما مثلهم بشر

ولما شرط ابن مالك رحمه الله في التسهيل في، اكتساب المضاف البناء أن لا يقبل التثنية، والجمع كدون وغير وبين قال إنّ مثل لا يصح فيه ذلك، وأعرب حالًا من الضمير المستتر في حق في قوله إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون، ومن النحويين من خالفه في هذا الشرط. قوله: (ينتظرون الخ (التربص معناه الانتظار للشيء، وظاهره أنّ مفعوله مقدر والجار والمجرور متعلق به وكلام الراغب يقتضي أنه يتعدى بالباء لأنه من انتظر بالسلعة ذلإء السعر ورخصه، وجعله مبتدأ خبره الجملة الشرطية لا يخلو من تكلف، ولذا أخره المصنف رحمه الله تعالى ومظاهرين من المظاهرة، وهي المعاونة وأسهموا بمعنى اجعلوا لنا سهما وعطاء، والحرب سجال مثل بمعنى يغلب ويغلب صاحبها تارة له، وتارة عليه، وأصله في السقي من البئر يجعل لكل طالب للماء نوبة في إدلاء دلوه. قوله: (والاستحواذ الاستيلاء الخ) كان القياس فيه استحاذ استحاذة بالقلب لكنه صحت فيه الواو، وكثر ذلك فيه، وفي نظائر له حتى ألحق بالمقيس وعد فصيحا، وقال أبو زيد أنه قياسي فعلى كل حال لا يرد على فصاحة القرآن كما حقق في المعاني. قوله: (وإنما سمي ظفر الس! لمين فتحًا الخ) في الكشاف لأنّ ظفر المسلمين أمر عظيم تفتح لهم أبواب السماء

189

حتى ينزل على أوليائه، وأما ظفر الكافرين فما هو إلا حظ دنيء، وقوله: تفتح لهم أبواب السماء تفسير لقوله من الله بأمر يخصه، والا فكل فتح من الله ومنه يعلم حال ما قيل من أنه تمثيل، وتخييل لعظيم قدره والا فالطفر ليس مما ينزل من السماء، ويحتاج إلى فتح أبوابها واشعار النصيب هنا بالخسة لأنه لم يجعله فتحًا، ونصرة تامة بل قسما منها كما كان

كذلك، وقوله: سريع الزوال أي في نفسه لا باعتبار أنه دنيوي فإنه لا يخصه أو المراد ذلك فإنّ أمرهم في النصر إنما هو في هذه الدار، ونصر المؤمنين في الدنيا، والآخرة كما ذكر بعده، وقوله: حينئذ أي في الآخرة، وحين الحكم، ويكون التعبير بالمستقبل على حقيقته وعلى الثاني فهو لتحققه، ولو أبقى على إطلاقه ليشمل الدنيا، والآخرة لكان أولى، وتسمية الحجة سبيلا لأنها موصلة للغلبة. قوله: (واحتج به أصحابنا على فساد شراء الكافر المسلم الخ) يعني أنّ الشافعية استدلوا بالآية على أنه لا يصح العقد فيه لأنه لو صح لكان له عليه يد وسبيل بتملكه، ونحن نقول يصح ولكن يمنع من استخدامه، ويؤمر بإزالة يده، وبيعه قال الجصاص في الأحكام يحتج بظاهره في وقوع الفرقة بين الزوجين بردّة الزوج لأنّ عقد النكاح ي! ثبت للزوج سبيلا في إمساكها في بيته، وتأويتها، ومنعها من الخروج وعليها طاعته فيما يقتضيه عقد النكاج، والمؤمنين والكانرين شامل للإناث، وكذا الكافر إذا أسلمت امرأته واحتج به أصحاب الشافعيّ رحمه الله تعالى في إبطال شراء الذميّ للعبد المسلم لأنه بالملك يستحق ال! سبيل عل! يه، وليس كما قالوا لأنّ الشراء ليس هو الملك، والملك يتعقبه وهو السبيل فلا يستحق بصحة الشراء السبيل عليه لأنه ممنوع من استخدامه، والتصرف فيه! إلا بالبيع، والإخراج عن ملكه، فلم يحصل له سبيل عليه. قوله: (وهو ضعيف لأنه لا ينفي أن يكون الخ) أي لا ينفي أن يكون السبيل إذا عاد إلى الإيمان قبل مضيّ العدة، وفيه أنه حين الكفر لا سبيل له، ونفي السبيل بوقوع الفرقة، وبعد وقوع الفرقة لا بد لحدوث الوصلة من عوجب، وهو غير ظاهر فإن كان العود يكون الارتداد كالطلاق الرجعي والعود كالرجعة فلا ضعف فيه على أنه إذا كان السبيل في الاخرة أو بمعنى الحجة لا متمسك به لأصحابنا ولا للشافعية كما ذكره بعض المتأخرين، وقوله: (سبق الكلام) فعل معلوم من السبق بالباء الموحدة وجوز فيه أن يكون مجهولًا من السياق بالياء المثناة التحتية، والكسل الفتور والتثاقل، وبجوز في جمعه الضم، والفتح وقرئ كسلى بالإفراد. قوله: (والمراآة مفاعلة الخ) يعني أنّ المراآة مفاعلة من الرؤية إما بمعنى التفعل لأنّ فاعل بمعنى فعل وارد في كلامهم كنعمه وناعمه، وقد قرئ يرأون، وهو يدل عليه أو أنهم لفعلهم في مشاهد الناس يرون الناس، والناس يرونهم، وهم يقصدون إن ترى أعمالهم، والناس يستحسنوها فالمفاعلة في الرؤية متحدة وإنما الاختلاف في متعلق الإراءة فلا يرد أنّ اممرلمفاعلة لا بد في حقيقتها من اتحاد الفعل، ومتعلقه. قوله: (إذ المرائي لا يفعل إلا بحضرة

من ييرائيه الخ) بين وجهه بناء على أن الذكر بمعناه المتبادر منه، وأخر كونه بمعنى الصلاة إشارة إلى أنّ الأول الأولى، والزمخشريّ عكس لأنّ الكلام كان في الصلاة، وترك كون المراد بالقلة العدم كما في الكشاف لأنه يأباه الاسنثناء كما في الدر المصون واليه أشار النحرير فإنه مشكلى وردّ بأنّ معناه، ولا يذكرون الله إلا ذكرًا ملحقًا بالعدم لأنه لا ينفعهم، ولا يخفى ما فيه فإنّ القلة بمعنى العدم مجاز، وجعل العدم بمعنى ما لا نفع فيه مجاز آخر، ومع ما فيه من التكلف ليس في الكلام ما يدل عليه وقوله: (وقيل الذكر فيها) أي المراد بالذكر الذكر الواقع في الصلاة. قوله:) حال من واو يراؤون كقوله ولا يذكرون) أي هي حال كما أنها جملة حالية أيضا وقيل عليه أنه ضعف لأنّ المضارع المنفي بلا كالمثبت في أنه لا يقترن بالواو أو في فصيح الكلام فهي عاطفة لا حالية، وفيه نظر وقوله: (أو واو يذكرون) بالجر عطف على واو يراؤون، ونصبه على الذم بفعل مقدر على أنه كالنعت للمنافقين إذا قطع. قوله: (والمعنى مرددين الخ) من الذبذبة، وأصلها كما قال الراغب صوت الحركة للشيء المعلق ثم استعير لكل اضطراب، وحركة أو تردّد بين شيئين، وعلى قراءة الكسر مفعوله محذوف كما ذكره أو فعلل بمعنى تفعلل لازم، وعلى الإهمال معناه ما ذكر أيضًا، وهو مأخوذ من الدية

190

بالضم، وتشديد الباء بمعنى الطريق يقال هو على دبتي أي طريقتي وسمتي قال الشاعر:

طهاهذربان قل تغميض عينه على دية مثل الخنيف المرعبل

وفي الحديث " اتبعوا دية قريش " والمعنى أنهم يأخذون تارة طريقًا، وتارة أخرى لتحيرهم، وفي هذه الصيغة وأمثالها نحو كبكب كلام في التصريف ليس هذا محله، وذلك إشارة إلى الإيمان، والكفر المدلول عليه بذكر الكافرين، والمؤمنين كما أشار إليه المصنف، ولذا أضيف بين إليه، ويصح أن يكون إشارة إلى المؤمنين، والكافرين فيكون ما بعده تفسيرًا له على حد قوله:

إلالمعيّ الذي يظن بك الظن كان قد رأى وأن سمعا

قوله: (لا منسوبين إلى المؤمنين الخ) يشير إلى أنه حال من المستتر في مدّبذبين، وأنّ

هؤلاء الأوّل إشارة إلى المؤمنين، والثاني إلى الكافرين وأنّ إلى متعلقة بما يتعدى بها كمنسوبين أو واصلين أو صائرين لأنه أيضًا يتعدى بها يقال صار إلى كذا كما مرّ. قوله: (ونظيره الخ) أي أنّ المراد بالضلال عدم الهداية، وبالسبيل الوصول إلى الحق كما أنّ المراد في الآية من لم يهده الله فلا هداية له ودينهم بمعنى عادتهم، ودأبهم وأراد به بيان ارتباطه بما قبله قيل، ويجوز أن يريد بالذين آمنوا المنافقين وفسر السلطان بالحجة التي هي إحدى معنييه، وبمعناه المعروف، ولذا جاز تذكيره وتأنيثه. قوله:) وهو الطبقة التي في قعر جهنم الخ) ضمير هو راجع للدرك الأسفل لا للدرك وحده لأنه شامل لما فوقه، والدرك كالدرج إلا أنه يقال باعتبار الهبوط، والدرح باعتبار الصعود، ولذا قيل لو قال في تفسيره بعضها تحت بعض لكان أنسب. قوله: (ثلاث من كن فيه فهو منافق الخ (هذا الحديث أخرجه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه وثلاث مبتدأ ومن كن فيه صفته، ومن إذا الخ خبره بتقدير مضاف أي خصال من والأحسن أن تجعل ثلاث خبرًا مقدما، وهذا مبتدأ مؤخرًا أو مبتدأ محذوف الخبر وخصال من إذا مفسر له كذا قيل، وعندي أنّ المعنى ليس على ما ذكر، وليس إعرابه كذلك بل ثلاث مبتدأ ومن كن فيه بدل اشتمال منه، وقوله: فهو منافق خبر لأنّ الخبر يكون عن البدل لأنه المقصود بالنسبة تقول زبد عينه حسنة على الصحيح الفصيح كما حقق في العربية، والمعنى من كان فيه هذه الخصال الثلاثة فهو منافق، وقوله من إذا الخ خبر مبتدأ محذوف، والجملة مفسرة لما قبلها كأنه قيل من هو فقال هو الذي إذا الخ، وهذا الحديث روي من طرق، وعلى وجوه ففي الصحيحين: " أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة

من النفاق حتى يدعها إذا أوتمن خان وإذا حدث كذب وإذا وعد غدر وإذا خاصم فجر " وقال المحدثون فيه أنه مخصوص بزمانه ع! ي! لاطلاعه بنور الوحي على بواطن المتصفين بهذه الخصال فأعلم أصحابه بإماراتهم ليحترزوا عنهم، ولم يعينهم حذرًا عن الفتنة، وارتدادهم ولحوقهم بالمحاربين، وقيل ليس بمخصوص، ولكنه مؤوّل بمن استحل ذلك، أو المراد أن من اتصف بهذه فهو شبيه بالمنافقين الخاص، وأطلق ذلك عليه تغليظا، وتهديدًا له، وهذا في حق من اعتاد ذلك لا من ندر منه أو هو منافق في أمور الدين عرفًا، والمنافق في العرف يطلق على كل من أبطن خلاف ما يظهر مما يتضرر به وان لم يكن إيمانا وكفرا، وليس المراد الحصر بل هذا صدر منه ﷺ باقتضاء المقام، ولذا ورد في بعض ثلاث وفي بعض أربع. قوله: (والتحريك أوجه الخ) يعني أنّ الفتح أكثر، وأفصح لأنه ورد جمعه على أفعال وأفعال في فعل المحرك كثير مقيس ووروده في الساكن نادو كفرخ، وأفراخ وزند وأزناد، وكونه استغنى بجمع أحدهما عن الآخر جائز لكنه خلاف الظاهر فلا يندفع به الترجيح وقوله: يخرجهم منه أي من الدرك فسره به لأنّ نصرة من دخلها يكون بذلك، وقوله: لا يريدون بطاعتهم إلا وجهه أي لا رياء الناس، ودفع الضرر كما في النفاق، وفسر المعية بعدهم من جملتهم في الدنيا، والآخرة وقوله: فيساهمونهم فيه أي يقاسمونهم، ولولا تفسيره بهذا لم يكن له في ذكر أحوال من تاب عن النفاق معنى ظاهرًا. قوله: (أيتشفى به غيظًا أو يدفع به ضرا) التشفي إزالة ما في النفس من ألم الغيظ وغيظا تمييز، وقوله: بكفره متعلق بيعاقب لا بالمصر لأنه يتعدى بعلى. قوله: (لأن إصراره الخ) هذا

191

تمثيل بأن الإصرار كمرض! مهلك فإن عالجه المريض، وامتثل أمر الطبيب فاحتمى عن النفاق والآثام ونقى نفسه بشرية الإيمان، والشكر في الدنيا بريء، والا هلك هلاكا لا محيص عنه بالخلود في النار ولبعض الناس هنا كلام يتعجب منه. قوله: (وإنما قدم الشكر لأنّ الناظر الخ) يعني كان الظاهر تأخير الشكر لأنه لا يعتد به إلا بعد الإيمان، والواو وان لم

تفد الترتيب لكن تقديم ما ليس مقدمًا لا يليق بالكلام الفصيح فضلا عن المعجز، ولدّا تراهم يذكرون لما يخالفه وجها، ونكتة، وهي هنا ما ذكره المصنف رحمه الله كغيره، وتوضحيحه أنّ العارف بالله أبا إسماعيل الأنصاري قال الشكر في الأصل اسم لمعرفة النعمة لأنها السبيل إلى معرفة المنعم، وله ثلاث درجات لأنه إذا نظر إلى النعمة كالخلق والرزق ينبعث منه شوق إلى معرفة المنعم، وهذه الحركة تسمى باليقظة، والشكر القلبي، والشكر المبهم لأن منعمه لم يتضح له تعييبه، وإنما عرف منعمًا ما فهو مبهم عليه فإذا تيقظ لهذا وفق لنعمة أرفع منها، وهي المعرفة بأنّ المنعم عليه هو الصمد الواسع الرحمة المثيب المعاقب فتتحرك جوارحه لتعظيمه، ويضيف إلى شكر الجنان شكر الأركان، ثم ينادي على ذلك الجميل باللسان فالمذكور في الآية هو الشكر المبهم، وهو مقدم على الإيمان. قوله: (مثببًا يقبل اليسير الخ) قال الإمام الشاكر في وصفه تعالى بمعنى كونه مثيبا على الشكر، وقوله: عليمًا أي هو عالم بجميع الجزئيات، والكليات فلا يعزب عن علمه شيء فيوصل الثواب كاملا إلى الشاكر. قوله: الا يحب الله الجهر بالسوء) قال الطيبي لما فرغ من إيراد بيان رحمته وتقرير إظهار رأفته جاء بقوله: لا يحب الله الجهر بالسوء تتميما لذلك، وتعليما للعباد التخلق بأخلاق الله.

(قلت) الظاهر أنه لما ذكر الشكر على وجه علم منه رضاه به، ومحبة إظهاره تممه بذكر

ضده فكأنه قال إنه يحب الشكر واعلانه، ويكره السوء، وما ذكره لا محصل له، ولا تتم به المناسبة، وفيه احتباك بديع. قوله: (1 لآجهر من ظلا بالدعاء الخ) اختلف في هذا الاستثناء على وجوه منها ما ذكر هنا أنه متصل بتقدير مضاف مستثنى من الجهر، ومما لا حاجة إليه ما قيل إنه تعالى لا يحب الدعاء الخفيّ أيضًا على غير الظالم فتخصيص الجهر لا داعي له إلا سبب النزول المذكور لأنّ الدعاء الخفيّ على غير ظالم لا يصدر من عاقل إذ الدعاء إمّا للتشهي أو لرجاء القبول، وكلاهما غير متصوّر فيه وإنما ذكرنا هذا لتقيس عليه أخواته مما تركناه، وقوله: ضاف بمعنى نزل عليهم ضيفًا، ومصدره الضيافة، أمّا ما يفعله رب المنزل فهو الإضافة مصدر أضاف، ولذا قيل إنّ استعمال الضيافة بمعنى الإضافة غلط وقوله: (وروي الخ) هذا حديث أخرجه عبد الرزاق، وابن جرير عن مجاهد مرسلا. قوله: (وقرئ من ظلم على البناء للفاعل الخ) على هذه القراء الاستثناء منقطع، والمعنى لكن الظالم يحبه، وقدّره المصنف رحمه الله يفعل ما لا يحبه الله، وهو بيان لمحصل المعنى، ومراده أنّ الظالم يحبه فيفعله، وله تقديرات أخر، وهو منصوب، وترك ما ذكره الزمخشرفي من أنه منقطع مرفوع بالإبدال من فاعل

يحب حيث قال: ويجوز أن يكون من ظلم مرفوعا كأنه قيل لا يحب الله الجهر بالسوء إلا الظالم على لغة من يقول ما جاءني زيدًا لا عمرو، بمعنى ما جاءني إلا عمرو، ومنه لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله لأنّ منهم من ردّه، ومنهم من قال لا يظهر له معنى قيل إنه غير صحيح لأنّ المنقطع قسمان قسم يتوجه إليه العامل نحو ما فيها أحد إلا حمار، وفيه لغتان النصب، والبدل وقسم لا يتوجه إليه العامل، والآية من هذا القسم إذ لا يصح أن يكون غير الظالم بدلًا من الله لأنّ البدل في هذا الباب بدل بعض حقيقة أو مجازًا، ولا يصح واحد منهما هنا، وكذا ما ذكره من المثال والآية، ولا نعلم هذا لغة، ولم يذكره غير سيبور رحمه الله فإنه أنثد أبياتًا في الاستثناء المنقطع منها:

عشية لاتغني الرماح مكانها ولا النبل إلا المشرفيّ المصمم

ثم قال، وهذا يقوّي ما أتاني زيدًا لا عمرو وما أعانه إخوانكم إلا إخوانه لأنها معارف ليست الأسماء الآخرة بها، ولا منها انتهى بحروفه قال أبو حيان: وليس البيت كالمثال لأنه قد يتخيل فيه عموم على معنى السلاح، وأمّا زيد فلا يتوهم فيه عموم، ولا يمكن تصحيحه الأعلى أنّ أصله ما أتاني زيد، ولا غيره فحذف

192

المعطوف لدلالة الاستثناء عليه، وكذا الآية الأخرى، ورد بأنه لو كان التقدير ما ذكره في المثال لكان الاستثناء متصلًا، وأنّ المراد جعل المبدل منه بمنزلة غير المذكور حتى كان الاستثناء مفرع، والنفي عام إلا أنه صرح بنفي بعض أفراد العام لزيادة اهتمام بالنفي عنه أو بكونه مظنة توهم الإثبات فيقولون ما جاءني زيد إلا عمرو، والمعنى ما جاءني إلا عمرو، فكذا ههنا المعنى لا يحب الجهر بالسوء إلا الظالم وذكر لزيادة تحقيق نفي هذه القضية عنه فإن قيل ما بعد إلا حينئذ لا يكون فاعلا، وهو ظاهر فتعين البدل وهو غلط قلنا بل إنما يكون غلطا لو لم يكن هذا الخاص في موقع العام، ولم يكن المعنى ما جاءني أحد إلا عمرو فإن قيل فيكون لفظ الله مجازًا عن أحد، ولا سبيل إليه قلنا لا يحب الله مؤول بلا يحب أحد وواقع موقعه من غير تجوّز في لفظ الله، ولهذا لم يجز الإبدال فيما إذا تعذر التأويل مثل لا عاصم اليوم إلا المرحوم، ويتعين الانقطاع كذا قيل، وفيه أنّ المستثنى منه إذا كان عامًا فإمّا بتقدير لفظ كما ذكره أبو حيان، وامّا بالتجوّز في لفظ العلم، وكلاهما مرّ ما فيه، ولا طريق آخر للعموم فما ذكره المجيب لا بد من بيان طريقه اللهم إلا أن يقال إنّ الاستثناء من العلم يشترط فيه أن يكون صاحبه أحق بالحكم بحيث إذا نفى عنه يعلم نفيه عن غيره بالطريق الأولى من غير تقدير، ولا تجوز فيقال هنا مثلا إذا لم يحب الله الجهر به، وهو الغنيّ عن جميع الأشياء فغيره لا يحبه بطريق من الطرق فتأمّله أو يقال يقدّر في الكلام ما ذكر لكنه عذ منقطعًا بحسب المتبادر، والنظر إلى الظاهر، وأمّا أنه ليس بلغة فكفى بثقل سيبويه سندًا له، ولا مانع من جعله على قراءة المعلوم متعلقا بالسوء أي الأسوء من ظلم فيحب الجهر به، ويقبله، وفي الإعراب له تفصيل فانظره.

قوله: (سميعًا لكلام المظلوم) الظاهر تعميم السمع، والعلم لكنه فسره بما ذكره لأنه

تذييل لما قبله فيقتضي تخصيصه به، وقوله، وهو المقصود إنما كان مقصودًا لأنّ ما قبله في ذكر السوء، والجهر به فمقتضى السياق لا يحب ألله الجهر بالسوء إلا من ظلم فإن عفا المظلوم عنه، ولم ياع على ظالمه فإنّ الله عفو قدير لكنه ذكر قبله إبداء الخير، واخفاء. توطئة للعفو عن السوء لأنه يعلم من مدح حالي الخبر السر، والعلانية أنّ السوء ليس كذلك جهرًا واخفاء فينبغي العفو عنه، وتركه قال النحرير بعد الأعلام بأنه لا يحب الجهر بالسوء إلا جهر المظلوم حث على العفو بقوله: أو تعفوا عن سوء بعدما جوّز الجهر بالسوء، وأذن فيه وجعله محبوبا حيث استثناء من لا يدبئ، وإنما حث عليه لأجل الحث على الأحب الأفضل، وذكر إبداء الخير، واخفاءه بقوله: إن تبدوا خيرا أو تخفوه تشبيبًا أي توطثة، وتمهيدا للعفو من شبب بثين معجمة، وباءين موحدتين في قصيدته إذا قدم على الغرض من المدح الغزل، ووصف الحسن، والجمال وإنما عطفه باو مع دخوله في الخير بقسميه للاعتداد به، والتنبيه على منزلته، وكونه من الخير بمكان مرتفع، وكانّ المراد بكون الجهر محبوبا أنه غير مكروه فيتناول المباح، والا فترك المندوب لا يكون أحب، وأفضل، وليس المراد أنه حينئذ هو المقصود، وأنه من قبيل، وملائكته، وجبريل لأنّ مثله يعطف بالواو لا بأو، ولذا حمل المصنف رحمه الله الخير على الطاعة، والبرّ مما هو عبادة، وقربة فعلية لتغاير العفو فالمراد بالتوطئة أنه ذكر ما هو مناسب له، وقدّم عليه وإنما المقصود بالسياق العفو. قوله: (ولذلك رنب عليه الخ) أي لو لم يكن الغرض هو العفو فقط، وكان إبداء الخير، وإخفاؤه أيضا مقصودًا بالشرط لم يحسن الاقتصار في الجزاء على كون الله عفوا قديرا. قوله: (فأنتم أولى بذلك) لأنّ القادر إذا عفا فغير القادر أولى إذ قد بضطرّ إلى العفو والاقتداء بسنة الله أولى بكم فلا يقال إنه تعالى لا يتضرر بالعصيان، ونحن نتأذى بالظلم فكيف يكون عفو المتأذى أولى وقوله: (وبعدما رخص) إشارة إلى أنّ الانتقام رخصة غير محبوبة، إلا فلا يكون العفو أحب لأنّ ترك المندوب لا يكون أحب إذ استثناء الجهر أفاد به أنه غير مكروه لا أنه محبوب كما مرّ فتأمّل. قوله: (بأن يؤمنوا بالله ويكفروا برسله) يعني أنّ التفريق في اعتقاد الحقية لأحدهما دون الآخر لا يصح مع أنّ حقية أحدهما تستلزم حقية الآخر فالذين يكفرون بالله، ورسله هم الذين خلص كفرهم الصرف بالجميع، والذين يفرقون بينه وبين رسله هم الذين آمنوا بالله، وكفروا برسله لا عكسه، وإن قيل إنه

193

يتصوّر في النصارى لإيمانهم بعيسى ﷺ، وكفرهم بالله لجعلهم له شريكًا ولذا فإنّ

الكفر بالله شامل للشرك، والإنكار ولا يخفى بعده، والذين يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض هم الذين آمنوا ببعض الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وكفروا ببعضهم كاليهود فهذه أقسام متقابلة كان الظاهر عطفها بأو، ولذا قيل إنها بمعنى أو أو الموصول مقدر بناء على جواز حذفه مع بقاء صلته. قوله: (طريقًا وسطا بين الإيمان والكفر الخ) الوسطية مستفادة من بين والإيمان، والكفر تفسير لذلك لأنه يشار به لمتعدد كما مرّ، ولذا أضيف إليه بين قيل، وهذا رأجع إلى يريدون الأوّل، وما بعده إذ الذين كفروا الأؤل من كفر بهما ليجمع جميع الأقسام، ولو فسر بالأعم، وجعل ما بعده مفسرًا له صح، وقو! له: كالكافر بالكل قال النحرير لما سبق من أنّ طريق الإيمان هو المعجزة فالكفر بالبعض اإنكار لها، وتكذيب، وهو يستلزم الكفر بالجميع وقوله: فماذا بعد الحق إلا الضلال إشارة إلى أنه لا واسطة بينهما. قوله: (هم الكاملون في الكفر الخ) اعتبر الكمال ليكون الخبر مفيدًا، وليصح الحصر، وقد يقال هو مستفاد من توسيط الفصل، وتعريف الجنس. قوله: (مصدر مؤكد لغيره) قد قدمنا الفرق بين المؤكد لغيره والمؤكد لنفسه، وعامله محذوف على هذا ومذكور على ما بعده، وقوله: يقينا محققًا دفع لما قيل عليه أنه كيف يكون الكفر الباطل حقًا بأن حقًا ليس هو مقابل الباطل بل المراد به ما لا شك فيه، وأنه مقطوع به، وأشار بقوله محققا إلى أنه بمعنى اسم المفعول، ولذا وقع صفة. قوله: (أضدادهم ومقابلوهم الخ) يعني أنّ المؤمنين المذكورين مقابل وصف الذين كفروا بالله ورسوله بأقسامهم، وهو بيان للمعنى واشارة إلى ما فيه من الطباق، وقيل: إنه بيان لأنه هو الخبر المقدّر، والظاهر أنّ الخبر قوله: أولئك الخ وقوله: وإنما دخل بين الخ. مرّ تفصيله في قوله لا نفرق بين أحد من رسله. قوله: (الموعودة) إشارة إلى أنّ الإضافة للعهد، وقوله: (وتصديره بسوف لتثيد الوعد الخ) أي الموعود والذي هو الإيتاء لا الأخبار بأنه متأخر إلى حين بناء على أنّ المضارع موضوع للاستقبال فدخول حرف الاستقبال عليه لا يكون إلا لتأكيد إثباته كما أن لا يفعل لما

كان لنفي الاستقبال كأن لن يفعل لتأكيد ذلك، وهذا معنى قول سيبويه بل يفعل نفي سوت يفعل وان كان ظاهر عبارته أنه لنفي التأكيد، وقوله: لا محالة بيان للتأكيد، وتلوين الخطاب المراد به الالتفات من التكلم للغيبة، والتلوين جعله لونًا بعا- دون للتطرية، وهو كالتفنن أعئم من الالتفات، وقوله: بتضعيف حسناتهم إشارة إلى تعلقه بقوله سوف نؤتيهم أجورهم، وأنهم يزادون على ما وعد والسعة رحمته. قوله: (قالوا إن كنت صادقًا الخ (لما كان أتى بكتاب، وهو القرآن، ومنهم من يعلمه، ومنهم من يسمع به فلا بد أن يكون ما سألوه تعنتا مخالفًا له إمّا بكونه جملة، وهو منجم أو بكونه بخط سماويّ أو معاينة نزوله أو ذكرهم بأعيانهم فما فسره به مدلول عليه بقرينة الحال فلا يقال إنه من أين أخذ هذا التقييد، ولا قرينة عليه، وأفا كون تنزل دالًا على التدريج كما مرّ فكيف يكون ما سألوه جملة فليس مطلقا أو مطردًا كما مر، وقوله: إن كنت صادقا رواه الطبري بمعناه. قوله: (جواب شرط مقدّر الخ (يعني أنّ الفاء في جواب شرط مقدر والجواب مؤوّل كما أشار إليه، والتقدير إن استكبرت هذا، وعرفت ما كانوا عليه تبين لك رسوخ عرقهم في الكفر فلا يرد عليه أنّ سؤال ا! بر فيما مضى لا يترتب على استكباره ﷺ، وقيل إنها سببية والتقدير لا تبال ولا تستكبر فإنهم قد سألوا موسى-تجيح! أكبر! ت ذلك، وقرأ الحسن رحمه الله أكثر بالمثلثة. قوله:) وإن كان من آبائهم الخ (الهدى بالسكون السيرة، والطريقة واسناد ما للأصل إلى الفرع من قبيل إسناد ما للسبب للمسبب فسقط ما قيل أنّ الآخذ بمذهب الفاعل الحقيقيّ لم يعد من ملابساته في كتب المعاني لكن صاحب الكشاف اعتبره في هذا المقام أيضًا، وقد يجعل من إسناد فعل البعض إلى الكل بناء محلى كى (أالاتحاد نحو قومي هم قتلوا أمما أخر فيكون المراد بضمير سألوا جميع أهل الكتاب لصدور أنسؤال عن بعضهم، واقترحوه بمعنى ابتدعوه واخترعوه. قوله:) أي أرناه نره جهرة الما كانت ا! جهرة صفة الرؤية كما في كتب اللغة لا الإراءة اقتضى ذلك تقف ير ما ذكره، وأشار إلى أنه صفة مصدر رأى رؤية

194

لا قولًا جهرة، وسؤالًا جهرة كما قيل، ويحكح أن يكون حالًا من مفعول أرنا الأؤل أي مجاهرين، ومعاينين ولا وجه لما قيل إنّ تقديره بعيد عن الفهم، والظاهر أنه مصدر الإراءة في الحقيقة إمّا من لفظه بتقدير إراءة عيان أو من غير لفظه أي رؤية عيان، ويحتمل الحائية من المفعول الثاني أي معاينًا على صيغة المغعول، ولا لبس فيه لاستلزام كل منهما الآخرفلا يربتا اط

إنه يتعين أنه حال من الثاني لقربه منه. قوله: (نار جاءت من قبل السماء فأهلكتهم) أشار بهم إلى أنّ أخذتهم مجاز عما ذكر، وقوله وذلك لا يقتضي الخ ردّ على الزمخشرفي لأنه ينكر الرؤية لأن إنكار طلب الكفار لها في الدنيا تعنتًا لا يقتضي امتناعها مطلقا وهو ظاهر. قوله: (والبينات الخ) أي لا يصح إرادة التوراة لأنها نزلت بعد ذلك كما سيأتي فالمراد المعجزات أو الحجج الواضحة، وقوله: (تسلطا) إشارة إلى أنه مصدر، وأنّ مبينًا من أبان بمعنى ظهر وقوله: (مل) بضم الميم، وبكسر الطاء المهملة، وتشديد اللام بمعنى مثرف قيل إن السلطان المبين كان قبل العفو لأنّ قبول القتل كان توبة لهم، ولا محذور فيه لأنّ الواو لا تقتضي الترتيب، ولو فسر التسلط بما بعد العفو من قهرهم حتى انقادوا له، ولم يتمكنوا من مخالفته لم يرد عليه شيء. قوله: (وقرأ ورش عن نافع لا تعدّوا الخ) يعني بفتح العين وتشديد الدال وروي عن قالون تارة سكون العين سكونًا محضًا، وتارة إخفاء لفتحة العين فأمّا الأولى فأصلها تعتدوا لقوله: ﴿اعتدوا منكم في السبت﴾ [سورة البقرة، الآية: 65] فإنه يدل على أنه من الاعتداء وهو افتعال من العدوان فأريد إدغام تائه في الدال فنقلت حركتها إلى العين وقلبت دالًا وأدغمت، وهذا واضح، وأمّا السكون فشيء لا يراه النحويون للجمع بين ساكنين على غير حدهما والإخفاء، والاختلاس أخف منه وقرأ الأعمش تعتدوا على الأصل. قوله:) على ذلك وهو قولهم سمعنا وأطعنا) في الكشاف، وقد أخذ منهم الميثاق على ذلك، وقولهم: سمعنا وأطعنا، ومعاهدتهم على أن يتموا عليه ثم نقضوه بعد قيل، وقولهم معطوف على الميثاق فيتحد كلامه، وكلام المصنف، ولذا صرح به ومآل كلام المصنف يخالفه لأنه جعل الميثاق الغليظ معاهدتهم معاهدة مؤكدة على السمع والطاعة، والمصنف رحمه الله جعله نفس قولهم سمعنا وأطعنا لأنه ميثاق ووجه كونه غليظًا قيل يؤخذ من تعبيره بالماضي، وفيه تأمّل. قوله: (فخالفوا ونقضوا

الخ) يشير إلى أنّ في الكلام مقدرًا وأنّ الجار والمجرور متعلق بمقدر، وهو ما ذكر وفي الكشاف وما مزيدة للتأكيد فإن قلت بما تعلقت الباء، وما معنى التأكيد قلت إمّا أن تتعلق بمحذوف كأنه قيل فبما نقضهم ميثاقهم فعلنا بهم ما فعلنا، وإمّا أن تتعلق بقوله حرّمنا عليهم على أنّ قولهم فبظلم من الذين هادوا بدل من قوله فبما نقضهم ميثاقهم، وأمّا التوكيد فمعناه تحقيق أنّ العقاب أو تحريم الطيبات لم يكن إلا بنقض العهد، وما عطف عليه، وظاهره أنّ زيادة ما للتأكيد، وأنّ معنى التأكيد الحصر، وهو مشكل لأنّ الحصر إنما يفيده التقديم على العامل الملفوظ أو المقدّر، وكذا قيل في تأويله كما مرّ في نظيره إنّ في كلامه تقديرًا يعني، وأمّا التوكيد، والتقديم على العامل، ولا يخفى أنّ عبارته هنا منادية على خلافه، والحق عندي إبقاؤه على ظاهره، وأنّ مراده أنّ ما مزيدة لتأكيد السببية، وأنه سبب قويّ، وقوته تفيد الحصر لأنه لا يخلو إما أن لا يكون له سبب آخر أو يكون، وعلى الأوّل يتمّ المقصود، وعلى الثاني فلا يخلو إما أن يكون داخلاَ فيه فكذلك أو خارجًا عنه منضمًا إليه فإمّا أن يكون له مدخل في السببية أولا فعلى الثاني لا حاجة للضم، وعلى الأوّل لا يكون قويا لاحتياجه إلى ما ضم إليه أو مستقلًا فيكون مثله في الاستقلال بالسببية وحينئذ لا يكون لجعل هذا سببا قويا وجه بحسب الظاهر، ولا بدع في إفادة التوكيد للحصر بمعونة المقام فافهم فإنه مما غفلوا عنه. قوله: (ويجوز أن تتعلق بحرمنا الخ) ترك قول الزمخشري أنه على هذا يكون قوله فبظلم بدلًا لما قيل عليه إنه جعله بدلًا، ولم يجعله معطوفًا على السبب الأوّل كما جنح إليه المصنف رحمه الله لظهور أنه متعلق بقوله حرمنا على معنى السببية، ولا يتأتى ذلك بعد جعل المتعلق، والسبب هو قوله فيما نقضهم إلا بأن يكون هو بدلًا كما في قولك بزيد بحسنه فتنت، ومبناه على أنّ الفاء في فبظلم تكرار للفاء في فيما نقضهم عطفا على أخذناش! م ميثاقا غليظًا أو جزاء لشرط مقدر أما لو جعلت للعطف على بما نقضهم كقولك

195

بزيد وبحسنه فتنبت أو ثم بحسنه لم يحتج إلى جعله بدلًا ولا يخفى أنّ هذا الإبدال بعيد لفظا لطول اأغصل، ولكونه من إبدال الجار والمجرور مع حرف العطف أو الجزاء مع القطع بأنّ المعمول هو الجار والمجرور فقط، ومعنى لدلالته على أنّ تحريم بعض الطيبات مسبب عن مثل هذه الجرائم العظيمة، ومترتب عليها، وأيضا قيل عليه أنّ المعطوف على السبب سبب فيلزم تأخر بعض أجزاء السبب الذي للتحريم عن التحريم فلا يكون سببا، ولا جزء سبب إلا بتأويل بعيد لأنّ قولهم على مريم بهتانا! ظيما، وقولهم إنا قتلنا المسيح متأخر زمانا عن تحريم الطيبات فالأولى أن يقدر لعناهم كما ورد مصرحا به، وأمّا الجواب بأنّ الفاء تقارن البدل إذا طال الفصل كما ذكره الزجاج، وغيره وأنّ دوام التحريم في كل زمان كابتدائه فتكلف لا داعي إليه. قوله: (فيكون التحريم بسبب التقض الخ) عدل عن قول الزمخشريّ فلا يكون التحريم إلا بسبب النقض لما قيل عليه أنّ إفادة هذا التركيب الحصر مشكل لأنّ التركيب حينئذ من قبيل مررت بزيد وبعمرو، وقد اتفقوا

على أنه لا يجوز في مثله قصد التخصيص، وفيه بحث لأنه إنما يتجه لو كان الحصر مأخوذًا من التقديم أما لو كان من التأكيد كما سمعت فلا لأنه مثل إنما بزيد مررت وبعمرو. قوله: (لا بما دل عليه قوله بل طبع الله الخ) حاصله كما في الكشاف أن الجار لا يتعلق بطبع، ولا بلا يؤمنون مقدرًا هو نفسه أو ما يدل عليه بقرينة قوله: ﴿بل طغ الله عليها بكفردم فلا يؤمنون﴾ [سورة النساء، الآية: 1155 وقوله: ﴿مثل لا يؤمنون﴾ أي كما أنه لا يصح تعلقه بما دل عليه طبع لا يصح تعلقه بما دل عليه لا يؤمنون، وهذا رد لأبي البقاء، وغيره ممن جوّز هذا، ووجهه أنه ردّ لقولهم قلوبنا غلف واضراب عنه فيكون متصلًا به معنى، ومتعلقًا به، وما هو متعلق بالمجرور. ولا يصح عمله في الجار لفظآ، ومعنى وما لا يعمل لا يفسر عاملا لأنّ المفسر قائم مقام المفسير فلا يجوز مثل بزيد المار على أنّ المار عامل في بزيد أو مفسر لعامله، وهذأ معنى قوله من صلة وقوله: (صلة) مضاف إلى وقولهم إذ المراد به لفظه، وإنما قرنه بالواو لدفع اللبس لأنه لو قال من صلة قولهم لتوهم أنه صلة ما قالوه كما هو المتبادر لا هذا اللفظ فلا غبار فيه، ولا يرد عليه أنّ قوله، وقولهم مضاف إليه صلة فكان الأولى من صلة قولهم بدون واو، وأنه يقتضي أنّ الجار معمول فالأولى فلا يتعلق به جاره وضمير جاره للمجرور وهو قولهم قال النحرير هذا التقدير لا يصح لتوقفه على أن يكون بل طبع الله متعلقا بذلك المحذوف عطفا عليه بمعنى بل طبع الله عليها بنفس كفرهم فكيف إذا انضم إليه النقض، والقتل ليكون قرينة على ذلك المحذوف لكن ليس الأمر كذلك لأنه متعلق بقولهم قلوبنا غلف رذًا له، وانكارًا كما يفصح عنه قوله تعالى: ﴿وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم﴾ [صورة البقرة، الآية: 88] فلا يكون متعلقا بذلك المحذوف ولا دليل عليه بل استطراد ناظر إلى قولهم قلوبنا غلف عطفا على مقدر أي لم يخلق قلوبهم غلفا بل طبع الله عليها، ولأبي حيان هنا كلام مختل في بيان هذا الوجه تركناه خوف الإطالة بغير طائل. قوله: (أو بما جاء في كتابهم) لتحريفه، وانكاره، وعدم العمل به. قوله: (أوعية للعلوم أو في كنة الخ) أي هو إما جمع غلاف بمعنى الظرف، وأصله غلف بضمتين فخفف اي هو أوعية للعلم في غنية بما فيها عن غيره أو جمع أغلف كقولهم: سيف أغلف أي في غلاف فيكون كقوله: ﴿وقالوا قلوبنا في كنة مما تدعونا إليه﴾ [سورة فصدت، الآية: 5] لا تعيه، ولا تسمعه للحجاب المانع من وصوله إليها خلقة. قوله: (فجعلها محجوية عن العلم أو خذلها الخ) الوجه الأوّل ناظر إلى تفسير الغلف الأوّل أي قالوا قلوبنا مملوءة بالعلم فأبطله بأنها مطبوع عليها أي محجوبة عن العلم لم يصل

إليها شيء منه كالبيت المقفل المختوم عليه، والثاني إلى الثاني لأنهم قالوأ إنها في كنة، وحجب خلقية فلا جرم لنا في عدم قبول الحق فأضرب عنه بأنه ليس أمرًا خلقيا بل كسبي لأنهم بسبب كفرهم خذلهم الله، ومنعهم مما ذكر فلا يتدبرون، وقتلهم الأنبياء بغير حق مرّ تحقيقه. قوله: " لا قليلاَ منهم الخ) قيل في ردّ هذا الوجه قليلًا صفة مصدر أو زمان محذوف أي إلا إيمانًا أو زمانا قليلًا، ولا يجوز نصبه على الاسنثناء من فاعل يؤمنون أي إلا قليلاَ منهم فإنهم يؤمنون لأنّ ضمير لا يؤمنون عائد على المطبوع على قلوبهم، ومن طبع على قلبه بالكفر لا يقع منه إيمان، والجواب

196

أنّ المراد بما مز الإسناد إلى الكل ما هو للبعض باعتبار الأكثر فتأمّل أو المراد بالإيمان القليل التصديق ببعضه كنبوّة موسى ﷺ، وهو لا يفيد لأنّ الكفر بالبعض كفر بالكل كما مرّ. قوله:) وهو معطوف على بكفرهم لأنه من أصباب الطبع) دفع لما يتوهم من أنه من عطف الشيء على نفسه، ولا فائدة فيه بوجوه منها أنه إن عطف على بكفرهم الذي قبله، وهو مطلق، وهذا كفر بعيسى فهو إشارة إلى أنّ الكفر المطلق سبب للطبع كالمخصوص فلذا عطف للإيذان بصلاحية كل منهما للسببية، وان عطف على فبما نقضهم فظاهر، وان عطف مجموع هذا، وما بعده على مجموع ما قبله لا يلزم المحذور أيضا لمغايرة المجموع للمجموع، وإن لم يغاير بعض أجزأئه بعضًا لأنّ النظر إلى المجموع كقوله: هو الأوّل والآخر والظاهر، والباطن أو يعتبر التغاير بين ما كفروا به في المواضع الثلاثة، ويصح أيقحًا عطف هذا المجموع على قوله: بكفرهم ذكره الإمام، وجميع المحققين. قوله: (أي بزصمهم الخ الما كان القائلون اليهود، وهم لا يقرّون برسالة عيسى ﷺ أوّل بأنّ تسميته رسولًا بناء على قوله، وإن لم يعتقدوه أو هو استهزاء وتهكم، ومثل له بإطلاق الرسول، وكونه أرسل في الآية الأخرى أو أنهم لم يصفوه بذلك بل بغيره من صفات الذم فغير في الحكاية فيكون من الحكاية لا من المحكي أو هو كلام مستأنف معترض في البين لمدحه أي هو رسول الله ﷺ. قوله: (روي أنّ رهطًا من اليهود الخ) أخرجه النسائي عن ابن عباس رضي الله عنهما، والقاء

الشبه أن يجعله الله في صورته متمثلا كتمثل جبريل عليه الصلاة والسلام بصورة دحية رضي الله عنه وقوله: (فقام رجل منهم) أي من أصحابه، وقبل ذلك وقوله: (وقيل كان رجلاَ) أي كان الملقى عليه الشبه أو المقتول رجلًا ينافق عيسى ﷺ، ووقع في بعض نسخ الكشاف كان رجل بالرفع وهي أظهر من الأولى لاحتياجها للتأوبل، وأمثال ذلك مبتدأ من الخوارق خبره. قوله: (طيطانوس) اسم عبراني بطاءين مفتوحتين مهملتين بينهما مثناة تحتية ساكنة ثم ألف، ونون مضمومة تليها وسين مهملة، وفي نسخة ططيانوس بطاءين، ومثناة تحتية. قوله: (وإنما ذمهم الله الخ) أي أنه إذا ألقى عليه الشبه كان عندهم، وفي مبلغ علمهم عيسى عليه الصلاة والسلام فما ذكروه ليس كذبا يذم به لأنه على مبلغ علمهم فذمهم ليس بذلك بل بما تضمنه مما ذكره قوله: (وشبه مسند إلى الجار والمجرور الخ) إن أسند الفعل للجار والمجرور فالمراد وقع لهم تشبيه بين عيسى ﷺ، ومن صلب أو هو مسند لضمير المقتول الذي دل عليه إنا قتلنا أي شبه لهم من قتلوه بعيسى أو الضمير للأمر، وشبه من الشبهة أي التبس عليهم الأمر ومن فسره بهذا بناه على أنه لم يقع ولا صلب أصلًا وإنما وقع إرجاف وأكاذيب، وليس المسند إليه ضمير المسيح ﷺ لأنه مشبه به لا مشبه، والإرجاف أصل معناه الاضطراب ثم شاع فيما شاع من الكذب، وثم بالفتح اسم إشارة، وترسم بالها. قوله: (في شأن عيسى عليه الصلاة والسلام الخ) بيان للمعنى لأنّ الاختلاف ليس في ذاته بل في أمره، وقوله: فقتلناه حقا لا ينافي ما سيأتي من الشك لأنه بمعنى التردّد الواقع فيما بينهم لا أنّ كل أحد منهم شاك، وكذا قول من

سمع منه أنه يرفع والظاهر أنّ هؤلاء ليسوا من اليهود. قوله: (صلب الناسوت وصعد اللاهوت) هؤلاء الحلولية منهم القائلون بأن الله حل فيه وحين صلب انفصل عنه، وبقي جسمة قال الواحدي في شرح ديوان المتنبي يقولون لله لاهوت، وللإنسان ناسوت، وهي لغة عبرانية تكلمت بها العرب قديمًا انتهى. قوله: (والشك كما يطلق الخ) أصل الشك أن يستعمل في تساوي الطرفين، وقد يستعمل في لازم معناه، وهو التردّد مطلقًا وان ترجح أحد طرفيه، وهو المراد هنا ولذا أكده بنفي العلم الشامل لذلك أيضًا بقوله: ما لهم به من علم الخ. قوله:) استثناء منقطع الخ) لأنّ الظن المتبع ليس من العلم في شيء فإن فسر العلم بما ذكره كان متصلا لكنه خلاف المشهور، ولذا أخره وممن ذهب إلى اتصاله ابن عطية رحمه الله، وأمّا ما قيل إنّ اتباع الظن ليس من العلم قطعًا فلا يتصوّر اتصاله. فعلم مما مرّ دفعه لأن من قال به جعله بمعنى الظن المتبع وفي ضمير قتلوه وجوه فالظاهر أنه لعيسى عليه الصلاة والسلام، والمعنى ما قتلوه قتلًا يقينا فيقينا صفة

197

مصدر محذوف أو حال بتأويله بمستيقنين، ولا يرد عليه أنّ نفي القتل المتيقن يقتضي ثبوت القتل المشكوك لأنه لنفي القيد، والمقيد أو لنفي القيد، ولا مانع من أنه قتل في ظنهم فإنه يقتضي أنه ليس في نفس الأمر كذلك، وقيل هو راجع إلى العلم لمواليه ذهب الفراء، وابن قتيبة أي، وما قتلوا العلم يقينًا من قولهم قتلت العلم، والرأي، وقتلت كم اعلمًا، وهو مجاز كما في الأساس، ويقال نحره علمًا أيضًا ومنه نحرير للحاذق، وقال الأصمعي: نحرير كلمة مولدة وردّه الجواليقي وقال ورد في الشعر القديم كقوله:

يوم لا ينفع الرواغ ولا يف ط م إلا المشبع النحرير

وهي مشتقة من النحر كأنه نحر الأمور باتقانه كما يقال قتله خبرًا قال:

قتلتني الأيام حين قتلتها خبرًا فأبصرقاتلامقتولا

لأنّ من قتل فقد استعلى وغلب وتصرّف، وقيل: العلاقة التطهير بنفي الدماء،

والرطوبات، وهو بعيد، وقال الرضي في بحث المركبات النحر يكون بمعنى الإظهار لأنّ النحر يتضمنه ومنه قتلته خبرًا، وقولهم للعالم نحرير لأن القتل، والنحر يتضمن إظهار ما في باطن الحيوان، وقيل الضمير للظن أي، وما قطعوا الظن يقينًا وهذا منقول عن ابن عباس رضي الله عنهما، والسدي، وقيل: إنه متعلق بما بعده أي بل رفعه الله رفعًا يقينا ورد بأنّ ما بعد بل لا يتقدم عليها والبيت المذكور لم أر من عزاه وبقنا بفتحتين بمعنى يقينًا. قوله: (أي وما من أهل الكتاب أحد إلا ليؤمنن به الخ) إن هنا نافية بمعنى ما وفي الجار والمجرور وجهان أحدهما أنه صفة لمبتدأ محذوف، والقسم مع جوابه خبر، ولا يرد عليه أنّ القسم إنشاء لأن المقصود بالخبر جوابه وهو خبر مؤكد بالقسم، ولا ينافيه كون جواب القسم لا محل له لأنه لا محل له من حيث كونه جوابًا فلا يمتنع كونه له محل باعتبار آخر لو سلم أنّ الخبر ليس هو المجموع، والتقدير، وما أحد من أهل الكتاب إلا والله ليؤمنن به فهو كقوله: ﴿وما معنا إلا له مقام معلوم﴾ [صورة الصافات، الآية: 164] ورجح هذا الوجه والثاني واليه ذهب الزمخشري وأبو البقاء، والمصنف رحمه الله أنّ جملة القسم صفة موصوف محذوف تقديره وأن من أهل الكتاب أحدا لا ليؤمنن به، وقيل عليه إنّ الصواب هو الوجه الأوّل لأنه لا ينتظم من أحد والجار، والمجرور إسناد لأنه لا يفيد، وكونه لا فائدة فيه ليس بشيء إذ معناه كل رجل يؤمن به قبل موته من أهل الكتاب نعم معناه على الوجه الآخر كل رجل من أهل الكتاب يؤمن به قبل موته، والظاهر أنه هو المقصود، وأنه أتم فائدة، والاستثناء مفرغ من أعمّ الأوصاف. قوله: (ويعود إليه الضمير الثاني الخ) أي إلى أحد، وتزهق روحه بمعنى تخرج، وقال الراغب زهوق الروج خروجها أسفًا على شيء ويؤيد كون الضمير لأحد الذي يكون للجمع، وغيره كما مرّ أنه قرئ ليؤمنن بضم النون، وأصله يؤمنونن، وضمير الجمع لا يعود لعيسى عليه الصلاة والسلام ظاهرا ومعاجلة الإيمان مبادرته، وهو الصحيح، وفي نسخة معالجة الإيمان أي جبر نفسهم عليه، وتمرينها على الحق، والمراد بالاضطرار إيمان الناس، والإلجاء، وهو لا يفيد لأنه ملحق بالبرزح فينكشف لكل الحق، ويظهر له حتى يؤمن به كما هو حقه، وقصة الحجاج، واستشكاله هذه الآية بمن شاهد! ن! هم يقتل، ويحرق ونحوه، ولا يقز بذلك مفصلة في الكشاف، وقدّر أحد على قراءة الجمع، ولم يقدر جمعا صريحًا لشيوعه في الاستثناء ملفوظا

مرادًا به الجمع فحمل المقدر عليه فتأمّل، ومعنى الوعيد أنّ ذلك الأمر الذي يتحرّزون عنه كائن لا محالة، وقراءة الجمع لا تعين ذلك الاحتمال في القراءة الأخرى إن قلنا بجواز تخالف القراءتين معنى، والا ففيه نظر ورجوع الضمير إلى عدم قتله خلاف الظاهر وان قيل به. قوله: (روي أنه عليه الصلاة والسلام ينزل الخ) هذا الحديث رواه أبو داود وابن حبان عن أبي هريرة رضي الله عنه دون قوله: فلا يبقى أحد من أهل الكتاب الخ. وروى هذه الزيادة ابن جرير، وصححه الحاكم عن ابن عباس رضي الله عنهما موقوقا، وكونه يمكث أربعين سنة استشكله الحافظ عماد الدين بن كثير رحمه الله بأنه ثبت في صحيح مسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه يمكث في الأرض سبع سنين، وجمع بين الروايتين بأن رواية مسلم لبيان مذة مكثه بعد نزوله من السماء، والرواية الأخرى لبيان مجموع إقامته قبل الرفع وبعده فإنه رفع، وهو ابن ثلاث، وثلاثين سنة فإذا نزل مكث سبع سنين فيكون مدة لبثه في الدنيا أربعين

198

سنة، ولفظ مسلم يبعث الله عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام فيطلبه فيهلك أي الدجال ثم يلبث الناس بعد. سبع سنين ليس بين اثنين عداوة قال البيهقي ويحتمل أيضًا قوله ثم يلبث الناس بعد. أي بعد موته فلا تكون هذه الرواية مخالفة للرواية الأولى، ورجح هذا الجمع على الأوّل بأنّ الرواية ليست نصًا في لبث عيسى ﷺ وتلك نص فيها، وقوله بعده وثم صريح فيه والرواية الأولى مشهورة مروبة من طرق كثيرة، ولم يخالفها غير رواية مسلم فينبغي تأويلها، ثم اختلف في محل دفنه عليه الصلاة والسلام، فقيل: يدفن في حجرة النبي ﷺ وان محله فيها معدله، ورد فيه أثر وقيل في بيت المقدس، وقوله: ويوم القيامة الخ يدل على جواز تقدم خبر كان مطلقا أو إذا كان ظرفا لأن المعمول إنما يتقدم حيث يصح تقديم عامله، والضمير في يهون لعيسى عليه الصلاة والسلام، وقيل لمحمد ﷺ، وهو خلاف الظاهر، ولذا لم يذكره المصنف رحمه الله. قوله: (فبأيّ ظلم الخ) أخذ التعميم من التنوين، وليس مراده أنّ له صفة محذوفة كما قيل، وترك ذكر الحصر لما مرّ، وقوله وعلى الذين هادوا الخ المحرّم هو ما سيأتي في الأنعام مفصلًا فإن قيل التحريم كان في التوراة، ولم يكن حينئذ كفر بعيسى، ومحمد عليهما الصلاة والسلام، وصد عن سبيل الله.

قيل المراد استمرار التحريم، وجعل الزمخشري الصد وا! ل ونحوهما بيانًا للظلم قال

النحرير: رحمه الله هو لدفع ما يقال إنّ العطف على المعمول المتقدم ينافي الحصر مثل مررت بزيد وبعمرو، ومن جعل الظلم بمعناه كما في قوله تعالى: ﴿ذلك جزيناهم ببنيهم﴾ وجعل بصدهم متعلقًا بمحذوف فلا إشكال عليه.

(قلت) ومنه يعلم تخصيص ما ذكره أهل المعاني من أنه مناف للحر بالاتفاق إذ المراد إذا

لم يكن الحصر مستفادًا من غير التقديم، ولم يكن الثاني بيانًا للأوّل كما إذا قلت بذنب ضربت زيدًا، وبسوء أدبه أي لا بغير ذنب فافهمه فإنه من النفائس. قوله: (ناسًا كثيرا (أي هو صفة مفعول صدّ مقدرًا أو صفة مفعول مطلق فينتصب على المصدرية، وقيل إنه منصوب على الظرفية أي زمانًا كثيرًا، وإنما لم تعد الباء في أخذهم، ونحوه، وأعيدت في غيره لأنه فصل بين المعطوف والمعطوف عليه بما ليس معمولًا للمعطوف عليه، وحيث فصل بمعموله لم تعد، وجملة، وقد نهوا حالية ووجه الدلالة على أن النهي للتحريم أنه تعالى توعد على مخالفته، وهو ظاهر. قوله: (نصب على الماخ إن جعل يؤمنون الخبر) كما مرّ، وقد جؤز فيها أن تكون جملة حالية أيضًا، وليست مؤكدة لتقييدها بقيد ليس في الأوّل، ولعدم دلالتها على الرسوخ في العلم، وإليه أشار بقوله أن جعل الخ. وقد أشكل هذا على من قال: لا وجه لتقييد النصب بذلك الجعل فإنه منصوب على المدح مطلقا وخبط بعضهم في توجيهه، وما ذكره المصنف رحمه الله بعينه كلام الكسائي قال مكي من جعل نصب المقيمين على المدح جعل خبر الراسخين يؤمنون فإن جعل الخبر أولئك سنؤتيهم لم يجز نصب المقيمين على المدح لأنه لا يكون إلا بعد تمام الكلام لكن قال النيسابوري رحمه الله طعن الكسائي في القول بالنصب على المدح بأنه يكون بعد تمام الكلام، وهنا ليس كذلك لأنّ الخبر أولئك، والجواب أنّ الخبر يؤمنون ولو سلم فما الدليل على أنه لا يجوز الاعتراض بين المبتدأ وخبره، ولما رأى الزمخشرفي ما فيه لم يصرّح بما ذكره المصنف رحمه الله، وكان وجه ما ذكروه أنّ القطع في العطف في قوّة الاتباع لأنه الأصل فيه ومقتضى العطف على المبتدأ أن يكون الخبر المذكور بعده للمبتدأ، وما عطف عليه، وكذا الضمير العائد فيه، وبعد الأخبار عنه لا يصح قطعه لكن حكى ابن عطية رحمه الله عن قوم منع نصبه على القطع من أجل حرف العطف، والقطع لا يكون في العطف إنما ذلك في النعوت، ولما استدل النحاة رحمهم الله بقوله:

لايبعدن قومي الذين هم سم العداة وآفة الجزر

النازلين بكل معترك والطيبون معاقد الأزر

على جواز القطع فرق هذا القائل بأن البيت لا عطف فيه لأنه قطع فيه النازلين فنصب، والطيبون

199

فرفع على قوله قومي، ولا وجه للفرق مع ما أنثده سيبويه للقطع مع حرف العطف من قوله:

ويأوي إلى نسوة عطل وشعثامراضيع مثل السعالى

فنصب شعثا، وهو معطوف، وقد تقدم لنا كلام في هذا في سورة البقرة، ولعل القطع

ليس مثل الاعتراض من كل الوجوه لما فيه من ملاحظة التبعية فلا يرد ما ذكره النيسابوري رحمه الله، وبعد كل كلام فما ذكره المصنف رحمه الله قاله السلف فالعهدة فيه عليهم فليحرر. قوله: (أو عطف على ما أنزل إليك الخ) هذا وجه آخر في إعرابه، وهو أنه مجرور معطوف على ما أنزل، والمعنى يؤمنون بالمقيمين، والمراد بالمقيمين حينئذ الأنبياء، والرسل صلوات الله وسلامه عليهم قيل، وليس المراد بإقامة الصلاة على هذا أداؤها بل إظهارها بين الناس، وتشريعها، وقيل المراد بالمقيمين الملائكة لقوله يسبحون الليل، والنهار لا يفترون وقيل المسلمون بتقدير مضاف أي وبدين المقيمين، وفيه أقوال أخر فقيل معطوف على ضمير منهم، وقيل ضمير إليك أو ضمير قبك، وهذا أبعدها، وفي الكشاف، ولا يلتفت إلى ما زعموا من وقوعه لحنا في خط المصحف وربما التفت إليه من لم ينظر في الكتاب، ولم يعرف مذاهب العرب فيما لهم من النصب على الاختصاص من الافتنان وغبى عليه أنّ السابقين الأوّلين الذين مثلهم في التوراة، ومثلهم في الإنجيل كانوا أنفذ همة في الغيرة على الإسلام وذب المطاعن عنه من أن يتركوا في كتاب الله ثلمة ليسدها من بعدهم وخرقا يرفوه من يلحق بهم اص.

وقيل عليه لا كلام في نقل النظم تواتر فلا يجوز اللحن فيه أصلًا وهل يمكن أن يقع في الخط لحن بأن يكتب المقيمون بصورة المقيمين بناء على عدم تواتر صورة الكتابة وما روي عن عثمان وعائشة رضي الله تعالى عنهما أنهما قالا إنّ في المصحف لحنًا، وستقيمه العرب بألسنها على تقدير صحة الرواية يحمل على اللحن فى الخط لكن الحق رد هذه الرواية وإليه أشار بقوله: (إن السابقين الأولين الخ)

أقول: هذا إشارة إلى ما نقله الشاطبى رحمه الله فى الرائية وبينه شراحه وعلماء الرسم (العثماني بسند متصل إلى عثمان رضي الله تعالى عنه أنه لما فرغ من المصحف أتى به إليه فقال قد أحسنتم، وأجملتم أرى شيئا من لحن ستقيمه العرب بألسنتها، ولو كان المملي من هذيل، والكاتب من قريش لم يوجد فيه هذا.

قال السخاوي، وهو ضعيف، والإسناد فيه اضطراب، وانقطاع لأنّ عثمان رضي الله تعالى عنه جعل للناس إماما يقتدون به فكيف يرى فيه لحنًا، ويتركه لتقيمه العرب بألسنتها، وقد كتب مصاحف سبعة وليس فيها اختلاف قط إلا فيما هو من وجوه القراآت، وإذا لم يقمه هو، ومن باشر الجمع كيف يقيمه غيرهم وتأوّل قوم اللحن في كلامه على تقدير صحته عنه بأن المراد الرمز والإيماء كما في قوله:

منطق رائع وتلحن أحيانا وخير الكلام ماكان لحنا

أي المراد به الرمز بحذف بعض الحروف خطًا كألف الصابرين مما يعرفه القراء إذا رأوه،

وكذا زيادة بعض الحروف، والوجوه المذكورة في الرفع، وما عطف عليه ظاهرة، وعلى عطفه على ضمير يؤمنون تقديره المؤمنون يؤمنون هم والمقيمون الصلاة لا يؤمنون المقيمون حتى لا يصح الأخبار كما توهم إلا أنه لا يخفى أنّ غيره أولى منه وأقعد.

تنبيه: قد نخلنا النقول، وتتبعنا كلامهم ما بين معسول ومغسول فآل ذلك إلى أنّ قول عثمان فيه مذهبان أحدهما أن المراد باللحن ما خالف الظاهر وهو موافق له حقيقة ليشمل الوجوه تقديرا، واحتمالًا، وهذا ما ذهب إليه الداني، وتابعه كثيرون والرواية فيه صحيحة، والثاني ما ذهب إليه ابن الأنباري من أنّ اللحن على ظاهره، وأنّ الرواية غير صحيحة. قوله: (قدم عليها الإيمان بالأنبياء والكتب الخ) الإيمان بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام معلوم من الإيمان بما أنزل إليهم والإيمان بالكتب مصرح به، وما يصذقه إقامة الصلاة وايتاء الزكاة، وقوله: لأنه المقصود أي لأنّ الإيمان بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وما معهم هو المقصود في هذا المقام لأنه لبيان حال أهل الكتاب، وإرشادهم، وهم كانوا يؤمنون ببعض ذلك، ويتركون بعضه فبين لهم ما يلزمهم، ويجب عليهم، وأما الإيمان بالله، واليوم الآخر فهم قائلون به ظاهرًا كما مرّ

200

تحقيقه في أوّل البقرة، وقيل إنه تصريح بما علم ضمنا للتأكيد، وقيل تعميم بعد التخصيص لأنّ الإيمان بالله واليوم الآخر عبارة عن جميع ما يجب الإيمان به، وجمعهم بين الإيمان الصحيح، والعمل الصالح مأخوذ مما تقدّمه، وفي هذا كلام تقدم في سورة البقرة فانظره. قوله: (جواب لأهل الكتاب الخ) تد مرّ تفصيله فلا خفاء في كلامه كما توهم، ومن قال إنه تعليل لقوله: ﴿الراسخون في العلم﴾ [سورة النساء، الآية: 162] فقد أبعد المرمى ولم يدر أن هذا التفسير هو المأثور، وبدأ بنوج تهديدًا لهم لأنه أوّل نبي عوقب قومه لا أنه أوّل شرع كما توهم وظاهره يدل على أنّ من قبل نوح لم يكن يوحي له كما أوحى لنبينا ﷺ

لا أنه غير موحى إليه أصلا كما قيل. قوله: (خصهم بالذكر الخ) إن أراد بالتخصيص! ذكرهم لم يرد عليه شيء والا ورد عليه إنّ الأسباط ليسوا كذلك لكن الأمر فيه سهل. قوله: (وقرأ حمزة بورا بالضم الخ) والجمهور على فتحها والضم على أنه جمع زبر بكسر فسكون صفة بمعنى مزبور أي مكتوب أو زبر بالفتح، والسكون كفلس وفلوس كما في الدرّ المصون، وعبارة المصنف تحتملهما، وقيل إنه مفرد كقعود، وقيل إنه جمع زبور على حذف الزوأئد. قوله: (نصب بمضمر) أي أرسلنا رسلا، وكذا رسلًا الآني، والقرينة عليه قوله أوحينا لاستلزامه الإرسال أو قصصنا إلا أنه منصوب بقصصنا بحذف مضاف أي قصصنا أخبار رسل، وفيه وجوه أخر، وقوله من قبل هذه السورة إشارة إلى المضاف المنوي، وهو ظاهر. قوله:) وهو منتهى مراتب الوحي الخ) أي الكلام بالذات أشرف أنواعه، وأعلاها وقد وقع للنبيّءشفه في الإسراء مع زيادة رفعة، وما من معجزة لنبيّ من الأنبياء إلا ولنبينا ﷺ مثلها كما تصذى لبيانه بعض أهل الأثر مع زيادة له شرّفه الله تعالى، وتكليمًا مصدر مؤكد قالوا إنه رافع للمجاز وفيه نظر لأته مؤكد للفعل فيرفع المجاز عنه، وأما رفعه المجاز عن الإسناد بأن يكون المكلم رسله من الملائكة كما يقال قال الخليفة: كذا إذا قاله وزيره، فلا مع أنه أكد الفعل والمراد به معنى مجازي كقول هند بنت النعمان في زوجها روح بن زنباع وزير عبد الملك بن مروان:

بكى الخز من روح وأنكر جلده وعجت عجيجا من جذام المطارف

أي بكى الخز من لبسه له لأنه ليس من أهله ولذلك صرخت المطارف من ليس جذام

لها، وهي قبيلة داوح فأكدت عج بعجيجا مع أنه مجاز لأنّ الثياب لا تعج، والقراءة المشهورة رفع الجلالة الشب! يفة وقرئ بنصبها في الشواذ، وهي واضحة أيضًا. قوله: (نصب على المدح (أي بتقدير أمدلأ أو أعني وقدمه لرجحانه عنده، والحال الموطئة هي التي يكون المقصود بالحالية وصفها كما هنا وعليه فهي حال من رسلًا الذي قبله أو ضميره قيل، ولا وجه للفصل حينئذ بينثفا بقوله، وكلم الله موسى، وجوّز فيه الزمخشري البدلية وتركه المصنف وحمه الله تعالى لأنّ اتحاد البدل، والمبدل منه لفظا بعيد وان كان المعتمد بالبدلية الوصف. قوله: (وفيه

تنبيه على أنّ يعثة الآنبياء عليهم الصلاة والسلام الخ) يشير إلى رد ما في الكشاف وأن العقل لا يكفي في ذلك حتى يكون إرسال الرسل للتنبيه عن سنة الغفلة فإنّ العقل قاصر عنه فلا بد من الشرع، وإرسال الرسل ومحل بسطه كتب الكلام، وقوله: بأرسلنا أي المقدر كما مر أو بقوله مبشرين ومنذرين يعني على التنازع، وقوله: ولا يجوز تعلقه بحجة لأنه مصدر يعني، ومعموله لا يجوز تقدّمه عليه ومن جوّزه في الظرف جوّزه هنا. قوله: (وخص كل نبي بنوع من الوحي والإعجازا لأنّ كل نبي غلب في زمنه شيء جعلت معجزته من جنسه كما غلب في زمن موسى عليه الصلاة والسلام السحر فجاء بالعصا، ونحوها مما يضاهيه، وفي زمن عيسى ﷺ الطب فأبرأ اكمه والأبرص، وفي زمن نبينا عليه الصلاة والسلام البلاغة فجاء القرآن، واعترض على المصنف رحمه الله تعالى بأن هذا ينافي قوله: قبيل هذا إنه أعطى محمدًا ﷺ مثل ما أعطى كل واحد منهم فلا يختص أحد منهم بنوع بالنسبة إليه، ويجاب بأن اختصاص كل منهم بالنسبة إلى من قبله لا بالنسبة إلى من بعده فالاختصاص نسبي لا مطلق، وهو ظاهر أو أنّ المراد غير من ألقى إليه هذا. قوله: (استدراك عن مفهوم

201

ما قبله فكأنه الخ (يعني أنّ أهل الكتاب لما سألوه ﷺ إنزال كتاب من السماء كما أرادوا بعثنا ليقروا بحقية ما جاء به ورد قولهم بقوله: ﴿أنا أوحينا﴾ الخ. استدراك على ذلك فقال إن لم تلزمهم الحجة، ويشهدوا لك فالله يشهد وكفى به شهيدًا، وشهادة الله إثباته لصحته بإظهار المعجزات كما تثبت الدعاوى بالبينات، وإذا ثبتت شهادته ثبتت شهادة الملائكة عليهم الصلاة والسلام لأنّ شهادتهم تبع لشهادته، وقوله: يبينه وقع في نسخة يثبته بالمثلثة، وهما بمعنى وقوله: (روي الخ) هو مروقي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. قوله: (إنزله ملتبسًا بعلمه الخاص به الخ) فالباء للملابسة، والإضافة تفيد اختصاصا خاصا به لا يليق بالبشر بل بخالق القوى والقدر. وذكر في تفسيره في الكشاف أربعة أوجه فقال معناه أنزله ملتبسا بعلمه الخاص الذي لا يعلمه غيره، وهو تأليفه على نظم،

وأسلوب يعجز عنه كل بليغ وصاحب بيان، وموقعه مما قبله موقع الجملة المفسرة لأة " بيان للشهادة وأنّ شهادته بصحته أنه أنزله بالنظم المعجز الفائت القدرة، وقيل أنزله، وهو عالم بأنك أهل لإنزاله إليك وأنك مبلغه، وقيل: أنزله بما علم من مصالح العبادة مشتملا عليه، ويحتمل أنه أنزله، وهو عالم به رقيب عليه حافظ له من الشياطين برصد من الملائكة، والملائكة يشهدون بذلك كما قال تعالى: في آخر سورة الجن فقيل عليه أنه جعل العلم بمعنى المعلوم، والمراد بالمعلوم التأليف والنظم المخصوص، وليس هذا من جعل العلم مجازًا عن النظم، والتأليف ولو جعل العلم بمعناه المصدري، ويكون تأليفه بيانًا لتلبسه لا للعلم نفسه صح لكن فيه تجوز من جهة أنّ التأليف ليس نفس التلبس بل أثره، والباء على هذا تحتمل الآلية كما يقال فعله بعلمه إذا كان متقنًا وعلى ما ينبغي فيكون وصفًا للقرآن بكمال الحسن، والبلاغة وأما في الوجه الثاني، والثالث فالعلم بمعناه والظرف حال من الفاعل أو المفعول، ومتعلق العلم مختلف، وهو كونك أهلًا أو مصالح العباد، وظاهر كلامه أنه على الثاني حال من الفاعل، وعلى الثالث من المفعول، ومبني قوله بما علم من المصالح على أنّ التلبس بالعلم تلبس بالمعلوم أو على أنّ العلم بمعنى المعلوم، وموتع الجملة على الوجهين تقرير للصلة، وبيانها أعني أنزل إليك، وأما على الرابع فحال من الفاعل، ومعنى العلم أنه رقيب عليه حافظ له، والملائكة رصد عليه تحفظه من الشياطين كقوله تعالى: ﴿فإنه يسلك من بين يدبه ومن خلفه رصدا﴾ ويشهدون على هذا من الشهود للحفظ اهـ محصله، وهو ردج على الطيبي إذ جعل العلم مجازًا عن التأليف المخصوص والعلاقة بين الفاعل، والفعل لأنّ الفاعل المتقن الحكييم لا يصدر عنه إلا الفعل المحكم البديع، والمصنف رحمه الله تعالى ترك الوجه الرابع، وهو أن تلبسه بعلمه حفظ له لأنه لا مساس له بهذا المقام. قوله: (فالجار والمجرور على الأوّلين حال الخ) ويحتمل أنه مفعولط مطلق على الوجوه أي إنزالًا ملتبسا بعلمه، وضمير بعلمه لله، وعلى الثالث للقرآن فلذا جعله فيه حالًا من المفعول، وجعل الجملة تفسيرًا لما قبلها، وهي قوله أنزل إليك لأنها بيان لإنزاله على وجه مخصوص، والزمخشري جعله بيانا للشهادة، وكلام المصنف يحتمله أيضًا إلا أنه يخالفه في إطلاق التفسير فيها فتدبر. قوله: (أيضًا بنبؤتك الخ) كلام اصخ!، وشروحه ظاهر في أنّ قوله بما أنزل متعلق بيشهد على أنّ الباء صلة والمشهود به هو 1 ما أنزله وهو الظاهر والمصنف رحمه الله تعالى حيث قال إنهم أنكروه، ولكن الله يبيته، ويقياره بما أنزل إليك من القرآن المعجز الدال على نبوّتك، وقال هنا والملائكة يشهدون أيضا بنجوّتك، ثم قال لعرفوا نبوّتك وشهدوا بها كما عرفت الملائكة، وشهدوا أشار إلى أنّ المشهود به هو النبوّة وأن تعلق بما أنزل تعلق الآلية أي يشهد بنبوّتك بسبب ما أنزل إليك لدلالته بإعجازه على صدقك ونبوّتك كذا قيل، وقيل: إنه بيان لمآل المعنى ومؤذاه فإن شهادته

بصحة ما أنزله من القرآن لإظهار المعجزات المقصود منه إثبات نبوّته فتأمّل. قوله: (وفيه تنبيه على أنهم يودّون أن يعلموا صحة دعوى النبوّة الخ (أي يعلم من سياق النظم أنّ أهل الكتاب في تعنتهم، وسؤالهم كانوا يودّون أي يحبون ويريدون أن يظهر لهم جلية الأمر عيانًا ليؤمنوا وهم مخطؤون لأن هذا ليس طريقا للبشر في معرفة الحق والنبوّة بل مخصوص بالملائكة لأنهم يشاهدون ذلك فلذلك أثبتها الله لهم بالإعجاز المحتاج إلى التفكر، والتدبر، وفى كون الجاحدين المعاندين من أهل الكتاب

202

يوذون ذلك نظر لا يخفى، وقوله: (جمعوا بين اتضلال والإضلال) من الصد عن سبيل الله، وأعرق من العرق بعين وراء مهملتين، وقاف بمعنى أقوى وأ د خل.

قوله: (وعليه يدل على أنّ الكفار الخ) أي على هذا الوجه النظم أو الآية تدلّ على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة أما على ما قبله فلا دلالة لها لأنهم مخاطبون بالأصول، ومكلفون بترك الكفر، والظلم إذا كان بمعنى إنكار النبوّة أو صد الناس عن الدخول في الدين فهو كفر وهم مخاطبون بتركه بالاتفاق، وأمّا إذا كان أعم شاملًا لظلم أنفسهم بالمعاصي، وذكر أنه لا يغفر لهم ذلك دلت الآية على أنهم مؤاخذون به ومكلفون، ومخاطبون بوجوبه عليهم، ومنهم من أرجعه إلى الوجهين الأخيرين، وله وجه وإذا كان في تفسير الظلم وجوه كما ذكر. لم يتم الاستدلال، والمسألة مبسوطة في أصول الفقه، وفي الكشاف هنا كلام تركه المصنف رحمه الله تعالى لأنه مبني على الاعتزال الصرف، وقوله: لجري حكمه الخ. أي لا بالوجوب

كما يقوله المعتزلة والمحتوم بالحاء المهملة المقضي المقطوع به على مقتضى الحكمة، وقوله: حال مقدّرة أي منتظرة مستقبلة غير مقارنة لأنّ الخلود يكون بعد إيصالهم إلى جهنم، ولو قدر يقيمون خالدين لم يلتئم تقديره، والتعبير عنه بالهداية تهكم إن لم يرد بالهداية مطلق الدلالة وقوله: (ولما الخ) بيان لارتباط هذا بما قبله، ومناسبته له. قوله: (أي إيمانًا خيرا لكم الخ) في نصب خيرا وجوه للنحاة فمذهب الخليل وسيبويه أنه منصوب بفعل محذوف وجوبا تقديره، وافعلوا أو وأتوا خيرًا لكم، ومذهب الفراء أنه نعت مصدر محذوف كما ذكره المصنف رحمه الله تعالى، وأورد عليه أنه يقتضي أنّ الإيمان ينقسم إلى خير وغيره، ودفع بأنه صفة مؤكدة، وأن مفهوم الصفة قد لا يعتبر، ومذهب الكساتي، وأبي عبيد أنه خبر كان مضمرة والتقدير يكن الإيمان خيرًا ورد بأن كان لا تحذف، واسمها دون خبرها إلا في مواضع اقتضته وأنّ المقدر جواب شرط محذوف فيلزم حذف الشرط، وجوابه إذ التقدير أن تؤمنوا يكن الإيمان خيرا، وهذا مبني على أنّ الجزم بشرط مقدر فإن قلنا بأنه بنفس الأمر، واخواته كما هو مذهب لبعض النحاة لم يرد، وكذا حذف كان، واسمها تخصيصه بمواضع لا يسلمه هذا القائل وقيل إنه منصوب على الحال نقله مكي عن بعض الكوفيين وأبو البقاء، وهو بعيد فما ذكره المصنف رحمه الله تعالى لا غبار عليه فإنه حكاية ما قاله النحاة في هذا التركيب فالاعتراض عليه بأنه مخالف لكلام ابن الحاجب ونحوه ساقط. قوله: (وإن تكفروا فهو غنئ عنكم الخ الما كان ملكه السموات والأرض، وما فيهما أمرًا مقرّرًا قبل كفرهم أشار إلى أن الجواب مقدر، وهذا دليله أقيم مقامه، وهو ظاهر إلا أنّ قوله المراد بما فيهما ما يشملهما لأن الكل مشتمل على إجزائه، وهي مظروفة فيه أيضًا، ومجموع الأجزاء هو عين الكل قيل عليه إن ظرفيتهما لما فيهما حقيقية، وظرفية الكل لأجزائه مجازية فيلزم الجمع بين الحقيقة، والمجاز وفيه نظر سيأتي. قوله: (الخطاب للفريقين الخ) الرشدة بالكسر وجوّز فيه في القاموس الفتح يقال في الولد هو لرشدة إذا كان حاصلا من نكاح لا زنا وسفاح، وضده هو لزنية، والتزنية هو أن ينسبه إلى أنه لزينة، ثون تخصيصه بالنصارى أوفق بما بعده لأنهم افتروا عليه الصاحبة، والولد

والتصريح بأمر عيسى ﷺ يؤيده، وإن كان قوله: ﴿ولا تقولوا على الله إلا الحق﴾ قد يدخل فيه اليهود لافترائهم بتزنية عيسى عل! الصلاة والسلام، وما قالوه في عزير لكن ما بعده لا يساعده، والغلوّ مجاوزة الحد، ومنه غلوة السهم، وغلوّ السعر. قوله: " لا الحق يعني تنزيهه عن الصاحبة والولد) قيل الانقطاع في هذا الاستثناء أشبه لأنّ التزنية لا تكون مقولًا عليه بل له وفيه لأن معنى قال عليه افترى، وفيه نظر لأنّ الاستثناء مفرغ، وقد مرّ أنّ الانقطاع فيه غير معروف لكن المعنى يقتضي ما ذكره النحرير، وقيل الظاهر أنّ المراد بقوله، ﴿ولا تقولوا على الله إلا الحق﴾ إنه تنزبه عن كل ما لا يليق كالشريك، وقوله: إنما المسيح تنزيه عن الصاحبة، والولد فليتأمّل. قوله: (أوصلها إليها وحصلها) جملة ألقاها حال بتقدير قد، والإلقاء الطرح، وهوهنا مجاز عن الإيصال، وقوله: (ذو روح) إشارة إلى أنه على حذف مضاف أو استعمل الروح في معنى ذي الروح، واضافته إلى الله للتشريف أو لأنه بمحض قدرته

203

من غير توسط المادة، وعلى القول الآخر هو استعارة تشبيهًا للمحى بالروح التي بها الحياة، وحاج بعض النصارى الواقدي بهذه الآية فقال إنها تدل على أن عيسى عليه الصلاة والسلام جزء من الله فعارضه بقوله تعالى: ﴿وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه﴾ [سورة الجاثية، الآية: 13] فلو كان كذلك لاقتضى إنّ جميع الموجودات جزء منه فحجه، ومعنى كونه كلمة أنه حصل بكلمة كن من غير مادّة، وقال الغزالي رحمه الله تعالى لكل شيء سبب قريب، وبعيد فالأوّل المني والثاني قول كن، ولما دل الدليل على عدم القريب في حق عيسى ﷺ إضافة إلى البعيد، وهو كلمة كن إشارة إلى انتفاء القريب، وأوضحه بقوله ألقاها بجعله كالمني الذي يلقى في الرحم فهو استعارة كما أشار إليه المصنف رحمه الله تعالى. قوله: (أي الآلهة ثلاثة الخ) يعني أن الظاهر أنهم يقولون بآلهة ثلاثة الله، وعيسى عليه الصلاة والسلام ومريم كما صرّح به في الآيات الأخر، وان نقل عنهم القول بالأقانيم فحكاية الله عنهم أوثق لكن قال الطيبي رحمه الله تعالى أن الحكيم الفاضل يحيى بن عيسى صاحب المنهاج في الطب كان نصرانيًا فلما أسلم

وحسن إسلامه صنف رسالة في الردّ على النصارى قال فيها زعموا أنه تعالى جوهر واحد ثلاثة أتانيم أقنوم الأب، وأقنوم الابن وأقنوم روح القدس فهو واحد بالجوهر مختلف بالأقانيم، وقال بعضهم أنها أشخاص وذوات وقال بعضهم أنها خواص، وصفات فأقنوم الأب الذات، وأقنوم الابن الكلمة، وهي العلم وأنها لم تزل مولدة من الأب لا على سبيل التناسل بل كتوليد ضياء الشمس، وأقنوم روح القدس هو الحياة، وأنها لم تزل فائضة من الأب والابن، واختلفوا في الاتحاد فقالت اليعقوبية أنها بمعنى الممازجة كممازجة النار للفحم فالجمرة ليست نارًا خالصة، ولا فحمة، وهذا موافق لقولهم أنّ الله نزل من السماء ماء وتجسد من روح القدس، وصار إنسانًا، ولذلك قالوا المسيح جوهر من جوهرين، وأقنوم من أقنومين وهذا هو القول باللاهوت، والناسوت، وظاهر قول نسطورًا أنّ الاتحاد على معنى الحلول، وأنّ الكلمة جعلته محلاَ، ولذا قالوا جوهران، وأقنومان إلى غير ذلك، وإذا تقرّر اختلافهم كذلك صح حينثذ أن يراد من قوله، ولا تقولوا ثلاثة، ولا تقولوا هو جوهر واحد ثلاثة أقانيم، وأن يحمل بقية الآيات على ما قالوه قال، وقولهم ثلاثة أي مستوون في الألوهية كما يقال في العرف عند إلحاق اثنين بواحد في وصف هم ثلاثة أي أنهما شبيهان به، والأقنوم بضم الهمزة بمعنى الأصل، وهي لغة يونانية، وجمعها أقانيم، وقوله: الهين من دون الله أي الهين غير الله فيكونون معه ثلاثة. فلا يقال إنه لا دليل فيها على التثليث المدعي. قوله: (لا تعدد فيه بوجه ما) ذاتا وغيره كالقول بالأقانيم وقوله: (تسبيحًا) إشارة إلى أنه منصوب على المصدر كما مر تحقيقه وقوله: (من أن يكون) إشارة إلى أنّ في الكلام حرف جر مقدر، وهو من أوعن كأنه قيل نزهوه من أن يكون أوعن أن يكون له ولد، وفي محل أن، والفعل حينئذ وجهان النصب، والجر يعني أنّ الولد يشابه الأب، ويكون مثله، والله منزه عن النظير والمثيل، وأيضا الولد إنما يطلب يكون قائما بعده مقامه إذا عدم، ولذا كان التناسل، والله تعالى باق لا يطرق ساحته الفناء فلا يحتاج إلى ولد وقوله: ﴿له ما في السموات﴾ الخ دليل آخر على نفي الولد لأنه مالك لجميع الموجودات، ولو كان له ولد لكان مثله في المالكية فلا يكون مالكا لجميعها، وكذا كفايته في الحفظ لأنّ الوكيل بمعنى الحافظ لأنّ من وكل إليه شيء يحفظه كما مرّ فإذا استقل في ذلك لم يحتج إلى الولد فإنّ الولد يعين أباه في حياته، ويقوم مقامه بعد وفاته، والله تعالى منزه عن كل هذا فلا يتصور له ولد عقلا، ويكون افتراؤه جهلًا وحمقا. قوله: (لن يأنف من نكفت الدمع الخ) الأنفة الترفع والتكبر والاستنكاف استفعال من النكف، وأصله كما قال

الراغب: من نكفت الشيء نحيته وأصله تنحية الدمع عن الخد بالأصبع، وبحر لا ينكف لا ينزح انتهى، ومنه قوله فلم ينكف لعينيك مد مع وقيل النكف قول السوء يقال ما عليه في هذا الأمر نكف، ولا وكف واستفعل فيه للسلب قاله المبرد: وفي الأساس استنكف منه، ونكف امتغ، وانقبض أنفًا وحمية، وقال الزجاج: الاستنكاف تكبر في تركه أنفة، وليس في الاستكبار ذلك. قوله: (من أن يكون الخ) إشارة إلى تقدير الجار لأنه يقال استنكف

204

منه وعنه والعبودية لله شرف وأيّ شرف كما قال الشاعر:

ومما زادني شرفا وتيها وكدت بأخمصي أطأ الثريا

دخولي تحت قولك ياعبادي وجعلك خيرخلقك لي نبيا

قوله: (وروي أنّ وفد نجران الخ) هذا نقله الواحديّ رحمه الله تعالى في أسباب النزول عن الكلبيّ رحمه الله تعالى. قوله: (عطف على المسيح) هذا هو الظاهر، وفيه وجوه أخر، وهو أن يكون عطفًا على الضمير المستتر في يكون أو عبدًا لأنه صفة، ولذا يقال هو عبد أبوه، ويكون وصفهم بكونهم عبدًا لأنّ المراد، ولا كل واحد منهم أن يكون عبدا لفه لا هو له وصف مقدر بقرينة الملفوظ أي، ولا الملائكة أن يكونوا عبيدًا لذ أو هو من عطف جملة على جملة، وعلى الوجوه السابقة من عطف مفرد على مفرد فهو فاعل فعل مقدر هو ومعموله كما صرح به، وقول المصنف رحمه الله تعالى أي ولا يستنكف الخ تقرير لمحصل المعنى، واشارة إلى تقدير متعلق الفعل معه نلا يرد عليه أنه يقتضي تقدير الفعل ومتعلقه فلا يكون معطوفا على المسيح بل من عطف الجمل كما مرّ وترك المصنف رحمه الله تعالى هذه الاحتمالات لأنّ المعنى على عطفه على المسيح بل إعادة لا تعين عطفه، ولذا قال صاحب التقريب أن غيره ليس بصحيح فتدبر. قوله: (واحتج به من زعم فضل الملافكة الخ) هذه المسألة مفصلة في الكلام، ووجه الاستدلال ظاهر لأنّ الذي تقتضيه قواعد المعاني وكلام

العرب الترقي من الفاضل إلى الأفضل فيكون المعنى لا يستنكف المسيح، ولا من هو فوقه كما يقال لن يستنكف من هذا الأمر الوزير، ولا السلطان دون العكس لكته قيل إنه لا يفيد إلا الفوقية في المعنى الذي هو مظنة الاستنكاف، والترفع عن العبودية، وهو هنا بزعم النصارى الروحانية التي فيه من جهة أنه لا أب له، وكمال القدرة، والتأييد الذي به يحيي الموتى، ونحوه، وهذا في الملائكة أقوى لأنهم لا أب لهم، ولا أمّ ولهم بإذن الله من قوة قلع الجبال، ومزاولة مضاعف الأعمال، والتصرف في الأهوال، والأحوال ما يقل في جنبه الأحياء، والإبراء وهم مع ذلك لا يستنكفون عن العبودية فكيف بعيسى ﷺ ولا دلالة لهذا على الأفضلية المختلف فيها كما يشهد به الذوق إذ هي كثرة الثواب كما قرروه، وقد وجهوا كل ما ورد فيه ما يقتضي الأفضلية بنحوه، وأجروه على هذا النمط. قوله: (وجوابه أن الآية للرد على عبدة المسيح والملافكة الخ) يعني سوق الآية، وان كان للرد على النصارى لكنه أدمج فيه الرد على عبدة الملائكة المشاركين في رفع بعض المخلوقين عن مرتبة العبودية إلى درجة المعبودية، وادعاء انتسابهم إلى الله بما هو من شوائب الألوهية، وخص المقربون لأنهم كانوا يعبدونهم دون غيرهم وردّ هذا الجواب بأنّ هذا لا ينفي فوقية الثاني كما هو مقتضى علم المعاني، ولا ورود له لأنه يعلم من التقرير دفعه لأن المقصود بالذات أمر المسيح فلذا قدم، ولو سلم أنه لا ينفي الفوقية فهو لا يثبتها كما إذا قلت ما فعل هذا زيد ولا عمرو وهو يكفي لدفع حجة الخصم، وأما كون السياق، والسباق يخالفه فليس بشيء لأنّ المجيب قال إنه إدماج واستطراد. قوله: (وإن سلم اختصاصها بالنصارى فلعله أراد الخ) يعني أنّ مجموع الملائكة أفضل من عيسى، واخوانه من الأنبياء، والمرسلين، والكلام إنما هو في تفضيل الآحاد على الآحاد، وفي الانتصاف فيه نظر لأنّ مورده إذا بني على أنّ المسيح أفضل من كل واحد من آحاد الملائكة فقد يقال يلزمه القول بأنه أفضل من الكل كما أنّ نبينا محمدًاءلمجحر لما كان أفضل من كل واحد من آحاد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كان أفضل من كلهم كما مر، ولم يفرق بين التفضيل على التفصيلى، والتفضيل على الجملة أحد ممن صنف في هذا المعنى، وقد كان طار عن بعض المعاصرين فضله بين التفضيلين، ودعوى أنه لا يلزم منه على التفصيل تفضيل على الجملة، ولم يثبت عنه هذا القول، ولو قاله أحد فهو مردود بوجه لطيف، وهو أنّ التفضيل المراد جل أماراته رفع درجة الأفضل في الجنة، والأحاديث متظافرة بذلك وحينئذ لا يخلو إمّا أن ترتفع درجة واحد من المفضولين على من اتفق أنه أفضل من كل واحد منهم أولًا ترفع درجة أحد منهم عليه لا سبيل إلى الأول لأنه يلزم منه رفع المفضول على الأفضل فيتعين الثاني، وهو

205

ارتفاع درجة الأفضل على درجات المجموع

ضرورة فيلزم ثبوت أفضليته على المجموع من ثبوت أفضليته على كل واحد منهم قطعًا انتهى فقد علمت الفرق بين هذا، وبين ما مثل به، وكذا ما قيل في الجواب الآخر ونحوه من أنّ هذه الدلالة إنما تكون بعد سبق العلم بالأفضلية كما في حديث السلطان، والوزير دون مجرد النظر في التركيب كما في لا يفعله زبد ولا عمرو، وفي إثبات الأفضلية بهذا شبه دور، ولو سلم نفي أفضلية المجموع دون كل واحد من المقربين لا جنس الملك على جن! البشر المتنازع فيه، ورد بأنّ المدعي أنّ في مثل هذا الكلام مقتضى قواعد المعاني الترقي من الأدنى إلى الأعلى دون العكس أو التسوية، وقد عرفت أن الحكم في الجمع المعرف باللام على الآحاد سيما قبل الحكم بعدم الاستنكاف ومدعاه ليس إلا دلالة الكلام على أنّ الملك المقرب أفضل من عيسى ﷺ، وهذا كاف في إبطال القول بأنّ خواص البشر أفضل من خواص الملك فالجواب الحق ما سبقت الإشارة إليه في صدر الكلام فاحفظه. قوله: (وهم الكروبيون الخ) في " كتاب الحبائك " قيل: ملائكة الحرمة هم الروحانيون بفتح الراء من الروح، وقيل الروحانيون بالضم والفتح مطلق الملائكة، والكروبيون ملائكة العذاب من الكرب قاله البيهقيّ وغيره وفي الفائق الكروبيون سادة الملائكة منهم جبرائيل، وميكائيل، واسرافيل، وهم المقربون من كرب إذا قرب وهو المراد هنا، وفي تذكرة التاج ابن مكتوم سئل أبو الخطاب بن دحية عن الكروبيين هل يعرف في اللغة أم لا فقال الكروبيون بفتح الكاف، وتخفيف الراء سادة الملائكة، وهم المقربون من كرب إذا قرب، وأنشد أبو عليّ البغدادي:

كروبية منهم ركوع وسجد

وقال الطيبي رحمه الله تعالى: فيه ثلاث مبالغات إحداها أنّ كرب أبلغ من قرب الثانية أنه

على وزن فعول من صيغ المبالغة الثالثة زيادة الياء فيه للمبالغة كأحمريّ، وقوله: باعتبار التكثير دون التكبير الأوّل بالمثلثة، والثاني بالموحدة، ومعناهما ظاهر وقوله، والنزاع فيه المشهور أنّ خواص البشر أفضل من خواص الملك فتأمل. قوله: (والاستكبار الخ) قد مر الفرق بينهما المنقول عن الراغب، ولكون التكبر يكون بالاستحقاق وصف الله عز وجل به. قوله: (فيجازيهم الخ) إشارة إلى أنّ المقصود من الحشر المجازاة، ولذا قال في تفصيله أنه تفصيل

للمجازاة العامة وهذا دفع لما يتوهم من عدم مطابقة المفصل للمجمل إذ المجمل لم يذكر فيه إلا المستنكفون فأشار إلى الجواب بوجهين الأول أنه تفصيل لما علم صريحًا وضمنًا لأن المقصود سيحشرهم وجميع العباد فيكون لفًا ونشرا تقديريا، والثاني أنه تفصيل للجزاء، وأنه بتعديهم، وتحسرهم بما يشاهدونه من نعيم غيرهم.

وفي الكشاف فإن قلت التفصيل غير مطابق للمفصل لأنه اشتمل على الفريقين، والمفصل على فريق واحد قلت: هو مثل قولك جمع الإمام الخوارج فمن لم يخرج عليه كسا.، وحمله ومن خرج عليه نكل به، وصحة ذلك لوجهين أحدهما أن يحذف ذكر أحد الفريقين لدلالة التفصيل عليه ولأنّ ذكر أحدهما يدل على ذكر الثاني كما حذف أحدهما في التفصيل في قوله عقيب هذا فأمّا الذين آمنوا بالله واعتصموا به، والثاني، وهو أنّ الإحسان إليهم مما يغمهم فكان داخلًا في جملة التنكيل بهم فكأنه قيل، ومن يستنكف عن عبادته، ويستكبر فسيعذب بالحسرة إذا رأى أجور العاملين وبما يصيبه من عذاب الله، وقال النحرير الجواب هو الأوّل، والثاني غير مستقيم لأنّ دخول أما على الفريقين لا على قسمي الجزاء. قوله: (عني بالبرهان المعجزات الخ) لأنّ البرهان الحجة، وهي حجة قاطعة، والقرآن مبين طرق الهداية فهو نور على الاستعارة، ودلائل العقل الخ لف، ونشر مرتب. قوله:) ثواب قدّره الخ) إنما فسره بالثواب المقدر لعطف فضل عليه، والرحمة حقيقة والتجوّز في كلمة في لتشبيه عموم الثواب وشموله بعموم الظرف، ولو فسر بالجنة كما فسر. به بعضهم كان التجوّز في المجرور دون الجار، وأشار إلى أنّ تسمية الثواب رحمة لأنه بمقتضى الإحسان لا الوجوب عليه كما هو مذهبنا. قوله: (ويهديهم إليه الخ) هذا الضمير إمّا عائد على الله، ومعنى الهداية إليه الهداية إلى عبادته أو على جميع ما قبله باعتبار أنه موعود أو على الفضل، وصراطا مستقيما مفعول ثان بناء على تعدي هدى إلى

206

مفعولين حقيقة أو بتضمين بعرفهم أو مفعول فعل مقدّر أو منصوب على الحال واليه متعلق بمقدر أي مقرّبين إلنه أو مقرّبا إياهم إليه على أنه حال من الفاعل أو المفعول، وقيل هو حال من صراطا، وليس لقولنا يهديهم إلى طريق الإسلام إلى

عبادتا. كبير معنى فالأوجه أن يجعل صراطا بدلًا من إليه، وقيل عليه أنّ قولنا يهديهم طريق الإسلام موصلا إلى عبادته معناه واضح، ولا وجه لكونه بدلًا من الجار والمجرور فتأمل. قوله: (حذف لدلالة الجواب الخ) وجهه ظاهر، وهو من التنازع، وأعمل الثاني، وفيه نظر وما روا 5 مروقي في السنة وقوله: وهي آخر ما نزل في الأحكام أي هذه الآية آخر آية نزلت متعلقة بالأحكام كما أنّ آخر ما نزل سورة براءة كما ذكره المحذثون. قوله: (وليس له ولد صفة له أو حال الخ) منع الزمخشريّ الحالية مطلقًا ولم يبين وجهه، ووجهه أنه إمّا حال من امرؤ، وهو نكرة مجيء الحال منها خلاف الظاهر إذ المتبادر في الجمل الواقعة بعد النكرات أنها صفات، وأمّا جملة هلك فمفسره لا محل لها من الإعراب على ما اشتهر في النحو وان جوّز بعضهم فيها أن تكون صفة والزمخشريّ لم يلتفت إليه لما بين جعله صفة، ومفسرًا من التنافي لأنّ المفسر غير مقصود من الكلام، والصفة، وقيود المسند إليه محط الفائدة مع أن المفسر إذا كان مضارعًا ورد جزمه، وهو يعين كونه غير صفة، وأما جعله حالًا من الضمير المستتر كما قاله المصنف: وسبقه إليه أبو البقاء فقيل عليه أنّ المفسر غير مقصود حتى ادعى بعضهم أنه لا ضمير فيه لأنه تفسير لمجرد الفعل بلا ضمير وان ردّ بقوله تعالى: ﴿قل لو أنتم تملكون﴾ [سورة الإسراء، الآية: 05 ا] وفي البحر أنه ممتنع لأنّ المسند إليه في الحقيقة الاسم الظاهر الذي هو فاعل الفعل المحذوف فالذي ينبغي أن يكون التقييد له وإذا دار الاتباع والتقييد بين مؤكد، ومؤكد فالوجه أنه للمؤكد بالفتح إذ هو معتمد الإسناد، وقال السفاقسي أنّ هذا مرجح لا موجب، وأما إذا كان ليس له ولد صفة فلا يضر الفصل بينها وبين موصوفها بالمفسر لأنها تأكيد له، والفاء في فلها واقعة في جواب الشرط، وقوله: وابن الأمّ لا يكون عصبة لأنّ ذكورهم، واناثهم في القسمة، والاستحقاق سواء لإدلائهم بالام كما تقرّر في الفرائض وعلم بدليل آخر. قوله: (والولد على ظاهره) أي مخصوص بالذكر لا ما يشملهما فانه مشترك بينهما اشتراكا معنويا، وقد وقع في سياق النفي لأنّ الذكر هو المتبادر منه، وقد عضده الدليل، وفيه

نظر لما قيل إنه تخصيص من غير مخصص والتعليل بأنّ الابن يسقط الأخت دون البنت ليس بسديد لأنّ الحكم تعيين النصف، وهذا ثابت عند عدم الابن والبنت غير ثابت عند وجود أحدهما أما الابن فلأنه يسقط، وأما البنت فلأنها حينئذ تصير عصبة لا يتعين لها فرض نعم يكون نصيبها مع بنت واحدة النصف بحكم العصوبة لا الفرضية فلا حاجة إلى تفسير الولد بالابن لا منطوقا، ولا مفهوما، وأيضًا الكلام في الكلالة، وهو من لا يكون له ولد أصلًا ولا والد والولد مشترك معنويّ في سياق النفي فيعم فلا بد للتخصيص من مخصص، وكذا فيما بعده فتأمّل فالولد عند ابن عباس رضي الله عنهما عامّ لهما إذ لا ترث البنت مع الأخت عنده، وعند الجمهور ترث لكن ذلك بالعصوية بالغير، وقوله: (لا ترث النصف) أي بطريق الفرضية لا بد من هذا القيد، وهو مراد. إذ قد ترث البنت النصف كما إذا ترك بنتًا وأختًا كما نبه عليه بعض أهل الفرائض، وقوله: إن كان الأمر بالعكس أي إن ماتت وتركته. قوله: (ذكرا كان أو أنثى الخ) فإن قيل هما شرطان ذكر كل واحد منهما في حادثة فإن قام الدليل على أنّ المراد باحدهما الذكر لم يتبين أنّ المراد بالثاني الذكر قيل لش كذلك بل الكل شرط واحد لأنه ذكر أوّلًا إذا كان الأخ هو الميت فجعل للأخت النصف ثم قلب المسألة فجعل الأخت ميتًا والأخ هو الوارث فجعل له جميع المال فهذا يبين أنّ الشرط واحد وهو عدم الولد ثم المراد في أحد الموضعين الذكر دون الأنثى فكذلك في الاخر وفيه نظر. قوله: (والآية كما لم تدل على سقوط الأخوة بغير الولد الخ) عدم دلالتها على السقوط بغير الولد ظاهر للسكوت عنه، وكذا دلالتها على عدم السقوط به أي بغير الولد كالأب فإنّ الكلالة فسرت بمن لا ولد له ولا والد كما مرّ، وأمّا ما قيل إنه فيه بحث ظاهر لأنّ الإطلاق في جعله وارثا على تقدير عدم الولد دليلى ظاهر على عدم السقوط بالغير فمدفوع بأنه مسكوت

207