حاشية الشهاب على تفسير البيضاويالجزء 4 · ص 249 - 263

الأنفال (1 من 3)

التعريض لأنه تعليل لما قبله أي ائتوا بما أمرتم به والا فأنا مستغن عنكم وعن عبادتكم لأن لي عبادًا مكرمين من شأنهم ذلك. قوله: (ولذلك شرع السجود لقراءته) أي لإرغام من أبي ممن عرّض له كما يدلّ عليه ما بعده فالتعريض ليس لعدم سجودهم بل لعدم تخصيصهم له به، والسجدة لاية أمر فيها بالسجود للأمر أو حكى فيها استنكاف الكفرة عنه مخالفة لهم أو حكى فيها سجود نحو الأنبياء عليهم الصلاة والسلام تأسيا بهم، وهذا من القسم الثاني باعتبار التعريض أو من القسم الأخير باعتبار التصريح. قوله: (وعن النبئ ﷺ إذا قرأ ابن آم الخ» 1 (هذا الحديث أخرجه مسلم وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه، وقوله السجدة أي آية السجدة، وقوله: (يا ويله) تحسر كقوله: (يا حسرتا) . قوله: (وعنه ﷺ من قرأ سورة الآعراف الخ» 2 (حديث موضوع ولا عبرة برواية الثعلبي له، عن أبي هريرة رضي الله عنه) وهذا آخر ما أردنا تعليقه) على سورة الأعراف اللهم يسر لنا الإتمام ببركة خاتم الأنبياء عليهم أفضل الصلاة وا لسلام.

الأنفال

سورة الأنفال

بسم الله الرحمن الرحيم

قوله: (مدنية) قيل إلا قوله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ [سورة الأنفال، الآية: 30] والآية وجمع بعضهم بينهما بأنا إن قلنا الهجرة من حين خروجه عتحر من مكة فهي مدنية لأنها نزلت عليه لمجي! ليلة خروجه منها وإن قلنا إنها بعد استقراره في مقصده فهي مكية، وهذا مسلك غير مشهور في المكي والمدني، وقوله ست وسبعون في الكوفي خمس وسبعون كما قاله الداني في كتاب العدد. قوله: (أي الغنائم يعني حكمها الخ) أصل معنى النفل بالفتح واحد الأنفال كما قال لبيد:

إنّ تقوى ربنا خير نفل

الزيادة ولذا قيل للتطوع نافل ولولد الولد، ثم صار حقيقة في العطية لأنها لكونها تبرعًا

غير لازم كأنها زيادة وتسمى به الغنيمة أيضا وما يزاد ويعين لبعض الجيش على حصته الشائعة واطلاقه على الغنيمة باعتبار أنها منحة من الله من غير وجوب، وقال الإمام رحمه الله: لأن المسلمين فضلوا بها على سائر الأمم التي لم تحل لهم، وقيل لأنه زيادة على ما شرع الجهاد له وهو إعلاء كلمة الله وحماية حوزة الإسلام فإن اعتبر كونه مظفورًا به سمي غنيمة ومنهم من فرق بينهما من حيث العموم والخصوص فقال الغنيمة ما حصل مستغنمأ سواء كان يبعث أولًا باستحقاق أو لا قبل الظفر أو بعده والنفل ما قبل الغنيمة، وما كان بغير قتال وهو الفيء، وقيل ما يفضل عن القسمة، ثم السؤال إفا لاستدعاء معرفة، أو ما يؤذي إليها وإمّا لاستدعاء جداء أو ما يؤذي إليه واستدعاء المعرفة جوابه باللسان، وينوب عنه اليد بالكتابة أو الإشارة، واستدعاء الجداء جوابه باليد وينوب عنه اللسان موعدًا ورذًا وإذا كان للتعزف يعدى بنفسه، وعن والباء وإذا كان لاستدعاء جداء يعذى بنفسه أو بمن وقد يتعذى لمفعولين كأعطى واختار وقد يكون الثاني جملة استفهامية نحو: ﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم﴾ [سورة البقرة، الآية: 211] قاله أبو عليّ رحمه الله تعالى واختلف في الأنفال هنا فذهب كثير من المفسرين إلى أنّ المراد بها الغنائم، وهو المنقول عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وطائفة من الصحابة رضي الله عنهم، وهو الذي اختاره المصنف رحمه الله تعالى وذكر وجه التسمية كما فصلناه، ثم أشار إلى أنه يطلق على ما يشترطه الإمام للغازي زيادة على سهمه لرأي يراه سواء كان لشخص معين، او لغير معين كمن قتل قتيلا فله سلبه، والمقتحم الذي يرمي بنفسه للشدائد والمهالك، والخطر

الأمر العظيم. وقوله: (يعني حكمها (بيان للمراد من السؤال عنها لا تقديره كما سيذكره في سبب النزول، ويجوز أن يريد تقديره. قوله: (أي امرها مختص! بهما الخ (فسره به لأنها لو كانت مختصة بهما اقتضى أن لا يكون لغيرهم منها شيء فبين أنّ المختص بهما الأمر والحكم فيقسمها النبي! ي! كما يأمره الله، ولا مخالفة فيه لظاهر سبب النزول، ولا لآية الأخماس حتى يقال هذا توفيق من المصنف رحمه ألله تعالى، أو هي منسوخة

249

كما قيل، ووجه الجمع بين الله ورسوله هنا لأنه علم من كلامه إنه اختصاص الله بالأمر والرسول-شي! بالامتثال، وقد أشار في الكشاف إلى أنه لتعظيم شأن الرسول مج! هـ وايذان بأنّ طاعته طاعته، وكأن المصنف رحمه الله رأى أنه لا حاجة إليه فتأمّل. قوله: (وسبب ئزوله الخ» 1 (أخرجه أحمد وابن حبان والحاكم من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه، وسبب اختلاف المسلمين وهو رحمة أنها أؤل غنيمة لهم، وقوله: (المهاجرون منهم أو الأنصار) على تقدير الاستفهام أي أيقسمها المهاجرون أو الأنصار، ووقع في نسخة إثباته هكذا المهاجرون الخ. قوله: (وقيل شرط رسول الله! كتي! () 2 (كما أخرجه أبو داود والنسائي والحاكم، وصححه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أي هذا هو سبب النزول لاختلافهم فيه قال النحرير: مبنيئ الأوّل على كون النفل بمعنى الغنيمة، ومبنى هذا على كون المراد منه ما يعطاه الغازي زائدأ على سهمه، وعلى الوجهين السؤال استعلام لتعديه بعن وعلى قراءة يسألونك الأنفال استعطاء كما في سألتك درهما، وقد جعل بعض المفسرين السؤال مطلقا هنا بمعنى الاستعطاء وادّعى زيادة عن ولا داعي إليه، قيل: وينبغي أن يحمل قراءة إسقاط عن على إرادتها لأنّ حذف الحرف وهو مرد معنى أسهل من زيادته للتأكيد وفيه نظر (والغناء) بفتح الغين المعجمة والمد النفع، وشبان جمع شاب، والوجوه السادات،

والردء براء مهملة مكسورة ودال مهملة ساكنة وهمزة العون والظاهر أنّ المراد به هنا الملجأ، وتنحازون أي تنضمون إليها إذا رجعتم، وأصل الانحياز الانتقال من حيز الى حيز، ومنه قوله تعالى: ﴿أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾ [سورة الأنفال، الآية: 6 ا] وقوله ولهذا قيل الخ ضعفه لأنه يحتمل أنه من نسخ السنة قبل تقرّرها بالكتاب كما قيل. قوله:) وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عته الخ) (1 (عمير مصفر وهذا الحديث أخرجه أحمد وابن أبي شيبة وقال أبو عبيد هكذا وقع فيه سعيد بن العاص، والمحفوظ عندنا العاصي ابن سعيد والقبض بفتحتين المقبوض من الغنائم بقاف وباء موحدة وضاد معجمة، ووقع في تفسير ابن عطية بقاف وفاء وصاد مهملة قال: وهو المحل الذي توضعفيه الغنائم، اهـ. وقوله: (وبي ما لا يعلمه إلا الله (أي وجد في نفسه شيئا وقال: يعطاه اليوم من لم يبل بلائي، قيل وهذ يحتمل أن يكون سببًا ثالثا للنزول كما في بعض التفاسير لكن صيغة الجمع في وأصلحوا ذات بينكم تأباه ظاهرًا، ولذا لم يقل المصنف رحمه الله وقيل. قوله: (وقرىء يسألونك الخ (القراءة الأولى قراءة ابن محيصن، والثانية لعلي بن الحسين وغيره والإدغام للاعتداد بالحركة العارضة وفي قوله يسألك الشبان الخ إشارة إلى أنه سؤال استعطاء لما شرط أي بالنسبة لهم. قوله: (في الاختلاف والمشاجرة (أي المخاصمة، وقوله الحال التي بينكم إشارة إلى أنّ ذات بمعنى صاحبة صفة لمفعول محذوف أي أحوالًا ذات افتراقكم، أو ذات وصلكم، أو ذات المكان المتصل بكم، فبين إمّا بمعنى الفراق أو الوصل أو ظرف، وعلى الأخير بنى المصنف رحمه الله تعالى كلامه، وقال الزجاج: وغيره إن ذات هنا بمنزلة حقيقة الشيء ونفسه كما بينه ابن عطية وعليه استعمال المتكلمين، ولما كانت الأحوال ملابسة للبين أضيفت إليه كما تقول اسقني ذا إنائك أي ما فيه جعل كأنه صاحبه.

قوله: (فإن الإيمان يقتضي الخ (ذلك إشارة إلى الخصال الثلاث أي الإيمان بمعنى التصديق يقتضي ما ذكر فالمراد بيان ترتب ما ذكر عليه لا التشكيك في إيمانهم، وهو يكفي في التعليق بالشرط، وهذا بناء على أن الأعمال غير داخلة فيه، وما بعده مبني على أن المراد بالإيمان الكامل فيدل على الأعمال لأنها شرط أو شطر، ولعل مراده باقتضائه له إنه من شأنه ذلك لا إنه لازم له حقيقة لحصول القطع بأن نفس الإيمان لا يتوقف على ذلك كله لا سيما والمراد به التصديق الحقيقي، ولما رأى الزمخشري أنّ أصل الإيمان لا يستلزمه قال: وقد جعل التقوى واصلاج ذات البين، وطاعة الله ورسوله من لوازم الإيمان وموجباته ليعلمهم إنّ كمال الإيمان موقوف على التوفر عليها، ومن لم يفهم مراده قال إنه خلط بين الوجهين وجعلهما وجها واحدًا فتدبر، وقوله طاعة الأوامر الخ على اللف والنشر المشوش، وقيل: ولا يخفى أن إصلاج ذات البين داخل في طاعة

250

الأوامر، وما في الآية تعميم بعد تخصيص، وإنما قدم ما يدلّ على الاحتراز لذكر الأنفال التي هي مظنة الغلول، ثم الإصلاج لمناسبته للقصة. قوله: (أي الكاملون في الإيمان (إنما قيده وفسره به للحصر إذ لو لم يذكر اقتضى إن من ليس كذلك لا يكون مؤمنا وليس كذلك وعلى الوجه الأوّل لا يكون عين النكرة فإنها إذا أعيدت معرفة لا يلزم أن تكون عينها لأنه أغلبي، وعلى الثاني فهي عينها، وقال النحرير: جعل اللام إشارة إليهم جريًا على ما هو الأصل في اللام، وهو العهد سيما وقد انضم إليه قرينة لاحقة من قوله: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ بلفظ أولئك الصريح في الإشارة إليهم وتعريف الخبر وتوسيط الفصل مع القطع با! أصل الإيمان لا ينحصر في المذكورين. قوله: (فزعت لذكره (أي خافت من الله كلما ذكر، أو خافت إذا أرادت معصية فذكرت الله وعقابه، وانتهت عما همت به فهو على الأوّل عامّ وعلى هذا خاص وقوله يهتم بكسر الهاء من الهم بالشيء أي العزم عليه، وينزع مضارع نزع نزوعا إذا انتهى، وك! وأصله بمعنى القلع وفي نسخة فيفرغ من الفراغ والمراد به ذلك أيضا، ووجل بالفتح يجل لغة والأخرى وجل بالكسر يوجل بالفتح وفي مضارعه لغات، والفرق بمعنى الخوف معروف، وقال أهل الحقيقة الخوف على قسمين خوف العقاب وهو للعصاة وخوف الجلال والعظمة فإن العبد الذليل إذا حضر عند ملك عظيم يهابه وهذا الخوف لا يزول عن قلب أحد، والمصنف رحمه الله حمله في الآية على القسمين معا فإن قلت جعل ذكر الآيات مقتضيا للوجل، والإضطراب وفي قوله: ﴿أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ اسورة الرعد، الآية: 28] ما يخالفه قلت قد فرقوا بين الذكرين فإنّ أحدهما ذكر رحمة والآخر ذكر عقوبة فلا منافاة بينهما. قوله: (لزيادة المؤمن به الخ (اختلف في الإيمان هل يزيد وينقص أو

لا على أقوال فقيل لا يزيد ولا ينقص، وقيل يزيد وينقص لأنّ الأعمال داخلة فيه فيقبل ذلك بحسبها، وقيل نفس التصديق يقبل الزيادة قوّة وضعفا، ولما ذكر في الآية زيادته نزلها على الأقوال فمن قال لا يزيد ولا ينقص، قال إنّ ذلك باعتبار متعلقه، وهو المؤمن به على بناء المفعول، ومن قال إنّ اليقين نفسه يقبل ذلك قال لقوّة الأدلة ورسوخه ولا شك أنّ إيمان أحد العوام ليس كإيمان الصذيقين، ولذا قال عليّ كزم الله وجهه لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا، وقد رجح هذا النحرير والعلامة، ومن قال إنّ الأعمال داخلة فيه فهو ظاهر فقوله، وهو قول الخ راجع للقول الأخير وهو العمل. قوله: (يفوّضون إليه أمورهم الخ (الأمور المفوّضة إلى الله إمّا أمور ترجى، أو أمور تخشى فلذا عطف عليه قوله ولا يخشون الخ، والحصر المذكور من تقديم المتعلق على عامله، وهو ظاهر. قوله: الأنهم حققوا إيمانهم الخ (لما كانت الإشارة بأولئك إلى الموصوفين بالصفات المذكورة بعد إنما إلى هنا، وقد تضمن ذلك وصفهم بخمسة أوصاف ثلاثة منها تتعلق بالباطن، والقلب الخوف من الله والإنقياد لطاعته المشار إليه بالإخلاص وأن لا يتوكل إلا عليه، واثنان منهما تتعلق بالظاهر الصلاة والصدقة، ثم رتب على ذلك حقية إيمانهم واستحقاقهم لمنازل الجنان بين المصنف رحمه الله ذلك وأشار إلى وجه الاقتصار عليها لأنها مكارم إفعال القلوب، ومحاسن أعمال الجوارح فتدل على غيرها فالخشية من قوله وجلت قلوبهم والإخلاص من حصر التوكل، وفي جعل تلك مكارم لأنها من كرم النفس وجودتها وهذه محاسن لتزين ظاهر المرء بها، وقوله حققوا إشارة إلى أن حقًا مصدر حق بمعنى ثبت وتحقيقه إثباته وقوله العيار من عاير المكاييل إذا قدرها ونظر ما بينها من التفاوت، والعيار على كذا بمعنى الدليل والشاهد عليه لأنه يعلم به أمر غيره كما يعرف بمعايرة المكاييل زيادتها ونقصها. قوله: (وحقا صفة مصدر محذوف الخ (أي إيمانا حقًا فالعامل فيه المؤمنون لا حق مقدرًا كما قيل، أو هو مؤكد لمضمون الجملة فالعامل فيه حق مقدرا، وقيل إنه يجوز أن يكون لمضمون الجملة التي بعده أي لهم درجات حقا فهو ابتداء كلام وهذا مع أنه خلاف الظاهر إنما يتجه على القول بجواز تقديم المصدر المؤكد لمضمون الجملة عليها، والظاهر منعه كالتأكيد وقد ذكر الزمخشرقي هنا أنه تعلق بهذه الآية من يستثنى في الإيمان، وكان أبو حنيفة رحمه الله ممن لا يستثنى فيه، وهي مسألة الموافاة المشهورة، ولكونه متعلقآ بهذه الآية وجه بعيد، ولذا أنكره العلامة

251

في شرحه، ولذا لم يتعرّض لها المصنف رحمه الله هنا

وتحقيقها أن الاستثناء أعني إن شاء الله إن كان للتبرك وتفويض الأمور إلى مشيئته تعالى، أو للشك في الخاتمة أو في الإيمان المنجي الذي يترتب عليه دخول الجنة أو لتعليق الإيمان الكامل الذي يدخل فيه الأعمال جاز، وبالجملة ليس للشك في حصول الإيمان في الحال فيرتفع النزاع، ويتبين أنه لفظي كما ذهب إليه شراح الكشاف بأسرهم، وقد تقدم تفصيله. قوله: (كرامة وعلوّ منزلة الخ (يعني المراد بالدرجات العلوّ المعنوي، أو الحسي في الجنة وجمعها على الأوّل ظاهر باعتبار تعددها وتنوّعها، وفي الثاني هي متعددة حقيقة، وقوله لما فرط بالتخفيف أي سبق ولم يذكروا لتوسط المغفرة، والظاهر تقديمها هنا نكتة فلتنظر، ومعنى قوله رزق كريم أن رازقه كريم، فلذا دذ على الكثرة وعدم الانقطاع إذ من عادة الكريم أن يجزل العطاء، ولا يقطعه فكيف بأكرم الأكرمين وجعل الرزق نفسه كريما على الإسناد المجازي للمبالغة. قوله: (خبر مبتدأ محذوف الخ الما كان الكلام يقتضي تشبيه شيء بهذا الإخراج، وهو غير مصرّح به ومحتاج للبيان ذكروا في بيانه، واعرابه وجوهًا بلغت عشرين فمنها ما اختاره الزمخشري، وتبعه المصنف رحمه الله إنه خبر مبتدأ محذوف هو المشبه أي حالهم هذه في كراهة التنفيل كحال إخراجك من بيتك في كراهتهم له، كما سيأتي في تفصيل القصة فالمشبه حال والمشبه به حال أخرى ووجه الشبه كراهتهم الخ، وهذا هو قول الفرّاء فإنه قال الكاف شبهت هذه القصة التي هي إخراجه من بيته بالقصة المتقدمة التي هي سؤالهم عن الأنفال وكراهتهم لما وقع فيها مع أنها أولى بحالهم واخراجك مضاف للمفعول، وقوله في كراهتهم له أي الحال، وذكره باعتبار المضاف أو لكونه بمعنى الشأن والظاهر أنّ المراد بالكراهة الكراهة الطبيعية التي لا تدخل تحت القدرة، والاختيار فلا يرد أنها لا تليق بمنصب الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وقوله تعالى: ﴿مِن بَيْتِكَ﴾ أراد بيته بالمدينة أو المدينة نفسها لأنها مثواه واضافة الإخراج إلى الرب إشارة إلى أنه كان بوحي منه. قوله: (أو صفة مصدر الفعل المقدّر في قوله لله (قال ابن الشجري في الأمالي الوجه هو الأوّل، وهذا ضعيف لتباعد ما بينهما وأيضا جعله داخلًا في حيز قل ليس يحسن في الانتظام، وقال أبو حيان: إنه ليس فيه كبير معنى ولا يظهر للتشبيه فيه وجه وأيضًا لم يعهد مصدر لمتعلق الجاز، وتأكيده ولذا قدر بعضهم قبل هذا ما يدلّ عليه ذلك والاعتذار با! الفاصل كالاعتراض لا يخلو من الاعتراض!، وقيل تقديره وأصلحوا

ذات بينكم كما أخرجك وقد التفت من خطاب جماعة إلى خطاب واحد وتيل وأطيعوا الله ورسوله كما أخرجك إخراجا لا مرية فيه، وقيل يتوكلون توكلًا كما أخرجك، وقيل إنهم لكارهون كراهة ثابتة كإخراجك، وقيل الكاف بمعنى إذ وهو مع بعده لم يثبت وقيل الكات للقسم، ولم يثبت أيضا وان نقل عن أبي عبيد، وجعل يجادلونك الجواب مع خلوّه عن اللام والتأكيد، وقيل الكاف بمعنى على وما موصولة، ولا يخفى ما فيه وقيل الكاف مبتدأ خبره مقدر وهو ركيك جذًا، وقيل إنها في حل رفع خبر مبتدأ أي وعده حق كما أخرجك، وقيل تقديره قسمتك حق كإخراجك وقيل ذلكم خير لكم كإخراجك، وقيل تقديره إخراجك من مكة لحكم كإخراجك هذا، وقيل هو متعلق باضربوا وهو كما تقول لعبدك رتبتك افعل كذا، وقال أبو حيان: إنّ الكاف للتعليل كما في قوله لا تشتم الناس كما لا تشتم والتقدير أعزل الله بنصره وأمدك بجنوده، لأنه الذي أخرجك وهم كارهون وبعد اللتيا والتي في النفس شيء من أكثر هذه التخريجات. قوله: (في موقع الحال أي أخرجك الخ (أي حال كونهم كارهين للحرب لعدم الاستعداد له أو للميل للغنيمة، والحال مقدرة لأنّ الكراهة وقعت بعد الخروج بوادي دقران كما ستراه في القصة، أو يعتبر ذلك ممتدًا. قوله: (وذلك أنّ عير قريش الخ (هذه الجملة مبينة لما قبلها وإن دخلتها الواو وذلك إشارة إلى أن الإخراج في حال الكراهة، وقوله عمرو بن هشام قال: الفاضل المحشي هو أبو جهل، ولم يكن في العير بل في النفير والعير بكسر العين الإبل

التي تحمل المتاع والنجاء النجاء أي بادكأوا النجاء، وهو بالفتح والمد الإسراع، وقوله في كل صعب وذلول أي على كل مركوب صعب، لا ينقاد وذلول منقاد للركوب والمراد عدم التربص واختيار ما يركب، وقوله: (أموالكم) بدل من

252

عيركم أو خبره إن رفع وإن نصب فتقديره أدركوا، وقوله وقد رأت جملة حالية وهو من رؤيا المنام وملكًا بفتح اللام، وقوله:) حلق (بمعنى ارتفع وأصله من تحليق الطائر، وهو استدارته في الهواء وضمن حلق معنى رمى أي راميأ بها، وقوله: (يتنبؤوا (أي يدعوا النبوّة يعني به بني هاشم، وفي نسخة ترضى بالتأنيث، ورجالهم بالنصب على التنازع في نساؤهم وبدر اسم رجل حفر تلك البئر واستنبط ماءها فسمي به وقيل بجميع أهل مكة مبالغة وإلا فهم لم يخرجوا كلهم، ودقران بدال مهملة وقاف وراء مهملة واد قريب من الصحراء، وقوله نتأهب أي نستعدّ ونتدارك، وقوله:) إنا خرجنا (تعليل وبيان لسبب عدم تأهبهم واحدى الطائفتين إمّا العير، وامّا القوم فإنّ الطائفة لا تختص بالعقلاء، وقوله فاحسنا أي أحسنا الكلام في إتباع أمر رسول الله ﷺ، وقوله:) انظر أمرك) أي ما تريد وافعل فنحن لا نخالفك، وكان النبيّ ﷺ يخشى مخالفة الأنصار لأنهم شرطوا عليه في بيعة العقبة أن ينصروه على من أتاه وهو بالمدينة كما سيأتي، وقوله: (إلى عدن أبين (أي إلى أقصى اليمن وأبين بفتح الهمزة وعن سيبويه أنها مكسورة أسم رجل عدن بها أي أقام فسميت به، وقال الفاضل اليمني وهو أعرف ببلاده: أبين اسم قصبة بينها وبين عدن ثلاثة فراسخ أضيفت إليها الأدنى ملابسة، وقيل إنه يجوز أن يكون مثل سبأ فتأفل، وقوله: (كانوا عددهم) جمع عذة بضم العين، والمراد ما أعذ للمعاونة، وقوله برآء بالمذ ويجوز براء من ذمامه أي من ذمته وعهده بالنصرة حتى يصل أي العدوّ إلى ديارهم، وقيل حتى يصل النبيّ غشت ولا وجه له، وقوله فتخوف إنما تخوّف رسول اللهء! ز مع ما مز من قول سعد بن عبادة له، وهو سيد الأنصار لأنه سيد الخزرج فأراد أن يعلم اتفاقهم على رأيه وقوله: (دهمه (بالإهمال أي هجم عليه، وقيل ساءه وفي نسخة همه وهي تحريف، وقوله: (على ذلك) للتعليل أو المراد عهودنا على ذلك، وقوله لو استعرضت بنا هذا البحر أي لو عبرته عرضًا وهو أشق من طوله، وقيل معناه طلبت من البحر عرض ما عنده من الأمواج والأهوال وأنت فيه، والباء تحتمل التعدية والمصاحبة والأخير أنسب بقوله معك، وتوله: (تلقى بنا (الباء للتعدية أو

للمصاحبة، وقوله صبر وصدق بضمتين جمع صبور وصدوق، وقيل صبر بضم الصاد وتشديد الباء جمع صابر وصدق بضمتين مخففا جمع صدق كضرب من قولهم رجل صدق اللقاء وتقرّ بفتح التاء والقاف أي يسرّك ومصارع القوم أي المحالّ التي فيها جثث قتلاهم والوثاق ما يوثق ويربط به لأنه ًا سر في بدر، وقوله لا يصلح أي لا يصلح لك هذا الرأي، وهو قول القائل عليك بالعير. قوله: (فكره بغضهم قوله) قال المحشي أي قول رسول اللهءكرو والفاء للتفريغ أي إذا تبين أنّ القصة هكذا، فقد تبين أنّ بعض الصحابة كره قول النبي ك! هـ كلهم فقد تمت القصة بنقل كلام العباس رضي الله تعالى عنه والقصد بهذا تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾ [سورة الأنفال، الآية: 5] لكن في كلامه الباس لايهامه أنّ ضمير قوله للعباس رضي الله عنه. قوله: (يجادلونك في الحق الخ) هذه الجملة إمّا حالية أو مستأنفة، وقوله: (في إيئارك الجهاد (أي أختيار النبي كيئ الجهاد وتلقي النفير بسبب أنه مظهر للحق، ومعل للدين وليست الباء في موضع اللام حذرًا من تكرارها في قوله لإيثارهم كما قيل. قوله: (إنهم ينصرون الخ (فاعل تبين ضمير الحق من غير شبهة، وهذا تفسير للمراد منه لأنه ما آثر الجهاد إلا بعد علمه بالنصر لإعلام الله له به فلا يرد عليه أنه مخالف للظاهر. قوله: (أي يكرهون القتال كراهة من يساق إلى الموت) وقوله وهو يشاهد أسبابه إشارة إلى أنّ مفعول ينظرون هو أسباب الموت ومقدماته، وهو تقدير معنى ويجوز أن يكون تقدير إعراب ومضاف بأن يكون جملة كأنما الخ صفة مصدر لكارهون بتقدير مضاف أي كارهون كرأهة ككراهة من سيق للموت، وقد شاهد علاماته ومنهم من جعل الجملة حالية. قوله: (وكان ذلك لقل عددهم الخ) اعتذار عن مخالفتهم للنبيّ-لمجرو لأنهم كانوا ثلثمائة وتسعة عشر رجلًا فيهم فاوسان، وقيل فارس واحد والمشركون ألف ذو عدة وعذة، ورجالة بفتح وتشديد جمع راجل وهو

253

الماشي، والفارسان هما المقداد بن الأسود والزبير بن العوام رضي الله عنهما وفي مسند أحمد عن عليّ كرم الله وجهه ما كان منا فارس يوم بدر إلا

االمقداد ابن الأسود، وقوله (وفيه) أي في قوله كأنما يساقون إلى الموت لأن من هذه حاله يكود

كذلك. قوله:) على إضمار اذكر) على أنه مفعوله إن كانت متصزفة أو التقدير أذكر الحادث إذ الخ كما مز، واحدى أي لفظ إحدى مفعول بعد لأنه يتعدّى بنفسه وبالباء إلى الثاني، والنفير اسم جمع أي القوم النافرون للحرب وفي المثل لا في العير ولا في النفير، وأوّل من قاله أبو سفيان بن حرب لبني زهرة كما فصل في الأمثال. قوله:) والثوكة الحدة مستعارة من واحدة الشوك (المعروف استعيرت للشدة والحذة وللسلاح أيضأ، ويقال منه رجل شائك للسلاج وشاك كغاز كقوله:

لدي أسد شاكي السلاج مقذف

والكلام فيه مشهور. قوله: (أي يثبته ويعليه (يشير إلى أنه من حق بمعنى ثبت فأحقه

ثبته، وإعلاؤه إظهاره على غيره وهو تفسير للحق لأن الحق حق في نفسه لا يحتاج إلى إحقاق كما أنّ الباطل باطل في حذ ذاته لا يحتاج إلى إبطال فالمراد بإحقاق الحق، وابطال الباطل إظهار كونه حقًا وباطلًا لئلا يلزم تحصيل الحاصل، وما قيل الإعلاء من لوازم الإثبات لا معنى له. قوله: (الموحى بها ني هذه الحال الخ (أي المراد بالكلمات كلماته الموحى بها في هذه القصة أو أوامره للملائكة بالإمداد ونحوها، وقراءة بكلمته لجعلها كالشيء الواحد أو هي كلمة كن التي هي عبارة عن القضاء والتكوين كما مرّ. قوله: (ويستأصلهم (أي يهلكهم جملة من أصلهم لأنه لا يفني الآخر إلا بعد فناء الأوّل، ومنه سمي الهلاك دبارا. قوله: (والمعنى أنكم تريدون الخ) هذا محصل النظم من قوله، وتودّون إلى هنا فقوله تريدون أن تصيبوا ما لا هو معنى قوله تودّون أنّ غير ذات الشوكة تكون لكم، وقوله والله يريد الخ معنى قوله ويريد الله الخ. قوله: (وليس بتكر-لر الخ الما كان يتراءى منه أنه تكرار كقولك أريد أن أكرم زيدًا لإكرامه، وهو لغو وليس هذا بناء على تعلقه بيحق أو يريد كما يتوهم بل هو مما يقتضيه الكلام لأنّ فعل الشيء لأجل شيء آخر يقتضي إرادة ذلك الشيء الآخر منه فيؤول معناه إلى ما ذكر، أجيب بأنّ قوله ﴿يُرِيدُ اللهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ﴾ لبيان الفرق بين إرادته تعالى وارادة القوم بأنه يريد إثبات الحق وما هو من معالي الأمور، وهم الفائدة العاجلة، وما هو من سفسافها، وقوله ليحق

الحق لبيان أنه فعل ما فعل من نصرة المؤمنين وخذلان المشركين لهذا الفرض الصحيح والحكمة الباهرة وهو إثبات الحق وابطال الباطل فالحاصل أنّ الأوّل بيان إرادة الله مطلقا وهذه لإرادة خاصة، وفيه مبالغة وتأكيد للمعنى بذكره مطلقأ ومقيدا كانه قيل من شأن إرادة الله ذلك فلذا فعل ما فعلى هنا فلا يرد عليه ما قيل إنه لا يخفى أنّ بيان أنه تعالى أراد أن يحق الحق، ويبطل الباطل في قوّة أنه أراده بما فعله فبعد تسليم أنّ مثل هذا لا يعد تكرارًا لا محيص عن حصول الغنية بالأوّل عن الثاني أما على ما ذهب إليه الزمخشريّ من تقدير المتعلق مؤخرًا ليفيد التخصيص، فيكون مصب الفائدة هو الحصر في ذلك وبه يتم الفرق فكان على المصنف رحمه الله أن يذكره. قوله: (ولو كره المجرمون) أي المشركون لا من كره الذهاب إلى النفير لأنه جرم منهم كما قيل. قوله: (بدل من إذ يعدكم الخ) وان كان زمان الوعد غير زمان الاستغاثة لأنه بتأويل أنّ الوعد، والاستغاثة وقعا في زمان واسع كما تقول لقيته سنة كذا كما مرّ مثله في آل عمران، قيل وهو يحتمل بدل الكل إن جعلا متسعين وبدل البعض إن جعل الأوّل متسعا، والثاني معيارًا. قوله: (أو متعلق بفوله ليحق الحق (فإن قلت يحق مستقبل لنصبه بأن واذ للزمان الماضي فكيف تعمل فيه قيل إنه على ما ذهب إليه بعض النحاة كابن مالك من أنها تكون بمعنى إذا للمستقبل كما في قوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ، إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ [سررة غافر، الآية: 71، وقد يجعل من التعبير عنه بالماضي لتحققه فتأفل. قوله:) واستغاثتهم الخ) الاستغاثة طلب الغوث وهو التخليص من الشذة والنقمة والعون، وهو متعد بنفسه ولم يقع في القرآن إلا كذلك، وقد يتعدى بالحرف كقوله:

حتى استغاث بماء لارشاء له من الأباطح في حافاته البرك

254

وكذا استعمله سيبويه رحمه الله فلا عبرة بتخطئة ابن مالك رحمه الله للنحاة في قولهم المستغاث له أو به أو من أجله، ولا محيص بمعنى لإخلاص، وأي حرف نداء وآلعصابة كالعصبة الجماعة من الناس، وسقوط ردائه عخي! من توجهه في الدعاء وانجذابه له والمناشدة الطلب، قيل وكلام أبي بكر رضي الله عنه يقتضي أن المستغيث النبيّ ﷺ فالجمع للتعظيم،

وقوله: (وعن عمر رضي الله عنه الخ () 1 (أخرجه مسلم والترمذي. قوله: (بأتي ممدّكم الخ (يعني أنه حذف الجارّ لأنه مقيس مع أنّ وان وقراءة الكسر بتقدير القول أو لأنه يدل على معنى القول فيجري مجراه في الحكاية على المذهبين في مثله، وقوله: (من القول) أي من جنس القول. قوله: (متبعين المؤمنين الخ) الإرداف الاتباع والإركاب وراءك، وقال الزجاج أردفت الرجل إذا جئت بعده، ويقال ردف وأردف بمعنى وهو أن يركبه أو يجيء خلفه، وقيل بينهما فرق فردفت الرجل ركبت خلفه وأردفته أركبته خلفي، وقال شمر: ردفت وأردفت إذ فعلت ذلك بنفسك فإذا فعلته بغيرك فأردفت لا غير هذا محصل كلام اللغويين فيه ومحصل كلام الزمخشريّ هنا على تطويل فيه وتشويش أن اتغ مشددًا يتعدى إلى واحد وأتبع مخففا يتعدى إلى اثنين بمعنى الإلحاق وان نقل في التاج أنه يكون بمعنى اللحاق متعديا لواحد أيضا وأردف أتى بمعناهما، ومفعول اتبع محذوف ومفعولًا اتبع محذوفان فيقدر ما يصح به المعنى ويقتضيه فقول المصنف رحمه الله أوّلًا: (متبعين المؤمنين (بالتشديد، وقوله ثانيًا:) ومتبعين بعضهم بعضا) بالتخفيف وذكر فيه على تعديه لواحد احتمالين في موصوفه ومفعوله فإفا أن يكون موصوفه جملة الملائكة، ومفعوله المقدر المؤمنين، والمعنى اتبع الملائكة المؤمنين أي جاؤوا خلفهم، أو موصوفه بعض الملائكة، ومفعوله المقدر المؤمنين، والمعنى اتبع الملائكة المؤمنين أي جاؤوا خلفهم، أو موصوفه بعض الملائكة ومفعوله بعض آخر، والمعنى تبع بعض الملائكة بعضا منهم كرسلهم، وأشار إلى أنّ المعنيين على التعدية الواحد بمعنى اتبع المشدّد بقوله من أردفته إذا جئت بعده، ثم ذكر له على تعديه لمفعولين وكونه بمعنى متبعين المخفف ثلاثة معان على أنه صفة للملائكة كلهم ومفعولاه بعضهم بعضا أي هذين اللفظين بأن يكونوا جعلوا بعضهم يتبع بعضًا وياتي بعده أو مفعوله الأوّل بعضهم، والثاني المؤمنين أي اتبعوا بعضهم المؤمنين فجعلوا بعضا منهم خلفهم، أو مفعولاه أنفسهم والمؤمنين أي اتبعوا أنفسهم وجملتهم المؤمنين فجعلوا أنفسهم خلفهم فالاحتمالات خمسة والتقادير كما عرفت، هذا تحقيق مراد المصنف رحمه الله بما لا يحتاج إلى غيره. قوله:) مردفين بفتح الدال اي متبعين أو متبعين) الأوّل بالتشديد متعد لواحد والثاني بالتخفيف متعد لاثنين وهما بصيغة المفعول فهو على الأوّل مقدمة الجيش لأنها متبعة، والمتبع لهم المؤمنون وعلى الثاني ساقته لأنهم متبعون أي جاعلون أنفسهم تابعة لهم. قوله: (وقرئ مردفين بكسر الراء وضمها الخ)

أصله على هذه القراءة مرتدفين فأبدلت التاء دالًا لقرب مخرجهما وأدغمت في مثلها ويجوز في رائه حينئذ الحركات الثلاث الفتح وهي القراءة التي حكاها الخليل رحمه الله عن بعض المكيين، وفتحها بنقل حركة التاء أو للتخفيف والكسر على أصل التقاء الساكنين، أو لاتباع الدال، والضم لاتباع الميم والكل شاذ وظاهر ما نقل عن الخليل أن القراءة بالفتح، والآخرين يجوز أن بحسب العربية كما يجوز كسر الميم أيضًا، فلو ذكر المصنف رحمه الله تعالى الفتح كان أولى ولم يذكر في معناه كونه من الارتداف بمعنى ركوب أحدهم خلف آخر كما في بعض التفاسير لأنّ أبا عبيد أنكره وأييده بعضهم. قوله: (وقرئ بآلاف ليوافق الخ الأنه وقع في سورة أخرى بثلاثة آلاف وبخمسة آلاف، وهنا بألف فقراءة الجمع بآلاف كأصحاب جمع ألف كفلس توافق ما وقع في محل آخر وعلى قراءة الإفراد فالتوفيق ما ذكره المصنف رحمه الله والاختلاف في أنهم قاتلوا معهم، أو لم يقاتلوا، وإنما كثروا سوادهم تقوية وتوهينا لأعدائهم مفصل في الكشاف. قوله: (أي الإمداد) يعني مرجع الضمير المصدر المنسبك على قراءة الفتح، والمصدر المفهوم منه على الكسر ولم يجعله له باعتبار أنه قول لتكلفه، وقوله: (1 لا بشارة) إشارة إلى أنه مصدر منصوب على أنه مفعول له، وجعل متعد لواحد وليطمئن معطوف عليه، وأظهرت اللام لفقد شرط النصب، وظاهر كونه بشرى أنّ النبيّء ﷺ

255

أخبرهم به، والمراد بالذلة الانكسار من الفزع والا فالعزة دلّه ولرسوله والمؤمنين. قوله:) وإمداد الملائكة وكثرة العدد) بضم العين جمع عدة وهي ما يعد للحرب، وغيره كالسلاح والأهب جمع أهبة بمعناه فهو عطف تفسير وتأكيد أو بفتحتين وهو ظاهر، وفي الكشاف يريد ولا تحسبوا النصر من الملائكة عليهم الصلاة والسلام فإنّ الناصر هو الله لكم للملائكة أو وما النصر بالملائكة وغيرهم من الأسباب إلا من عند الله، والمنصور من نصره الله، والفرق بينهما أنه على الأوّل لا دخل للملائكة في النصر، والثاني أنّ لهم دخلا إلا أنهم ليسوا بسبب مستقل، ولتقارب الوجهين أدرجهما المصنف رحمه الله تعالى في كلامه وأما ما قيل إنه ترك لقلة مساسه بالمقام، فلا مساس له بالمقام. قوله: (بدل ثان من إذ يعدكم الخ) وهذا بناء على جواز تعدد البدل، والنعمة الثالثة أنّ الخوف كان يمنعهم النوم فلما طمن الله قلوبهم نعسوا، ولذا قال ابن عباس رضي الله عنهما النعاس في القتال أمنة من الله، وفي الصلاة وسوسة من لشيطان وضعف تعلقه

بالنصر، بأن فيه إعمال المصدر المعرف بأل وفيه خلاف للكوفيين، والفصل بين المصدر ومعموله، وعمل ما قبل إلا فيما بعدها، وتعلقه بما في الظرف من معنى الفعل لتقدير ثابت، ونحوه قيل عليه إنه يلزم تقييد استقرار النصر من الله بهذا الوقت ولا تقيد له به، وردّ بأنّ المراد به نصر خاص فلا محذور في تقييده فتأمّل، وفي تعلقه بجعل فصل بينهما، وفيه وجوه أخر ووجه القراآت ظاهر. قوله: (أمنا من الله) يعني الأمنة هنا مصدر بمعنى الأمن كالمنعة، وان كان قد يكون وصفة بمعنى أمين كما ذكره الراغب وفي نصبه وجوه، منها ما ذكره المصنف رحمه الله، وهو أنه مفعول له ولما كان من شرطه أن يتحد فاعله وفاعل الفعل العامل فيه، وفاعله هم الصحابة رضي الله تعالى عنهم الآمنون، وفاعل يغشى على هذه القراءة الله، وعلى الأخرى النعاس، أجاب) بأن يغشيكم النعاس) يلزمه معنى تنعسون، فجعل كناية عنه، وهذا مفعول له باعتبار المعنى الكناتي، فقوله متضمن بمعنى مستتبع ومستلزم له حخى كأنه في ضمنه ويغشاكم النعاس مؤوّل بتنعسون لأنه بمعناه، وقوله: (والأمنة) فعل لفاعله أي لفاعل تنعسون الذي دل عليه الكلام. قوله:) ويجوز أن يراد بها الإيمان) أي يراد الإيمان بمعناه اللغوي، وهو جعل الغير آمنا بمعنى الأمان فيكون مصدر آمنه، وهو بعيد في اللغة كما قاله النحرير، بناء على أنه مصدر المزيد بحذف الزوائد ولك أن تقول ليس مراده هذا بل منه لما كان صفة آمنة ومآل معنى الأمنة الكائنة من الله التأمين فباعتباره جعل مفعولًا له، واتحدا فاعلا، والحاصل أنه إمّا أن يؤوّل الفعل أو المصدر فتدبر، ومع هذا فعلى قراءة يغشيكم ظاهر لأنّ فاعل التغشية، والأمان هو الله وأما على الأخرى وهي يغشاكم فلا يتأتى هذا بل يؤوّل بما مرّ، ويجوز في هذه القراءة وجه آخر وهو أن يجعل إلا من صفة النعاس لا صفة أصحابه وهو أنّ النوم كأنه كان يخاف أن يأتيهم لئلا يمسه ما مسهم، أو أنه التمس منهم الأمنة فلما أمن أتاهيم كما في البيت المذكور، وهو معنى لطيف، وان قيل: إنه تخيل يليق بالشعر لا بالقرآن، ثم إن وجهه كما قيل إنه استعارة بالكناية شبه النعاس بشخص من شأنه أن يأتيهم في وقت الأمن دون الخوف وقرينته إثبات الأمن له، وقيل: إنه جعل الأمنة فعل النعاس على الإسناد المجازي لكونه من ملابسات أصحاب الأمن أو على تشبيه حاله مجال إنسان شأنه الأمن والخوف، وان حصل له من الله تعالى الأمنة من الكفار في مثل ذلك الوقت المخوف فلذلك غشيكم وأنامكم، فيكون الكلام

تمثيلا وتخييلًا للمقصود بإبراز المعقول في صورة المحسوس، فإن قلت: كيف يكون إسنادا مجازيا كما في الكشاف، وشروحه واسناد يغشاكم إلى النعاس لا شبهة في كونه حقيقة على كل حال والأمن لم يذكر له فاعل حتى يكون الإسناد فيه مجازيا والمصدر لا يضمر فيه فهل مراده بالإسناد النسبة التي بين الفعل والمفعول له، قلت المراد الإسناد المقدر في الأمن لأنه لما جعل صفة للنعاس فكأنه قيل أمن النعاس فغشيهم، ومنه تعلم أنّ الإسناد المجازي قد يكون مذكورأ، وقد يكون مقدرا وهو شبيه بالاستعارة المكنية، فتنبه له، ثم إن الوجه الأوّل هو الذي ذكروه في قوله تعالى: ﴿يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [سورة الرعد، الآية: 12] لأنه تعالى إذا أراهم البرق رأوه

256

فكانوا فاعلين معنى وسيأتي تحقيقه إلا أنه قيل إن فاعل تغشية النعاس، هو الله تعالى، وهو فاعل الأمنة أيضا لأنه خالقها، وحينئذ يتحد فاعل الفعل والعلة ويندفع السؤال على قواعد أهل السنة، ولا يخفى أنّ المعتبر الفاعل اللغوي، وهو المتصل بالفعل، وهو تعالى غير متصف بالأمن ولا يقال له آمن والعبد هو الفاعل لغة وإن كان تعالى هو الفاعل حقيقة، وحينئذ يفتقر السؤال إلى دفعه بما مرّ، فإن قلت لم اقتصر على أنه مفعول! هـ هنا وجعله في آل عمران تارة حالًا وأخرى مفعولًا به ومفعولًا له، قلت قالوا إنّ ذلك المقام اقتضى الاهتمام بشأن الأمن، ولذلك قدمه وبسط الكلام في الأمن وازالة الخوف، ألا ترى إلى سياق الآية وهو قوله: ﴿فَأَثَابَكُمْ غُمًَّا بِغَمٍّ لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ﴾ [سررة آل عمران، الآية: 153]، وسباقها وهو قوله يغشى طائفة الخ حيث جعله صفة لنعاسا وختم الكلام بقوله لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم كيف جعل الكلام كله في الأمن والخوف بخلافه هنا لأنه مقام تعداد النعم فجيء بالقصة مختصرة بالرمز. قوله: (يهاب النوم أن ينشى عيونا تهابك فهو نفار شرود) هذا من قصيدة للزمخشركا في ديوانه وتهاب بمعنى تخاف، ونفار صيغة مبالغة كنفور من النفور والشرود وهما بمعنى، وقراءة أمنة بالسكون لغة فيه. قوله: (من الحديث والجنابة الخ) على هذا يصير تفسير الرجز بالجنابة مكرّرأ فالتفسير هو الثاني كما قيل وقد أشار المصنف رحمه الله إلى دفع التكرار بأنّ الجملة الثانية تعليل للأولى والمعنى طهركم منها لأنها من رجز الشيطان، وتخييله والكثيب ما اجتمع من الرمل، والا عفر بعين مهملة وفاء وراء مهملة رمل أبيض يخالطه حمرة، وتسوخ

فيه أي تغوص وتنزل فيه الإقدام للينه وهذا الحديث أخرجه) 1 (أبو نعيم في الدلائل، وابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وليس فيه فاحتلم أكثرهم، وقوله: (على عدوته) بضم العين أي جانبه والركاب الإبل اسم جمع لا واحد له من لفظه أو واحده ركوبة، وقوله: (تلبد) أي التصق بعضه ببعض، وذهب تخلخه فسهل المشي عليه، وقوله وزالت الوسوسة أي بسبب زوال ما وسوس به، وأشفقوا بمعنى حزنوا. قوله: (بالوثوق على لطف الله تعالى لخ (يقال رابط القلب ورابط الجأس للصبور الجريء وكل من صبر على أمر فقد ربط قلبه عليه والأصل ليربط قلوبكم، ثم على قلوبكم فعند الاستعلاء كأنّ قلوبهم امتلأت منه حتى علا عليها فأفاد التمكن فيه، وقوله حتى تثبت في المعركة أي حتى تثبت القلوب في المعركة ولا تجبن فيفرّوا أو حتى تثبت الإقدام لأنّ ثباتها تابع لقوّة القلوب، لا بالمطر لتقدم زمان المطر على زمان الوحي لأنه وقت القتال وذلك قبله لأنّ التثبت بالمطر باق إلى زمانه أو يعتبر زمان الأول متسعا قد وقعا فيه كما مرّ، وقوله في إعانتهم وتثبيتهم أي إعانة المؤمنين وتثبيتهم، ذكره لأنّ توله أني معكم لإزالة الخوف كما في توله: ﴿لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا﴾ [سورة التربة، الآية: 40] ولما ورد عليه أن الملائكة، لا يخافون من الكفرة فما وجه خطابهم به دفعه بأن المراد أني معكم أي معينكم على تثبيت المؤمنين والكسر على تقدير القول أي قائلا إني معكم، أو لكونه متضمنًا لمعنى القول حكيت به الجمل على المذهبين في أمثاله، واجراء بالجرّ عطفا على إرادة وجوّز نصبه عطفًا على محله ولا حاجة إليه. قوله: (بالبشارة أو بتكثير سوادهم الخ (البشارة إنا بأن يخبروا الرسول جمح أو بأن يلهموا قلوب المؤمنين ذلك، أو بأن يظهروا لهم في صورة بشرية يعرفونها، ويعدونهم النصر والتمكن كما روي أنّ تكثير السواد كان كذلك. قوله: (فيكون قوله سألقي الخ (أي على الاحتمال الأخير وهو المحاربة يعني الخطاب مع الملائكة عليهم الصلاة والسلام، والجملتان مفسرتان الخبرية للخبرية والطلبية للطلبية فسألقي الخ تفسير لأني معكم في إعانتهم بإلقاء الرعب واضربوا، تفسير لثبتوا ويكون تثبيتهم قولهم لهم أبشروا بالنصر ونحوه، هالقاء الرعب بقو! هم للمشركين إنهم إن حملوا عليكم انهزمتم ونحوه، ووجه الاستدلال به على تسليم التفسير ظاهر

ولأنّ خطاب ثبتوا للملائكة فالظاهر أن اضربوا كذلك، وهو أحد قولين للمفسرين كما مرّ. قوله: (ومن مفع ذلك جعل الخطاب الخ (أي من منع قتال الملائكة، جعل الخطاب ًاي المخاطبة فيه أي في فاضربوا، أو الكلام المخاطب به في هذا النظم مع المؤمنين إما على التلوين وتغيير الخطاب من خطاب الملائكة إلى خطاب المؤمنين، أو يكون كلاما تلقينيا

257

للملائكة بتقدير القول لكنه حكى فيه ما قاله الله بلفظه والا فكان الظاهر سيلقي الله الرعب فاضربوا الخ واليه أشار المصنف رحمه الله بقوله تولي هذا. قوله: (أعاليها التي هي المذابح) يعني فوق الإعناق إما على ظاهره، والمراد الرؤوس لأنها فوق الأعناق فالمراد اضربوا رؤوسهم كقوله:

وأضرب هامة البطل المشيح

أو المراد أعالي الإعناق التي هي نحرها ومقطعها الذي تطير بضربه الرؤوس وفوق باقية

على ظرفيتها لأنها لا تتصرّف، وقيل إنه إذا كان عبارة عن الرأس فهو مفعول به قيل وتفسيره بالأعالي ناظر إليه، وقيل فوق هنا بمعنى على، والمفعول محذوف أي اضربوهم على الأعناق وقيل زائدة. قوله: (أصابع أي حزوا رقابهم الخ (اختلف أهل اللغة في البنان فقيل هو الأصابع واحده بنانة، وقيل إطلاته عليها مجاز من تسمية الكل بالجزء، وقيل هي المفاصل، وقيل هي مخصوصة باليد وقيل نعم اليد والرجل، ويقال بنام بالميم وأشار المصنف رحمه الله بقوله اقطعوا أطرافهم إلى أن المراد بالبنان مجازأ مطلق الأطراف لوقوعه في مقابلة الأعناق، والمقاتل إذ المراد اضربوهم كيفما اتفق من المقاتل وغيرها وإنما خصت لأن بها المدافعة. قوله: (إشارة إلى الضرب الخ (أو الإشارة إلى جميع ما مرّ والخطاب لأفراده أو لكل من ذكر قبل من الملائكة والمؤمنين على البدل أو لأنّ الكاف تفرد مع تعذد من خوطب بها، وليست كالضمير كما صرّحوا به. قوله: (بسبب مشاقتهم لهما (أي عداوتهم وإنما سميت العداوة مشاقة من شق العصا، وهي المخالفة أو لأنّ كلًا من المتعادين يكون في شق غير شق الآخر كما أن العداوة سميت عداوة لأنّ كلا منهما في عدوة بالضم أي جانب، وكما أن المخاصمة من الخصم بالضم وهو الجانب كما بينه أهل الاشتقاق، وقوله:) هو الجانب (تفسير للخصم أوله ولما

قبله. قوله: (تقرير للتعليل الخ (أراد بالتعليل السببية في قوله بأنهم شاقوا الله الخ وهذا بيان له بطريق البرهان أي ما أصابهم بسبب المشاقة لله ورسوله، ومن يشاقق الله ووسوله فهو مستحق للعقاب، ولذا قال تقرير ولم يقل تأكيد، ويحتمل أن يريد التأكيد هذا إن أريد بالعقاب ما وقع في الدنيا فإن كان الأخروي فهو وعيد وبيان لخسرانهم في الدارين، ويحتمل أن يريد أنّ هذا تقرير لما قبله لأجل ما فيه من بيان العلة والمعنى استحقوا ما ذكر بسبب تلك المشاقة لأنهم شاقوا من هو شديد العقاب سريع الانتقام، وقوله: ﴿حَاقَ بِهِم﴾ [سورة هود، الآية: 8] أي أصابهم وأحاط بهم. قوله: (الخطاب فيه مع الكفرة على طريقة الالتفات الخ (والالتفات من الغيبة في شاقوا إلى الخطاب، قال النحرير: إشارة إلى أن الخطاب المعتبر في الالتفات أعثم من أن يكون بالاسم كما هو المشهور نحو: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ أو بالحرف كما في ذلك بثرط أن يكون خطابا لمن وقع الغائب عبارة عنه، وفيه بحث، وأشار في الرفع إلى وجهين أن يكون مبتدأ أو خبرًا. قوله:) أو نصب بفعل دل عليه فذوقوه (أي من باب الاشتغال، وقيل عليه إنه لا يجوز لأن الاشتغال إنما يصح لو جؤزنا صحة الابتداء في ذلكم، وما بعده الفاء لا يكون خبرًا إلا إذا كان المبتدأ موصولًا أو نكرة موصوفة، ورذ بأنه ليس متفقًا عليه فإن الأخفش جوّزه مطلقًا، وقوله: (أو غيره (بالجرّ عطف على فعل، وقوله: التكون الفاء عاطفة) إشارة إلى أنها زائدة على الأوّل أو جزائية، كما في زيدًا فأضربه على كلام فيه، وقوله أو عليكم أي اسم فعل بمعنى ألزموا، قال النحرير: ومرجعه إلى ذوقوا العذاب إلا أنه عدل في المقدر عن المجاز، وقال أبو حيان: إنه لا يجوز هذا التقدير لأن عليكم من أسماء الأفعال وأسماء الأفعال لا يجوز حذفها، وعملها محذوفة وليس ما قاله بمسلم فإن من النحاة من أجازه، وأما كونه عدل عن تقدير المجاز فمع كونه لا وجه له، وان تبع فيه الفاضل اليمني لا يصلح جوابا عن اعتراض أبى حيان: كما توهم لأنه ينبغي أن يقدر الزموا. قوله:) عطف على ذلكم (ظاهره وان كان مطلقا إلا أن يريد إذا كان مرفوعا كما قيده به الزمخشريمما، وتركه لظهوره، وفي بعض الحواشي أنه جعله خبر مبتدأ محذوف أو عكسه، ولذا لما ذكر نصبه جعله مفعولًا معه لأنه لا يخفى ما في تقدير باشروا أو عليكم أو ذوقوا أنّ للكافرين عذاب النار مما يأباه للذوق، ولذا قال العلامة:

258

إنه لا معنى له، وأما المعية فلا يرد عليها شيء لأن تقديره ذوقوا ذلك مع أن لكم زيادة عليه عذاب النار، ولا ركاكة فيه كما توهم، وعلى أنه فاعل فعل مقدر أي وقع إ " لا دلالة في

كلامه عليه لكن في جواز نصب المصدر المؤوّل على أنه مفعول معه نظر، والظاهر هو للكافرين وضع موضع لكم، وقوله للدلالة الخ لأنه يقتضي علية مأخذ الاشتقاق كما مرّ تحقيقه، وقوله: أو الجمع إشارة إلى كونه مفعولًا معه وله إعراب آخر وهو نصبه باعلموا أو جعله خبر مبتدأ محذوف، وعلى قراءة الكسرة فالجملة تذييل واللام للجنس والواو للاستئنات. قوله: (كثيرا بحيث يرى لكثرتهم الخ (يعني أن الزحف مصدر زحف على عجزه، ثم

أطلق على الكثير لأنه يشبه بالزاحف لما ذكر، وقال الراغب: الزحف إنبعاث مع جز الرجل كإنبعاث الصبي قبل أن يمشي، والبعير المعي والعسكر إذا كثر تعسر إنبعاثه، وجمع على زحوف لأنه خرج عن المصدرية وهو حال إما من الفاعل أو المفعول أو منهما، وقيل إنه مصدر لفعل وقع حالًا. قوله: (بالانهزام فضلأ الخ (هذا بناء على المتبادر من أن زحفا حال من المفعول وأنه بمعنى كثير، وكثرتهم بالنسبة إليهم فإذا نهوا عن الإنهزام ممن هو أكثر منهم ففي غيره بطريق الأولى، وقيد بالإنهزام وإن شمل غيره لأنه المتبادر منه عند الإطلاق، ولقوله: (فقد باء بغضب) الخ. قوله: (والأظهر أنها محكمة (أي ليست منسوخة بآية التخفيف كما سيأتي، وقيل إنها منسوخة بها، وهذا بناء على أن التخصيص بمنفصل ليس بنسخ عند الشافعية فلا يرد عليه، أن المحكم ما ليس بمنسوخ ولا مخصص، وقوله ويجوز الخ فيكونون موصوفين بالكثرة فلا يحتاج إلى تخصيص، ولما ورد عليهم أنهم لم يكونوا ببدر كذلك قال: إنه عبارة عما وقع لهم يوم حنين، والرمي المذكور إنما كان فيه على ما عليه المحدثون وسيأتي ما فيه وعدل عن لفظ الظهور إلى الإدبار تقبيحا للإنهزام وتنفيرًا عنه. قوله: (يريد الكرّ بعد الفرّ الخ (الكرّ من كز على العدوّ إذا حمل عليه والفرّ الرجوع، قال: امرؤ القيس:

مكز مفزمقبل مدبر معًا

قوله:) فإثه من مكايد الحرب (لأنه يغرّه بصورة انهزامه، وقوله: منحاز أيءنصمأ وملحقا بهم وكونه على القرب يفهم منه بناء على المتعارف، وقيل إنه لا يختص به بناء على

مفهومه اللغوي. قوله: (روي الخ () 1 (السرية عسكر دون الجيش، وهذا الحديث رواه أبو داود الترمذفي وحسنه لكن بمعناه مع مخالفة في بعض ألفاظه، والعكار الذي يفز إلى من هو أمامه ليستعين به، ولا يقصد الفرار، وفي النهاية العكارون الكزارون إلى الحرب والعطافون نحوها يقال للرجل الذي يفرّ عن الحرب ثم يكرّ راجعا إليها عكر واعتكر، ويحتمل أن تسميتهم عكارين تسلية لهم وتطييبا لقلوبهم. قوله: ادإلا لغو لا عمل له (لا عمل تفسير للغو وأنه المراد به لا الزائد ولم يعمل لأنه استثناء مفرغ من أعمّ الأحوال، ولولا التفريغ لكانت عاملة أو واسطة في العمل على ما ذكر في النحو، والاستثناء المفرغ شرطه أن يكون في النفي أو صحة عموم المستثنى منه نحو قرأت إلا يوم كذا الصحة أن تقرأ في جميع الأيام، ومن هذا القبيل ما نحن فيه، ويصح أن يكون من الأوّل لأن يولي يمعنى لا يقبل على القتال، وعلى الاستثناء من المولين المعنى المولون إلا المنحرفين والمتحيزين لهم ما ذكر من الغضب، وقوله رجلًا بيان للمعنى لا تقدير إذ لا حاجة له لكن الأصل في الصفة ًان تجرى على موصوف. قوله:) ووزن متحيز متفيعل الخ (قال النحرير: جعل في المفصل تدبرآ من باب التفعل فاعترض عليه بأن حقه تدور لأنه واوقي فهو تفعيل، وقد ذكره له بعض تلامذته فأذعن له، وذكر الإمام المرزوقي أن تديرا تفعل نظرًا إلى شيوع ديار بالياء وعلى هذا يجوز أن يكون تحيز تفعل نظرًا إلى شيوع الحيز بالياء فلهذا لم يجىء تدوّر ولا تحؤز) قلت (ما ذكره الإمام المرزوقي أيده بعض النحاة وذكر ابن جني في إعراب الحماسة إنه هو الحق وأنهم قد يعدون المنقلب كالأصلي، ويجرون عليه أحكامه كثيرًا، وفي قوله إنهم لم يقولوا تحؤز نظر فإن أهل اللغة قالوا تحوّز وتحيز كما نقله في القاموس، وقال: ابن تيمية تحؤز تفعل وتحيز تفيعل، وهذه الماذة معناها في كلام العرب يتضمن العدول من جهة إلى أخرى من الحيز وهو فناء الدار ومرافقها، ثم قيل لكل ناحية فالمستقز في موضعه كالجبل لا يقال له متحيز، ويراد بالمتحيز عند العرب ما يحيط به حيز موجود، وهو أعثم من هذا والمتكلمون يريدون به الأعثم، وهو كل ما أشير

259

إليه فالعالم كله متحيز. قوله: (هذا إذا لم يزد العدد على الضعف الخ (كما مرّ أنها مخصوصة

بما في غيرها من الآيات، وأما تخصيصها بأهل بدر وبجيش فيه النبيّءكتن فلأن الواقعة المذكورة في النظم تخصص بالمعونة، وهذا منقول عن أبي سعيد الخدرفي رضي الله عنه أما أهل بدر فإنه أوّل جهاد وقع في الإصلام، ولذا تهيبوه ولو لم يثبتوا فيه لزم مفاسد عظيمة ولا ينافيه أنه! يكن لهم فئة ينحازون إليها لأن النظم لا يوجب وجودها، وأما إذا كان النبيّ عتي! معهم فإن الله قد وعده بالنصر، كذا قيل وقال الجصاص: إنه غير سديد لأنه كان بالمدينة خلق كثير من الأنصار لم يخرجوا لأنهم لم يعلموا بالنفير وظنوها العير فقط، والإنحياز عن النبيئ-لمجيه غير جائز لعصمته ولأن الله نصره فكان فئة لهم وقيل عليه إق الإشارة بيومئذ إلى يوم بدر ولا تكاد تصح لأنه في سياق الشرط، وهو مستقبل فالآية إن كانت نزلت يوم بدر قبل انقضاء القتال فيوم بدر فرد من أفراد أيام اللقاء فيكون عاتا فيه لا خاصًا به، وإن نزلت بعده فلا يدخل يوم بدر فيه بل يكون ذلك استئناف حكم بعده، ويومئذ إشارة إلى يوم اللقاء، ويدفع بأن المراد أنها نزلت يوم بدر، وقد قامت قرينة على تخصيصها كمامرّ ولا بعد فيه، وباء بمعنى رجع وضمير معه للنبي لمجي!، وقوله:) ينصركم (إشارة إلى أن إسناد القتل إلى الله مجاز، والفرار عن الزحف بغير نية الكز، والإنحياز إلى فئة المسلمين كبيرة ما لم يكن الجيش قليلًا لا يقدر على المقاومة، ولذا قال محمد بن الحسن رحمه الله إذا كانوا اثني عشر ألفا لم يجز لأنهم لا يغلبون عن قلة كما في الحديث. قوله: (روي أئه لما طلعت قريش الخ () 1 (قال السيوطي: هذ الحديث أخرجه ابن جرير بن عروة ومرسلا، وليس فيه أمر جبريل عليه الصلاة والسلام بذلك، وروى ابن جرير وابن مردوية أمر جبريل له بذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ولم يقف عليه الطيبي فقال: لم يذكر أحد من أئمة الحديث أن هذه الرمية كانت يوم بدر إنما هي يوم حنين واغتر به من قال: المحدثون على أن الرمية لم تكن إلا يوم حنين وليس كما قالا والطيبي رحمه الله لم يبلغ درجة الحفاظ، ومنتهى نظره الكتب الستة وكثيرًا ما يقصر في التخريج اهـ وقد سبقه الحافظ بن حجر إلى هذا وخرج الرمي في بدر من طرق عديدة وذكر ما في حنين في هذه القصة من غير قرينة بعيد جدا والعقنقل بعين مهملة مفتوحة وقاف مفتوح ونون ساكنة وقاف ولام، ووزنه فعنعل الكثيب العظيم من الرمل والمراد به محل مخصوص، وشاهت الوجوه بمعنى صارت مشوهة أي قبيحة، والخيلاء بوزن العلماء بمعنى الكبر، وتناول كفآ

كان المناول له عليا رضي الله عنه، وشغل بالبناء للمجهول بمعنى اشتغل، وردفهم بمعنى تبعهم كما مرّ، وضمير انصرفوا وأقبلوا للمسلمين. قوله:) والفاء جواب شرط محذوف الخ (قال أبو حيان رحمه الله: ليست هذه الفاء جواب شرط محذوف وإنما هي للربط بين الجمل لأنه قال: ﴿فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [سورة الأنفال، الآية: 12] وان كان امتثال ما أمروا به سببا للقتل فقيل: فلم تقتلوهم أي لستم مستبذين بالقتل لأن الأقدار عليه، والخلق له إنما هو لله تعالى، قال السفاقسيّ، وهذا أوى من دعوى الحذف، وقال ابن هشام يردّه انّ الجواب المنفي لا تدخل عليه الفاء وهو غير وارد على الزمخشرفي لأن الجملة عنده اسمية وتقديره فأنتم لم تقتلوهم كما صزح به ومن غفل عن هذا قال: إنه علة الجزاء أقيمت مقامه والأصل إن افتخرتم بقتلهم فلا تفتخروا به فأنكم لم تقتلوهم، ونظائره كثيرة ولم يقدر المبتدأ كما في الكشاف، لأن الكلام على نفي الفاعل دون الفعل لعدم الحاجة إليه والغنية عنه بقوله: ﴿وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى﴾ مع أن الأصل في الجزاء الفعلية دون الاسمية وكذا قول النحرير: يشبه أن يكون هذا المبتدأ مقدرًا لأنه على نفي الفعل دون الفعل، والدليل عليه قوله ولكن الله رمى الخ ورذه معلوم مما أسلفناه. قوله: (وما رميت يا محمد رميًا توصله الخ) كذا في بعض النسخ، وفي أخرى توصلها أي الحصباء أو الكف من التراب والعائد محذوف أي به أو أنث الرمي لتأويله بالرمية، وقد استدل بهذه الآية والتي قبلها على أنّ أفعال العباد بخلقه تعالى حيث نفى القتل والرمي والمعنى، إذ رميت أو باشرت صرف الآلات، والحاصل ما رميت خلقًا إذ رميت كبا، وأجيب بأن الإسناد إليه تعالى لأنه

260

بتأييده ونصره، وبأن معناه الإماتة وهي فعله تعالى وإنما فعل العبد الجرج وبأنّ إسناد الرمي إليه تعالى لأن إيصال تراب قليل إلى عيون كثيرة لم يكن إلا فعله تعالى، وبأن المراد الرمي المقرون بالقاء الرعب، وهو منه تعالى، وكلها خلاف الظاهر كذا قيل، وأورد عليه أن المدعي وان كان حقا لكن لا دلالة في الآية عليه لأن التعارض بين النفي والإثبات الذي يتراءى في بادىء النظر مدفوع بأن المراد ما رميت رميا تقدر به على إيصاله إلى جميع العيون، وإن رميت حقيقة وصورة وهذا مراد من قال: ما رميت حقيقة إذ رميت صورة فالمنفيّ هو الرمي الكامل، والمثبت أصليما وقدر منه فالإثبات والنفي لم يردا على شيء واحد حتى يقال: المنفي على وجه الخلق، والمثبت على وجه المباشرة ولو كان المقصود هذا لما ثبت المطلوب بها الذي هو سبب النزول من أنه أثبت له الرمي لصدوره عنه ونفي عنه لأن أثره ليس في طاقة البشر، ولذا عدت معجزة له حتى كأنه لا مدخل له فيها أصلا فمبني الكلام على المبالغة ولا يلزم منه عدم مطابقته للواقع لأن معناه الحقيقيئ غير مقصود، وهذا مراد الزمخشرقي هكذا ينبغي أن يفهم هذ المقام إذ لو كان المراد ما ذكر لم يكن مخصوصا يهذا الرمي لأنّ جميع أفعال العباد كذلك بمباسرتهم وخلق الله) قلت (هذا ليس بشيء لأن وجه الدلالة ينافي ما ذكره لأن المراد به الأمر الكامل الذي لا تطيق البشر أن تفعله ويصدر عنه

هذا الأثر لأنه إن كان بإيجاد الله تتم الدست إذ لا قائل بالفرق، وان كان بتمكينه، وهو من إيجاد العبد نافاه قوله: (ولكن الله قتلهم) ولكن الله رمى والتأويل مخالف للظاهر، وقد قيل إن علامة المجاز أن يصدق نفيه، حيث يصدق ثبوته ألا تراك تقول للبليد حمار، ثم تقول ليس بحمار فلما أثبث الفعل للخلق، ونفاه عنهم دل على أن نفيه على الحقيقة، وثبوته على المجاز بلا شبهة، فإن قلت إن أهل المعاني جعلوه من تنزيل الشيء منزلة عدمه وفسروه بما رميت حقيقة إذ رميت صورة والرمي الصورفي، موجود منه، والحقيقي ما وجد منه فلا تنزيل فيه كما ذكروا، قلت الصورفي مع وجود الحقيقي كالعدم كاضمحلال ثور الشمع مع شعشعة الشمس، ولذا أتى بنفيه مطلقًا كإثباته وما ذكروه بيان لتصحيح المعنى في نفس الأمر، وهو لا ينافي النكتة المبنية على الظاهر، ولذا قال في شرح المفتاح: النفي والإثبات وارد إن على شيء واحد باعتبارين فالمنفيئ هو الرمي باعتبار الحقيقة كما أن المثبت هو الرمي باعتبار الصورة فتدبر فإنه وقع فيه خبط لبعضهم. قوله:) أتى بما هو غاية الرمي قأوصلها الخ) فالحاصل أن الرمي مطلق أريد فرده الكامل المؤثر ذلك التأثير كما يطلق المؤمن، ويراد به الكامل وفيه نظر لأن المطلق ينصرف إلى الفرد الكامل لتبادره منه وأما ما جرى على خلاف العادة وخرج عن طوق البشر فلا يتبادر حتى ينصرف إليه بل ليس من أفراده فتأقل. قوله ة) وقيل معناه ما رميت بالرعب الخ (هذا أحد التًا ويلات ممن يقول أفعال العباد غير مخلوقة دلّه كما مرّ، وقوله وقيل الخ هكذا أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب والزهرفي ويخور بمعنى يصيح ويخرج نفسه بشدة. قوله:) أو رمية سهم الخ (أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن جبير، وكنانة بكاف ونونين، وفي نسخة لبابة بلام وباءين موحدتين، والحقيق مصغر يهودفي من يهود المدينة، وقوله والجمهور على الأوّل أي على أنه رمى بتراب لا بسهم، ونحوه لأنه يصير أجنبيا وتد نزلت الآية في بدر 0 قوله:) ولينعم عليهم نعمة عظيمة الخ (هذا هو معنى ما في الكشاف من تفسير البلاء بالعطاء، وقال الطيبي رحمه الله: الظاهر تفسيره بالإيلاء في الحرب بدليل ما بعده، وقيل إنه يرجع لما ذكر وهو تكلف، والبلا يستعمل فيما يصيب الإنسان خيرًا أو شرًّا كقول زهير:

فأبلاهما خير البلاء الذي يبلى

وقولهم أبلى فلان بلاء حسنا أي قاتل قتالًا شديدا، أو صبر صبرًا عظيما في الحرب

سمي به ذلك الفعل لأنه مما يخبر به المرء فيظهر جلادته وحسن أثره، وقيل البلاء يكون بمعنى العطاء أيضا لأنه يخبر به يقال أبلاه إذا أنعم عليه وبلاه إذا امتحنه. قوله: (فعل ما فعل الخ (يعني أن لام التعليل لها متعلق محذوف تقديره ما ذكر، وقيل هو عطف على مقدر أي ليمحق الكافرين وليبلي المؤمنين منه بلاة حسنًا قيل وقدر المتعلق مؤخرًا لا لقصد الاختصاص إذ لا حاجة إليه بل لكونه

261

أحسن من تقديمه وفيه نظر. قوله: " شارة إلى البلاء الحسن الخ (أو إلى الجميع بتأويله بما ذكر، وقوله أي المقصود على الوجه الأوّل في إشارة وما بعده على الأخيرين ويجوز جعله مبتدأ محذوف الخبر ومنصوبا بفعل مقدر. قوله: (معطوف (أي عطف مفرد على مفرد أو جملة على جملة، وقوله أي المقصود اقتصر عليه لأنه يعلم منه الآخر بالمقايسة، وقيل إنه إشارة إلى ترجيح جعل ذلكم إشارة إلى البلاء الحسن لكن لا يخفى أنّ جزالة المعنى تقتضي أن يكون العطف باعتبار الإشارة إلى القتل أو الرمي، والتوهين التضعيف. قوله: " ن تستفتحوا الخ) أي لا تطلبوا الفتح وتدعوا به أو تطلبوا أن يحكم الله بينكم من الفتاحة والتهكم في قوله جاءكم الفتح لأنّ الذي جاءهم الهلاك والذلة، والمراد بالجندين جندهم وجند المسلمين. قوله:) من الاغناء أو المضاز (هو على الأوّل مصدر منصوب على أنه مفعول مطلق، وعلى الثاني مفعول به ومن قرأ يفتح إن قدر قبله اللام أو جعله خبر مبتدأ، والرغبة لتعديه بعن بمعنى الإعراض مجرور عطفًا على التكاسل، وأوّل المؤمنين على هذا

التفسير بالكاملين إيمانًا لأنهم مؤمنون أيضاوهو ظاهر وقراءة الكسر أظهر وهو تذييل لقوله وان تعودوا نعد، وقوله إن تعودوا أي إلى ما ذكر من التكاسل وما بعده. قوله: (فإن المراد) اعتذار عن إفراد الضمير وارجاعه للرسول ﷺ بأنّ المقصود طاعة الرسول، وذكر طاعة الله توطئة لطاعة الرسول، وطاعة الرسول ع! ت مستلزمة لطاعة الله لأنه مبلغ عنه فكان الراجع إليه كالراجع إليهما، وعلى رجوعه للأمر أو للجهاد لا يحتاج إلى تأويل، وجؤز رجوعه للطاعة لتأويله بأن والفعلى وعلى الأخير فالسماع على ظاهره فإن كان الضمير للرسول عشي! فالسماع مجاز عن التصديق، أو سماع كلامه من المواعظ، والقرآن كما أشار إليه المصنف رحمه الله، والأمر في كلام المصنف إن كان بمعناه المتبادر منه فهو اكتفاء، أو بمعنى مطلق الطلب فيشمل النهي، وان كان المراد به واحد الأمور فظاهر والأوّل هو الظاهر، وإذا كان الضمير للرسول ﷺ فالتولي حقيقة وإن كان للأمر فجاز، وقوله دل عليه الطاعة أي في ضمن أطيعوا لأنه أمر خاص. قوله:) سماعًا ينتفعون به) يعني أن المنفيئ سماع خاص لكنه أتى به مطلقا للإشارة إلى أنهم نزلوا منزلة من لم يسمع أصلا بجعل سماعهم بمنزلة العدم. قوله:) شرّ ما يدب على الأرض الخ (يعني المراد بالدابة معناها اللغوي أو العرفي، وقوله عذهم من البهائم اختار الثاني لأنه أشهر قيل ظاهر كلامه أنه عمم في الدابة حتى يشمل ما تطلق عليه حقيقة أو تشبيها فتأمل، وما ميزوا به هو العقل لأنه المميز للإنسان عن غيره وقد نفى عنهم. قوله: (سعادة كتبت لهم أو انتفاعًا بالآيات الخ (في الكشاف، ولو علم الله في هؤلاء الصمّ البكم خيرًا أي انتفاعا باللطف لأسمعهم للطف بهم حتى يسمعوا سماع المصدقين، ومن ثم قال: ﴿لَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ﴾ يعني لو لطف بهم لما نفع فيهم اللطف فلذلك منعهم ألطافه أو ولو لطف بهم فصذقوا لارتدوا بعد ذلك وكذبوا ولم يستقيموا فقال الشارح النحرير: يعني أن قوله لتولوا في مفى عدم انتفاعهم باللطف، فلا يرد ما قيل إن قوله: ﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ﴾ يدل على عدم التولي وهو خير فيناقض ما سبق من أنه تعالى لم يعلم فيهم الخير فإنه يستلزم الخير ضرورة أن علم الله مطابق لكن لا يخفى أنّ الإشكال بحاله بل أظهر لأنّ قوله لما نفع فيهم اللطف يوجب

بمقتضى أصل، لو أن يكون قد نفع فيهم اللطف، وهذا خير كل الخير فلا محيص إلا بجعله من قبيل لو لم يخف الله لم يعصه، أي لا ينفع فيهم اللطف، ويكون التولي على تقدير الإسماع فعلى تقدير عدمه بطريق الأولى وأيضًا لا نسلم أن عدم التولي لعدم الإسماع خير، وإنما الخير أن يسمعوا ويحصل منهم التصديق لا الإعراض، واعلم أن سوق الشرطية الأولى هو أنه تعالى لو علم فيهم خيرا لأسمعهم لكن لا يعلم فلم يسمعهم، والثانية أنه لو أسمعهم لكان منهم الإعراض لا التصديق فكيف على تقدير عدمه وقد يتوهم أنهما مقدمتا قياس اقترانيئ هكذا لو علم فيهم خيرًا لأسمعهم، ولو أسمعهم لتولوا ينتج لو علم فيهم خيرًا لتولوا وفساده بين وأجيب بأنه إنما يلزم النتيجة الفاسدة لو كانت الثانية كلية، وهو ممنوع وهذا المنع وان صح في قانون النظر إلا أنه خطأ في تفسير الآية لابتنائه على أن المذكور قياس مفقود

262

شرائط الإنتاج ولا مساغ لحمل كلام الله عليه، وقيل عليه أن كلمة لو لانتفاء الثاني لانتفاء الأوّل لا لعكسه وأما استعارتها للاستدلال بانتفاء الثاني على انتفاء الأوّل كما في آية التمانع فبمعزل عما نحن فيه مع أنه تطويل بغير طائل، وما رذ به على القائل المذكور غير وارد لأنّ مراده منع كون القصد إلى ترتيب قياس لانتفاء شرط لا أنه قياس فقد شرطه كما أنه يمنع منه عدم تكرار الوسطي أيضا وإنما المقصود من المقدمة الثانية تأكيد الأولى إذ مآله إلى أنه انتفى الإسماع لعدم الخيرية فيهم، ولو وقع الإسماع لا تحصل الخيرية فيهم لعدم قابلية المحل فتدبر. قوله: (لأسمعهم سماع تفهم (قيده به لا! أصل السماع حاصل لهم، ثم إنه قيل كون نفي الإسماع المذكور معلولًا لنفي الخيرية المفسرة بالسعادة المكتوبة أي المقدرة ظاهر لا سترة عليه، وأما على تقدير كونها مفسرة بالانتفاع بالآيات فلا بل الأمر بالعكس، فالأولى أن يقتصر على التفسير الأول وليس بشيء لأنّ سماع التفهم لم يرتب على الانتفاع بل على علم الله بالانتفاع بالآيات ولا شبهة في ترتبه عليه ومثله غنيّ عن البيان، وقيده بما ذكر وأطلق في الثاني إشارة إلى أنه ليس القصد إلى ترتيب القياس لاختلاف الوسط، ومنه تعلم أنّ ما وقع في بعض النسخ بعد قوله لأسمعهم من قوله سماع فهم، وتصديق لا يناسب إلا تفسير التولي بالارتداد. قوله: (أو ارتدّوا بعد التصديق والقبول (يعني أنّ التولي إمّ الابتداء أو في البقاء لأن التصديق إذا لم يدم كلا تصديق، وأفاد بعض المدققين هنا أنه لما أرود أنّ الآية قياس اقتراني من شرطيتين ونتيجة غير صحيحة أشار المصنف رحمه الله إلى جوابه أوّلأ بمنع القصد إلى القياس فيه لفقد كلية الكبرى، وثانيا بمنع فساد النتيجة إذ اللازم لو علم فيهم خيرًا في وقت لتولوا بعده ومنه تعلم ما في كلام النحرير هنا وفي المطوّل فهم. قوله: (لعنادهم الخ) قيده به لأنه لما فسر قوله لأسمعهم بسماع الفهم والتصديق لم يكن ذلك التولي إلا للعناد

وهذه الحال مؤكدة مع اقترانها بالواو وقوله يشهد بالغيبة أي قصيّ ونؤمن بصيغة المتكلم مع الغير. قوله: (وحد الضمير فيه لما سبق) يعني قوله إن الإجابة للرسول ﷺ، وذكر الله توطئة أو لأنّ طاعة الله في طاعة الرسولءلمجي! وزاد وجها آحض وهو أنّ الرسول تحب ور! خ عن الله! ! د! اهم فتتحد الدعوة ولهذا أفرد الضمير. قوله: (وروي الخ (أبيّ هو أبيّ بن كعب رضي الله عنه، وهذا الحديث أخرجه الترمذفي والنسائيّ، عن أبي هريرة رضي الله عنه وهو حديث صحيح وتمامه " لأعلمنك سورة أعظم سورة في القرآن الحمد دلّه رب العالمين هي السغ المثانى " (1 (وقوله: (واختلف فيه) أي في جواز قطع الصلاة لإجابة رسول الله ىلمجب ففي قول للشافعيّ إنّ الكلام في الصلاة لإجابته ﷺ لا يقطع الصلاة ولا يبطلها لأنه فرض أني في الصلاة فلا يبطلها عنده، وقوله: (فإن الصلاة أيضًا إجابة الأنه أمر بها ففعلها إجابة لأمره، وجوابه كذلك فلا يبطلها، وحكى الروياني وجها آخر أنها لا تجب وتبطل الصلاة، وقيل إنه يقطعها ولكنه إذا كان الأمر يفوت بالتأخير يجوز قطع الصلاة له كما إذا رأى أعمى وصل إلى بئر ولو لم يحذره لهلك وقوله، وظاهر الحديث الخ فيه نظر لأنه لا دلالة فيه على أن إجابته لا تقطع الصلاة فتأمّل. قوله: (من العلوم الدينية الخ) أي أطلقت الحياة على العلم كما يطلق الموت على الجهل وهو استعارة معروفة ذكرها الأدباء وأهل المعاني، والبيت المذكور للزمخشريّ، كما قرأته في ديوانه من قصيدة مدح بها المؤتمن بالله الخليفة وأوّلها:

حدث إلى أين مرت الظعن فعندهن الفؤاد مرتهن

ومنها:

لاتعجبن الجهول حلته فذاك ميت وثوبه كفن. وقد ألم فيه بقول أبي الطيب من قصيدته التي أوّلها:

أفاضل الناس أغراض لذا الزمن يخلو من الهمّ اخلاهم من الفطن

ومنها:

لاتعجبن مضيمًا حسن بزته وهل تروق دفينًا جودة الكفن

والعجب من النحرير في شرح قول الكشاف ولبعضهم لا تعجبن الخ حيث قال: هذا كما

هو عادته إذا أنشد شعرا لنفسه أن يقول لبعضهم والبيت لأبي الطيب: وهذا من عدم التتبع لكن خلطه بين بيتين من

263