حاشية الشهاب على تفسير البيضاويالجزء 4 · ص 144 - 161

الأعراف (1 من 6)

محمولة عليها لا على غيرها فالمنفعة التي تزعمونها في اتخاذ غير الله إلها لا تنفعني كما توهم، وغير المصنف جعله جوابا لقوله: ﴿اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ [سورة العنكبوت، الآية: 2 ا] لأنّ ما كسبته كل نفس من الخطايا محمول عليها لا على غيرها وقوله ولا تزر وازرة تأكيد له لكن المصنف رحمه الله رأى التأسيس أولى ففسره به. قوله: (على أنّ الخطاب للمؤمنين) أو لأمّة الدعوة، وقوله: (لأنّ ما هو آت قريب) بيان لأنه أريد به عقاب الآخرة ولو أريد به عقاب الدنيا لم يحتج إليه أي الموعود سريع الوصول، فإنّ سرعة العقاب تستدعي سرعة إنجاز الوعد. قوله: (وصف العقاب الخ) يعني جعل الخبر في الأولى سريع الذي هو صفة العقاب ولم يجعل العقاب نفسه صفة له بأن يقول إنّ ربك معاقب، كما قال: غفور رحيم دمان كان حمل صفة العقاب حملًا له في المعنى ومعنى كونه غفورًا بالذات أنّ مغفرته ورحمته لا تتوقف على شيء كما في الحديث القدسي: " سبقت رحمتي غضبي " (1 (وعقابه لا

يكون إلا بعد ما صدر من العبد ذنب يستحق به ذلك، وهو معنى كونه بالعرض. قوله: (عن رسول الله ﷺ أنزلت علئ سورة الأنعام جملة واحدة الخ) (1) قال ابن حجر رحمه الله: هذا الحديث أخرجه أبو نعيم في الحلية، وفي رجاله ضعف، وقال غيره: إنه موضوع وسئلى عنه النوويّ رحمه الله تعالى فقال أنه لم يثبت، وأما قوله فمن قرأ الخ فمن الحديث الموضوع الذي أسندو. إلى أبيّ بن كعب في فضائل السورة كما غللرخاتمة الحفاظ السيوقي رحمه الله وزجل بالزاي المعجمة والجيم واللام بمعنى صوت بالتسبيح والتحميد لأنّ السورة أنزلت لبيان التوحيد مفصلا لكن قوله في الحديث جملة واحدة ينافيه قوله في أوّل السورة إنها مكية غير ست آيات أو ثلاث آيات من قوله، قل تعالوا الخ وما سيجيء من قوله في آخر سورة براءة ما نزل القرآن عليّ إلا آية آية وحرفًا حرفا ما خلا سورة براءة وقل هو الله أحد، ولا يقال لعل سورة الأنعام لم تنزل إلا بعد ما قال ذلك الحديث لأنا نقول سورة براءة مدنية وسورة الأنعام مكية وكونها نزلت مرّتين بالمدينة ومكة دفعة وتدريجا خلاف الظاهر، وكذا الجمع بين الحديثين بتقييد كل منهما بقيد حتى لا ينافي الآخر اللهمّ كما يسرت لنا إتمام التشرّف بسورة الأنعام يسر لنا الإتمام وأجر ما عوّدتنا من بدائع الأنعام، في مطلع كل ابتداء ومقطع كل اختتام، وأهدمنا لنبيك محمد جمتن أفضل صلاة وسلام، ومثل ذلك لا له وصحبه الكرام على مدى الليالي والأيام، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم كلما ذكرك الذاكرون، وغفل عن ذكره الغافلون، ولا حول ولا قوّة إلا بالله العليّ العظيم.

الأعراف

سورة الأعراف

بسم الله الرحمن الرحيم

قوله: (مكية الخ) قال الداني رحمه الله في كتاب البيان لعدد آي القرآن قال مجاهد وقتادة

هي مكية إلا قوله، واسألهم عن القرية الآية فإنها نزلت بالمدينة وكلماتها ثلاثة آلاف وثلثمائة وخمس وعشرون كلمة وحروفها أربعة عشر ألفًا وثلثمائة وعشرة أحرف وهي مائتان وخمس آيات في البصريّ، والشاميّ وست في المدنيّ والكوفيّ. قوله: (المص سبق الكلام في مثله) وبيان ما فيه وبيان إعرابه وعدمه فلا حاجة إلى إعادته هنا، وقوله في إعراب كتاب خبر مبتدأ محذوف الخ مبني الأوّل على المختار من كون ألفاظ التهجمي على نمط التعديد فإذا كان المص اسم السورة فظاهر أنه المبتدأ ثم ضمير هو عائد إلى المؤلف من الحروف أو إلى السورة باعتبار حضورها في العلم، والتذكير باعتبار الخبر ولو جعل المقدر اسم إشارة موافقا لقوله الم ذلك الكتاب لم يبعد وكان ميله إلى الثاني ولذا حمل الكتاب على السورة والا فالكلام على أسلوب قوله تعالى ذلك الكتاب وقد حمله على الكتاب الصالح للهداية والإنذار والتذكير مع أنّ مثل هذه الكلمات لو جعل للبعض الذي هو السورة كان أبلغ فكأنه بنى التفرقة على التعريف والتنكير، وإنما لم يجعل كتاب أنزل مبتدأ أو خبرًا على معنى كتاب وأي كتاب لكونه خلاف الأصل وشيوع حذف المبتدأ كذا أفاده النحرير: وكلام المصنف رحمه الله موافق للزمخشريّ في بعض ما ذكره. قوله: (أنزل إليك صفتة) فإن كان القرآن عبارة عن القدر المشترك بين الكل والجزء فالتوصيف بالماضي ظاهر، وان كان

144

المجموع فلتحققه جعل كالماضي، وإذا أريد السورة فالكتاب إن أطلق على البعض، كما في قولهم ثبت بالكتاب فواضح والا فهو مبالغة لحمل الكل عليه بادعاء أنه لاستجماعه كمالاته كأنه هو. قوله: (أي شك فإن الشاك حرج الصدر الخ) في الكشاف سمي الشك حرجًا لأنّ الشاك ضيق الصدر حرجه كما أنّ المتيقن منشرح الصدر منفسحه، قال ابن المنير رحمه الله يشهد له قوله: ﴿فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [سورة البقرة، الآية: 147] وقال النحرير الظاهر أنه مجاز علاقته اللزوم والقرينة المانعة هو امتناع حقيقة الحرج والضيق من الكتاب وان جوّزتها فهو كناية (قلت) في الأساس ضاق المكان وتضايق ومن المجاز وقع في مضيق من أمره، وضاق عليه صدره فلا وجه للتردّد في كونه

مجازًا لكته شاع في ذلك، وصار حقيقة عرفية فيه، وحينئذ فمان نظر إلى المتبادر كان مجازًا لأنّ الكتاب لا يحصل منه في نفسه ضيق صدر وان قطع النظر عن ذلك ولوحظ أنه يضيق الصدر منه باعتبار عوراضه كان كناية عن الثك، وليس المراد أنه ممن يصدر الشك منه كما سيأتي تحقيقه في تقرير النهي. قوله: (أو ضيق قلب من تبلينه (فضيق الصدر على حقيقته لكن في الكلام مضاف مقدّر كخوف عدم القبول والتكذيب كما في قوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَآئِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ [سورة هود، الآية: 2 ا] قيل منع في الكشف كون الحرج كناية عن الخوف لأنّ ضيق الصدر من الأذى مستفاد من الخوف لا أنّ الخوف من الأذى، كأنه يريد تسليم صحة الحقيقة ومغ صحة الكناية لاستدعاء المعنى كون الخوف من الأذى، وليس فليس ولك أن تمنع فساده فإنه قد يوقع الخوف على سبب المكروه لا عليه كما تقول أخاف من مجيئي إليك لمن أوعدك بالضرب فإن أوّلته بما ًا ناله من قبل المجيء، أو مما يفضي إليه فكذا في الآية إذ التأويل ليس أولى من التأويل، ثم على تقدير كون الحرج حقيقة كما في الوجه الثاني تكون الجملة كناية عن عدم المبالاة لإعداء كما في الكشاف وكلام المصنف رحمه الله خليّ عنه فتأمّله. قوله: (وتوجيه النهي إليه للمبالغة) قيل توجيه النهي عن الشيء، وهو مما يوهم إمكان صدور المنهيّ عنه من المنهي إمّا للمبالغة في النهي فإن وقوع الشك في صدره-جير سبب لاتصافه به، والنهي عن السبب نهي عن المسبب بالطريق البرهاني ونفي له عن أصله بالمرّة، كقوله تعالى: ﴿وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ﴾ [سورة المائدة، الآية: 2] وليس هذا من قبيل لا أرينك هاهنا فإنّ النهي هناك وارد على المسبب مراد به النهي عن السبب فالمآل نهيه عما يورث الحرج، اهـ وما ذكره المصنف رحمه الله إشارة إلى ما في الكشاف وتقريره، كما قيل إنّ قوله تعالى: ﴿فَلاَ يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ﴾ نهي للحرج عن الكون في الصدر والحرج مما لا ينهي، فأجاب بأنّ المراد نهي المخاطب عن التعرّض للحرج بطريق الكنابة كما في قوله لا أرينك هاهنا، فإنه نهي المتكلم عن رؤية المخاطب والمراد نهي المخاطب أي لا تكونن هاهنا فإنّ رؤيتي إياك مستلزمة لكونك هاهنا فعدم كونك هاهنا مستلزم لعدم رؤيتي إياك فأطلق اللازم وهو عدم الرؤية وأراد الملزوم، وهو عدم الكون هاهنا فكذا في الآية عدم كون الحرج في صدره من لوازم عدم كونه متعرّضا للحرج، فإطلاق نهي الحرج على نهيه عنه كناية ومثله في الأمر وليجدوا فيكم غلظة ظاهره أمر المشركين، والمعنى على أنه أمر المؤمنين بأن يغلظوا على المشركيت ففي قوله فلا يكن في صدرك حرج كناية مترتبة على كناية، وقيل عليه الظاهر أنه مجاز لا كناية لأنّ الكناية لا تنافي الحقيقة، وهو الفارق بينها وبين المجاز وهنا يمتنع إرادة حقيقة نهي الإنسان نفسه نعم يجوز جعل كون الحرج في الصدر كناية عن كونه حرج الصدر فلك أن تعتبره كذلك، ثم تسلط النهي عليه فيحتمل أنهم أرادوا ذلك وسموا النهي أيضًا كناية تبعًا.

(أقول) استعمال الملزوم، وإرادة اللازم والتصرف هنا لا يخلو إمّا أن يكون في النهي،

أو المنهي أو المنهى عته، وليس المراد الأوّل لأنّ النهي باق بحاله لم يتجوّز فيه، ولم يكن به عن شيء إذ معنى لا أرينك لا تحضر ومعنى الآية لا تحم حول حمى الحرج وكذا المنهي، وهو المخاطب والحرج لم يقصد به شيء آخر يتعلق به النهي فتعين أنّ المراد المنهيّ عنه، وهو رؤيته له إذ كني بها عن حضوره لاستلزام أحدهما للأخر وكذا كونه حرجا كني به عن تعاطي ما يؤدّي إليه، والمعنى الحقيقي هنا تجوز إرادته قبل دخول النهي قطعًا

145

إذ لو قيل أنت حرج أو لا أراك صح بل هو مراد فلذا ذهب عامّة الشراح، وغيرهم إلى أنه كناية نعم بعد دخول النهي لا يصح إرادته فلذا جوّز فيه النحرير: أن يكون مجازا لأن النهي سواء كان طلب الترك، أو الكف لم يقصد من الإنسان لنفسه ولا من الحرج لأنه لا يعقل حتى ينهي فالمعترض أوّلًا إن أراد الفرق بين ما نحن فيه والمثال باعتبار أنّ المراد في أحدهما النهي عن السبب، والمراد المسبب، وفي الآخر بالعكس فلا ضير فيه، ولذا عبر العلامة باللزوم دون السببية وان أراد أنه ليس من الكناية أصلا فباطل وكذا إنكار الآخر للكناية لما عرفت نعم قوله وسموا النهي أيضا كناية تبعا أجاد فيه لكونه قرب من المراد مرّة وبعد عنه أخرى، ومثله: ﴿وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [سورة آل عمران، الآية: 102] كما مر فتدبر وفي الكشاف أنه ﷺ كان يضيق صدره من الأداء ولا ينبسط له، فأمنه الله ونهاه عن المبالاة بهم يعني أنّ الحرج في هذا الوجه، وان كان على حقيقته، فالجملة مجاز أو كناية عن عدم المبالاة بالإعداء فتوهم بعضهم أنها فائدة أهملها المصنف رحمه الله وليس كما توهموا، فإنّ قوله مخافة أن تكذب فيه صريح في عدم المبالاة بهم. قوله: (والفاء تحتمل العطف والجواب الخ) في العطف قيل إنه معطوف على مقدر أي بلغه (فلا يكن في صدرك) الخ وقيل إنه معطوف على ما قبله بتأويل الخبر بالإنشاء، أو عكسه أي تحقق إنزاله من الله إليك أو لا ينبغي لك الحرج والفراء قال: إنّ الفاء اعتراضية لا عاطفة ولا يختص كونها للجواب بتعلق لتنذر بأنزل كما يوهمه قوله إذا أنزل إليك لتنذر* قوله: (متعلق بأنزل الخ) ذكر في متعلق اللام وجوها أحدها تعلقه بأنزل، وهو قول الفراء قال اللام في لتنذر منظوم مع قوله أنزل على التقديم، والتأخير على تقدير كتاب أنزل إليك لتنذر به فلا يكن في الخ قال المعرب: فجملة النهي معترضة بين العلة، ومعلولها وهو الذي عناه الفراء بقوله على التقديم والتأخير، وهذا مما ينبغي التنبه له فإنّ المتقدمين يجعلون الاعتراض على التقديم والتأخير لتخلله بين كلام واحد وليس مرادهم أنّ في الكلام قلبا كما سنبينه في أوّل الكهف، والثاني أنها متعلقة بمتعلق الخبر أي لا يكن الحرج مستقرًّا في صدرك لأجل الإنذار كذا قاله ابن الأنباري، الثالث أنها متعلقة بالكون وهو مسلك غير ابن الأنباري، وقول الزمخشري: إنه متعلق بالنهي قيل ظاهره أنه متعلق بفعل النهي وهو الكون بناء على جواز تعلق الجارّ بكان وهو الصحيح ويحتمل أنه يريد بما تضمنه معنى النهي كما قيل، وقال النحرير: إنه

معمول للطلب أو المطلوب أعني انتفاء الحرج وهذا أظهر لا للمنهى عنه أي الفعل الداخل عليه النهي لفساد المعنى، وقيل عليه إنه متعاق بأنزل أو بلا يكن على الثاني لكونه علة للمطلوب لا للطلب لأنه بدون الامتثال لا يوجب التمكن من الإنذار ولا للمنهتي، لفساد المعنى قيل، ويجوز ذلك على معنى أنّ الحرج للإنذار والضيق له لا ينبغي أن يكون ولا يخفى أنّ كلمة منه تخدشه وفيه تأمّل، ثم وجه توسيط المفرّع بين العلة والمعلل إذا تعلق بأنزل أما على أوّل تفسيري الحرج فظاهر لترتبه على نفس الإنزال لا على الإنزال للإنذار، وأما على ثانيهما فهو الاهتمام به مع ما فيه من الإشارة إلى كفاية واحد من الإنزال والإنذار في نفي الحرج أما كفاية الثاني فظاهرة وأما كفاية الأوّل فلأنّ كون الكتاب المؤلف من جنس هذه الحروف البالغ إلى غاية الكمال منزلًا عليه خاصة من بين سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يقتضي كونه رحيب الصدر غير مبال بالباطل وأهله. قوله: الأنه إذا أيقن الخ) إشارة إلى الوجهين السابقين في قوله فلا يكون في صدرك حرج على الترتيب والزمخشري عكسه إشارة إلى أنّ الثاني أظهر وأولى. قوله: (يحتمل النصب الخ) عن الزمخشرفي أنه قال: لم أجعله معطوفا على محل لتنذر لأنّ المفعول له يجب أن يكون فاعله وفاعل الفعل المعلل واحدا حتى يجوز حذف اللام منه، وفيه كلام لا حاجة إليه هنا، وقوله على محل تنذر لأنه مصدر تأويلًا وفي نسخة لتنذر، والصحيح الأولى لما في هذه من المسامحة، وقوله: (أو خبر المحذوف) أي هو ذكرى والمعنى على الأوّل أنه جامع بين الوصفين وعلى هذا أنه موصوف بكل منهما استقلالًا. قوله: (يعم القرآن والسنة الخ) فليس ما أنزل من وضع الظاهر موضع المضمر ولذا جمع الضمير، وفي جعل الوحي مطلقًا منزلًا من الله تجوّز حينئذ بأن يراد به مطلق الوحي كما يشير إليه ما بعده، وقوله وما ينطق عن الهوى بناء

146

على عمومه المتبادر فلا ينافيه أنه فسره في سورة النجم بقوله ما يصدر نطقه بالقرآن عن الهوى المقتضى لتخصيصه بغير السنة. قوله: (ولا تتبعوا من دونه أولياء) أي لا تتخذوا وليًا غيره فيضلكم وإذا جعل الضمير لما أنزل قدر ومن أولياء لأنه لا يحسن وصف المنزل بكونه دونهم، فقوله من دونه متعلق بالفعل تبله والمعنى لا تعدلوا عنه إلى غيره من الشياطين والكهان، أو بمحذوف لأنه حال فالضمير في من دونه يحتمل أن يعود على ربكم، وهو تفسير المصنف رحمه الله الأوّل، وأن يعود على ما الموصولة أو الكتاب، والمعنى لا تعدلوا عنه إلى الكتب المنسوخة، وجوّز كون الضمير للمصمدر أي لا تتبعوا أولياء اتباعا من

دون اتباع ما أنزل إليكم، وقرأ مجاهد تبتغوا بالغين المعجمة من الابتغاء، وقوله: وقرئ أي اعتراض أو استئناف. قوله: (أي تذكرا قليلأ أو زمانًا قليلاَ الخ) يعني هو نعت مصدر محذوف أقيم مقامه، أو نعت زمان محذوف كذلك، ونصبه بالفعل بعده وما مزيدة للتوكيد، وأجيز أن يكون نعت مصدر لتتبعوا قيل ويضعفه أنه لا معنى حينئذ لقوله تدّكرون، وأما النهي عن الاتباع القليل فلا يضرّ لأنه يفهم منه غيره بالطريق البرهاني، وجوّز في ما أن تكون موصولة ومصدرية، فيكون المصدر أو الموصول مبتدأ، وزمانا قليلا خبره، وتد قيل إنها نافية وهو بعيد، لأن ما النافية لا يعمل ما بعدها فيما قبلها ولأنه يصير المعنى ما تذكرون قليلًا، ولا طائل فيه وقيل إنه مردود با! الكوفيين جوّزوا العمل، والمعنى ما تذكرون قليلًا فكيف تذكرون الكثير، وفيه نظر. قوله: (حيث تتركون دين الله وتتبعون غيره) هذا جار على الوجهين في مرجع ضمير من دونه، ولا اختصاص له بالأخير كما يتخايل من قوله دين الله فإنّ الأوّل تمهيد لذلك ولذا أردفه المصنف رحمه الله تعالى بقوله وتتبعون غيره إشارة إلى عدم اختصاصه بأحدهما، وتتبعون بالعين المهملة والإعجام خلاف الظاهر وإن صح. قوله:) وما مزيدة لتثيد القلة الأنها تفيد القلة في نحو أكلت أكلًا ما فهي هنا قلة على قلة. قوله: (وإن جعلت مصدرية الخ) لأنّ معمول المصدر لا يتقدمه فيكون له إعراب آخر كما مرّ، وقال أبو البقاء رحمه الله تعالى: لا يجوز أن تكون مصدرية لأنّ قليلًا لا يبقى له ناصب وردّه يعلم مما مز، وكلام المصنف رحمه الله محتمل لما قاله أبو البقاء، ولا يجوز أن تكون ما المصدرية أو الموصولة فاعل قليلا كما جوز في ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [سورة الذاريات، الآية: 17] لأنّ قليلاَ لا ينصبه تتبعوا وجعله حالًا من فاعله لا طائل تحت معناه. قوله: (بحذف التاء الخ) المذكور في كتب القرا آت إنّ حمزة الكسائيّ، وحفصًا قرؤوا تذكرون بتاء واحدة وذال مخففة وقرأ ابن عامر يتذكرون بياء تحتية، ومثناة فوقية وذال مخففة وفي طريق شاذة للأخفش عن ابن عامر بتاءين فوقيتين، والباقون بتاء فوقية وذال مشدّدة، وهذا هو الصحيح الذي به يقرأ وهذا هو الذي ذكره المصنف رحمه الله تعالى فقوله وقرأ حمزة والكسائيّ، وحفص عن عاصم تذكرون بحذف التاء أي الأولى وابقاء تاء مثناة فوقية وذال مفتوحة مخففة، وقوله وابن عامر يتذكرون أي بمثناة تحتية مفتوحة ومثناة فوقية مفتوحة، وذال معجمة مفتوحة مخففة، والباقون بتاء الخطاب وتشديد الذال، وقوله: (على أن الخطاب بعد مع النبئ ﷺ) بعد مبنيّ على الضم أي في جميع ما تقدم قبله في قوله: (لتنذر) وفي محل المقدر قبل قوله اتبعوا ومن لم يفهم كلام المصنف رحمه الله خطأه في قوله بعد وخطأ. غيره من أرباب الحواشي لعدم اتقانه للفن فلا حاجة إلى ذكره. قوله: (وكثيرا من القرى) إشارة إلى أنّ كم خبرية للتكثبر ومن بعدها زائدة، وأما في قوله من القرى

فهي بيانية ومحل كم رفع على الابتداء والجملة بعدها خبر أو نصب على الاشتغال. قوله: (أردنا إهلاك أهلها الخ (لما كانت الفاء للتعقيب والهلاك بعد مجيء البأس بحسب الظاهر أولوا النظم بوجوه أحدها أن أهلكنا مجاز بمعنى أردنا إهلاكها كما في: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ [سورة المائدة، الآية: 6] الثاني أن المراد بالإهلاك الخذلان وعدم التوفيق فهو استعارة أو من إطلاق المسبب على السبب أو المراد حكمنا بإهلاكها وقيل الفاء تفسيرية نحو توضا فغسل وجهه الخ، وقيل للترتيب الذكري، وقيل إنه من القلب، وقيل الفاء بمعنى الواو أو المراد فظهر مجيء بأسنا واشتهر، وقدر المصنف رحمه الله تعالى هنا مضافًا مع أنّ القرية تتصف بالهلاك، وهو الخراب وجوّز حمله على الاستخدام

147

لأنّ القرية تطلق على أهلها مجازًا، وما ذكره المصنف رحمه الله يرد عليه ما قاله بعض المدققين في تفسيره حيث قال فيه إشكال أصولي وهو أنّ الإرادة إن كانت باعتبار تعلقها التنجيزي فمجيء البأس مقارن لها لا متعقب لها وبعدها، وان لم يرد ذلك فهي قديمة فإن كان البأس يعقبها لزم قدم العالم فإن تأخر عنها لزم أن يعطف بثم، فإن قلت الإرادة القديمة مستمرّة إلى حين مجيء البأس فعدم مجيء البأس عقب آخر مدتها قلت لو قلت قام زيد فأكرمته لم يلزم أن يكون الإكرام بعد كمال القيام بل قد يكون قبل كماله، وأجاب ابن عصفور بأنّ المراد أهلكناها إهلاكا من غير استئصال فجاءهم إهلاك استئصال، وقال ابنه شام أجيب أيضًا بأنها للترتيب الذكري، وقال ابن عطية: معناه أهلكناها بخذلان أهلها وهو اعتزاليئ فالصواب أن يقال معناه خلقنا في أهلها الفسق والمخالفة ؤجاءها بأسنا، فإن قلت في الآية تقديم وتأخير أي أهلكناها أو هم قائلون فجاءها بأسنا فالإهلاك في الدنيا، ومجيء البأس في الآخرة فيشمل عذاب الدارين، قلت يأباه قوله: ﴿فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا﴾ [سورة الأعراف، الآية: 50] فإنه يدلّ على أنه في الدنيا اهـ (وأنا أ! دول) دفع هدّا الإشكال على طرف التمام فالمراد تعلقه التنجيزي قبل وقوعه أي قصدنا إهلاكها فافهم. قوله: (بيانًا (هو في الأصل مصدر بات يبيت بيتا وبيتة وبياتًا وبيتوتة، قال الليث: البيتوتة الدخول في الليل ونصبه على الحال بتأويله ببائتين وجوّز أن يكون على الظرفية، لأنه فسر بليلًا والأوّل هو الظاهر، ولذا اقتصروا عليه. قوله: (أو هم قائلون) أو للتنويع أي أتاهم تارة ليلًا كقوم لوط عليه الصلاة والسلام، وتارة وقت القيلولة كقوم شعيب-ك!، والقيلولة من قال يقيل فهو قائل وهي الراحة والدعة وسط النهار، وان لم يكن معها نوم وقال الليث هي نومة نصف النهار واستدل للأوّل بقوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [سورة الفرقان، الآية: 24] والجنة لا نوم فيها ودفع بأنه مجاز والأمر فيه سهل. قوله: (وإنما حذفت واو الحال استثقالًا (كذا في الكشاف واعترض عليه بًان الضمير يكفي في الربط وإنما يحتاج إلى الواو عند عدمه كما اشتهر في النحو، وهو قد جوّز في قوله تعالى ﴿اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [سورة البقرة، الآية: 36] الحالية بدون واو فكيف يكون ممتنعا، أو غير فصيح وقد نص الزجاج وأبو

حيان على خلافه مع أنه لو سلم هدّا فإنه في ابتداء الحال، وأما الحال المعطوفة فلا تقترن بواو الحال، واذعاء حذفها صريح في أنه لا بذ منها حتى تكون مقدرة إذا لم يلفظ بها فلا تكون نسبا منسيًا لكنه مذهب بعضهم، وهل هو مطلق أو فيه تفصيل سنقصه عليك قريبا مع ماله وعليه. قوله: (فإنها واو عطف استعيرت للوصل) تبع فيه السكافي ومن نحا نحوه وقد ردّه أبو حيان وصاحب الانتصاف بما لا وجه له فذهب إلى أنها موضوعة لربط الحال ابتداء وليست منقولة من العطف والأمر فيه سهل. قوله: (لا اكتفاء بالضمير فإنه غير فصيح) هذا مذهب الزمخشرقي، وقد تبع فيه الفراء وابن الأنباري، وظاهرة أنه كذلك مطلقا قال في البديع الاسمبة الحالية لا تخلو من أن تكون من سببيّ ذي الحال أو أجنبية فإن كانت من سببية لزمها العائد والواو تقول جاءني زيد وأبوه منطلق، وخرج عمرو ويده على رأسه إلا ما شذ قالوا كلمته فوه إلى فيّ، وان كانت أجنبية لزمتها الواو ونابت عن العائد وقد يجمع بينهما نحو قدم عمرو، وبشر قام إليه وقد جاءت بلا واو ولا ضميرقال:

ثم انتصبنا جبال الصفد معرضة عن اليسار وعن إيماننا جدد

فجبال الصفد معرضة حال اهـ، وقد عرفت أنه مذهب النحاة من غير تفصيل فيه وقد صرّح

به الثيخ عبد القاهر أيضأ لكنه جعله على قسمين ما تلزمه الواو ومطلقأ وهو ما إذا صدر بضمير ذي الحال نحو جاء زيد وهو يسرع لأنّ إعادة ضميره تقتضي إن الجملة مستأنفة لئلا تلغو الإعادة فاذا لم يقصد الاستئناف فلا بد من الواو، وما عداه يلزمه الواو في الفصيح إلا على طريق التشبيه بالمفرد والتأويل فإنه حننئذ قد تترك الواو جوازا، ولم يجعله فصيحا فلا معارضة بين أوّل كلامه وآخره كما توهم، وأما قوله تعالى: ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [سورة البقرة، الآية: 36] فقيل الأظهر فيه أنه استئناف لا سيما إذا أريد معاداة بني آدم بعضهم لبعض، وهو الراجح عند الزمخشرقي وأما إرادة معاداة آدم حواء مع إبليس، والحية وجعل الجملة حالية بتأويل متعادين فابداه على سبيل

148

الاحتمال كما هو دأبه لا أنه مختاره، وتأويل الجملة بالمفرد يصار إليه إذا انتزع المفرد من جملة أجزائها لا من الخبر كمتعادين هنا، ولى " من غيره والا فما من حال إلا وهي في معنى مفرد، وما قيل: من أنّ الضابط نيه أنه إذا كان المبتدأ ضمير ذي الحال تجب الواو والا فإن كان الضمير فيما صدر به الجملة سواء كان مبتدأ نحو فوه إلى فيّ وبعضكم لبعض عدوّ أو خبرًا نحوه:

وجدته حاضراه الجود والكرم

فلا يحكم بضعفه لكون الرابط في أوّل الجملة، والا فضعيف قليل كقوله:

نصف النهار الماء غامره

في رواية فكلام مخالف للمذهبين، والذي غرّه فيه ظاهر كلام الشيخ وفيه نظر (بقي هنا

أمران) يجب التنبيه لهما الأوّل أنهم أطلقوا الحكم هنا، وقد قال ابن مالك في شرح الألفية إن

كانت الجملة الاسمية مؤكدة لزم الضمير، وترك الواو نحو هو الحق لا شبهة فيه، وذلك الكتاب لا ريب فيه وتبعه ابن هشام، ونقله الطيبي هنا عن السكاكي فلا يعدل عنه إلا لنكتة الثاني أنّ ظاهر كلامهم هنا أنّ الواو الحالية يصح أن تقع بعد العاطف نحو سبح الله وأنت راكع أو وأنت ساجد بل يلزم ذلك لكنها تحذف للتخفيف، ولئلا يجتمع عاطفان صورة وبه صرّح الفراء كما نقله المعرب وارتضاه صاحب الانتصاف وقد منع ذلك أبو حيان ولم يحك فيه خلافا فقال نص النحويون على أنّ الجملة الحالية إذا دخل عليها حرف عطف امتغ دخول واو الحال عليها للمشابهة اللفظية، وهو من الفوأئد البديعة فاحفظه. قوله: (وفي التعبيرين مبالغة في غفلتهم الخ) حيث عبر في الأولى بالمصدر وجعلها عين البيات مبالغة، وفي الثانية بالجملة الاسمية المفيدة للثبوت مع تقديم المسند إليه المفيد للتقوّى قيل، والمبالغة ظاهرة لا تحتاج إلى البيان، وإنما المحتاج إليه كونها في غفلتهم وأمنهم من العذاب فاستدل عليه بقوله، ولذلك خص الوقتين اللذين فيهما كمال الغفلة عن العذاب ثم عطف عليه قوله ولأنهما وقت دعة واستراحة يعني أنّ تخصيصهما لأجل الغفلة وكونهما وقت الاستراحة، ثم قال: فيكون مجيء العذاب فيهما أفظع، وأراد أن تخصيص الوقتين المعلل بما ذكر معلل بذلك هذا هو التحقيق، ومن قال: إنما المبالغة في التعبير لا اختصاص له بالوقتين لم يحم حول المراد اهـ ولا يخفى أنّ البيتوتة والقيلولة تقتضي الغفلة والأمن إذ لولاهما لم يبيتوا ولم يقيلوا فالمبالغة فيهما مبالغة في مقتضاهما، فلأجل ذلك خص الوقتان بذلك ومحصله ذمّهم بالغفلة عما هم بصدده فلذا قالوا وباتوا ولم يحذروا غضب الله والنكتة الأخرى أنه تعالى أنزل العذاب عليهم في هذين الوقتين، لأنه أشد وأنكى فخص مجازاتهم بهما لتكميل استحقاقهم لها فيهما، والدعة بفتح الدال والتخفيف الخفض والاستراحة، وإنما خولف بين العبارتين وبنيت الحال الثانية على تقوّي الحكم، والدلالة على قوّة أمرهم فيما أسند إليهم لأنّ القيلولة أظهر في إرادة الدعة، وخفض العيش فإنها من دأب المترفين، والتنعمين دون من اعتاد الكدج، والتعب وفيه إشارة إلى أنهم كانوا أرباب أشر وبطر. قوله: (أي دعاؤهم الخ) الدعوى المعروف فيها أنها بمعنى الادّعاء وتكون بمعنى المدّعي أيضًا وقد وردت بمعنى الدعاء والاستغاثة قال تعالى: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ﴾ [سورة يونس، الآية: 10] وحكى الخليل عن العرب اللهم أشركنا في صالح دعوى المسلمين أي في صالح دعائهم، والى المعنيين أشار المصنف أي لم يكن عاقبة دعائهم واستغاثتهم أو ما ادّعوه إلا هذا الاعتراف وجعله عين ذلك مبالغة على حد قوله:

تحية بينهم ضرب وجيع

وجوّزوا فيه أن يكون دعواهم اسم كان وأن قالوا خبرها، والعكس والثاني أولى لأنه أعرف ولأنه المصرّح به في غير هذه الآية، وأورد عليه أنّ الاسم والخبر إذا كانا معرفتين واعرابهما مقدّر لا يجوز تقديم أحدهما على الآخر فيتعين الأوّل وقد أجيب عنه بأنه عند عدم القرينة والقرينة هنا كون الثاني أعرف وترك التأنيث وأيضًا هذا إذا لم يكن حصر فإن كان يلاحظ ما يقتضيه فتأمّل. قوله: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ﴾ الخ قال الطيبي رحمه الله: هذا السؤال واقع في الحشر وقوله: ﴿فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ﴾ وارد في الدنيا لتعقبه لقوله: ﴿وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾ [سورة الأعراف، الآية: 4] الخ فالفاء في فلنسألن فصحيحة كأنه قيل فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا في الدنيا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين فقطعنا دابرهم، ثم لنحشرنهم فلنسألنهم، وفي الكشف لعل الأوجه أن يجعل فلنسألن متعلقا بقوله اتبعوا ولا تتبعوا، وقوله: ﴿وَكَم مِّن قَرْيَةٍ﴾ معترض حثا

149

على الاعتبار بحال السابقين ليستمروا في الاتباع، وقوله عن قبول الرسالة الخ أي لقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [سورة القصص، الآية: 65] وأيضا سؤال المرسل والمرسل إليه قرينة على ذلك. قوله: (والمراد من هذا السؤال توبيخ الكفرة الخ) ولما ذكر السؤال هنا ونفي في آية أخرى جمع بينهما بأنّ المثبت سؤال التوبيخ والمنفي سؤال الاستعلام أو أن هذا في موقف وذاك في آخر، وقال الإمام رحمه الله: إنهم لا يسألون عن الأعمال أي ما فعلتم، ولكن يسألون عن الدواعي التي دعتهم إلى الأعمال والصوارف التي صرفتهم عنها أي لم كان كذا، قيل ولا حاجة إلى التوفيق فإن المنفي هو السؤال عن الذنب لا مطلق السؤال، وردّ بأنّ عدم قبول دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام ذنب، وأفي ذنب فسؤالهم عنه ينافيه فالحاجة باقية، وفيه نظر. قوله: (على الرسل حين يقولون الخ) أي في جواب قولهم ماذا أجبتم كما مرّ في سورة المائدة تفصيله، ثم لما وكلوا الأمر علمه قص عليهم ما أحبوا أو جميع أحوالهم، وقوله عالمين بظواهرهم، وبواطنهم مستفاد من ترك المفعول، والباء للملابسة والجارّ والمجرور حال من فاعل نقص وقوله أو بمعلومنا فالباء متعلقة بنقص وما كنا غائبين حال أو استئناف لتأكيد ما قبله، وهو عبارة عن الإحاطة التاقة بأحوالهم وأفعالهم. قوله: (والورّن أي القضاء الخ الما كانت الأعمال أعراضًا لا يوزن وقد ورد ذكر وزنها في القرآن والأحاديث اختلفوأ فيه فمنهم من أوّل الوزن بأنه بمعنى القضاء،

والحكم العدل أو مقابلتها بجزائها من قولهم وازنة إذا عاد له، وهو إما كناية أو استعارة بتشبيه ذلك بالوزن المتصف بالخفة، والثقل بمعنى الكثرة والقلة والمشهور من مذهب أهل السنة أنه حقيقة بمعناه المعروف، ثم قيل توزن صحف الأعمال، وقيل أصحابنا فيخف بعضهم ويثقل آخر باعتبار عمله، وقيل إنّ الأعمال تجسم وتوزن. قوله: (إظهارا للمعدلة وقطعًا للمعذرة) بيان لحكمة الوزن وجواب عما يقال إنه لا حاجة إليه والأوّل بالنظر إلى الخلائق المطلعين على ذلك، والثاني بالنسبة إلى صاحب العمل فقط، وهذه حكم لا يلزم الاطلاع على حقيقتها حتى يقال إن انكشفت الأحوال يومئذ فلا حاجة للوزن، ويكفي قول الله أو الملائكة هذا غلبت حسناته، ونحوه والا فلا فائدة فيه مع أنّ الفائدة أن يسرّ المؤمن المتقي، ويغتم خلافه كما في السؤال وشهادة الجوارح. قوله: (أنّ الرجل يؤتى به الخ) (1) هذا الحديث أخرجه الترمذيّ وابن ماجه وابن حبان من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما بنحوه، والسجل الكتاب، وقيل إنه معرّب وأصل معناه الكاتب، وسجل عليه بكذا شهره، ورسمه قاله الزمخشريّ: في شرح مقاماته، ومذ البصر وقع في هذا الحديث، وفي صحيح مسلم 9 نظرت إلى مد بصري " (2 (، قال النووي: في شرحه كذا هو في جميع النسخ وهو صحيح ومعناه منتهى بصري وأنكره بعض أهل اللغة، وقال الصواب مدى بصري وليس بمنكر بل هما لغتان والمدى أشهر اهـ وقوله: (بطاقة) بكسر الباء رقعة صغيرة وتطلق على حمام تعلق في جناحه وليست مولدة كما قيل فإنها وردت في هذا الحديث، وغيره وفي فقه اللغة أنها معرّبة من الرومية وفي المحكم البطاقة الرقعة الصغيرة تكون في الثوب وفيها رقم ثمنه حكاه شمر وقال لأنها بطاقة من الثوب قيل، وهو خطأ لأنه يقتضي أنّ الباء حرف جرّ والصحيح ما تقدم كما حكاه الهروي. قوله: (قيها كلمتا الشهادة الخ) قال القرطبي في تذكرته في هذا الحديث: " فيخرج له بطاقة فيها

أشهد أن لا إله إلا الله " وليست هذه شهادة التوحيد لأنّ الميزان يوضع في كفته شيء وفي الأخرى ضده فتوضع الحسنات في كفة، والسيئات في أخرى ومن المستحيل أن يؤتى لعبد واحد بكفر وايمان معا فلذا استحال أن توضع شهادة التوحيد في الميزان أما بعد إيمانه فيكون تلفظه بشهادة أن لا إله إلا الله حسنة توضحع في ميزانه كسائر حسناته قاله الترمذفي: ويدلّ عليه قوله: أن لك عندي حسنة دون أن يقول إيمانا، وقد سئل النبيّ ىلمجحر عن لا إله إلا الله أهي من الحسنات فقال: " من أعظم الحسنات ") 1 (ويجوز أن يكون المراد هذه الكلمة إذا كانت آخر كلامه في الدنيا، اهـ ويؤيده حديث البخارفي 9 كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان وهما كلمتا الشهادة " (2 (ولك أن تقول المراد بها كلمة التوحيد فتأمّل، والكفة بفتح فتشديد كل مستدير وبه سميت كفة

150

الميزان المعروفة، وقوله: (لما روي الخ» 3 (أخرجه البخارفي ومسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. قوله: (يومئذ خبر الميتدأ الخ) أي الوزن مبتدأ والظرف خبره أي الوزن كائن يوم إذ تسئل الرسل والمرسل إليهم فحذف الجملة وعوّض عنها التنوين، وهذا مذهب الجمهور، والحق نعت للوزن قيل ولم يلتفت إلى كونه خبرًا ويومئذ متعلق بالوزن لأنّ المعنى يكون حينئذ الوزن في ذلك اليوم هو الحق لا غيره أو لا الباطل، والأوّل غير صحيح، والثاني غير مراد بل المعنى الإخبار بأنّ الوزن الحق وتمييز الأعمال يقع في ذلك اليوم لا في أيام الدنيا ألا ترى قوله: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [سورة الأنبياء، الآية: 47] والفصل بين الصفة والموصوف بالخبر كثير لا سيما إذا كان ظرفًا، وأما كونه بدلًا من الضمير المستتر في الظرف كما ذكره مكيّ، وتبعه صاحب اللباب فقالوا إنه غريب بعيد (قلت) ما جعله مانعا موجود في جعله خبر مبتدأ محذوف لأنه ضمير الوزن، ومعناه الوزن الحق لا غيره أو لا الباطل فكيف يعد مانعا إلا أن يلتزم ذلك ويقال إنّ هذا الوجه غير مقبول لكنه ذكره بيانا لوجوه الإعراب التي ذكرها المفسرون فتأمّل، والسوقي عطف تفسيريّ للعدل. قوله:) حسناته أو ما يوزن به الخ الما كان الظاهر أنّ الميزان مطلقا واحدًا وميزان كل شخص واحد وان جاز أن يكون لكل عمل ميزان وقد جمع في النظم فأمّا أن يراد الحسنات الموزونات على أنها جمع موزون واضافته للعهد لترتب الفلاح عليه فجمعه ظاهر وإما أن يراد الميزان وجمعها باعتبار

تعدّد أوزانها وموزوناتها وفي الكلام مضاف مقدّر أي كفة موازينه، وقوله وجمعه بصيغة المصدر أو الماضي أي جعله جمعا، وقوله فهو جمع موزون الخ لف ونشر مرتب للتفسيرين وهذا الوزن للمسلمين عند الأكثر، وأما الكفار فتحبط أعمالهم على أحد الوجهين في تفسير توله تعالى: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [سورة الكهف، الآية: 105] وقيل إنها توزن أيضا وان لم تكن راجحة ليخفف بها لهم العذاب عنهم، وهو ظاهر النظم وكلام المصنف رحمه الله هنا لذكر الفطرة وهي الإسلام والتصديق والتكذيب المتبادر منه الإيمان والكفر وان أمكن التعميم لما يشمله الإسلام من الأعمال الصالحة وجعل عدم العمل تكذيبًا فتأمّله، وبقي من تساوت حسناته وسيئاته مسكوتا عنه، وهم أهل الأعراف على قول وقد يدرج في القسم الأوّل لقوله: ﴿خَلَطُواْ عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [سورة التوبة، الآية: 52 ا] وعسى من الله تحقيق ما صرّحوا به.

وأعلم أنّ الحافظ له تأليف مستقل في الميزان قال فيه إنهم اختلفوا في تعدد الميزان، وعدمه والصحيح الثاني والوزن بعد الحساب، وأعمال الكفرة يخفف بها عذابهم كما ورد في حق أبي طالب وهو الصحيح كما قاله القرطبي، وقال السخاوي: المعتمد أنه مخصوص بأبي طالب والمعتمد ما قاله القرطبيّ، فلا وجه للتردد فيه. قوله:) بتضييع الفطرة السليمة الخ) قيل المراد بها فطرة الإسلام لقوله في الحديث: " ما من مولود يولد على الفطرة الخ ") 1 (ويحتمل أن المراد الخير الذي هو أصل الجبلة فما بعده تفسير له فتأمل. قوله: (فيكذبون بدل التصديق) ما مصدرية والباء جوّز فيها التعلق بخسروا وبيظلمون، وقدم عليه للفاصلة وعدى الظلم بالباء لتضمنه معنى التكذيب نحو كذبوا بآياتنا أو الجحد نحو جحدوا بها، وكلام المصنف يحتملهما فالفاء إما تفسيرية أو تعقيبية فمن قال إنه غفل عن معنى التضمين لم يصب وكذا من عين إرادته. قوله: (مكناكم من سكناها الخ (مكنا إن كان على ظاهره وحقيقته فمعناه جعلنا لكم فيها مكانا، وسكنى وقرارًا واليه أشار المصنف رحمه الله بقوله من سكناها، ويجوز أن يكنى به عن أقدرناكم على التصرف فيها بالملك أو الزراعة، وأسباب التعيش ولما كانت الكناية لا تنافي إرادة الحقيقة أدرج المصنف رحمه الله الثاني في الأوّل وصاحب الكشاف جعلهما وجهين متغايرين، ولما كانت الحقيقة أولى وأنسب بهذا المقام، وما عطف عليه قدمها فتدبر. قوله:

(أسبابًا تعيشون بها الخ) معايش جمع معيشة ووزنها مفعلة، وهي اسم لما يعاش به أي يحيي فهي في الأصل مصدر عاس يعيش عيشًا وعيشة ومعاشًا ومعيشا ومعيشة، والجمهور على التصريح بالياء فيها، وروي عن نافع " معائش " بالهمزة فقال النحويون: إنه غلط لأنه لا يهمز عندهم بعد ألف الجمع إلا الياء الزائدة، كصحيفة وصحائف وأما معايش فياؤه أصلية هي عين الكلمة لأنها من العيش حتى قال أبو عثمان: إنّ نافعًا رحمه الله لم يكن يدري العربية

151

وردّ هذا بأنّ العرب قد تشبه الأصلي بالزائد لكونه على صورته، وقد سمع عنهم هذا في مصايب ومناير ومعايش، فالمغلط هو الغالط والقراءة وان كانت شاذة غير متواترة مأخوذة عن الفصحاء الثقات، وأما قول سيبويه رحمه الله إنها غلط فإنه عنى أنها خارجة عن الجادة والقياس، وهو كثيرًا ما يستعمل الغلط في كتابه بهذا المعنى وإلى ما ذكر أشار المصنف رحمه الله، وقليلا ما تشكرون تقدم الكلام فيه، وصنعت بمعنى أحسنت من الصنيعة وكأنه قال: فيما صنعت ولم يقل ما صنعت إشارة إلى تعذر الشكر لإفراد نعمه. قوله: (أي خلقنا أب كم آدم طينًا الخ الما كان أمر الملائكة بالسجود مقدما على خلقنا، وتصويرنا وقد عطف عليه بثم اقتضى تأويله فأوّلوه بوجوه، منها أنّ المراد خلق آدم عليه الصلاة والسلام وتصويره ولكنه لما كان مبدأ لنا جعل خلقه خلقا لنا ونزل منزلته فالتجوّز على هذا في ضمير الجمع بجعل آدم كجميع الخلق لتفرعهم عنه، أو في الإسناد إذ أسند ما لآدم الذي هو الأصل والسبب إلى ما تفرّع عنه وتسبب وليس هذا من تقدير المضاف الذي ذهب إليه بعضهم لأنّ قوله نزل خلقه الخ يأباه، وذهب الإمام رحمه الله إلى أن خلقنا وتصويرنا كناية عن خلق آدم ﷺ وتصويره، قيل وكلام المصنف رحمه الله يحتمله وليس بظاهر. قوله: (أو ابتدأنا خلقكم ثم تصويركم) بأن خلقنا آدم ثم صوّرناه فالتجوّز في الفعل فالمراد بخلق الجنس ابتداء خلقه وابتداء خلق كل جنس بإيجاد أوّل أفراده، وهو آدم-سح! الذي هو أصل البشر، فهو كقوله: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ﴾ [سورة السجدة، الآية: 7] وعلى هذين الوجهين يظهر العطف بثم والترتيب ثم أشار إلى جواب آخر استضعفه، وهو أنّ ثم لترتيب الأخبار لا الترتيب الزمانيّ حتى يحتاج إلى توجيه والمعنى خلقناكم يا بني آدم مضغا كير مصوّرة ثم صوّرناكم، ثم نخبركم أنا قلنا للملائكة الخ، وقيل إنه للتراخي في الرتبة لأنّ كون أبينا مسجودا للملائكة أرفع درجة من خلقنا ثم تصويرنا. قوله: (ثم قلنا للملافكة اسجدوا لآدم) قيل الظاهر أن يقول ثم أمرن الملائكة بالسجود لآدم ﷺ، وإنما عدل عته لأنّ الأمر بالسجدة كان قبل خلق آدم على ما نطق به قوله: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [سورة ص، الآية: 72] والواقع بعد تصويره إنما هو قوله تعالى اسجدوا لآدم لتعيين وقت السجدة المأمور بها قبل هذا يعني أنه أمرهم أوّلًا أمرًا معلقًا ثم أمرهم ثانيًا أمرا منجزا مطابقا للأمر السابق فلذا جعله حكاية له فما قيل إنه يقتضي أنّ هذا ليس أمرا بالسجود وهو مما لا يتفوّه به عاقل ليس بشيء ينظر فيه. قوله: (لم يكن من الساجدين ممن سجد لآدم) عليه الصلاة والسلام فيه إشارة إلى أنّ أل موصولة واسم الفاعل بمعنى الماضي وأنّ المنفيّ سجوده لآدم لا لله، وفائدة هذه الجملة التكميل ودفع احتمال أن يكون معنى إلا إبليس لم يبادر إلى السجود كما بادرت الملائكة فيحتمل أنه سجد بعد ذلك فأتى بهذه الجملة للاحتراس مع المبالغة والإشارة إلى أنه لو صدر منه ذلك لم يعد سجود العدم انقياده باطنًا وامتثاله حقيقة. قوله: (ولا صلة الخ) أي زائدة فإنه يعبر عن الزائد في القرآن بالصلة تأدّبا لأنّ المنع إنما هو عن السجود لا عن تركه قال النحرير: هي مزيدة إلا إذا حمل ما منعك على ما حملك وما دعاك على ما قرره صاحب المفتاح، ثم لا بد في إفادة لا تأكيد معنى الفعل وتحقيقه من بيان، ولم أرهم حاموا حوله اهـ وما أشار إليه حقيق بالبيان فإنّ لا النافية كيف تؤكد ثبوت الفعل مع إيهام نفيه، والذي ظهر لي أنها لا تؤكده مطلقا بل إذا صحب نفيا مقدّمًا أو مؤخرا صريحا أو غير صريح كما في غير المغصوب عليهم ولا الضالين وكما هنا فإنها تؤكد تعلق المنع به واليه أشار المصنف رحمه الله بقوله: الموبخ عليه ترك السجود فتأقل. قوله: (وقيل الممنوع عن الشيء مضطرّ إلى خلافه فكأنه الخ) هذا عطف على ما قبله بحسب المعنى إذ مآله أنها زائدة أو غير زائدة بأن يكون المنع مجازا عن الإلجاء والاضطرار فمعناه ما اضطرّك إلى أن لا تسجد وهذا قريب من تول السكاكي

أنه بمعنى الحامل والداعي لكنه أبلغ منه، ويحتمل التضمين أيضا وقال الراغب: المنع ضد العطية وقد يقال: في الحماية فقوله ما منعك أن لا تسجد معناه ما حماك عن عدم السجود. فوله: (دليل على أنّ مطلق الآمر للوجوب والفورا لأنّ ترتب اللوم والتوبيخ على مخالفته يقتضي الوجوب، وجعله في وقت الأمر الدال

152

عليه إذ يدلّ على الفور دلالة ظاهرة كما بين في الأصول، وقد أجابوا عنه بأنه ليس من صيغة الأمر بل من قوله فقعوا له ساجدين إلا أنّ بعضهم قد مغ دلالة الفاء الجزائية على التعقيب من غير تراخ، وهذا المنع يتجه على قول المصنف، ولذلك أمر الملائكة بسجوده لما بين لهم أنه أعلم منهم الخ، والا فظاهر. يخالف قوله: ﴿فَقَعُواْ لَهُ﴾ ليتأمل وردّ بأنّ الاستدلال بترتب اللوم على مخالفة الأمر المطلق حيث قال إذ أمرتك ولم يقل إذ قيل: ﴿فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ﴾ وليس القول بالفور مذهب الشافعية كما ذكره المصنف رحمه الله في منهاجه والكلام على هذه المسألة

مبسوط في الأصول. قوله: (جواب من حيث المعنى) لأنّ الظاهر فيه منعني كذا وكذا وهذا إنما هو جواب عن أيكما خير فهو من الأسلوب الأحمق كما مرّ في قصة نمروذ، وقوله كأنه قال الخ بيان لتضمنه الجواب بقياس استدلاليّ، وهو أني مخلوق من عنصر علوي نير فأصلي أشرف وأنا كذلك والأشرف لا يليق به الانقياد لمن هو دونه فالدلالة على التكبر ظاهرة، وكذا على القول بالحسن العقلي الذي أخذه من شرف العنصر وضده من ضده، وقد بين المصنف رحمه الله غلطه بأنّ الشيء كما يشرف بمادّته يشرف بفاعله وغايته وصورته، وهي في آدم مجقي! دونه كما بينه لكن قوله بغير واسطة أي واسطة توالد وتناسل يقتضي أنّ إبليس كذلك ولم ينقل، وقوله: ﴿فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ﴾ لا دخل له في الصورة فكأنه ذكره توطئة لقوله: (لذلك الخ) . قوله: (والآية دليل الكون والفساد) الكون الخروج من العدم إلى الوجود والفساد عكسه، وهذا بحكم اللزوم لا أنها تدلّ على المصطلح بين أهل الفلسفة إذ لا دلالة عليه كما لا يخفى، ثم إنّ دلالتها على الكون ظاهرة لخلق آدم وابليس، وايجادهما وأما على لفساد فتوقف فيه بعضهم والظاهر أنه باعتبار الطين والنار فإنهما استحالًا عما كانا عليه من الطينية والنارية لما تركبت منهما الأجساد وهو ظاهر أيضًا لا داعي للتوقف فيه، والملاك بفتح الميم وكسرها قوامه الذي يملك به، وقوله أجسام كائنة أي حادثة لا أرواح قديمة وكون الأجسام من العناصر الأربعة أمر مقرّر في الحكمة فإضافته إلى أحدها باعتبار أغلبيته وهو ظاهر. قوله: (من السماء أو الجنة) فيه اختلاف بين المفسرين واقتصر المصمنف رحمه الله على هذين القولين لاشتهارهما، وقيل: الجنة روضحة بعدن، وقيل: إنه أخرح من الأرض إلى الجزائر وأمر أن لا يدخلها إلا-ضفية، وقيل إنه بذلت صورته البهية بأخرى، وقوله: (التكبر لا يليق بأهل الجنة) فكما يمنع من القرار

فيها يمنع من دخولها بعد ذلك وقوله: (من تواضع لله الخ) الحديث) 1) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان عن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، وقوله: فإنها مرجعه مرجع منها ولو ثني كان أظهر. قوله: (أمهلني إلى يوم القيامة) قال في الحجر: أراد أن يجد فسحة في الإغواء ونجاة من الموت إذ لا موت بعد وقت البعث فاجابه إلى الأوّل دون الثاني، يعني قوله إلى يوم الوقت المعلوم، وهو يوم النفخة الأولى الذي ينقطع بها التكليف ثم مراده يتوقف على أمرين عدم الإماتة وتاخير العذاب، ولذا قيل كان الظاهر ولا تعجل عقوبتي بالواو فتأمّل. قوله: (يقتضي الإجاية إلى ما سأله الخ) في البزازية عن الإمام البرسنفيني لا يجوز أن يقال دعاء الكافر مستجاب لأنه لا يعرف الله ليدعوه، وقال الدبوسي يجوز ذلك لقوله ﷺ: " دعوة المظلوم مستجابة وإن كان كانرا " (2 (وقيل أراد كفران النعمة لا كفران الدين، والفتوى على أنّ دعاء الكافر قد يستجاب استدراجا كما هنا إذ أستجيب بعض دعائه لأكله لأنه تمنى عدم الموت إذ لا موت بعد البعث اهـ، وأما احتمال أن يكون إخبارا عن كونه من المنظرين في قضاء الله من غير ترتب على دعائه، فخلاف المتبادر من النظم فإنه يدل على أنّ الغاية ما طلبه وحده فقوله: يوم يبعثون ويوم الوقت المعلوم واحد لكن في سورة ص ما يخالفه وجوّز في الحجر كون المراد بيوم الوقت المعلوم يوم يبعثون لا يوم النفخة الأولى لكنه قال: ولا يلزم أن لا يموت فلعله يموت أوّل اليوم ويبعث مع الخلق في تضاعيفه لأنّ كل شيء هالك إلا وجهه، وقوله أو وقت يعلم الله انتهاء أجله فيه أراد أنه معلوم لله وقد أخفى عنا، قيل لكن يجب أن يكون قبل انقطاع

أيام التكليف فيكون قبل النفخة الثانية، وقوله: لكنه محمول الخ على الاحتمال الأوّل، وأما إن كان مراد.

153

تأخير العقوبة فالظاهر أنه أجيب لذلك. قوله: (وفي إسعافه إليه ابتلاء العباد وتعريضهم للثواب بمخالفته) ضمير إليه أمّا لما سأله أو ليوم الوقت المعلوم، وهو دفع لما يخطر بالبال من أنه أجابه لسؤاله مع ما فيه من إفساد خلقه، وقد تبع فيه الزمخشرفي وهو كما قال النحرير: كغيره مبنيّ على تعليل أفعاله بالإغراض وعدم إسناد القبائح والشرور إليه مع أنه ليس بشيء لأنّ حقيقة الابتلاء في حقه تعالى محال ومجازه وهو أن في الإنظار منه ابتلاء امتحانا لا يدفع السؤال ولأنّ ما في متابعته من ألم العقاب أضعاف ما في مخالفته من عظيم الثواب، بل لو لم يكن له الأنظار والتمكين لم يكن من العباد إلا الطاعات وترك المعاصي فلم يكن إلا الثواب كما للملائكة والأولى أن لا يخوض العبد في أمثال هذه الأسرار، ويفوّض حقيقتها إلى الحكيم المختار.

(أقول) الظاهر أنّ الابتلاء هنا بمعنى جعلهم ذابلية ومشقة فليست حقيقته محالًا عليه

تعالى إذ ليس المراد الاختيار وكون أفعاله تعالى فيها حكم ومصالح مما لا ينكر، فالظاهر عدم وروده على المصنف رحمه الله تعالى، وان ورد على الكشاف فلا تكن من الغافلين. قوله: (أي بعد أن أمهلتني لأجتهدن في إغوائهم الخ (بعدية الإمهال مأخوذة من الفاء والاجتهاد من قوله لأقعدنّ لهم الخ كما سيأتي، وقوله:) بسبب إغوائك) إشارة إلى أنّ الباء للسببية وما مصدرية، ولما أسند الإغواء وهو إيقاع ألغيّ أي الاعتقاد الباطل في القلب إلى الله والمعتزلة لا تجوّز إسناد القبائح إليه تعالى أوّلوه فتارة قالوا إنه قول الشيطان فليس بحجة، وتارة بأن الإغواء بمعنى النسبة إلى الغيّ كأكفره إذا نسبه إلى الكفر، أو المراد التسبب في الغيّ بما أمره به من السجود فهذه التأويلات المذكورة مذهبهم كما صرّح به في محل آخر، فكان ينبغي أن لا يتبعهم هنا ويفسره بخلق الغيّ فيه أو يذكره أيضًا ليكون على لمذاهب، وقد قيل في دفعه إنه فهم هذا من السياق لأنّ المذكور هو الأمر بما يفضي إليه أو يجعل الإغواء بمعنى الترغيب لما فيه من الغواية، والأمر هو لا يجوز من الله كما هو مراد اللعين من قوله لأغوينهم. قوله: (تسمية) المراد به الوصف والنسبة كما مر، وقوله أو حملًا أي خلق فيه من الأشياء ما حمله عليه أو تكليفا بما غويت وهو الأمر بالسجود فمعنى الإغواء إحداث سبب الغيّ وايقاعه فالتجوّز في المسند لا في الإسناد. قوله: (متعلقة بفعل القسم (أي بسبب إغوائك أقسم بك أو بعزتك لأقعدنّ الخ، فإن كان هو قسما أوّل بتكليفك إياي حتى يكون القسم به صفة من صفات الأفعال، وهو مما يقسم به في العرف وان لم تجر الفقهاء عليه أحكام اليمين فيكون القسم تكرّر منه فتارة أقسم بهذا وتارة بالعزة، وصدر لام القسم منعها عن عمل ما بعدها فيما قبلها

لأنها لها الصدر على الصحيح، وأما جعل ما استفهامية لم تحذف ألفها وتعلق الباء بأغويتني فلا يخفى ضعفه وان قيل به. قوله: (ترصدا بهم) الظاهر أنه أراد أنه كناية عن ترصده لهم، ويحتمل التمثيل أيضا، ولما كان الصراط ظرف مكان مختص ومثله لا ينتصب على الظرفية إلا في شذوذ ذهب بعضهم إلى أنه مفعول به بتضمين أقعدن معنى ألزمن وآخرون على أنه على نزع الخافض، وهو على أو منصوب على الظرفية شذوذا كما في الشعر المذكور وهو من قصيدة لساعدة بن جؤبة أوّلها:

هجرت غضوب وحبّ من تتجنب وعدت عواد دون وليك تشعب

شإب الغراب ولا فؤادك تارك ذكر الغضوب ولا عتابك يعتب

ومنها في وصف رمح:

لدق بهزالكص يعسل متنه فيه كماعسل الطريق الثعلب

ومعنى لدن لين والعسلان الاهتزاز والاضطراب وبه يوصف مثى الذئب والثعلب، إذا أسرع، وض! مير فيه للكف أو للهز، وأعلم أنّ المشهور أنّ الطريق ظرف محدود لا ينصب على الظرفية، وذهب بعض شرّاح الكتاب إلى أنه غير محدود ينصب قياسًا وقال: إنه مراد سيبويه رحمه الله وقد يجمع بينهما بأنه بحسب وضعه عاثم معناه كل أرض تطرق أي يمشي عليها ثم خص بما يسلكه الناس من ممرّ السابلة دون الجبال والوهاد. قوله: (أي من جميع الجهات الأربع مثل قصده الخ) يعني هذه استعارة تمثيلية شبه حال وسوستة لبني آدم بقدر الإمكان بحال إتيان العدّ ولمن يعاديه من أقي جهة أمكنته، ولذا لم يذكر الفرق

154

والتحت إذ لا إتيان منهما، فقوله من جميع الجهات أي جميع الجهات التي يؤتى منها، كما صرّح به بقوله من أي وجه يمكنه فلا ينافي قوله ولذلك لم يقل الخ والتسويل تحسين الشيء وتزيينه للإنسان ليفعله، وقوله: ﴿لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ﴾ ترشيح لهذه الاستعارة. قوله: (وقيل لم يقل من فوقهم الخ) عطف على قوله ولذلك لم يقل الخ فإن كان مبنيا على التمثيل أيضًا فالفرق بينهما أنّ ترك هاتين الجهتين على الأوّل لعدمهما في الممثل به وعلى الثاني لعدمهما في الممثل، وان كان مبناه على أنه لا تمثيل قيل، وهو الأظهر فالفرق واضح فلا يرد أنه إذا بنى الكلام على التمثيل لا

حاجة إلى الاعتذار عن تركهما. قوله: (وعن ابن عباس رضي الله عنهما من بين أيديهم من قبل الآخرة) هكذا أخرجه ابن أبي حاتم فعلى هذا ليس الكلام كله تمثيلا واحدًا بل مجازات أو استعارات أو كنايات فما بين أيديهم الآخرة لأنها مستقبلة آتية، وما هو كذلك كأنه بين اليدين، ومن فسره بالدنيا فلأنها حاضرة مشاهدة وما خلفهم الدنيا لأنها ماضية بالنسبة إلى الآخرة ولأنها فانية متروكة مخلفة ومن فسره بالآخرة فلأنها مغيبة عنهم وتفسير الأيمان بالحسنات والشمائل بالسيئات لأنهم يجعلون المحبوب في جهة اليمين وغيره في جهة الشمال كما قال:

أبيني أفي يمني يديك جعلتني فافرج أم صيرتني في شمالك

قوله: (ويحتمل أن يقال من بين أيديهم الخ) فيكون المراد بما بين أيديهم ما يعلمونه لأنّ

ما هو كذلك محسوس مشاهد، وضحدّه ما كان خلفًا وما كان بجانب اليمين والشمال يسهل أخذه وتناوله فلذا عبر به عما ذكر، وقال بعض حكماء الإسلام إنه إشارة إلى القوى الأربع فما بين أيديهم وما خلفهم إشارة إلى القوّة المودعة في مقدّم الدماغ والمودعة في مؤخره وما بين أيديهم إشارة إلى الشهوة المودعة في الكبد وهو في اليمين وما خلفهم إلى الغضب في القلب وهو في اليسار. قوله: (وإنما عدّى الفعل إلى الآوّلين بحرف الابتداء لخ) هذا ما حققه الزمخشرقي وهو من أسرار العربية لأنّ اختلاف حروف التعدية مع المفعول به، وفيه لقصد معان لاحظوها ينبغي التيقظ لها فإنه كما قال: لغة تؤخذ ولا تقاس وإنما يفتش عن صحة موقعها فقط فلما سمعناهم يقولون جلس عن يميته وعلى يمينه وعن شماله وعلى شماله قلنا معنى على يمينه أنه تمكن من جهة اليمين تمكن المستعلي من المستعلى عليه، ومعنى عن يميته أنه جل! بى متجافيًا عن صاحب اليمين منحرفا عنه غير ملاصق له ثم كثر حتى استعمل في المتجافي وغيره ونحوه من المفعول به نحو رميت عن القوس وعلى لقوس ومن القوس لأن السهم يبعد عنها ويستعليها إذا وضحع على كبدها للرمي، ويبتدأ الرمي منها وكذلك قالوا جلس بين يديه وخلفه يعني في لأنهما ظرفان للفعل ومن بين يديه ومن خلفه لأنّ الفعل يقع في بعض الجهتين كما تقول جثتة من الليل تريد بعض الليل، ولا مخالفة بينهما إلا في جعل من ابتدائية، والزمخشريّ جعلها تبعيضية وأشار إلى أنّ فيها معنى الابتداء أيضا وقيل خص اليمين والشمال بعن كا! ثمة

ملكين يقتضيان التجاوز عن ذلك. قوله: (مطيعين الخ الشمول الشكر لأعمال الجوارح، ووجد إن كان معنى صادف نصف مفعولًا واحدًا وبمعنى علم بنصب مفعولين فإن نصب مفعولين فشاكرين هو الثاني والا فهو حال والجملة مستانفة أو معطوفة على المقسم عليه، وقوله قال ذلك ظنًا أي قال ذلك لما رآه من الإمارات على طريق الظن، وقوله لقوله باللام دليل لا تشبيه، وفي نسخة كقوله بالكاف، ومبدأ الشرّ القوّة الشهوية والغضبية، ومبدأ الخير ألعقل، وقوله سمعه من الملائكة فيكون علمًا لا ظنا وهذا إشارة إلى تأثير إغوائه في غير القليل الذين قال الله فيهم: ﴿فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾

{} [سورة سبأ، الآية: 20] ولم يفرّعه لأنه بمقتضى الجبلة لا بمجرّد إغوائه. قوله: (مذؤما مذمومًا من ذأمه الخ) مذؤما حال وكذا مدحورا أو هو صفة، وفسر مذؤما بمعنى مذموما وفسره الليث بمحقرًا، وفي فعله لغتان ذأمه يذأمه بالهمزة كرامه يرأمه وذامه يذيمه بالألف كباعه يبيعه ومصدر المهموز أم كرأس ومصدر المعتل ذام كقال وبهما روي المثل إن تعدم الحسناء ذامًا، والذأم العيب وقال ابن قتيبة: الذم والقراءة المشهورة مذؤمًا بالهمز كمسؤلًا من ذأمه، وقرئ مذوما بذال مضمومة وواو ساكنة وهي تحتمل أن تكون مخففة

155

من المهموز بنقل حركة الهمزة إلى الساكن ثم حذفها، وأن تكون من المعتل وكان قياسه مذيم كبيع إلا أنه أبدلت الواو من الياء على حذ قولهم مكول في مكيل مع أنه من الكيل، والدحر الطرد وضمير منها للسماء كما في قوله: ﴿اهْبِطْ مِنْهَا﴾ [سررة الأعراف، الآية: 13، وقيل هو للجنة وهو الأصح عند الأكثر. قوله: (اللام فيه لتوطئة القسم وجوابه الخ (في الكشاف واللام في لمن تبعك موطثة للقسم ولأملأنّ جوابه وهو ساد مسد جواب الشرط منكم بمعنى منك ومنهم فغلب ضمير المخاطب كما في توله: ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [سورة الأعراف، الآية: 138] وروي عصمة عن عاصم رحمه الله لمن تبعك بكسر اللام بمعنى لمن تبعك منهم هذا الوعيد، وهو قوله لأملأن جهنم منكم أجمعين على أنّ لأملأنّ في محل الابتداء ولمن تبعك خبره اهـ وفي الدرّ المصون في من وجهان أظهرهما أنها دخل عليها لام موطئة وتسمى موذنة جواب قسم محذوف، ومن شرطية في محل رفع مبتدأ ولأملأنّ جواب قسم ساد مسد جواب الشرط الثاني أنّ اللام لام ابتداء ومن موصولة صلتها تبعك في محل رفع بالابتداء خبرها لأملأنّ وقرئ شاذًا عن عاصم لمن بكسر اللام على أنها متعلقة بقوله لأملأنّ ورد بأنّ لام القسم

لا يعمل ما بعدها فيما قبلها، والثاني أنها متعلقة بالذأم والدحر على التنازع واعمال الثاني أي اخرج بهاتين الصفتين لأجل اتباعك، الثالث أنّ الجار والمجرور خبر مبتدأ محذوف يقدر مؤخرًا أي لمن تبعك هذا الوعيد الدال عليه قوله: لأملأنّ الخ لأنّ القسم وجوابه وعيد، وهو مراد الزمخشريّ بقوله على أنّ لأملأن في محل الابتداء ولمن تبعك خبره فقول أبي حيان رحمه الله: إن أراد ظاهره فهو خطأ لأن قوله لأملأنّ جملة جواب قسم محذوف فمن حيث كونها جملة لا يجوز أن تكون مبتدأ ومن حيث كونها جواب قسم يمتنع أيضا لأنها لا موضمع لها ومن حيث كونها مبتدأ لها موضع ويمتنع في شيء واحد أن يكون له موضع، ولا موضع له وهو محال، وهذا بعد قول الزمخشري إنّ معناه لمن تبعك منهم هذا الوعيد وهو لأملأنّ كيف يتردّد بعد هذا مع تصريحه بمراده وتأويله، وأمّا قوله على أنّ لأملأنّ في محل الابتداء فإنما قاله لأنه دال على الوعيد الذي هو في محل ابتداء فنسب إلى الدال ما نسب للمدلول معنى، وقول الشيخ ومن حيث كونها جواب قسم الخ تحامل عليه لأنه لا يريد جملة الجواب فقط البتة إنما أراد الجملة القسمية برمّتها وإنما استغنى بذكرها عن ذكر قسمها لأنها ملفوظ بها وقد تقدم ما يشبه هذا، وقوله ويمتنع في شيء واحد أن يكون له موضعولا موضع له جوابه ظاهر (أقول (ذهب إلى أنه محكيّ هنا ورد بأن الحكاية تقتضي تقدم الوعيد، وليس كذلك ولا يخفى ما في هذا كله من التعسف من غير داع له فتدبر. قوله: (أي وقلنا يا آدم (لم يعطفه على ما بعد قال: أي قال يا إبليس أخرج، ويا آدم اسكن لأنّ ذلك في مقام الاستئناف والجزاء لما حلف عليه إبليس من القعود على الصراط الخ، وهذا من تتمة الامتنان على بني آدم والكرامة لأبيهم وإنما لم يجعل عطفا على ما بعد قلنا لأنه يؤول إلى قلنا للملائكة يا آدم فقدر قلنا لتكون الجملة عطفًا على قلنا للملائكة، وهذا هو الذي يقتضيه انتظام السياق كما قرّره النحرير، وما قيل إن الترتيب يقتضي عطفه على ما بعد قال فإنّ هذا الأمر لهما ليس إلا بعد الأمر له بالخروج جزاء لما حلف عليه بعد المقابلة أي قال له اخرج غضبا عليه، ولذلك أسكن تكريما له على تلوين الخطاب مع ما فيه من القرب فخلاف الظاهر، وان كان له وجه والكلام في أسكن أنت وعطفه مرّ تحقيقه في سورة البقرة. قوله: (وهو الآصل لتصغيره على ذيا (يعني أصله ذي والهاء عوض عن الياء المحذوفة لا هاء سكت بدليل تصغيره فإنه يدل على ذلك، قال ابن جني رحمه الله: يدل على أنّ الأصل هو الياء قولهم في المذكر ذا والألف بدل من الياء إذ الأصل ذيّ بالتشديد بدليل تحقيره على ذيا، وإنما يحقر الثلاثي دون الثنائي كما ومن فحذفت إحدى الياءين تخفيفا ثم أبدلت الأخرى ألفا كراهة أن يشبه آخره آخر كي. ثوله: (فتصيرا من الذين ظلموا أنفسهم

الخ) يعني كان بمعنى صار وأل موصولة ومفعول ظالمين مقدر وهو أنفسهم لأنهما بالأكل إنما ظلما أنفسهما، ومن الظالمين أبلغ من ظالمين كما مرّ، والجزم والنصب بعطفه على تقربًا وجعله جواب النهي ظاهر. قوله: (أي فعل الوسوسة لأجلهما الخ) فالفرق بين وسوس له، ووسوس إليه أن وسوس

156

له بمعنى لأجله فاللام ليست صلة، وقال الجوهرفي: إنها لة بمعنى إلى ومعناه ألقى إليه الوسوسة والوسوسة الصوت الخفيّ المكرّر، ولذا قيل الصوت الحلي وسوسة أيضا كما قال:

قالوا كلامك وسواس هذيت به وقد يقال لصوت الحلي وسواس

وفعللة تكثر في الأصوات كهينمة وهمهمة للصوت الخفيّ، وخشخشة للصوت الحاصل

من تحريك سلاح ونحوه، ووسوس لازم ويقال رجل موسوس بكسر الواو ولا تفتح كما قاله ابن الأعرابي: وقال غيره يقال موسوس له وموسوس إليه فيكون موسوس بالفتح على الحذف والإيصال، والوسوسة أيضا حديث النفس، وقال الأزهريّ: وسوس ووزوز بمعنى. قوله: (واللام للعاقبة أو للغرض الخ) من ذصب إلى أنها للعاقبة لأنه لم يعلم صدوره منهما ومن ذهب إلى أنها للتعليل لأنه الأصل فيها ويجوز قصد ذلك بناء على حدسه أو علمه بطريق من الطرق كما سبق في قوله: ﴿وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [سورة الأعراف، الآية: 17] وقوله ولذلك أي لكون كشف الفرج بسوء صاحبه سمته العرب. سوأة، وقوله وفيه دليل الخ وجه الدلالة أنّ ذلك قصد به الإساءة إليهما فلولا أنه كدّلك لم تكن إساءة وليس هذا مبنيًا على الحسن والقبح العقليين الذي هو مذهب المعتزلة ولذلك لما ذكره الزمخشرفي ميلًا لمذهبه قال النحرير رحمه الله: إن أراد أنّ القبح يكون مذمومًا في حكم الله سواء ورد به الشرع أولًا فلا دلالة للنظم عليه أو بمعنى كراهة الطبع، وعدم ملاءمة العقول السليمة فلا نزاع ولا خلاف في أنّ مثله لا يتوقف على الشرع. قوله: (وكانا لا يريانها الخ) بيان لكونها مغطاة عنهما وجمع العورات على حد صغت قلوبكما. قوله: (وإنما لم تقلب الواو المضمومة الخ) ووري بواوين ماضي واري

المجهول كضارب وضورب أبدلت ألفه واوًا قالوا والأولى فاء الكلمة والثانية زائدة وقرئ أورى بالهمزة لأنّ القاعدة إذا اجتمع واوان في أول كلمة فإن تحركت الثانية أو كان لها نظير متحرّك وجب إبدال الأولى همزة تخفيفًا مثال الأوّل أو يصل وأواصل في تصغير واصل وتكسيره، ومثال الثاني أولى أصله وولى فأبدلت لما تحركت الثانية في الجمع وهو أول فإن لم تتحرّك بالفعل أو القوّة جاز الإبدال كما هنا، كذا قرّره النحاة فلا وجه لتردّد النحرير فيه: ومعنى المواراة الستر، وقرئ سوأتهما بالإفراد والهمز على الأصل وبإبدال الهمزة واوًا وإدغامها، وقرئ بالجمع على الأصل وبطرح حركة الهمزة على ما قبلها وحذفها وبقلبها واوًا وادغامها، وهي إمّا من وضع الجمع موضع التثنية أو لإدخال الدبر في السوأة وقوله وبقلبها أي قرئ بقلب الهمزة واوا وادغامها فيصير اللفظ سوّآتهما بتشديد الواو فليس في كلامه خلل كما توهم. قوله: (1! راهة أن تكونا) يعني أنه استثناء مفرغ من المفعول لأجله بتقدير مضاف أو حذف حرف النفي ليكون علة كما عرف في أمثاله، وأمّا عدم التقدير على أنه سبب بعيد فخلاف الظاهر المشهور. قوله: (الذين لا يموتون أو يخلدون الخ) أي المراد من الخلود عدم الموت اصلا أو الخلود العارض بعد الموت بدخول الجنة، واستدل بهذه الآية على فضل الملائكة على الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين وفي الكشاف على البشر ووجهه أنه لما قال: أن تصير ملكا أو تكون في مرتبة الملك كما لا قرّر ذلك ولم ينكر عليه وأبضًا ارتكب آدم عليه الصلاة والسلام المنهي عنه طمعا في ذلك، فلولا أنه أفضل لم يرتكبه فليس الاسندلال بمجرّد قول إبليس وإنما قال الزمخشريّ على البشر لأنه لم يكن نبيًا في الجنة والمصنف رحمه الله تعالى نظر إلى ما يؤول إليه. قوله: (وجوابه الخ) هو ظاهر لأنه قد يكون في المفضول ما ليس في الفاضل فلا ي! ل على التفضيل من كل الوجوه، وأيضا إن رغبتهما كانت في الخلود فقط وقيل على قوله إنّ الحقائق لا تنقلب إنه لا مانع منه عند الأشاعرة لتجانس الأجسام فإما أن يكون هذا مختاره أو إلزاما لهم على مذهبهم فتأمّل. قوله: (وأخرجه على رنة المفاعلة الخ الما كان القسم من جانب واحد، والمفاعلة تقتضي صدوره من الجانبين قيل إنه بمعنى أقسم وإنما عبر بالمفاعلة للمبالغة لأنّ من يباري أحدًا في فعل يجد فيه فاستعمل في لازمه، أو أنه وقع من الجانبين ولكنه اختلف متعلقه فهو أقسم على النصح وهما على القبول، وفي الانتصاف في إنما يتم لو لم يذكر المقسم عليه، وهو النصيحة أمّا إذا ذكر فلا يتم إلا إذا سمي

157

قبول النصح نصحًا لمقابلته له كما قيل في وواعدنا موسى أو أنه تجوز المفاعلة، وان لم يتحد المتعلق لكن كونه

حقيقة بعيد. قوله: (وقيل أقسمًا الخ) قيل فيكون فيه لف لأنّ آدم وحواء لا يقسمان بلفظ التكلم بل بلفظ الخطاب، وقيل إنه إلى التغليب أقرب، وقيل إنه لا حاجة إليه بأن يكون المعنى حلفا عليه بأن يقول لهما إني لكما لمن الناصحين. قوله: (فنزلهما الخ) أي أنزلهما عن رتبة الطاعة إلى رتبه المعصية بسبب تغريرهما بقسمه من دلي الدلو في البئر، وعن الأزهريّ أنّ معناه أطمعهما وأصله من تدلية العطشان شيئا من البئر فلا يجد فيها ما يشفي غليله وقيل من الدلّ وهو الجراءة أي فجرّأهما كما قال:

أظن الحلم دلّ عليّ قومي وقد! جيل الرجل الحليم

فأبدل أحد حرفي التضعيف ياء. قوله:) بما غرّهما به من القسم الخ (يعني الباء للمصاحبة أو الملابسة وهو حال من الفاعل أو المفعول ولا حاجة إلى جعل الغرور مجازا عن القسم لأنه سبب له كما قيل. قوله: (فلما وجدا طعمهما آخذين في ا! ل الخ الما كان الذوق وجود الطعم بالفم وقد يعبر به عن ا! ل اليسير فسره بهذا لأنه وقع في آية أخرى مصرحًا بالأكل فيها، والتهافت التساقط ويخص بما يكره، والسنبلة من الحنطة معروفة، وقوله: (ظفرا) أي شيئا كالظفر ساترًا لبدنهما. قوله:) أخذا يرقعان الخ (إشارة إلى أنّ طفق من أفعال الشروع الدالة على الأخذ في الفعل، ولذا لا تدخل أن على خبرها وهي بكسر الفاء في الأفصح وقد تفتح وًا صل معنى الخصف الخرز في طاقات النعال، ونحوها بإلصاق بعضها ببعض فالمراد يلصقان بها، ولهذه القصة عنى العباس رضي الله عنه الجنة في قوله يمدح النبيّ يرو:

من قبلهاطبت في الظلال وفي مستوح حيث يخصف الورق

والمعنى يخصفان على سوآتهما، أو على بدنهما لما تقرّر في العربية أنه لا يتعدى فعل الظاهر أو المضمر إلى ضميره بواسطة أو بدونها فأما أن يكون في الكلام مضاف مقدر أو يكون ضمير عليهما عائدا على السوأتين كما قاله أبو حيان. قوله: (وقرئ يخصفان من أخصف أي

يخصفان أنفسهما) قال الجاربردي لما نقل خصف إلى أخصف للتعدية ضمن الفعل معنى التصيير فصار الفاعل في المعنى مفعولًا لتصيير فاعلًا لأصل الفعل فيكون التقدير يخصفان أنفسهما عليهما من ورق الجنة فحذف مفعول التصيير ومن للتبعيض اهـ وقد جوز فيه أن يكون خصف وأخصف بمعنى، ويخصفان من خصف المشدد بفتح الخاء على الأصل، وقد ضمت اتباعا للياء وهي قراءة عسرة النطق، ويخصفان بفتح الياء وكسر الخاء وتشديد الصاد من الافتعال وأصله يختصفان سكنت التاء وأدغمت ثم كسرت الخاء لالتقاء الساكنين ونظيره يهدي، ويخصمون وفتح الخاء يعقوب رحمه الله. قوله: (عتاب على مخالفة النهي) هو من قوله ألم أنهكما وتوبيخ على الاغترار بقول العدوّ من توله وأقل لكما إنّ الشيطان الخ وقوله: (وفيه دليل على أنّ مطلق النهي للتحريم) أي النهي إذا ورد مطلقا من غير تقييد بتحريم صريحا أو تلويحا يدل على ذلك كقوله أنهكما هنا إذ لم يقل نهي تحريم، والدليل على إرادة التحريم منه اللوم الشديد عليه وندمهما واستغفارهما من ذلك فلذلك استدل به على عدم عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والصحيح خلافه، وقد أجاب المصنف رحمه الله عنه في البقرة بأنه للتنزبه وأنّ ندمهما واستغفارهما لترك الأولى فكيف ذكر هنا أنه دليل على التحريم مع احتمال التنزيه، والجواب عنه أنه لم يقل النهي للتحريم بل مطلق النهي وهو ما لم يكن معه قرينة حالية أو مقالية تدل على خلافه، ولذا قيل إنّ قوله وأقل لكما إنّ الشيطان لكما عدوّ مبين مقارن للنهي فليس مطلقا. قوله: (وإن لم تففر لنا الآية) هذا شرط حذف جوابه لدلالة جواب القسم المقدر عليه فإن قبل حرف الشرط لام توطئة مقدرة كما في قوله تعالى: ﴿وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ﴾ [سورة المائدة، الآية: 73] ويدل على ذلك ورود لام التوطئة قبل أداة الشرط في كلامهم كذا قاله المعرب ومنه يعلم أنّ قول المصنفين في تراكيبهم والا لكان كذا كلام صحيح لأنّ لام التوطئة يطرد حذفها فلا عبرة بما قيل إنه خطأ فتأمل. قوله: (دليل على أن الصغائر الخ) قيل عليه إنه يحتمل أن يكون قول آدم ﷺ مبنيًا على ظن أنّ ما فعله كبيرة كما يوهمه ظاهر المؤاخذة فلا دلالة فيه على ما ذكر.

(قلت) الفرق بيته وبين ما ذكره

158

المصنف رحمه الله يسير فهو كالصيد من المقلي فتدبر. قوله: (الخطاب لآدم وحواء وفوّيتهما الخ) هذا على عادته كصاحب الكشاف إنه إذا كان في

النظم تفاسير أو احتمالات ذكر بعضها في موضع، وبعضها في آخر مع التنبيه على المختار وتركه فلا يرد عليه إنه قال في سورة البقرة إن الخطاب لآدم وحواء لقوله فاهبطا، وضمير الجمع لكونهما أصل البشر فكأنهم هم، ولك أن تقول هو عين ما ذكر لأنّ ذريتهم لم تكن موجودة حال الخطاب فتامّل، وقوله: (وكرّر الخ) يعني إبليس أخرج أولًا وأمره هنا ثانيا إشارة إلى عدم انفكاكه عن جنسهما في الدنيا، وقد قيل إنه أخرج منها ثانيا بعدما كان يدخلها للوسوسة أو من السماء، وقوله: (أو اخبر الخ (حاصله أنّ الأمر وقع مفرقا وهذا نقل له بالمعنى واجمال له. توله: (في موقع الحال أي متعادين) قد مرّ تفصيله في قوله أو هم قائلون، وقد قيل عليه إنه ينافي ما سبق من قوله وأما جاءني زيد هو فارس فخبيث لا يقال هنا أوّل الجملة بمفرد حيث قال: أي متعادين كما أن قولهم كلمته فوه إلى فيّ في معنى مشافها، فلا يحتاج إلى الواو، لأنا نقول لو صح هذا التأويل لجرى في جميع الجمل الاسمية فيقال هم قائلون في تقدير قائلين، وهو فارس في تقدير فارسا فالوجه أن يحمل قوله بعضكم لبعض عدوّ على الاستئناف كأنهم لما أمروا بالهبوط سألوا كيف يكون حالنا فأجيبوا بأنّ بعضكم لبعض عدوّ ولكم في الأرض مستقرّ ومتاع إلى حين، ورد كما مرّ تحقيقه بأنه إشارةءلى تنزيل الجملة الاسمية الحالية منزلة المفرد ليحسن ترك الواو وفسر المعاداة على وجه لا يوهم معاداة آدم عليه الصلاة والسلام لحواء، وبالعكس وليس كقولك جاءني زيد وهو فارس في معنى جاءني فارسأ لما أشار إليه الثيخ عبد القاهر من الفرق بين جاء زيد كذلك، وجاء وهو كذلك بأنّ لهذا نوع ابتداء واستئناف (قلت) هو كما قال: وقد فصله السبكيّ في أشباهه، وقال: إنّ المفرد يقتضي تجذد المقارنة والجملة لا تقتضي ذلك فكأنه استئناف لبيان ما هو عليه من الحال فلو قال لله عليّ أن أعتكف وأنا صائم أو صائما وفي نذره في الأولى بالاعتكاف في رمضان بخلاف الثاني وقد ذكره النحرير: هنا بطريق البحث وهو مما صرّح به غيره ولشيخ مشايخنا ابن قاسم فيه بحث، وقوله استقرار الخ أي هو مصدر ميمي أو اسم مكان كما مرّ. قوله: (إلى تقضي آجالكم) وفي البقرة تفسيره بالقيامة أيضا لأنه متعلق بما تعلق به الظرف الواقع خبرا فإن نظر إلى كونه مستقرا كانت الغاية القيامة وان نظر إلى التمتع أو المجموع كانت الموت، ويجوز اعتبار كل منهما على كلا الوجهين وقد مرّ تحقيقه هناك. قوله: (وقرأ حمزة والكسائي وابن ذكوان ومنها تخرجون) بفتح التاء وضم الراء هنا وفي الزخرف قرئت في مواضع مبنية للفاعل، وفي أخرى للمفعول وتفصيله في كتب القراآت، وفي الدر المصون فائدة هنا في قوله: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا﴾ [سورة الأعراف، الآية: 23] إنه حذف حرف النداء لتعظيم المنادى وتنزيهه قال مكيّ:

كثر نداء الرب بحذف يا منه في القرآن وعلة ذلك أنّ في حذف يا من نداء الرب معنى التعظيم والتنزبه، وذلك أنّ النداء فيه طرف من معنى الأمر لأنك إذا قلت يا زيد فمعناه تعال فحذفت لتزول صورة الأمر وهذه نكتة جليلة. قوله: (أي خلقناه لكم بتدبيرات سماوية الخ) قال ابن فارس في فقه اللغة الضاحي معناه خلقنا لأنّ الأنعام لا تقوم إلا بالنبات، والنبات لا يقوم إلا بالماء والله تعالى ينزل الماء من السماء، ومثله: ﴿قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا﴾ [سورة الأعراف، الآية: 26] وهو تعالى إنما أنزل الماء لكن اللباس من القطن، وهو لا يكون إلا بالماء ا! وهذا التفسير منقول عن الحسن رحمه الله وما ذكره هنا هو حاصل ما قال في سورة الزمر في تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَنزَلَ لَكُم مِّنْ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [سورة الزمر، الآية: 6] وقضى أو قسم لكم فإنّ قضاياه وقسمه توصف بالنزول من السماء حيث كتب في اللوح المحفوظ أو أحدث لكم بأسباب نازلة منها كأشعة الكواكب والأمطار اهـ، والتجوز الظاهر أنه في المسند، ويحتمل أن يكون في اللباس أو الإسناد ويواري ترشيح في بعضها وقوله التي قصد الشيطان الخ يريد أن إبداء سوآتهما موجب لإبداء سوآتنا فهو كالقاصد لذلك ولو لم يخلق الله اللباس لتحقق ما أراده، وقوله: (روي أنّ العرب الخ) أخرجه المحدثون وهو في صجح مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما، وقيل إنهم كانوا يفعلونه تفاؤلًا

159

بالتعرّي عن الذنوب والآثام، وفي السير أنهم كانوا يلبسون ثياب قريش فمن لم يجدها طاف عريانا. قوله: (ولباسًا تتجملون به الخ) فعطفه إمّا من عطف الصفات فوصف اللباس بثيئين مواراة السوأة والزينة فالريش بمعنى الزينة لأنه زينة الطير فاستعير منه ويحتمل أنه من عطف الشيء على غيره أي أنزلنا لباسين لباص مواراة ولباس زينة فيكون مما حذف فيه الموصوف أي لباسًا ريشًا أي ذا ريش والريش مشترك بين الاسم والمصدر، وقرئ رياشا وهو مصدر كاللباس أو جمع رائش. قوله:) خثية الله الخ) ففي الوجهين الأوّلين مجازًا ومشاكلة وفي الأخير حقيقة. قوله: (ورفعه بالابتداء وخبره ذلك خير) أي الجملة خبره والرابط اسم الإشارة لأنه يكون رابطا كالضمير أو خير خبر، وذلك صفة لباس

التقوى كما قاله الزمخشري: وقد سبقه إليه الزجاج وابن الأنباري وغيره، واعترض عليه الحوفي بأن الأسماء المبهمة أعرف من المعرف باللام ومما أضيف إليه، والنعت لا بد أن يساوي المنعوت في رتبة التعريف أو يكون أقل منه ولا يجوز أن يكون أعرف منه كما صرّح به النحاة، فلذا قيل إنه بدل أو بيان لا نعت، وأجاب عنه المعرب بأنه غير متفق عليه فإنّ تعريف اسم الإشارة لكونه بالإشارة الحسية الخارجية عن الوضع قيل إنه أنقص من ذي اللام، والمصنف رحمه الله أشار إلى جواب وهو أنه بمعنى المعرف باللام فيكون في مرتبته، وقد قيل إنّ ال موصولة فتتساوى رتبتهما وفيه نظر، وقد قيل إنّ ذلك لا محل له من الإعراب وهو فصل كالضمير، وهو غريب قيل لم يسبق إليه وقد سبقه له أبو عليّ في الحجة والإشارة بالبعيد للتعظيم بتنزيل البعد الرتبي منزلة الحسيّ، ثم إن كانت الإشارة للباس المواري فلباس التقوى حقيقة والإضافة لأدنى ملابسة وإن كانت للباس التقوى فهو استعارة مكنية وتخييلية بأن يتوهم للتقوى حالة شبيهة باللباس تشتمل على جميع بدنه بحسب الورع والخشية من الله اشتمال اللباس على اللابس ليست حال خارجية بل صورة وهمية كما في قوله تعالى: ﴿فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ أسورة النحل، الآية: 112] قاله العلامة: أو من قبيل لجين الماء وعلى قراءة النصب يكون اللباس المنزل ثلاثة أو يفسر لباس التقوى بلباس الحرب فقط أو يجعل الإنزال مشاكلة فتأمّل. قوله: (أي إنزال اللباس) المتقدم كله أو الأخير لقربه وقوله فيعرفون عطف على يذكرون ويتعظون عطف عليه ويتورّعون مفرّع على يتعظون أو فيعرفون تفريع على يذكرون مشارًا إلى يرفعه فقوله فيتورّعون تفريع على يتعظون في مقابلة فيعرفون نعمته فتأئل، وقوله الدالة على فضله ورحمته إشارة إلى أنّ الآيات هنا بمعنى الأدلة. قوله: (لا يمحننكم) تقدم أنّ الفتنة معناها التخليص من الغش وأنها تطلق على الابتلاء والإضلال، وهو المراد وهذا نهي للشيطان في الصورة والمراد نهي المخاطبين عن متابعته وفعل ما يقود إلى فتنته كما تقدم تحقيقه في قوله: ﴿فَلاَ يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ﴾ [سورة الأعراف، الآية: 2] والقراءة المشهورة بفتح حرف المضارعة وقرئ بضمها من أفتنة حمله على الفتنة وقرئ بغير توكيد أيضا. قوله: (كما محن أبويكم بأن أخرجهما منها الخ) يعني أنّ قوله كما أخرج وضعموضع كما فتن وضعًا للسبب موضحع المسبب أي أوقعهما في المحن والبلاء بسبب الإخراج ويجوز أن يكون التقدير لا يفتننكم فتنة مثل فتنة إخراج أبويكم أو لا يخرجنكم بفتنته إخراجا مثل إخراجه أبويكم ولا منافاة بين كون الهبوط عقابًا على تلك الزلة وكونه لجعله خليفة لأنّ من العقاب ما يترتب عليه

الأنعام فتأمّل. قوله: (حال من أبويكم أو من فاعل أخرج الاشتماله على ضميريهما وكل منهما صحيح معنى والصناعة مساعدة عليه ولفظ المضارع قالوا إنه لحكاية الحال الماضية لأنها قد تقضت وانقطعت، وردّ بأنه ليس على حكاية الحال الماضية على ما توهم وان كان الأمر كذلك يعني أنه يقارن الإخراج في البقاء، وهو كاف في مقارنة الحال لعاملها وليس بوارد لأن النزع السلب وهو ماض بالنسبة إلى الإخراج وإنما الباقي عريهما والإسناد إليه مجازي لكونه سببا في ذلك إذ لم ينزعه عنهما وهو ظاهر، وقوله: (تعليل للنهي) كما هو معروف في الجملة المصدرة بأنّ في أمثاله، وتأكيد للتحذير لأنّ العدوّ إذا أتى من حيث لا يرى كان أشد وأخوف. قوله: (ورؤيتهم إيانا الخ) ردّ على الزمخشري وغيره من المعتزلة المنكرين لرؤية الجن لرقة أجسامهم ولطافتها

160

لمان كانوا يروننا لكثافة أجسامنا، وقد ثبتت رؤيتهم بالأحاديث الصحيحة المشهورة وهي لا تعارض نص القرآن هنا كما قالوا لأنّ المنفيّ فيه رؤيتهم إذا لم يتمثلوا لنا كما أشار إليه المصنف رحمه الله تعالى، وهو تأكيد للضمير المستتر، وقبيله في قراءة الرفع معطوف عليه لا على البارز لأنه لا يصح للتأكيد، ويجوز أن يكون مبتدأ محذوف الخبر ولا حاجة إلى القول بأنه عطف على محل اسم أنّ، وعلى قراءة النصب فهو عطف على اسم إن والضمير لا يلبس لا للشأن كما في الكشاف لأنه لا يصح العطف عليه ولا يتبع بتابع، أو الواو واو مع، والقبيل الجماعة، فإن كانوا من أب واحد فهم قبيلة، ومن لابتداء الغاية وحيث ظرف لمكان انتفاء الرؤية وجملة لا ترونهم في محل جرّ بالإضافة، ونقل عن أبي إسحاق أنّ حيث موصولة وما بعدها صلة لها ورده أبو عليّ الفارسيّ بأنه لم يقل به أحد غيره إلا أن يريد أنه كالموصول والصلة وهذه القضية عامّة مطلقة لا دائمة فلا تدل على ما ذكره المعتزلة. قوله: (بما أوجدنا بينهم الخ) أي الموالاة عبارة عما يتسبب عن هذا إذ لا موالاة بينهم حقيقة، وقوله مقصود القصة أي السابقة على هذه فهي جملة مستأنفة ويجوز أن يقصد بها التعليل أيضا والفذلكة الإجمال كما مرّ. قوله: (اعتذروا واحتجوا الخ) أعرض عن الأوّل لأنه غنيّ عن الرذ والمراد أعرض! عن التصريح بردّه، والا فقوله إنّ الله لا يأمر بالفحشاء متضمن لرذه لأنه إذا أمر بمحاسن الأفعال فكيف يترك أمره لمجرّد اتباع الآباء فيما هو قبيح عقلا فلا ينافي هذا قوله فيما سيأتي وعلى الوجهين يمتنع التقليد، وقال الإمام ة لم يذكر جوابا عن حجتهم الأولى لأنها

إشارة إلى محض التقليد، وقد تقرّر في المعقول إنه طريقة فاسدة لأنّ التقليد حاصل في الأديان المتناقضة فلو كان التقليد حقا لزم القول بحقية الأديان المتناقضة فلما كان فساده ظاهرًا لم يذكره الله. قوله: (لأنّ عادته سبحانه وتعالى جرت الخ) أي عادة الله جرت على الأمر بمحاسنها وهو اللاق بالحكمة المقتضية أن لا يتخلف فلا يتوهم أنه لا يستلزم نفي أمره بالفحشاء حتى يتم الاستدلال فالأولى أن يقول وعادته جرت الخ، وقوله: (ولا دلالة الخ) يعني لا دلالة على القبح العقلي بالمعنى المتنازع فيه، وهو كون الشيء متعلق الذمّ قبل ورود النهي عنه بل بمعنى نفرة الطبع السليم ولا نزاع فيه كما حقق في الأصول، وقوله والله أمرنا بها أي أمر آباءنا ففيه مضاف مقدر فلا يقال الظاهر أمرهم بها والعدول عن الظاهر إشارة إلى ادّعاء أنّ أمر آبائهم أمر لهم. قوله: (وعلى الوجهين يمتنع التقليد إذا قام الدليل الخ) أي على تقدير كونه جوابا أو جوابين أما على الأوّل فلأنهم قلدوهم فيما أمر الله بخلافه وكذا على الثاني، فلا دلالة في الآية على المنع من التقليد مطلقا، ولا على عدم صحة إيمان انمقلد. قوله: (إنكار يتضمن النهي عن الافتراء على الله تعالى) لأنّ الافتراء تعمد الكذب فإذا أنكر القول من غير علم فإنكار ما علم خلافه يثبت بالطريق الأولى والإنكار إمّا بمعنى إنه لا ينبغي ذلك أو لم يكن والأوّل ظاهر والظاهر المراد منه النهي عنه، ولا دليل في الآية لمن نفى القياس بناء على أنّ ما يثبت به مظنون لا معلوم، لأنه مخصوص من عمومها بإجماع الصحابة، ومن يعتد به أو بدليل آخر، وقيل المراد بالعلم ما يشمل الظن وتفصيله في الأصول. قوله: (بالعدل الخ) تفسير للقسط ومنه القسطاس للميزان، وقوله: وتوجهوا إلى عبادته أي إقامة الوجه كناية عن التوجه إليه دون غيره. قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ﴾ فيه وجهان فقيل إنه معطوف على الأمر الذي ينحل إليه المصدر مع إن أي بأن اقسطوا، والمصدر ينحل إلى الماضي والمضارع والأمر كما نقله المعرب، وقول الزمشخريّ: وقل أقيموا وجوهكم أي اقصدوا عبادته يحتمل أنّ قل مقدر غير الملفوظ به فيكون أقيموا مقولًا له، وأن يكون معطوفا على أمر ربي المقول لقل الملفوظ بها، وقال النحرير: قدره لأنه لو عطف على أمر ربي لكان ظاهره عطف الإنشاء على الخبر وان كان

على سبيل الحكاية وتأويل مثله شائع، ولو لم يقدّر لا وهم أنّ مقول قل هو مجموع أمر ربي وأقيموا وفيه نظر، ويجوز أن يكون معطوفا على محذوف تقديره قل اقبلوا وأقيموا، وتال الجرجاني: الأمر معطوف على الخبر، لأنّ المقصود لفظه، أو لأنه إنشاء معنى. قوله: (في وقت كل سجود أو مكانه الخ) يعني أنّ مسجدًا هنا يحتمل أن يكون مكانا أو زمانا

161