حاشية الشهاب على تفسير البيضاويالجزء 4 · ص 312 - 329

سورة براءة (2 من 5)

لإنسان بالتحفظ عنه أي بالامتناع عنه، وفي هذه الآية وعيد وتشديد لأنّ كل أحد قلما يخلص منها فلذا فيل إنها أشد آية نعت على الناس كما فصله في الكشاف. قوله: (مواقعها) بقاف بعدها عين مهملة أي موضع المحاربة التي تقع فيه، وفي نسخة مواقفها بقاف بعدها فاء أي محل مصاف الحروب والوقوف لها وهما متقاربان. قوله: (وموطن يوم حتين الخ (تبع في هذا ما وقع في الكشاف من أنّ ظرف الزمان لا يعطف على المكان ولا عكسه لأنّ كلا منهما يتعلق بالفعل بلا واسطة، وظاهر كلامه منعه مطلقًا، وظاهر كلام أبي على الفارسي ومن تبعه جوازه مطلقا كما في قوله: ﴿وَأُتْبِعُواْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [سورة هود، الآية: 99] وقيل لا منع من نسق زمان على مكان وبالعكس إلا أنّ الأحسن أن يترك العاطف في مثله فقد علّمت أنّ للنحاة فيه ثلاثة مذاهب، وقال ابن المنير في البحر إنّ النحاة لم يعللوه وعلته أنّ الواو تقتضي الاشتراك في العامل، وفي جهة البعدي لأن جهة بعدي الزمان غير جهة بعدي المكان ونسبتهما مختلفة، وما قيل إنّ مراد الزمخشري إنه لا يجوز عطفه هنا لأنّ مواطن مجرورة بفي، ويوم منصوب على الظرفية فلو كان معطوفًا عليه لجر مدفوع بأنّ العطف هنا على المحل لا على اللفظ فوجود في لا يضرّ، وكذا كون ظرف الزمان ينتصب على الظرفية مطلقا، وظرف المكان يشترط فيه الإبهام لا دخل له في منع العطف وان توهمه بعضهم، فإن قلت كيف يقال زرتك في الدار- في يوم الخميس، ولا يجوز تعلق حر في جرّ بعامل واحد بمعنى واحد بدون تبعية فضلا عن أن يحسن قلت إذا اعتبر التغاير الاعتباري في العامل بالاطلاق والتقييد كما مرّ في كلما رزقوا منها من ثمرة فاعتبار التغاير الحقيقي في الطرفين أولى بالجواز، وهذه فائدة لم يذكروها في تلك المسألة، وقال النحرير: ليس المراد أنه ليس بينهما مناسبة مصححة للعطف فإنه ظاهر الفساد بل إن كلا منهما يتعلق بالفعل بلا توسط عاطف كسائر المتعلقات لا يعطف بعضها على بعض، وإنما يعطف على البعض ما هو من جنسه، ولا يتعلق به استقلالًا نحو ضربت زيدًا وعمرا وصمت يوم الجمعة ويوم الخميس ونحوه، فلذا جعل من عطف المكان على المكان أو الزمان على الزمان بتقدير مضاف، أو بجعل المواطن اسم زمان قياسا وان بعد عن الفهم، ثم إنه في الكشاف أوجب انتصاب يوم حنين بمضمر، وهو نصركم وأنه من عطف الجمل لا! إذ بدل من يوم حنين فيلزم كون زمان الإعجاب بالكثرة ظرف النصرة الواقعة في المواطن الكثيرة لإيجاد الفعل، وليقيد المعطوف بما يقيد به المعطوف عليه، وبالعكس بحسب

الظاهر كاعجبني قيام زيد يوم الجمعة وقيام عمرو وعكسه، ويوم حنين متقيد بزمان الإعجاب بالكثرة لأنّ العامل ينسحب على البدل، والمبدل منه جميعا فكذا المواطن، واللازم باطل إذ لا إعجاب بالكثرة في المواطن فاندفع ما قيل إنما يلزم لو كان المبدل منه في حكم النتيجة مع العاطف ليؤول إلى نصركم في مواطن كثيرة إذ أعجبتكم، وليس كذلك إذ ما-له نصركم في مواطن واذ أعجبتكم، ثم إنه على ما في الكشاف منع ظاهر مرجعه إلى أن الفعل في المتعاطفين لا يلزم أن يكون واحدا بحيث لا يكون له تعدد أفراد كضربت زيد اليوم، وعمرا قبله وأضربه حين يقوم وحين يقعد إلى غير ذلك فلا يلزم من تقييده في حق المعطوف بقيد تقييده في حق المعطوف عليه بذلك، ولا نسلم إنّ هذا هو الأصل حتى يفتقر غيره إلى دليل، وأما ما يقال إنّ هذه النكتة تدفع أصل السؤال أيضا لأنّ الزمان إنما لم يعطف على المكان لو كان ذلك الفعل واحدا وليس بلازم لجواز تغاير الفعلين ففيه نظر اهـ وكله كلام منقح، وهو زبدة ما في شرح الكشاف إلا دفعه الإيراد المذكور بجعل البدل قيدا للمبدل منه فإنه لا وجه له، وهو تحامل على السائل غير مسموع. قوله: (ويجوز أن يقدّر في أيام مواطن (هكذا هو في صحيح النسخ، ووقع في كثير منها، ويجوز أن يقدر مواطن أيام وهو سهو من الناسخ فيكون عطف يوم حنين على منوال ملائكته وجبريل كأنه قيل نصركم الله في أوقات كثيرة وفي وقت إعجابكم بكثرتكم الخ، ولا يرد عليه ما قيل إن المقام لا يساعد عليه لأنه غير وارد لتفضيل بعض الوقائع على بعض، ولم يذكر المواطن توطئة ليوم حنين كالملائكة إذ ليس يوم حنين بأفضل من يوم بدر وهو فتح الفتوح وسيد

312

الواقعات وبه نالوا القدج المعلى، والدرجات العلى لأنّ القصد في مثله إلى أن ذلك الفرد فيه من المزية ما صيره مغايرا لجنسه لأن المزية ليس المراد بها الشرف، وكثرة الثواب فقط حتى يتوهم هذا بل ما يشمل كون شأنه عجيبًا، وما وقع فيه غريبا للظفر بعد اليأس والفرج بعد الشدة إلى غير ذلك من المزايا فإن قلت لم منعه هنا، ولم يمنعه في سورة هود في قوله: ﴿فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [سورة هود، الآية: 99] قلت فسرهما هناك بالدارين إشارة إلى أنهما ظرفا مكان تاويلا وهذا لا يتأتى هنا فتدبر. قوله:

(ولا يمنع إبدال قوله إذا أعجبتكًا الخ) هذا رذ على ما ذهب إليه في الكشاف من أنه مانع على تقدير جواز عطف أحد الظرفين على الآخر إلا أن يقدر منصوبا باذكر مقدرًا، وقد علمت أنه لا وجه له وما أراد المنصف رحمه الله، وتحقيقه ويعلم مما قدمناه وقوله: (فيما أضيف إليه) المعطوف يعني الإعجاب بالكثرة، والمضاف إليه إذ ولكونه بدلًا مقصودًا بالنسبة جعله معصوفا أو المراد بالإضافة التقييد. قوله: (وحنين واد بين مكة والطائف) على ثلاثة أميال من مكة

والطلقاء جمع طليق، وهو المطلق من أسر ونحوه وغلب على الذين من عليهم النبيّ لمجلى بالإطلاق يوم الفتح، وقوله: (هوازن وثقيف (قبيلتان معروفتان والظاهر أنه مفعول حارب والفاعل رسول الله ﷺ لقوله والمسلمون بالرفع لكن كان الظاهر وثقيفا بالنصب لأنه منصرف فقيل إنه منعه من الصرف لمشاكلة هوازن، ولا يخفى أنه اسم لقبيلة فيصرف لأنه بمعنى حيّ ويمتنع لأنه بمعنى قبيلة فلا وجه للتردد فيه. قوله: (قال النبئ ﷺ أو أبو بكر رضي الله تعالى عنه أو غيره من المسلمين» 1 (وهو سلمة بن سلامة قال الإمام إسناده إلى النبيئ لمجر بعيد لقطع نظره ﷺ عن كل شيء سوى الله، وكونه غيرهـ منصوص عليه رواية كما في الدر، وقوله: (لن نغلب) مجهول،) ومن قلة) أي غلبة بسبب القلة ناشئة عنها، والمراد إثبات الغلبة بالكثرة كناية واعجابا بكثرتهم أي فالوا لما أعجبتهم كثرتهم فأدركهم غرور بذلك، وان كان من بعضهم لأن القوم يؤخذون بفعل بعضهم قيل، والحكمة أنّ الله أراد أن يظهر أن غلبتهم بتأييد الهيّ لا بقلة وكثرة، وقوله: (فأدرك المسلمين إعجابهم) أي شآمته ووخامته، والفل بفتح وتشديد المنهزم يقع على الواحد وغيره، وقوله: (في مركزه (أي مقره ومحله الأوّل. قوله: (ليس معه إلا عمه العباس رضي الله عنه آخذا بلجامه الخ (هذه رواية لكنه قيل الصحيح ما في رواية أخرى من أن طلقاء أهل مكة فرّوا قصد الإلقاء الهزيمة في المسلمين والنبيّ مجش! هـ على دلدل، وهي بغلته الشهباء لا يتخلخل، ومعه العباس رضي الله عنه آخذًا بلجامه وابن عمه أبو سفيان بن الحرث وابنه جعفر وعليّ بن أبي طالب وربيعة بن الحرث والفضل بن العباس، وأسامة بن زيد وأيمن بن عبيد وهو قتل بين يدي النبيّءش! هـ وهؤلاء من أهل بيته، وثبت معه أبو بكر وعمر رضي الله عنهما فكانوا عشرة رجال، ولذا قال العباس رضي الله تعالى عنه:

نصرنارسول الله في الحرب تسعة وقد فرّمن قد فر منهم واقشعوا

وعاشرنا لاقى الحمام بنفسه بما مسه في الله لايتوجع

ولذا قيل إنّ المصنف رحمه الله لم يصب فيما ذكره. قوله:) وناهيك بهذا شهادة الخ)

فانّ الصحابة رضي الله عنهم اتفقوا على أنه مج! ن! كان أشجع الناس، وكانوا إذا اشتذ الحرب اتقوا برسول الله لمج!، وشزف وكرّم وناهيك بمعنى يكفيك وحسبك به دليلا عليه تقول هذا

جل ناهيك من رجل، ونهيك من رجل ونهاك من رجل يستوي فيه المفرد المذكر وغيره، والمراد به المدح كأنه ينهاك عن تطلب غيره، وهو مبتدأ أو الباء زائدة وركوبه مج! ييه البغلة أيضا إظهارأ لثباته، وأنه لم يخطر بباله مفارقة القتال، وقوله: (صيتا) بالتشديد أي جهوريّ الصوت شديده، وهو بيان لسبب تخصيصه بالأمر، وقوله: (يا أصحاب الشجرة) أي يا أصحاب بيعة الرضوان المذكورين في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [سررة الفتح، الآية: 8] وتوله: (يا أصحاب سورة البقرة) قيل: هم المذكورون في قوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾

[سورة البقرة، الآية: 285] وقيل: الذين أنزل عليهم سورة البقرة، وقيل: المراد الذين حفظوها

313

فإنهم عظماء الصحابة رضي الله عنهم. قوله: (فكروا عنقًا واحدًا) أي رجعوا جماعة واحدة أو دفعة واحدة من قوله: ﴿فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ [سورة الشعراء، الآية: 4] أي رؤساؤهم وجماعاتهم فهو بضم العين والنون، وتسكن ويجوز فتحهما بمعنى مسرعين. قوله: (حمى الوطيس) أصل معنى الوطيس التنور وهذه استعارة بليغة ومعناها اشتدّ الحرب، وفيه نكتة أخرى قل من تنبه لها وهي ما قاله ياقوت في معجم البلدان إنّ أوطاس واد في ديار هوازن وبه كانت وقعة حنين، وفيها قال النبيّ ﷺ: " حمى الوطيس " وذلك حين استعرت الحرب وهو أوّل من قالها، واسم الوادي أوطاس وهو منقول من جمع وطيس كيمين وأيمان ففيه تورية فانظر لفصاحته ﷺ، ومقاصده في البلاغة ورميه بسهام البراعة إلى أغراضها، وهو التنور وقيل نقرة في حجر يوقد فيها النار ويطبخ اللحم، ويقال وطست الشيء وطسًا إذا كدرته وأثرت فيه، وأخذه التراب ورميه تقدم الكلام عليه، ورب الكعبة قسم، وقوله: (انهزموا (خبر وتبشير للمؤمنين. قوله:) شيئًا من الإغناء) يعني شيئا نصبه إما على أنه مفعول مطلق إن أريد الإغناء أو مفعول به على تضمنه معنى الإعطاء أي لم تعط شيئًا يدفع حاجتكم أو لم تكفكم شيثا من أمر العدوّ. قوله: (برحبها أي سعتها الخ) أي ما مصدرية، والباء للملابسة والمصاحبة أي ضاقت مع سعتها عليكم، وهو استعارة تبعية إما لعدم وجدان مكان يقرون به آمنين مطمئنين، أو أنهم لا يجلسون في مكان كما لا يجلس في المكان الضيق. قوله: (وليتم الكفار ظهوركم (قال الراغب في مفرداته: وليت سمعي كذا ووليت عيني كذا أقبلت به عليه قال تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ وإذا عدى بعن لفظًا أو تقديرًا اقتضى معنى الإعراض، وترك قربه اهـ فجعله في الأصل متعديًا إلى مفعولين، وتعديته بعن لتضمنه معنى الإعراض!، وهو غير مراد هنا وأما الإقبال فإنما جاء من كون الوجه مفعولًا فقد عرفت وجه ما ذكره فإنه إنما يعتمد في اللغة عليه، ومن لم يقف على مراده اعترض! عليه، وقال: ولي تولية أدبر كما في القاموس فلا حاجة إلى تقدير مفعولين، وتبعه من قال: إن ما ذكره المصنف رحمه الله لا وجه له، والتضمين خلاف الأصل، وكيف يتوهم ما ذكروه مع قوله: ﴿فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ﴾ [سورة الأنفال، الآية: 15] وغير. من الآيات التي وقع فيها متعد بالمفعولين وإنما غرهم كلام القاموس، وليس بعمدة في مثله. قوله: (إلى خلف (إشارة إلى اشتقاق الأدبار. قوله:) رحمته التي سكنوا بها وأمنوا) وهي النصر وانهزام الكفار، واطمئنان قلوبهم للكرّ بعد الفرّ ونحوه ولا حاجة إلى تخصيص الرحمة مع شمولها لكل رحمة في ذلك الموطن. قوله: (على رسوله وعلى المؤمنين الذين انهزموا الخ الما كان الأصل عدم إعادة الجارّ في مثله إشارة إلى نكتة، وهي بيان التفاوت بينهما فإنهم قلقوا واضطربوا حتى فروا فكانت سكينتهم اطمئنان قلوبهم، وهو لمجج، ومن معه ثبتوا من غير اضطراب فسكينتهم بمعاينة الرسول ع! فه الملائكة، وظهور علامات ذلك لمن معه، وقوله: وقيل الخ يعني المراد بالمؤمنين قيل ولو أخر نكتة إعادة الجا ار عن هذا لكان أولى لجريها فيهما، وفيه نظر، ثم إنه على الوجه الأوّل كلمة، ثم في محلها فلذا اختاروه، وعلى الوجه الآخر يكون التراخي في الإخبار أو باعتبار المجموع لأنّ إنزال الملائكة بعد الانهزام لا التراخي الرتبي لبعده. قوله: (بأعينكم (يعني أنّ الرؤية بصرية، وا! المراد نفي الرؤية حقيقة لا أنهم رأوها هم أو المشركون وأنّ المراد لم يروا مثلها قبل ذلك، وكما اختلف في عددهم اختلف أيضا هل قاتلوا أم لا. قوله: (وكانوا خمسة الخ (قيل ونجه الاختلاف في العدد أنه تعالى قال: ﴿أَلَن يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ﴾ [سورة آل عمران، الآية: 124، ثم قال: ﴿وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ﴾ [سررة آل عمران، الآية: 125] فأضاف الخمسة للثلاثة فصارت ثمانية، ومن أدخل الثلاثة فيها قال إنها خمسة فجعلهم

نهاية ما وعد به الصابرين ومن قال: ستة عشر جعلهم بعدد العسكرين اثني عشر وأربعة وهو كلام حسن، وقوله في الدنيا تنازع فيه كفر وجزاء ودلّ عليه قوله، ثم يتوب الخ وفسر التوبة بالتوفيق للإسلام منهم وهي من

،

الله قبوله ذلك ولا ينفك عنه أما التوفيق المذكور فقد يكون، وقد لا يكون فهو المعلق بالمشيئة لا قبوله كما يتبادر من النظم فأشار المصنف رحمه الله إلى دفعه، وقوله: (ويتفضل عليهم) إشارة إلى أنه ليس بطريق الوجوب كما تقول

314

المعتزلة. قوله: (روي أنّ ناسًا منهم الخ) (1 (هذا الحديث في رواية للبخاري عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم بنحوه، وقوله:) ما كنا نعدل بالأحساب (أي لا نسوي بها شيئًا بل نختارها ونقدمها على غيرها والحسب ما يعذ من المفاخر وأرادوا أن اختيارهم ذلك مفخرة ومنقبة لهم، وقوله: (وقد سبى الخ) جملة حالية معترضة بين أثناء صلامهم، وسبايا جمع سبية بمعنى مسبية أي مأسورة والذراري جمع ذرية، وقوله: (فشأنه) أي فليلزم شأنه وهو ما اختاره، وقوله:) ومن لا) أي من لم تطب نفسه، وقرله: (وليكن قرضًا (أي بمنزلته ولا مانع من حمله على حقيقته، والعرفاء جمع عريف وهو من يؤمر على فرقة من العسكر ليعرف أحوالهم كالنقيب وقوله فليرفعوا إلينا أي يعلمونا به من قولهم رفعت القصة للأمير، وقوله فرفعوا أنهم قد رضوا أي رفعوه إلى النبىّ - ﷺ - وأعلموه به. قوله: (لخبث باطنهم الخ) نجس بالفتح مصدر فيحتاج إلى تقدير مضاف أو تجوّز وان كان صفة كما ذكره الجوهري فلا بذ من تقدير موصوف مفرد لفظا مجموع معنى ليصح الإخبار به عن لجمع أي جن! نجس ونحوه، وقوله لخبث باطنهم أي هو مجاز عن خبث الباطن، وفساد العقيدة فهو استعارة لذلك أو لأنهم يجتنبون كما يجتنب النجس فلا وجه لما قيل إن المناسب تقديم الوجه الثالث على الثاني لاشتراكه مع الأوّل في عدم كون الكلام على التشبيه للمبالغة، والوجوب أمّا للمبالغة في اجتنابهم أو المراد وجوبه في الجملة كما في الحرم فلا يرد ما قيل كان عليه ترك الوجوب، وعلى كون المراد ملابستهم النجاسة كالخمر والخنزير ونحوه فهو حقيقة حينئذ أو تغليب. قوله:) وفيه دليل على أنّ ما الغالب نجاستة نجس (أي متنجس كالبط والدجاج المخلى إذا جعل رأسه

في ماء نجسه حملًا على غالب أحواله. قوله: (عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما) فالنجاسة عنده حقيقة ذاتية لكن الذي ذهبوا إليه خلافه، وقوله وأكثر ما جاء تابعا لرجس لأنّ هذه القراءة وهي قراءة أبي حيوة دلت على أنه أكثرقي لا أنه لا يجوز بغير اتباع كما نقل عن الفراء، وتبعه الحريري في درّته وعلى قول الفراء هو اتباع كحسن بسن، ثم إنّ المنقول عن ابن عباس رضي الله عنهما مال إليه الرازي وعليه فلا يحل الشرب من أوانيهم ومؤاكلتهم ونحوه، لكنه قد صح عن النبيئ لمجن! والسلف خلافه، واحتمال كونه قبل نزول الآية فهو منسوخ بعيد لأنّ الأصل الطهارة، والحل ما لم يقم دليل على خلافه، وقوله: وأكثر ما جاء تابعا كقولهم ًا كثر شربي السويق ملتوتا. قوله: (لنجاستهم وإنما نهى عن الاقنراب للمبالغة الخ) وكون العلة نجاستهم إن لم نقل بأنها ذاتية لا تقتضي جواز دخول من اغتسل، ولب! ثيابا طاهرة لأن خصوص العلة لا يخصص الحكم كما في الاستبراء، ووجه المبالغة أن المراد دخوله فالمنع عن قربه أبلغ، وإذا كان للمنع عن الحرم يكون المنع من قرب نفس المسجد الحرام على ظاهره، وبالظاهر أخذ أبو حنيفة رحمه الله إذ صرف المنع عن دخول الحرم للحج والعمرة بدليل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ فإنه إنما يكون إذا منعوا من دخول الحرم، وهو ظاهر ونداء عليئ كرم الله وجهه بقوله: ألا لا يحج بعد عامنا هذا مشرك بأمر النبيّ ىشي! يعينه فلا يقال إنّ منطوق الآية يخالفه. قوله: (وفيه دليل على أنّ الكفار الخ) وجه الدلالة نهيهم والنهي من الأحكام وكونهم لا ينزجرون به لا يضرّ بعد معرفته معنى مخاطبتهم بها والمخالف فيه يقول النهي بحسب الظاهر لهم، ولكنه كناية عن نهي المؤمنين عن تمكينهم من ذلك كما في نحو لا أرينك هاهنا بدليل أن ما قبله وما بعده خطاب للمؤمنين لا للكفار، وسنة براءة سنة نزولها وقراءتها عليهم وسنة حجة الوداع هي العاشرة من الهجرة. قوله: (فقرًا بسبب منعهم الخ (لأنهما لما منعوا شق ذلك عليهم لأنهم كانوا يأتون في الموسم بالميرة والمتاجر لهم والإرفاق جمع رفق وهو المنفعة، وفي نسخة الإرزاق وهما بمعنى، والعيلة من عال بمعنى افتقر. قوله: (من عطائه أو بتفضله بوجه آخر الخ) يعني الفضل

بمعنى العطاء أو التفضل فعلى الأوّل من ابتدائية أو تبعيضية وعلى الثاني سببية ولذا عبر عنها بالباء، وقيل إنها نزلت على الوجهين للأصل وهو خلاف الظاهر وقوله: ﴿وَأَرْسَلْنَا السَّمَاء عَلَيْهِم مِّدْرَارًا﴾ [سورة الأنعام، الآية: 6] كثير الأمطار، وتبالة بفتح التاء المثناة الفوقية والباء الموحدة بلدة من

315

بلاد اليمن ولما تولى عملها الحجاج استحقرها ورجع فقيل في المثل أهون من تبالة على الحجاج، وجرس بضم الجيم وفتح الراء المهملة، والشين المعجمة مخلاف من مخاليف اليمن أي ناحية منه، والمخلاف في إليمن كالرستاق بالعراق، وامتاروا أي جلبوا له الميرة بالكسر وهي الطعام أو جلبه. قوله: (وقرئ عائلة على أنها مصدر الخ) يعني إنه إما مصدر بوزن فاعلة كالعافية أو اسم فاعل صفة لموصوف مؤنث مقدر أي حالًا عائلة أي مفقرة، فقوله أو حال يعني أو صفة حال، وفي نسخة أو حالًا بالنصب أي أو تقديره خفتم حالًا عائلة ففي كلامه تعقيد وايجاز مخل لكته اختصر كلام ابن جني رحمه الله تعالى وهو هذه من المصادر التي جاءت على فاعلة كالعاقبة، والعافية ومنه قوله تعالى: ﴿لَّا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً﴾ [سورة الغاشية، الآية: 11، أي لغوا ومنه قولهم مررت به خاصة أي خصوصا، وأمّ قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىَ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ﴾ [سورة المائدة، الآية: 13] فيجوز أن يكون مصدرا أي خيانة وأن يكون على تقدير نية أو عقيدة خائنة، وكذا هاهنا يقدر إن خفتم حالًا عائلة، اهـ وما قيل إنه إلغاز لأنه أراد بالحال معنى الصفة فإنه مفعول به سواء أكان مصدرا أو اسم فاعل فأطلق الحال وأراد به الصفة فإنّ المعنى، وان خفتم حالًا عائلة على الإسناد المجازي فحذف الحال، وأقيمت الصفة مقامه لا يخفى حاله. قوله: (قيده بالمشيئة الخ) يعني أنّ التعليق بالمشيئة قد يتوهم أنه لا يناسب المقام وسبب النزول، وهو خوفهم الفقر فإنّ دفعه بالوعد بإغنائهم من غير تردد أولى والشرط يقتضي التردد فأشار إلى أنه لم يذكر للتردد بل لبيان إنه بإرادته لا سبب له غيرها فانقطعوا إليه، وقطعوا النظر عن غيره، ولينبه على أنه متفضل به لا واجب عليه لأنه لو كان بالإيجاب لم يوكل إلى الإرادة فلا يقال إنّ هذا لا حاجة إلى أخذه من الشرط مع قوله من فضله لأن من فضله يفيد أنه عطاء واحسان، وهذا يفيد أنه بغير إيجاب وشتان بينهما، وكونه غير عامّ لكل إنسان وعام يفهم من التعليق، وقيل إنه للتنبيه على أنه بإرادته لا يسعى المرء وحيلته:

لوكان بالحيل الغني لوجدتني بنجوم أقطار السماء تعلقي

قوله: (أي لا يؤمنون بهما على ما ينبغي الخ (لما كانت الآية في حق أهل الكتاب، وهم يؤمنون بالله واليوم الآخر نبه على أن إيمانهم لما كان على ما لا ينبغي نزل منزلة العدم فإنه كلا

إيمان لأنهم يقولون لا يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصارى، وانّ النار لم تمسهم إلا أياما معدودات واعتقادهم في نعيم الجنة أنه ليس كما تقول كما مر في تفسير قوله: ﴿وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ أسورة البقرة، الآية: 4] في البقرة وقوله فإيمانهم الخ في نسخة فإنّ إيمانهم، وعليهما فلا غبار على كلامه كما توهم لقلة التدبر. قوله: (ما ثبت تحريمه بالكتاب والسنة الخ الما كان كل ما حرّمه الله حرمه رسوله ﷺ وبالعكس فسره بالكتاب والسنة ليسلم من التكرير. قوله: (هو الذي يزعمون الخ) يعني المراد نبيهم كموسى ع! ي! ف! نهم بدلوا شريعته وأحلوا وحرّموا من عند أنفسهم اتباعا لأهوائهم فيكون المراد لا يتبعون شريعتنا، ولا شريعتهم ومجموع الأمرين سبب لقتالهم وان كان التحريف بعد النسخ ليس علة مستقلة، وقوله اعتقادًا وعملا تمييز قيد ليخالفون لا للنسخ. قوله: (الذي هو ناسخ سائر الأديان (في نسخة ناسخ الأديان وهما بمعنى لأنّ أل فيه للاستغراق وهذا مأخوذ من توله الحق لأنه يفهم إنّ غيره ليس بحق، وكون الشرائع حقا مما لا شبهة فيه فيصرف إلى نسخها وابطال العمل بها فيكون بمنطوقه مفيدا لأنه ثابت لا ينسخ، وبمفهومه أنه ناسخ لما عداه فلا حاجة إلى ما قيل إنّ ثبات الدين يتوقف على عدم المنسوخية لا على ثبوت الناسخية لغيره فيجاب بأنّ المراد ناسخيته لغيره، وهي تستلزم ثبوته ودين الحق من إضافة الموصوف للصفة أو المراد بالحق الله تعالى. قوله: (مشتق من جرى دينه إذا قضاه) معنى الجزية معروف لكنه اختلف في مأخذها فقيل من الجزاء بمعنى القضاء يقال جزيته بما فعل أي جازيته، أو أصلها الهمز من الجزء والتجزئة لأنها طائفة من المال يعطي، وقيل إنها معرب كزيت وهو الجزية بالفارسية، وفي الهداية أنها جزاء الكفر فهي من المجازاة. قوله: (حال من الضمير) وهو فاعل يعطوا ومؤاتية بالمثناة الفوقية من المؤاتاة، وهي الموافقة وعدم الامتناع والطاعة واليد هنا إما يد المعطي أو يد الآخذ، وفي الكشاف معناه على إرادة يد المعطي

316

حتى يعطوها عن يد أي عن يد مؤاتية غير ممتنعة لأنّ من أبى وامتنع لم يعط يده بخلاف المطيع المنقاد ولذلك قالوا أعطى يده إذا انقاد وأصحب، ألا ترى إلى قولهم نزع يده عن الطاعة كما يقال خلع ربقة الطاعة عن عنقه، أو حتى يعطوها عن يد إلى يد نقدًا غير نسيئة لا مبعوثا على يد أحد ولكن عن يد المعطي إلى يد الآخذ، وأما على إرادة يد الأخذ فمعناه حتى يعطوها عن يد قاهرة مستولية، وعن إنعام عليهم لأنّ قبولها منهم، وترك أرواحهم لهم نعمة عظيمة عليهم، وقيل عليه إنه لا تقريب فيه ولا يصلح بيانًا لعلاقة المجاز لأنّ أعطى يده وبيده بزيادة الباء، أو تعدية الإعطاء بالباء وبنفسه كما في الأساس ظاهر الدلالة على معنى

الإطاعة والانقياد بخلاف أعطى عن يد فإنه مبعد لجعل عن مزيدة أو بمعنى الباء، ورذ با! القصد إلى معنى السببية أي صادرا عن يد لإفادة من وعن والباء ذلك كما صرح به في قوله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ﴾ في قراءة عكرمة، وأما على كونها يد الآخذ فاستعمال اليد في القدرة أو النعمة شائع فاعتراضه في التقريب بأنه لا دلالة على هذه الإضمارات ليس بشيء، والعجب ممن قال: بعد سماع ما ذكر من بيان مراد ا! زمخشري، وردّ ما أورد عليه عندي أنّ معنى عن يد صادرا عن انقياد بسببه فاليد بمعنى الانقياد والاستسلام كما صرّح به صاحب القاموس بعده في معانيها، وعن للسببية لأنّ صاحب المغني والزمخشري جعلاه ص معانيها فتبين أنه لا حاجة إلى ما تكلفه الزمخشري فإنه مع كونه مستغنى عنه بما قرّرناه يرد عليه اعتراض! صاحب التقريب فلم يدر أن ما قاله بعينه كلام الزمخشري فقد أتعب نفسه من غير فائدة. قوله: (أو عن يدهم بمعنى مسلمين) يعني المراد به تسليمها بنفسه، من غير أن يبعث بها على يد وكيل أو رسول لأنّ القصد فيها التحقير وهذا ينافيه فلذا منع من التوكيل شرعا، وخالف الزمخشريّ في جعله مع أنه نقد غير نسيئة، وجهًا واحدا لما فيه من الجمع بين المعنى الحقيقيّ، وغيره فسلم مما يرد عليه. قوله: (أو عن غنى (لأنّ اليد تكون مجازا عن القدرة المستلزمة للغنى، وهذا لم يذكره الزمخشري صريحا. قوله:) أو عن يد قاهرة (على أن يكون المراد باليد يد الآخذ يعني أنّ المراد باليد القهر والقوّة فلو صرّج به لكان أظهر وأخصر، والمراد بالذلة في قوله إذلاء الذلة الظاهرة كوجء العنق والأخذ باللبب، ونحوه فلا يرد عليه إنه تكرار مع قوله وهم صاغرون كما قيل، وقوله:) عاجزين أذلاء (توضيح للحالية من الفاعل. قوله: (أو عن إنعام عليهم الخ (فاليد بمعنى الإنعام وتكون بمعنى النعمة أيضًا وابقاؤهم بالجزية أي عدم قتلهم والاكتفاء بالجزية نعمة عظيمة فاليد الآخذ، وهي عبارة عن إنعامه لا عن قدرته واستيلائه لما مرّ في قوله أو عن يد قاهرة، وفي بعض النسخ قوله أو عن إنعام مقدم على قوله أو من الجزية وهو أولى من تأخيره الواقع في بعضها فإنّ قوله أو عن إنعام الخ، مبني على أن يكون المراد باليد يد الآخذ كما في قوله أو عن يد قاهرة قيل ويجوز في الوجوه الأول كونه حالًا عن الجزية أي مقرونة بالانقياد، ومسلمة بأيديهم وصادرة عن غنى ومقرونة بالذلة وكائنة عن إنعام عليهم وبجوز في الأخير الحالية عن الضمير أي مسلمين نقدًا، وقوله من الجزية معطوف على قوله من الضمير وجعله الزمخشري مع الثاني وجها واحدا وقد مرّ تحقيقه. قوله: (أذلاء الخ) وجأه بالجيم والهمزة ضربه، ومجوس هجر مجوس توطنوا هجر بالتحريك وهي

بلدة باليمن يجوز صرفها، وعدمه وهذا من الزيادة على الكتاب والسنة وشبههم بأهل الكتاب لزعمهم أنّ لهم نبيًا اسمه زرادشت، وقوله: (ويؤيده أنّ عمر رضي الله تعالى عنه الخ) أخرجه البخاري) 1 (، وقوله: (فلا تؤاخذ منهم الجزية) هو مذهب الشافعي لأنّ قتال الكفرة واجب، وقد عرفنا تركه في أهل الكتاب بالكتاب، وفي المجوس بالخبر فبقي غيرهم على الأصل ولأبي حنيفة رحمه الله ما رواه الزهرقي ولأنه لما جاز استرقاقهم جاز ضرب الجزية عليهم، وتتمته في كتب الفقه، وقوله: " سنوا بهم سنة أهل الكتاب " (2 (أي اسلكوا بهم طريقتهم، واجعلوهم مثلهم، وهو حديث أخرجه مالك في الموطأ والشافعي في الأم وما روي عن الزهري أخرجه عبد الرزاق عن معمر. قوله: (وأقلها في كل سنة دينار) هو مذهب الشافعيّ رحمه الله، ومذهب أبي حنيفة ما ذكره والغنى هو الذي يملك أكثر من عشرة آلاف درهم

317

والفقير الذي لا يملك مائتي درهم، والكسوب بفتح الكاف القادر على الكسب وان لم يكن له حرفة والفقير الغير المكسوب كالأعمى والمقعد والشيخ الكبير، وهذا إذا ابتدأ الإمام وضعها أمّا إذا وضعت بالتراضي والصلح فبحسب ما يتفق عليه وعليه حمل ما استدل به الشافعي رحمه الله تعالى. فائدة: يجب التنبيه لها قال الإمام الجصاص في أحكام القرآن: اقتضى وجوب قتلهم إلى

أن تؤخذ منهم الجزية على وجه الصغار والذلة أنه لا يكون لهم ذمّة إذا تسلطوا على المسلمين بالولاية ونفاذ الأمر والنهي، إذ كان الله إنما جعل لهم الذمّة بإعطاء الجزية وكونهم صاغرين فواجب على هذا قتل من تسلط على المسلمين بالغصب وأخذ الضرائب بالظلم، وان كان السلطان ولاه ذلك هان فعله بغير إذنه وأمره فهو أولى وهذا يدل على أنّ هؤلاء النصارى،

واليهود الذين يتولون أعمال السلطان، ويظهر منهم الظلم والاستعلاء على المسلمين وأخذ الضرائب لا ذمة لهم، وأن دماءهم مباحة ولو قصد مسلم مسلما لأخذ ماله فقد أبيح له قتله في بعض الوجوه فما بالك بهؤلاء، وقد أفتى فقهاؤنا بحرمة تواليهم الأعمال لثبوته بالنص كما في البحر الرائق، وقد ابتلى السلاطين بهذا حتى احتاج الناس إلى مراجعتهم وتقببل أياديهم كما كان في زمن السلطان مرأد حتى وقع بسبب ذلك فتنة عظيمة لا يفي البيان بها، وقد قلت في ذلك: ويح ناس قوما يهودا تولوا وتولوا عن قول رب تعالى

حسبوا الطب والأمانة فيهم فاستباحوا الأرواج والأموالا

يقتلون البغاة من غير حرب وكفى الله المؤمنين القتالا

وبسط الكلام فيه ابن القيم رحمه الله. قوله: (إنما قاله بعضهم من متقدّميهم الخ (من

بيانية أو تبعيضية وهو الظاهر ونسبة الشيء القبيح إذا صدر من بعض القوم إلى الكل مما شاع كما مرّ تحقيقه، وقوله والدليل الخ قيل ما الحاجة إلى دليل، وقد صرّج به في النظم فهذا كإيقاد الشمعة وسط النهار المشمس، وأجيب بأنّ مدلوله صدوره منهم، ولا خفاء فيه والذي أثبت بما ذكر أنه معروف بينهم غير منكر منهم ولذا أسند إلى جميعهم، وقيل ضمير فيهم ليهود المدينة، وهو استدلال على القول الثاني ولا دلالة في الآية عليه بخصوصه فتأمّل، وتهالكهم حرصهم عليه حتى يكادوا أن يهلكهم الحرص. قوله: (عزير بالتنوين الخ) قرأ عاصم والكسائي بتنوين عزيز والباتون بترك التنوين، فالأوّل على أنه اسم عرب وابن خبره، وقال أبو عبيد أنه أعجمي لكنه صرف لخفته بالتصغير كنوج، ولو طورد بأنه ليس بمصغر درانما هو أعجمي جاء على هيئة المصغر كسليمان، وفيه نظر، وأما حذف التنوين فقيل حذف لالتقاء الساكنين على غير القياس، وهو مبتدأ وخبر أيضًا، ولذا رسم في جميع المصاحف بالًا لف، وقيل لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة، وقيل لأنه موصوف بابن وسيأتي ما فيه، وقوله: (تشبيهًا للنون بحروف اللين) فإنّ حروف اللين تحذف عند التقاء الساكنين والنون تحرّك لدفعه. قوله: (أو لأنّ الابن وصف والخبر محذوف الخ) من ذهب إلى هذا قطع بالانصراف لكونه عربيا كما ذكره الجوهري، وقال الزمخشري: أنّ هذا القول تمحل عته مندوحة وذكر الشيخ في دلائل الإعجاز هذا القول وردّه حيث قال الإثم إذا وصف بصفة، ثم أخبر عنه فمن كذبه انصرف تكذيبه إلى الخبر وصار ذلك الوصف مسلما فلو كان المقصود بالإنكار قولهم عزير ابن الله معبودنا لتوجه

الإنكار إلى كونه معبودًا لهم، وحصل تسليم كونه ابنًا دلّه، وذلك كفر وقال الإمام إنه ضعيف أمّا قوله إنّ من أخبر الخ فمسلم، وأمّا قوله ويكون ذلك تسليمًا للوصف فممنوع لأنه لا يلزم من كونه مكذبا لذلك الخبر كونه مصدقا لذلك الوصف إلا أن يقال تخصيص ذلك بالخبرية يدل على أنّ سواء لا يكذب، وهو مبنيّ على دليل خطابي ضعيف، وقيل هذا الكلام يحتمل أمرًا آخر، وهو أن يقال المراد من إجراء تلك الصفة على الموصوف بناء الخبر عليه فحينئذ يرجع التكذيب إلى جعل ذلك الوصف علة للخبر فبطل ذلك التمحل يعني الوصف للعلية فإنكار الحكم يتضمن إنكار علته، ولو سلم فلا يستلزم تسليمها، وقيل عليه إن إنكار الحكم قد يحتمل أن يكون بواسطة عدم الاقتضاء لا لأنّ الوصف كالأبنية مثلًا منتف، وفي الإيضاج أن القول

318

بمعنى الوصف، وارد أنه لا يحتاج إلى تقدير الخبر كما أنّ أحدًا إذا قال مقالة ينكر منها البعض فحكيت منها المنكر فقط قال في الكشف، وهو وجه آخر حسن في دفع التمحل لكنه خلاف الظاهر أيضا لا ترى إلى قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ [سورة التوبة، الآية: 30] وما قيل إنه لا يدفع التمحل غير مسلم وأمّا ما قيل إن ما ذكره الشيخ ليس بمطرد لا في توجه الإنكار إلى الخبر ولا في كون الوصف مسلما كما إذا كان الخبر مسلمًا للكل، أو للحاكي والوصف غير مسلم فانه إذا قدّر الخبر في الآية نبينا أو حافظ التوراة لا يتوجه الإنكار إلى الخبر بل إلى الوصف، ولا يبعد أن يكون حذف الخبر للإشارة إليه فيندفع المحذور إلا أنّ حمل كلام رب العزة عليه مخل ببلاغته فحبط، وخلط غريب مع أنه مع إخلاله بالفصاحة والبلاغة كيف ينبغي ذكره، وهل إخلاله إلا لما ذكروه بعينه مع أنه لم يزد على ما قاله الإمام إلا علاوة من الصخور في البراري.

قوله: (مثل معبودنا أو صاحبنا وهو مزيف لآنه يؤدي إلى تسليم النسب وإنكار الخبر المقدّر) قد تقدّم بيانه على أتم وجه، قيل: كيف ينكر قولهم صاحبنا فالوجه الاقتصار على معبودنا كما في الكشاف، أقول مقصوده أنّ قانون الاستعمال على إنكاره سواء كان منكرًا في نفسه أو لا لأنه قد يتوهم في التقدير الأوّل إنّ الإنكار إنما استفيد من قيام الدليل على أنه لا معبود إلا الله، وفيه ردّ على توهم بعض الأذهان القاصرة كما مرّ قبيلة إن الخبر إذا لم يكن منكرًا توجه الانكار إلى الوصف المذكور فتنبه، وههنا وجه آخر لا يرد عليه شيء مما ذكروه، ولم يظهر لي وجه تركه مع ظهوره وأظنه من خبايا الزوايا، وهو أن يكون عزير ابن الله والمسيح ابن الله خبرين عن مبتدأ محذوف أي صاحبنا عزير ابن الله، والخبر إذا وصف توجه الانكار إلى وصفه نحو أهذا الرجل العاقل، وهذا موافق لقانون البلاغة، وجار على وفق العربية من غير تكلف ولا غبار عليه. قوله: (استحاله لأن الخ) من لم يكن إلها تنازعه ما قبله واذما لم

يقل من لم يكن ابن الله مع أنه المدعي، ولذا قيل إنّ هذا لا يدل على كونه ابنا لأن ابن الإله لا يكون إلا إلها لاتحاد الماهية كذا قيل، وقيل لما لم يكن عندهم مستقلا بالألوهية لزم كونه ابنا، وفيه تأمل. قوله: (تثيد لنسبة هذا القول إليهم الخ الم يرتض شراح الكشاف كونه تأكيد الدفع التجوّز عن الكتابة والإشارة أو كون القائل بعض أتباعهم ونحوها مثل كتبته بيدي، وأبصرته بعيني لأنه غير مناسب، ولذا حمله الزمخشري على وجهين الأوّل أنه مجزد لفظ لا معنى له معقول كالمهملات، أو أنه رأى ومذهب لا أثر له في قلوبهم وإنما يتكلمون به جهلا أو عنادًا، ولكن إرادة المذهب من الفول مستدركة لأنّ كون القول بأفواههم لا بقلوبهم كاف في ذلك ترك المصنف رحمه الله تعالى الاحتمال الثاني، ولما رأى المصنف أنّ كون المراد به التأكيد مع التعجيب من تصريحهم بتلك المقالة الفاسدة لا ينافيه المقام كما صرح به العلامة في شرح الكشاف لأنّ التأكيد لا ينافي اعتبار نكتة أخرى لم يلتفت إلى ما ذكر لأنه الشائع في أمثاله ولأنه لا تجوّز فيه، وأما ما قيل إنّ المناسب حينئذ أن يقال، وقالت الخ بأفواههم من غير تخلل قوله: ﴿ذَلِكَ قَوْلُهُم﴾ ولذا حمله بعضهم على دفع التجوّز في المسند دون الإسناد، والقول قد ينسب إلى الأفواه والى الألسنة والأوّل أبلغ ولذا أسند إليها هنا فغير ظاهر، والمراد بقوله في الأعيان في نفس الأمر فلا يرد عليه ما قيل المفهومات أمور معنوية لا وجود لها في الخارج لشيوع مثله في كلامهم من غير مبالاة به. قوله:) فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه) فانقلب مرفوعا أو هو تجوّز، كقوله: ﴿وَأَنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾ أسورة يوسف، الآية: 52] أي لا يهديهم في كيدهم فالمراد يضاهون في أقوالهم. قوله: (والمراد قدماؤهم الخ (فالمضاهي من كان في زمنه منهم لقدمائهم، ومعناه عراقتهم في الكفر على الوجه الذي بعده هو شامل لهم كلهم وأما كون المضاهي النصارى، ومن قبلهم اليهود فخلاف الظاهر مع أنّ مضاهاتهم علصت من صدر الآية، ولذا أخره المصنف رحمه الله لكنه منقول عن قتادة. قوله: (والمضاهاة المشابهة الخ) فيقال ضاهيت وضاهأت كما قاله الجوهري: وقراءة العامة يضاهون بهاء مضمومة بعدها واو وقرأ عاصم بهاء مكسورة بعدها همزة مضمومة وهما بمعنى من المضاهاة وهي المشابهة وهما لغتان، وقيل الياء فرع

319

عن الهمزة كما قالوا قربت وتوضيت وأخطيت، وقيل الهمزة بدل من الياء لضمها، ورذ بأنّ الياء لا نثبت في مثله حتى تقلب بل تحذف كيرامون من الرمي، وقيل: إنه مأخود من قولهم إمرأة ضهيا بالقصر وهي التي لا ثدي

559

لها أو لا تحيض أو لا تحمل لمشابهتها الرجال ويقال امرأة ضهياء بالمذ كحمراء وضهياءة بالمد وتاء التأنيث وشذ فيه الجمع بين علامتي التأنيث، قيل وهو خطأ لاختلاف الماذتين فإنّ الهمزة في ضهياء على لغاتها الثلاث زائدة، وفي المضاهأة أصلية ولم يقولوا إنّ همزة ضهيأ أصلية وياؤها زائدة لأن فعيل لم يثبت في أبنيتهم، ولم يقولوا وزنها فعلل كجعفر لأنه ثبت زيادة الهمز في ضهياء بالمذ فتتعين في اللغة الأخرى، وفيه رذ على الزمخشري إذ جعل الهمزة مزيدة، وقال: إنّ وزنه فعيل ولا محيص عنه سوى أن تجعل الواو بمعنى أو في كلامه ليكون إشارة إلى القول الآخر في همزتها، وما يقال إنه يجوز أن يراد بكونه فعيلا مجرّد تعداد الحروف، والا فوزنه فعلأ كما صرّح به الزجاج لا يناسب ما قصده من الاشتقاق، وفيه كلام مفصل في سرّ الصناعة لابن جني. قوله: (على فعيل) يعارض ما قاله في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ﴾ [سورة البقرة، الاية: 87] من أنّ وزن مريم مفعل إذ لم يثبت فعيل. قوله:) دعاء عليهم بالإهلاك الخ (قال الراغب: المقاتلة المحاربة وقولهم قاتلهم الله تيل معناه لعنهم، وقيل معناه قتلهم والصحيح أنه على المفاعلة والمعنى صار بحيث يتصذى لمحاربة الله فإنّ من قاتل الله فمقتول ومن غالبه فمغلوب، انتهى. فعلى الأوّل هو دعاء عليهم بالإهلاك كما ذكره الرأغب، وعلى الثاني المراد منه التعجب من شناعة قولهم فانها شاعت في ذلك حتى صارت تستعمل في المدح فيقال قاتله الله ما أفصحه فظهر الفرق بينهما وأنه لا وجه لما قيل إنه دعاء عليهم بالإهلاك، ويفهم التعجب من السياق لأنها كلمة لا تقال إلا في موضع التعجب من شناعة فعل قوم، أو قولهم مع أن تخصيصه بالشناعة شناعة أخرى، ومما يتعجب منه ما قيل لا يظهر وجه الدعاء من الله فهو بتقدير قولوا قاتلهم الله والجمل الدعائية في القرآن كثيرة لكنها في كل مقام يراد منها ما يناسبه. قوله:) بأن أطاعوهم في تحريم ما أحل الله الخ (هذا هو تفسير النبىّ - ﷺ - فينبغي الاقتصار عليه لأنه لما أتاه عديّ بن حاتم وهو يقرؤها قال له: إنا لم نعبدهم فقال: ألم تتبعوهم في التحليل والتحريم فهذه هي العبادة، والناس يقولون فلأن يعبد فلأنا إذا أفرط في طاعته فهو استعارة بتشبيه الإطاعة بالعبادة أو مجاز مرسل بإطلاق العبادة، وهي طاعة مخصوصة على مطلقها والأوّل أبلغ وعلى كونه بمعنى السجود يكون حقيقة. قوله: (بأن جعلوه ابنا (فسره به لأنّ سياق الآية يقتضيه فلا يرد ما قيل الأولى بأن عبدوه ليعمّ كل النصارى، والمتخذون الأوّل بالكسر والثاني بالفخ على زنة

الفاعل والمفعول. قوله: (فبكون كالدليل على بطلان الاتخاذ الخ الأن من عبدوه إذا لم يؤمر بغير عبادة ألله فهم بالطريق الأولى، وإنما قال كالدليل لأنه ليس بدليل لاحتمال أنّ المعبودين اختصوا بذلك لكمالهم وعدم احتياجهم إلى الواسطة بخلاف من دونهم وان كان احتمالًا فاسدا، وهذا على الثاني إذ هو على الأوّل إبطال لاتخاذهم لا دليل علي!، ولذا خصه المصنف رحمه الله والزمششرفي به كما يشهد له التفريع فمن قال: إنه لا وجه له لا وجه له. قوله:

(ليطيعوا الخ) فسر العبادة بمطلق الطاعة التي تندرج فيها العبادة لأنه أبلغ وأدل على إبطال فعلهم إذ المراد باتخاذهم أربابا إطاعتهم كما مرّ، وهذا إذا كان المتخذ على زنة الفاعل ظاهر فإن كان وزن المفعول فلما مر أن غيرهم يعلم بالطريق الأولى، وبهذا سقط ما قيل إنه لا حاجة إلى صرف العبادة عن معناها الظاهر إلى معنى الإطاعة حتى يحتاج إلى أن يقال طاعة الرسول لمج، وكل من أمر الله بطاعته كطاعة الله في الحقيقة. قوله: (مقزرة للتوحيد) هو على الوجهين، وفيه فائدة زائدة هو أنّ ما سبق يحتمل غير التوحيد بأن يؤمروا بعباد إله واحد من بين الآلهة فأذن وصف المًا مور بعبادته بأنه هو المنفرد بالألوهية، وهو المراد ويجوز كونها مفسرة لواحد. قوله: (حجته الدالة على وحدانيته وتقدسه الخ) فنور الله استعارة أصلية تصريحية لحجته أو القرآن أو للنبوّة لتشبيهها بالنور في الظهور والسطوع والإطفاء بأفواههم ترشيح،

320

وقيل استعارة أخرى، واضافته إلى الله قرينة أو تجريد، وقوله بشركهم أو تكذيبهم متعلق بيطفئوا لا تفسير للأفواه، وقوله إلا أن يتم نوره إن كان المراد به النور السابق فهو من إقامة الظاهر مقام المضمر دهان أريد كل نور له أعم من الأوّل فهو تتميم له وقوله: (، علاء التوحيد) ناظر إلى الوجه الأوّل، وما بعده لما بعده، وقوله: (عن أن يكون له شريك) إشارة إلى أنّ ما مصدرية. قوله: (وقيل إنه قمثيل لحالهم في طلبهم الخ) هو معطوف بحسب المعنى على قوله حجته الخ أي هو استعارة تمثيلية والمستعار جملة الكلام لأنّ حالهم في محاولة إبطال نبوّته ﷺ بالتكذيب هو المشبه المطوي، والمشبه به حال من يريد أن ينفخ في نور عظيم منبث في الآفاق أي منتشر المعنى بقوله: ﴿يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ وقوله: ﴿وَيَأْبَى اللهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ﴾ ترشيح لأنّ إتمام النور زيادة في استنارته، وفشوّ ضوئه فهو تفريع على الأصل المشبه به، وقوله هو الذي أرسل وسوله بالهدى الخ تجريد وتفريع على الفرع وروعي في كل من المشبه،

والمشبه به الإفراط والتفريط حيث شبه الإبطال بالإطفاء بالفم، ونسب النور إلى الله ومن شأن النور المضاف إليه أن يكون عظيمًا فكيف يطفأ بنفخ الفم فلذا قال: عظيم منبث في الآفاق مع ما بين الكفر الذي هو ستر وازالة للظهور والاطفاء من المناسبة، وقوله بنفخه متعلق بإطفاء، والضمير المضاف إليه راجع لمن. قوله: (وإنما صح الاستثناء المفرغ الخ (يعني إن إلا أن يتمّ استثناء مفرغ وهو في محل نصب مفعول! به، والاستثناء المفرغ في الأغلب يكون في النفي إلا أن يستقيم المعنى، وهذا نفي في المعنى لأنه وقع في مقابلة يريدون ليطفؤوا نور الله فدل التقابل على أن معناه كما قال الزمخشرفي: لا يريد إلا تمام نوره، وقال الزجاج: المستثنى منه محذوف تقديره ويكره الله كل شيء إلا إتمام نوره فالمعنى على العموم المصحح للتفريع عنده فللناس في توجيه التفريع هنا مسلكان، والحاصل إنه أن أريد كل شيء يتعلق بنوره بقرينة السياق صح إرادة العموم ووقوع التفريع في الثابتات كما ذهب إليه الزجاج إذ ما من عام إلا وقد خص فكل عموم نسبي لكنه يكتفي به، ويسمى عمومًا ألا ترى أن مثالهم قرأت إلا يوم كذا قد قدروه كل يوم، والمراد من أيام عمر. لا من أيام الدهر فإن نظر إلى الظاهر في أمثاله كان عاما، واستغنى عن النفي وان نظر إلى نفس الأمر فهو ليس بعام فيؤوّل بالنفي، والمعنى فيهما واحد وإنما أوّل به هنا عند من ذهب إلى تأويله لاقتضاء المقابلة له إذ ما من إثبات إلا ويمكن تأويله بالنفي، فيلزمه جريان التفريغ في كل شيء، وليس كذلك كما صرّج به الرضي، ولذا قيل الاستثناء المفرغ وإن اختص بالنفي إلا أنه قد يمال مع المعنى بمعونة القرائن، ومناسبة المقامات فيجري بعض ا! إيجابات مجرى النفي في صحة التفريغ معها، كم! قيل في قوله تعالى: ﴿فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلًا مِّنْهُمْ﴾ [سورة البقرة، الآية: 249] وهذا ما يقال لا يجري في الإثبات إلا أن يستقيم المعنى ولو اكتفى بمجرّد جعل المثبت بمعنى نفي مقابله الجري في كل مثبت ككرهت بمعنى ما أردت وأبغضت بمعنى ما أحببت وهكذا، وإنما قدره المصنف رحمه الله لا يرضى، ولم يقدر لا يريد كما قدره الزمخشرفي لأنّ المراد بإرادة إتمام نوره إرادة خاصة، وهي الإرادة على وجه الرضا بقرينة قوله: ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [سورة الصف، الآية: 8] لا الإرادة المجامعة لعدم الرضا كما هو مذهبنا بخلاف من يسوّي بينهما فمن فسر كلام المصنف رحمه الله بكلام الزمخشرقي غفل عن إرادته، ومن الناس من أورد هنا بحثًا وهو أنّ الغرض من إرجاع الإثبات إلى النفي بالتأويل تصحيح المعنى، ولا يخفى أنه لا فرق هنا بين أن يؤولط بلا يرضى، وعدمه في عدم صحة المعنى فإن عدم رضاه تعالى إتمام كل شيء غير نوره لا يصح فالآية مشكلة على كل حال!، فإن قيل المعنى يأبى كل شيء يتعلق بنوره إلا إتمامه فالمعنى صحيح من غير تأويل بالنفي، والحاصل أنه إن عم الأباء كل شيء فالنفي، وعدمه سيان في بمدم صحة المعنى، وان خص فلا حاجة إلى التأويل، وقد علمت مما قرّرناه لك أنّ هذا البحث من عدم الوقوف على المراد، وربما استصعبه من لم يعرف حقيقة الحال. قوله:

(محذوف الجواب) وتقديره يتمّ نوره، وقوله كالبيان لأنّ المراد من إتمام نوره إظهاره، ولكونه بحسب المآل بمعناه ذيله بما ذيله به بعينه لكنه عبر عن الكافرين بالمشركين تفاديا عن صورة التكرار، وظاهر كلامه أنه فسر

321

الكفر بالكفر بالرسول مجت! ر، وتكذيبه والشرك تالبهفر بالله بقرينة التقابل ولا مانع منه فسقط ما قيل إنه ليس لهذا التكرير تسبب عن كونه كالبيان فالأولى أن يقال كرر للتأكيد وكيف يكون تأكيدًا مع أنه بين تغايرهما، وتفسير الجنس بسائر الأديان إشارة إلى أنّ المراد به الاستغراق لما عداه، وهو على إرجاع الضمير للدين، وقوله أو على أهلها على إرجاعه للرسول ﷺ ففي الكلام حينئذ مضاف مقدر أي أهل الدين، وخذلانهم عدم نصرهم ويصدون من الصد أو الصدود كما مرّ. قوله: (يأخذونها بالرشا) هي جمع رشوة، والباء للملابسة أي يأخذونها ملتبسة بها، ولو قال: الارتشاء كان أوضح والباء للسببية وقوله سمي أخذ المال أكلا الخ في الكشاف أنه على وجهين إمّا أن يستعار ا! ل للأخذ ألا ترى إلى قولهم أخذ الطعام وتناوله، واما على أنّ الأموال يؤكل بها فهي سبب ل! ل ومنه قوله:

إنّ لنا أحمرة عجافا يأكلن كل ليلة اكافا

وقيل عليه لا طائل تحت هذه الاستعارة والاستشهاد بقولهم أخذ الطعام وتناوله سمج، والوجه هو الثاني، وما قاله القاضي سمي أخذ المال أكلا لأنه الغرض الأعظم منه، وردّ بأنه استشهد بقولهم على أنّ بينهما شبها والا فهذا عكس المقصود، وفائدة الاستعارة المبالغة في أنه أخذ بالباطل لأنّ اكل هو غاية الاستيلاء على الشيء ويصير قوله بالباطل على هذا زيادة مبالغة، ولا كذلك لو قيل: يأخذون، وعلى الوجه الآخر التجوّز كما قيل إما في ا! ل لأنه مجاز عن الأخذ لأنّ الأكل ملزوم للأخذ كما أنّ أخذ الطعام مجاز عن أكله لأنه لازم له، وأما في الأموال فهي مجاز عن الأطعمة التي تؤكل بها للتعلق بين الأموال، والأطعمة المختصة بها كما أنّ الاكاف مجاز عن العلف للتعلق بينهما بسبب اشترائه والمصنف رحمه الله اختار أنّ اكل مجاز مرسل عن الأخذ بعلاقة العلية، والمعلولية وكونه مجازًا في الإسناد لا وجه له، فلذا لم يلتفتوا إليه وفسر سبيل الله بدينه وقريب منه تفسيره بحكمه. قوله: (ويجوز أن يراد به الكثير من الأحبار الخ) يريد أن التعريف في الذين يكنزون للعهد، والمعهود إما الأحبار

والرهبان، وأمّا المسلمون لجري ذكر الفريقين، والأولى حمله كما قال الطيبي رحمه الله على العموم فيدخل فيه الأحبار والرهبان دخولًا أولياء، وقوله الكثير لبيان الواقع في أصدق الكلام لأنهم ليسوا كذلك جميعا، والضن بكسر الضاد كالضنة شدة البخل، والمبالغة من التعبير عن المنع بالكنر الذي أصل معناه الدفن في الأرض، ويقتنون افتعال من القنية وهي معروفة. قوله: (وأن يراد المسلمون الخ) وجه الأول ذكره عقب ذمهم ووجه هذا أنّ قوله لا ينفقونها بشعر بأنهم ممن ينفق في سبيل الله لأنه المتبادر من النفي عرفا، ووجه دلالة حديث عمر رضي الله عنه (1 (عليه أنّ الصحابة رضي الله عنهم فهموا منها ذلك، وهم أهل لسان فدل على ذلك والاستدلال بالنور إلى إرادة المشركين فقط لأنه المذكور في كلامه لا بالنسبة إلى تعميمه، فإنه لا دلالة له على عدم العموم لدخولهم فيه، ولذا قيل إن حديث عمر رضي الله عنه لا يدل على التخصيص بالمسلمين، وقيل لو أريد بهم أهل الكتاب خاصة لقيل، ويكنزون فلما قيل والذين يكنزون استئنافا علم أن المراد التعميم، والتخصيص بالمسلمين، وقد قيل المراد المسلمون ويدخل الأحبار والرهبان بطريق الأولى، وفي التعميم غنيمة عن هذا كله، وحديث عمر رضي الله عنه أخرجه أبو داود: " وما أذى زكاته فليس بكنز ") 2 (أخرجه الطبراني والبيهقي في سننه وغيرهما، عن ابن عمر رضي الله عنهما وتفسيره الكنز بالكنز المتوعد عليه في الآية بيان لمراده ﷺ. قوله: (وأمّا قوله يكوو الخ» 3 (جواب عن السؤال بمعارضة ما ذكر لما مرّ من الحديث،

وقيل إنه كان قبل أن تفرض الزكاة والشيخان حيث أطلقا عند المحدثين ص البخاري ومسلم، وهو المراد الحديث: رواه الطبراني والبخاري في تاريخه، وقوله: (1 لا إذا (المستئنى فيه الجملة من الشرط وجوابه، وتصفيحها بسطها ومدّها حتى تصير صفيحة وفسر العذاب بالكيّ بهما لأن يوم الخ تفسير له. قوله: (أي يوم توقد النار ذات حمى الخ) يعني أنّ أصله ما ذكر لكنه عدل عنه للمبالغة لأنّ النار في نفسها ذات حمى فإذا وصفت بأنها تحمي دلّ على شدة

322

توقدها، ثم جعلت مستعلية على الكنوز فطوى ذكرها وحول الاسناد إلى الجار والمجرور فأفاد شدة حرّ الكنوز المكرى بها وقرىء تحمى بالتاء الفوقية بإسناده إلى النار كأصله وقراءته بالياء لأنّ الفاعل ظاهر والتأنيث غير حقيقي، وبها فاصل. قوله: (وإنما قال عليها والمذكور شيثان الخ (أي الظاهر في هذه الضمائر والتثنية فلم أتى بضمير المؤنث فذكر أن وجهه أنه ليس المراد بهما مقدار معين منهما، والجنس الصادق بالقليل والكثير منهما بل الكثير لأنه هو الذي يكون كنزا فأتى بضمير الجمع للدلالة على الكثرة ولو ثنى احتمل خلافه وأيده بما روي عن علي كرّم الله وجهه كما رواه ابن حبان وابن حاتم موقوفا عليه، والتوجيه الآخر أن الضمائر عائدة على الكنوز أو الأموال المفهومة من الكلام فيكون الكلام عاما، ولذا عدل فيه عن الظاهر والتخصيص بالذكر لأنهما الأصل الغالب في الأموال لا للتخصيص والقانون لفظ روي معرّب جمعه قوانين، وهو في الأصل بمعنى المسطر، ثم استعمل بمعنى الأصل. قوله: (أو للفضة الخ) وجه آخر وهو أن الضمير للفضة واكتفى بها لأنها أكثر والناس إليها أحوج ولأنّ الذهب يعلم منها بالطريق الأولى مع قربها لفظا. قوله: (لأنّ جمعهم وامساكهم الخ) بيان لوجه تخصيص ما ذكر بالذكر كونه مكتوبا بأن غرضهم من جمعها طلب أن يكونوا عند الناس ذوي وجاهة أي رآسة بسبب الغنى من قولهم هو وجه القوم لسيدهم، وليس المراد ما تعارفه الناس،

وأن يتنعموا بالمطاعم الشهية التي تشتهب يا أنفسهم، والملابس الب كية ذات البهاء، وهو حسن المنظر فلو جاهتهم ورآستهم المعروفة بوجوههم كأنّ الكيّ بجباههم ولامتلاء جنوبهم بالطعام كووا عليها ولما لبسوه على ظهورهم كويت. قوله:) أو لأنهم ازورّوا الخ) وجه آخر والازوراء الانحراف عن السائل، وهو بالوجه فيكون سبب كيّ الجباه، والإعراض أن يولي عنه جانبه فهو مناسب لكيها وتولية الظهور في غاية الظهور، وقوله: (أو لأنها الخ) يعني تخصيصها لاشتمالها على أشرف الأعضاء بالذات لأنها رئي! الأعضاء كما صرّح به الأطباء أو لأنها أصول الجهات الأربع فالمفاديم الإمام، والمآخر الخلف والجنبان اليمين والشمال فيكون كناية عن جميع البدن، قيل ولم يذكر نكتة لبيان الاقتصار على هذه الأربع من بين الجهات الست. قوله: (على إرادة القول الخ) أي يقال لهم هذا، وقوله لمنفعتها إما إشارة إلى تقدير مضاف أو إلى محصل معنى الكلام، واللام للتعليل ولم تجعل للملك لعدم جدواه، وقوله: (عين مضرتها) إشارة إلى أنهم حصل لهم خلاف ما قدروه في العاقبة. قوله: (وبال كنزكم) يشير إلى أنّ ما مصدرية مؤوّلة بمصدر من جنس خبر كان لأنّ في كون الناقصة لها مصدر كلًا ما ولذا قال بعض النحاة لا مصدر إلا للتامة، وهو الكون ولأن المقصود الخبر وكان إنما ذكر لاستحضار الصورة الماضية، ولذا خالف الزمخشرقي في تقدير كونكم كانزين، وقدر له مضافا وهو وبال بمعنى ألمه وشذته بالكيّ، وقوله أو ما تكنزونه إشارة إلى موصوليتها وتقدير العائد، وفي قوله ذوقوا ما الخ استعارة مكنية وتخييلية أو تبعية وكنز يكنز كضرب يضرب وقعد يقعد لغتان وبهما قرىء. قوله: (أي مبلغ عددها الخ الما كانت العدّة مصدرًا كالشركة، واثنا عشر ليس عينها فلا يصح حمله عليها قدر الكلام بما يصححه، والمبلغ المقدار الذي يبلغه، وقيل إنما قدر المضاف مع عدم الحاجة إليه في تأدية المعنى لأنّ المقصود الردّ على المشركين في الزياد بالنسيء، وهو إنما يحصل به لا بدونه وفيه نظر. قوله: (معمول عدّة لأنها مصدر) أي حالًا كما هو الظاهر، وقيل بحسب الأصل وهو كاف للعمل في الظرف لأن العدد خرج عن المصدرية وهي بمعناه، وهو تكلف لا حاجة إليه وعدة مبتدأ وعند الله معموله، وفي كتاب الله صفة اثنا عشر ويوم معمول كتاب الله على مصدريته أو العامل فيه معنى الاستقرار وفي الإعراب

وجوه آخر مفصلة في محلها، وشهرا تمييز مؤكد لأنه مع قوله: (عذّة الشهور) أي شهور السنة لو حذف استغنى عنه قيل، وما يقال إنه لدفع الإيهام إذ لو قيل عذة الشهور عند الله أثنا عشر سنة لكان كلا ما مستقيما ليس بمستقيم، وهو غير وارد لأنّ مراد القائل أنه يحتمل أن تكون تلك الشهور في ابتداء الدنيا كذلك كما في قوله: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ﴾ [سورة الحج، الآبة: 47] ونحوه

323

ولا مانع منه فهو أحسن من الزيادة المحضة، وفسر الكتاب باللوح وبالحكم لأنه يقال كتب الله كذا بمعنى حكم به، أو قدره كما مرّ وقدم الأوّل لأنه أظهر وأسلم عن التكرار مع قوله عند الله.

قوله: (متعلق بما فيه من معنى الثبوت الخ) أي بما في قوله كتأ! الله من معنى الثبوت

الدال عليه بمنطوقه، أو بمتعلقه أو بالكتاب إن كان مصدرًا بمعنى الكتابة لا عينًا وجثة، وإنما قال والمعنى الخ لأنّ كونها في اللوح أو في الحكم الإلهي أزلي قبل خلقهما فبين أن ا! مراد تقييده به باعتبار الوقوع، ولما كان الوقوع مستمرًا لا مقيدا بالخلق أشار بقوله مذ خلق إلى أنه بيان لابتدائه فلا ينافي استمراره، وزاد الأزمنة لأن المراد بخلق السماوات والأرض! إيجادها، وايجاد ما فيها من الجواهر والأعراضى والمعنى أنه في ابتداء إيجاد هذا لعالم كانت عذتها كذلك، وهي على ما كانت عليه فاندفع ما قيل إن قوله في كتاب الله ليس بمعنى حكمه وقضائه وتقديره لأنّ ذلك قبل خلق السماوات والأرض، ومنها أي من الاثني عشر. قوله: (واحد فرد الخ) قال النووي في شرح مسلم الأشهر الحرم أربعة ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر أضيف لهم لأنّ بعض العرب وهي ربيعة كانوا يحرمون رمضان ويسمونه رجبا، ولذا قال في الحديث: " رجب مضر الذين بين جمادى وشعبان ") 1 (بيانا له، واختلف في ترتيبها فقيل أوّلها المحرم وآخرها ذو الحجة فهي من شهور عام وقيل أوّلها رجب فهي من عامين، وقيل أوّلها ذو القعدة وهو الصحيح لتواليها، وفي الحديث ثلاث متواليات ورجب مضر، اهـ وأورد عليه ابن المنير في تفسيره أنه إنما يتمشى على أن أوّل السنة المحرّم، وهو حدث في زمن عمر رضي الله عنه، وكان يؤرخ قبله بعام الفيك، ثم أرخ في صدر الإسلام بربيع الأوّل فتأمّله، وقوله وثلاثة سرد أي متوالية من سرد العدد تابعه، والمحرّم لا يستعمل بغير أل لكونه علما بالغلبة. قوله: (أي تحريم الأشهر الآربعة (جعل الإشارة إليها لقربها ولا يضر كون ذلك للبعيد لأنّ الألفاظ لتقضيها في حكمه كما مرّ تحقيقه في ذلك الكتاب، ولم يلتفت إلى جعلها لكون

العدّة كذلك الذي رجحه الإمام بأنّ كونها أربعة محرمة مسلم عند الكفار، وإنما القصد الردّ عليهم في النسيء والزيادة على العدّة لأن التفريع الذي بعده يقتضيه فتأمّل. قوله: (وارتكاب حرامها الك أن تفسر هتك حرمتها بالقتال فيها وارتكاب حرامها بارتكاب المحرّمات على تفسيري الظلم فيتغايران، وأن تجعل الثاني تفسيرًا له أي ارتكاب الحرام فيها فالإضافة على معنى في أو لأدنى ملابسة. قوله: (والجمهور على أن حرمة المقاتلة فيها منسوخة) واختلف في الناسخ لها، ولذا لم يذكره المصنف رحمه الله للاختلاف فيه مع أن الأصح النسخ، وأن الظلم هنا مؤوّل بارتكاب المعاصي فيها وتخصيصها به مع أنه مطلق لتعظيمها وأن الإثم فيها أشذ من غيرها كما في الحرم وشهر رمضان وحال الإحرام، وقوله: (عن عطاء الخ) هو عطاء بن أبي رباح، وهو المراد حيث أطلق، وقوله إلا أن يقاتلوا بصيغة المجهول والضمير للمسلمين أو المعلوم والضمير للكفار وإنما استثنى هذا لأنه للدفع فلا يمنع منه بالاتفاق أو لأنّ هتك حرمته ليس منهم بل من البادئ. قوله: (ويؤيد الأوّل) أي القول بالنسخ المقابل لقول عطاء وما ذكره من كون غزوة حنين في شوّال وذي القعدة رواية صحت عنده، وقال محمد في الأصل إنه حاصر الطائف من مستهل المحرّم أربعين يوما، وفتحها في صفر وهو يدل على النسخ أيضا، ونقل النسفي عن الواقدي أنه خرج لها في سادس شوّال وهزمهم فهرب أميرهم مالك بن عوف مع بقيتهم وتحصنوا بالطائف فتبعهم ﷺ، ومعه المسلمون وحاصرهم بقية الشهر فلما دخل ذو القعدة وهو من الحرم انصرف فأتى الجعرانة، وقسم السبي والأموال وأحرم بعمرة منها. قوله: (جميعًا) هذا هو المراد منه وهو في الأصل مصدر انتصب على الحال، وهل يلزم النصب على الحال، ولا يتصرف أولًا فيه كلام بسطناه في شرح الدرة وهو بمعنى المفعول لأنه مكفوف عن الزيادة، ويجوز أن يكون اسم فاعل لأنه يكف عن التعرّض له، أو التخلف عنه وهو حال إمّا من الفاعل أو المفعول أي لا يتخلف أحد منكم عن القتال أو لا تتبركوا قتال أحد منهم، وقوله: (بشارة الخ) لأنّ الجند الذين معهم لا يشك في نضرتهم، وقوله: (بسبب تقواهم (لأن التعليق بالمشتق يفيد عليه مأخذ

324

الاشتقاق كما مرّ مرارًا.

فائدة: كان القتال في صدر الإسلام فرض! عين، ثم نسخ وأنكره ابن عطية رحمه الله تعالى. قوله: (تأخير حرمة الشهر إلى شهر آخر الخ) جعله مصدرًا على فعيل كالنذير والنكير

لأنه لا يحتاج إلى تقدير بخلاف، ما إذا كان فعيلًا بمعنى مفعول صفة فإنه لا يخبر عنه بزيادة إلا بتأويل أي ذو زيادة أو إنساء التسيء زيادة، وقوله: (وهم محاربون (أي عازمون على الحرب، وقوله حتى رفضوا خصوص الأشهر أي تركوها واستبدلوا مكانها أشهرًا أخر، وربما زادوا في السنة شهرا لذلك، وفي النسيء لغات بها قرئ أيضا كإبدال الهمزة ياء وإدغامها فالنسيّ، كالنديّ وهي قراءة نافع، وقوله وقرئ النسي بحذفها أي بحذف الهمزة وتسكين السين بوزن النهي كما في الكشاف ففي كلامه قصور والنسء، كالمس وفي آخره همزة، والنساء بالكسر والمد كالمساس. قوله:) وثلاشها مصادر نسأه إذا أخره) يعني النسي كالنهي والنسء كالبدء والنساء كالنداء، وسكت عن النسيّ بوزن فعيل فإنه اختلف فيه فقيل هو مصدر كالنذير وقيل وصف كقتيل وجريح. قوله: (لأنه ثحريم ما أحله الله الخ) يعني أنهم لما توارثوه على أنه شريعة، ثم استحلوه كان ذلك مما يعد كفرا، وترك الوجه الآخر الذي ذكرهه الزمخشري من أنه معصية، والكفر يزداد بالمعصية كما يزداد الإيمان بالطاعة لما يرد عليه من أن المعصية ليست من الكفر بخلاف الطاعة فإنها من الإيمان على رأي وإن أجيب عنه بما لا يصفو عن الكدر. قوله: (ضلالًا زائدًا الخ) لًانّ أصل الضلال ثابت لهم قبله فالمراد زيادته فيكون لهم زيادة كفر على كفر، وضلال على ضملال فهم في ظلمات بعضها فوق بعض، وهذا على كونه من الثلاثي المعلوم وعلى كونه من الإضلال معلومًا ومجهولًا الفاعل الله، أو الشيطان وعلى المعلومية يصح أن يكون الذين فاعلا ومفعوله محذوف أي اتباعهم ورجح هذا على الأوّل. قوله: (فيتركونه على حرمته) فسر تحليله بتاخير الشهر الحرام ومعناه ثحريم شهر آخر مكانه، وفسر تحريمه بإبقائه على حرمته القديمة وتحريم تأخيره، وجنادة بضم الجيم والنون والدال المهملة علم، والمراد بالمحرم في كلامه شهر المحرّم، أو ما كان محرّما من الأشهر مطلقأ، والقابل غلب في العرف على العام الذي بعد عامك، وقوله: (أو حال) وعلى الأوّل لا محل لها من الإعراب قيل والوجهان سواء في تبيين الضلال وإنما الاختلاف في المحلية وعدمها.

قوله: (واللام متعلقة بيحرّمونه الخ) وإذا حرّموه لأجل موافقة ما حرّمه لزم أن لا يحرّموا بدله لمالا لزادت العدّة فلا يقال كان عليه أن ينبه على هذا، كما قيل وجعله بعضهم من التنازع، وما دل عليه المجموع هو فعلوا ذلك ونحوه. قوله: (بمواطأة العدّة وحدها الخ) يعني كان الواجب عليهم العدة، والتخصيص فإذا تركوا التخصيص فقد استحلوا ما حرّم الله. قوله: (وهو الله تعالى والمعنى خذلهم (تفسير لتزيين الله لهم سوء أعمالهم لدلالة قراءة المبني للفاعل على أنّ المزين هو الله تعالى، والا ففي كثير من المواضع يجعل المزين هو الشيطان، وحينئذ لا يفسر التزيين بالخذلان بل بالوسوسة، وقد مرّ تحقيقه، وقوله: (هداية موصلة الخ) تفسير له وتقييد على القولين لأنه المنفي. قوله: (تباطأتم الخ (تفاعل من البطء، وهو عدم السرعة إلى الجهاد، وأصل إثاقلتم تثاقلتم كما قرئ به على الأصل فأدغصت التاء في الثاء، واجتلبت همزة الوصل للتوصل إلى الابتداء بالساكن، وإذا متعلق به أما على قراءة أثاقلتم بفتح الهمزة على أنها همزة استفهام وهمزة الوصف سقطت في الدرج فيكون العامل فيه فعلا دل عليه الكلام كملتم لأنّ الاستفهام له الصدر، فلا يتقدم مفعوله عليه، والاستفهام للتوبيخ في هذه القراءة، وهو ظاهر. قوله: (متعلق به الخ الما كان تثاقل يتعدّى ضمنه معنى الإخلاد، وهو الميل وضمير بها للغزوة ووقت عسرة أي قحط وعدم عذة والقيظ شدة حرّ الصيف، والشقة بالضم والكسر مسافة بعيدة يشق قطعها وقوله بدل يعني معنى من البدل، وقوله في جنب الآخرة أي إذا قيست إليها، وهذه تسمى في القياسية لأن المقيس يوضع بجنب ما يقاس به. قوله: (مطيعين الخ) ترك قول الزمخشري أطوع وخيرًا منكم لأنه زيادة من غير حاجة مع أنه هو الواقع المناسب لعدم نفارهم، وقوله: فإنه الغنيّ الخ إشارة إلى أن عدم الضرّ ليس مقيدًا بالاسنبدال بل مع قطع النظر

عنه، والضمير على هذا لله وفي الكلام مضاف مقدر وشيئا مفعول

325

به أو مفعول مطلق، وقوله وعدله الخ أي وعدًا سابقا على هذا الوعد، وقوله فيقدر على التبديل هو من قوله يستبدل قوما غيركم وتغيير الأسباب أي أسباب النصرة، وينصره بلا مدد، وقوله كما قال الخ فيكون قوله: ﴿وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ تتميما لما قبله وتوطئة لما بعده. قوله: (فسينصره الله كما نصره الله الخ الما كان الجواب هنا ماضا والشرط جوابه مستقبل حتى إذا كان ماضيا قلبه مستقبلا، وهنا لم ينقلب جعل الجواب فسينصره كما نصره أوّلًا، وفي الكشاف فيه وجهان أحدهما ألا تنصروه فسينصرهـ من نصره حين لم يكن معه إلا رجل واحد، ولا أقل من الواحد فدل بقوله فقد نصره الله على أنه ينصره في المستقبل كما نصره في ذلك الوقت، والثاني أنه أوجب له النصرة وجعله منصورًا في ذلك الوقت فلن يخذل من بعده والى هذين الجوابين أشار المصنف رحمه الله بما ذكره لكنه اعترض! عليه بأنّ مآلهما واحد فينبغي الاقتصار على أحدهما، وقيل الوجهان متقاربان إلا أنّ الأوّل مبني على القياس، والثاني على الاستصحاب فإنّ النصرة ثابتة في تلك الحالة فتكون ثابتة في الاستقبال إذ الأصل بقاء ما كان على ما كان، والحاصل أنه لما جعله دليلًا على الجواب أثبت الدلالة بوجهين والمآل واحد، وقد يقال إنه على الوجه الأوّل يقدّر الجواب، وعلى الثاني هو نصر مستمرّ فيصح ترتبه على المستقبل لشموله له، وإنما قال كالدليل لأنه لا يلزم من إحدى النصرتين الأخرى إذ هو فعال لما يريد لكنه جرى على عوائد كرمه، وأن الكريم لا يقطع إحسانه، وتفسير الإبان لم لتبيين النفي لأنّ إلا في صورة الاستثنائية فلا يرد ما قيل إنه لا وجه له. قوله: (وإسناد الإخراج إلى الكفرة الخ) يعني أنه إسناد إلى السبب البعيد، والحال عن ضمير نصره أو من أخرجه والأوّل أولى، وقيل إنّ إسناده لهم حقيقة شرعية وفيه نظر، وقوله إذ المراد به زمان متسع دفع لتوهم تغايرهما المانع من البدلية، وقيل إنه ظرف لقوله ثاني اثنين، دماذ يقول بدل منه، وقوله والغار أي المذكور، وقوله: (في يمنى

مكة) أي في الجهة اليمنى. قوله: (وهو أبو بكر رضي الله تعالى عنه) في الكشاف وقالوا: من أنكر صحبة أبي بكر رضي الله عته فقد كفر لإنكاره كلام الله، وليس ذلك لسائر الصمحابة رضي الله عنهم، وقيل إنه ليس بمنصوص عليه فيها بل المنصوص عليه أنّ له ثانيا هو صاحبه فيه فمانكار ذلك يكون كفرا لا إنكار صحبته بخصوصه، ولذا قال: قالوا فجعل العهدة فيه على غيره وفيه نظر، وقوله: (بالعصمة والمعونة (يعني أنها معية مخصوصة والا فهو مع كل أحد، وقوله: (روي الخ) (1 (رواه البخاري ومسلم إلى قوله الله ثالثهما، وما بعده رواه البزار والطبراني والبيهقي في الدلائل عن أنس رضي الله عته والمغيرة بن شعبة رضي الله عته، وقوله: (فأشفق (أي حزن وخاف، وقوله ما ظنك الخ أي أتظن بهما شرًّا وضررًا ويتردّدون بمعنى يجيؤون ويذهبون مرارًا، والكلام على السكينة وهي الطمأنينة قد مرّ. قوله: (على النبئ ﷺ أو على صاحبه رضي الله عنه وهو الأظهرا لأنّ النبيّءلمجرو لم ينزعج حتى يسكن، ولا ينافيه تعين عود ضمير أيده على الرسول ﷺ لعطفه على قد نصره لا على أنزل حتى تنفك الضمائر، وقيل بل الأظهر الأوّل وهو العناسب للمقام، وانزال السكينة لا يلزم أن يكون لدفع الانزعاج بل قد يكون لرفعته، ونصره كما مرّ في قصة حنين والفاء للتعقيب الذكرى، اهـ وقوله فتكون الجملة الخ يعني على الوجه الثاني لأنه لو عطف على أنزل عليه يكون متعقبًا على ما قبله وليس كذلك بخلافه على الأوّل فلا وجه لما قيل إنه على الوجهين، والأولى ترك الفاء المقتضية لتفريعه على الثاني وقوله يعني الشرك الخ فالكلمة مجاز عن معتقدهم الذي من شأنهم التكلم به، وعلى الوجه الآخر بمعنى الكلام مطلقا، وقابله بتفسير كلمة الله بالتوحيد أو دعوة الإسلام على اللف والنشر للتفسيرين. قوله. (والمعنى وجعل ذلك الخ) إشارة إلى ما تضمنه الكلام من إعلاء كلمته تعالى، وتسفيل كلمتهم وكون التخليص سببا لذلك باعتبار أنه مبدأ الجعل المذكور،

وهذا يقتضي كونهما في حيز الجعل وهو على قراءة النصب، وسياق كلامه ليس فيها ودفع بأنهما داخلان فيه لا من حيث تسليط الجعل عليه بل من حيث كون جعل كلمة الذين كفروا سفلى يستلزم علوّ كلمة الله فهو لا ينافي قراءة الرفع، وبتأييده عطف على بتخليصه، وقوله:) حيث

326

حضر (بالمعجمة من الحضور. قوله: (والرفع أبلغ لما قيه من الإشعار الخ) أي أكثر بلاغة لأن الجملة الاسمية تدل على الدوام، والثبوت وإن الجعل لم يتطرق لها لأنها في نفسها عالية بخلاف علوّ غيرها فإنه غير ذاتيّ، بل بجعل وتكلف فهو عرض زائل غير قار وان تراءى للعقول القاصرة خلافه، وقيل: إنما الرفع أبلغ لما في النصب من إيهام التقييد بالظروفب السالفة إذ أخرجه وما بعده، وهو وارد على قوله وأيده بجنود فالأولى التعليل بأن جعل كلمة الله في حيز الجعل والتصيير غير مناسب بل هو دائم ثابت، ولا كذلك تسفيل كلمة الكفر الذي هو جعلها مقهورة منكوسة بين الناس، وأما التعليل بأن جعل الله كلمة الله كأعتق زيد غلام زيد، فمدفوع بأنّ هذا لا فائدة فيه، وفي إضافة الكلمة إلى الله إعلاء لمكانها وتنويه لثأنها وفيه بحث. قوله:) في أمره وتدبيره (لف ونشر مرتب، وفسر الخفة والثقل بوجوه خمسة مآلها إلى حال سهولة النفر وحال صعوبته، ولذلك أسباب كنشاط الإنسان وعدمه لما فيه من المشقة أو لقلة العيال، وكثرتهم أو لكونه له سلاج وعدمه أو لكونه صحيحا أو مريضًا، وابن أمّ مكتوم من الصحابة رضوان الله عليهم، وكان رضي الله عنه ضريرًا وهذا يقتضي أنّ آية ليس على الأعمى حرج نزلت بعد هذه الآية وهو لا ينافي كون هذه السورة من آخر ما نزل أي مجموعها أو أكثرها، وهذه الآية نزلت في النفير العائم وتفصيله في الفروع، والجهاد فرض كفاية في الأصل. قوله:) بما أمكن الخ) يعني يجاهد بنفسه إن قدر والا فبإنفاقه ماله إن كان له مال فينفقه على السلاح، وتزويد الغزاة ونحوه، وقوله من تركه أي عندكم أو عند الله إن كان في تركه مرابطة، وحفظ للعيال ونحوه. قوله:) تعلمون الخير الخ) يعني علم متعد لواحد بمعنى عرت تقليلأ

للتقدير أو مفعولاه ذلك خيرًا فيتعذى لاثنين وجواب إن مقدّر هو علمتم أو بادروا، وفسر العرض بالنفع الدنيوي كما مرّ وقربه عبارة عن سهولة تناوله، وقاصدًا من القصد، وهو التوسط أي بين البعد والقرب، وبعد يبعد كعلم يعلم لغة فيه لكنه اختص ببعد الموت غالبا، ولا تبعد يستعمل في المصائب للتفجع والتحسر كما قال:

لا يبعد الله إخوانًا لنا ذهبوا أفناهم حدثان الدهر والأبد

قوله: (رجعت من تبوك) أي من غزوة تبوك، وهي معروفة في السير وتبوك محل سمي

بعين فيه، وهي العين التي أمر النبيّء! أن لا يمسوا من مائها شيئآ فسبق إليها رجلان، وفيها شيء قليل من ماء فجعلا يدخلان فيها سهمًا ليكثر ماؤها فقال لهما رسول الله لمجير: " ما زلتما تبوكانها " (1 (أي تحفرانها فسميت تبوك وهي غير مصروفة. قوله: (يقولون لو كان لنا استطاعة العدّة أو البدن الخ) بالله إمّا متعلق بسيحلفون وهو مختار المصنف رحمه الله أو من جملة كلامهم ولا بد من تقدير القول في الوجهين أي سيحلف المتخلفون عند رجوعك معتذرين يقولون بالله لو استطعنا أو سيحلفون بالته يقولون لو استطعنا، وقوله لخرجنا فيه مذهبان أحدهما إن لخرجنا جواب القسم، وجواب لو محذوف على قاعدة اجتماع القسم، والشرط إذا تقدم القسم ؤهو اختيار ابن عصفور رحمه الله، والآخران لخرجنا جواب لو وهي وجوابها جواب القسم، وهو اختيار ابن مالك رحمه الله، وأما كونه ساذا مسد جوابي القسم، والشرط فقيل عليه إنه لم يذهب إليه أحد من أهل العربية، وأجيب عنه بأنّ مراده إنه لما حذف جواب لو ودل عليه جواب القسم جعل كأنه سذ مسذ الجوابين، وأما ما قيل لا حاجة إلى تقدير القول لأن الحلف من جن! القو! فهو أحد المذهبين المشهورين، فلا يضر من وجهه على المذهب الآخر، وقدره فعلا لا قائلين لأنه بيان لقوله سيحلفون فيقتضي الفعلية. قوله:) وقرئ لو استطعنا بضم الواو الخ (هي قراءة الحسن وقرئ بالفتح ففيه ئلاثةءوجه وقرا آت، وقوله ساذ مسذ جوابي القسم مرّ تحقيقه أما على كونه من كلامهم فظاهر وأما على تعليقه بالفعل فلأن جملة القول مفسرة، وبيان له فيتضمن معنى القسم وفيه تأمل. قوئه: (وهو بدل من سيحلفون (قيل إن الهلاك ليس مرادفأ للحلف، ولا هو نوع منه، ولأ يجوؤ أن يبدل فعك من فعل إلا أن يكون مرادفًا له أو نوعا منه، وفي كلام المصنف رحمه الله ما يد فيه وهو قوله لأنّ الحلف الخ

فهما مترادفان فإن اذعاء فيكون بدل كل من كل، وقيل إنه بدل اشتمال لأنّ

327

الحلف سبب للإهلاك والمسبب ببدل من السبب لاشتماله عليه وله نظائر كثيرة وكلام المصنف رحمه الله يحتمله أيضا وعليه حمله بعض أرباب الحواشي. قوله: (أو حال من فاعله (أو استئناف وفي الكشاف يحتمل أن يكون حالًا من فاعل لخرجنا، ولبعده لم يذكره المصنف رحمه الله تعالى لكن سبق منه ما يقاربه في الأعراف في قوله سيغفر لنا فراجعه، وقوله لأنهم كانوا مستطيعين كذب الشرطية إما بكذب الملازمة بأن يقال لا يخرجون لو استطاعوا، أو بتخلف الجزاء مع وجود الشرط، وكذبها بأنهم استطاعوا، وما خرجوا والثاني مستلزم للأوّل، ولذا اختاره المصنف رحمه الله، ولأن النظم دل عليه كقوله: ﴿وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً﴾ [سورة التوبة، الآية: 46] . قوله: (كناية عن خطئه) تبع في هذا الزمخشرقي، إذ قال في تفسيره أخطأت وبئسما فعلت، وفي الانتصاف ليس يصح أن يفسره بهذا، وهو بين أحد أمرين إمّا أن لا يكون مرادًا لله أو يكون ولكن قد أجل نبيه الكريم ﷺ عن مخاطبته بصريح العتب، ولطف به في الكناية عنه بما يلزم أن يقال عنده فما باله لم يتأدب بآداب الله خصوصًا في حق المصطفى ﷺ فعلى كلا التقديرين هو ذاهل عما يجب من حقه ﷺ، ولقد أحسن من قال في الآية إن من لطف الله بنبيه ﷺ أن بدأه بالعفو قبل العتب، وقال ابن الجهم للمتوكل:

عفا الله عنك ألا حرمة تجودبفضلك يا ابن الندى

وقال السخاوندي: هو تعليم لتعظيمه ع!، ولولا تصدير العفو في الخطاب لما قام بصولة العتاب، وهو يستعمل حيث لا ذنب كما تقول لمن تعظمه عفا الله عنك ما صنعت في أمري، وفي الحديث عجبت من يوسف عليه الصلاة والسلام وصبره وكرمه، والله يغفر له وفي الشفاء إنه افتتاح كلام بمنزلة أصلحك الله وأعزك، ولقد اشمأز من هذه الكلمة كثير من أهل الورع، وعدوها من قبيح سقطاته، حتى أن البدر النابلسي رحمه الله صنف فيه مصنفًا سماه جنة الناظر وجنة المناظر، وكان هذا سببًا لامتناع الإمام السبكي رحمه الله من إقراء الكشاف، ولهذه السقطة نظائر فيه فكان على المصنف رحمه الله أن لا يتابعه في مثله فإنه إمّا ترك للأولى أو خطأ في الاجتهاد الذي به الثواب فلا متمسك فيها لمن جوّز صدور الخطيئة منهم عليهم الصلاة والسلام على ما فصل في الأصول، وهذا على أنه إنشاء للدعاء، وأما كونه إخبارًا فهو يشعر بالذنب، والخطأ فلذا جعل كناية عنه فلا يكون الإخبار عن العفو مقصودا أصليًا لأن العتاب والإنكار بعده بقوله لم أذنت لهم يكون مخالفا للظاهر، وفيه نظر والزمخشرقي جعله كناية عن الجناية وحاول بعضهم توجيه كلامه بأنّ مراده أنّ الأصل فيه ذلك فأبدله بالعفو تعظيمًا لشأنه، ولذا قدم العفو على ما يوجب الجناية فلا خطا فيه، ولو اتقى هو والموجه موضع التهم كان أولى وأحرى. قوله: (واعتلوا بثاذيب) أي بينوا علة للتخلف كاذبة، وقوله: (هلا توففت) يشير إلى أن حتى غاية للتوقف المفهوم من الكلام لا للإذن لعدم صحة المعنى عليه، وقيل

تقديره ما كان الإذن حتى يتبين. قوله: (في الاعتذار الخ (قيل لو أطلقه كان أولى أي يتبين الكاذب من الصادق والمخلص من المنافق لأنّ هذا يقتضي إن في هؤلاء ا! معتذرين من صدق في الاعتذار، والنظم مصرّح بخلافه وبناؤه على الفرض، والتقدير مما لا حاجة إليه. قوله: (قيل إنما فعل رسول الله عنييه الخ (قال زبدة المتأخرين قال مولانا مفتي الممالك شمس الدين أحمد بن كمال باشا في بيتي يوم الاثنين ثاني عشر محرّم الحرام لسنة ثمان وثلاثين وتسعمائة بمحضر مولانا عبد القادر قاضي العسكر، وغيره من العلماء الحضر هذا الحصر ليس بصحيح فإنّ لهما ثالثا وهو المذكور في سورة التحريم، يعني تحريم ما أحله الله ابتغاء لمرضاة أزواجه، وقلت أنا بل رابعًا وخامسا إلى غيره، أعني ما دكر في سورة عبس في قصة ابن أم مكتوم رضي الله عنه، ولك أن تقول أشار المصنف رحمه الله بصيغة التمريض إلى ذلك، ويجوز إصلاج كلامه بتقييد الشيئين بما يتعلق بأمر الجهاد، والله وليّ الرشاد اهـ، وقد قرأته بخطه الشريف رحمه الله، وأخذه للفداء قد تقدم في قوله تعالى: ﴿لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ اللهِ سَبَقَ﴾ [سورة الأنفال، الآية: 68] وأذنه للمنافقين ما وقع هنا. قوله: (أي ليس من عادة المؤمنين الخ (نفي العادة مستفاد من نفي

328

الفعل المستقبل الدال على الاستمرأر نحو فلان يقري الضيف ويحمي الحريم، وقال النحرير حمله على نفي الاستمرار ولو حمله على استمرار النفي كما في أكثر المواضع أي عادتهم عدم الاستئذان لم يبعد وفي الانتصاف لا ينبغي لأحد أن يستأذن أخاه في فعل معروف، ولا للمضيف أن يستأذن ضيفه في تقديم الطعام إليه وذلك أمارة التخلف، ولذا قيل في وصف الخليل لمجز فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين لأنّ معنى راغ ذهب خفية وهذا مما يجب التأدب به، وقوله: (في أن يجاهدوا) فهو متعلق بالاستقرار بتقدير في. قوله: (أو أن يستأذنوك في التخلف الخ (يعني أنّ متعلق الاستئذان محذوف، وأن يجاهدوا مفعول لأجله بتقدير مضاف أي كراهة أن يجاهدوا، والمعنى على نفي الاستئذان، والكراهة معأ فإذا أمرتهم بشيء بادروا إليه، وقيل تقديره في أن لا يجاهدوا كما مرّ نظيره، وقوله:) الخلص! (جمع خالص، وهو مستفاد من الجهاد بالمال والنفس فلا وجه لما قيل إنه ليس بمستفاد من الآية وإنما هو إلواقع منهم،

وقوله: (فضلاَ الخ) يعلم من مفهومه لأنهم إذا لم يستأذنوه في الجهاد المطلوب، فكيف في التخلف المذموم، ولذا لم يقدر المصنف رحمه الله أن لا يجاهدوا كما قدره الإمام. قوله: (شهادة لهم بالتقوى وعدة لهم بثوابه) قيل أما ألشهادة فلوضعالمظهر موضع المضمر أو إرادة جنس المتقين ودخولهم فيه دخولًا أوّليا والا لم يناسب المقام، وأما 11 لوعد فلأنّ الأعمال الصالحة تقتضي الوعد بالثواب، كما أنّ الأعمال الفاسدة مقتضية للوعد بالعقاب، ورد بأنّ الوعد بالثواب ليس من مجرّد اقتضاء الاتقاء حسن الثواب بل من جهة إن مثل قولنا أحسنت إليّ فأنا أعلم بالمحسنين، وعدله بأجزل ما يمكن من الثواب كما أنّ قولك أسأت إليّ فأنا أعلم بالمسيء وعيد بأشد العقاب وعلى هذا فلتقس المواضع التي يقع فيها ذكر علم الله بما مرّ من ذلك. قوله: (تخصيصر الإيمان بالله الخ) يعني هنا وفي قوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ خصا بالذكر لأنهما الباعث على الجهاد والوازع بالزاي المعجمة والعين المهملة أي المانع عنه لأنّ من آمن بهما قاتل في سبيل دينه وتوحيده، وهان عليه القتل فيه لما يرجوه في اليوم الآخر، وهما مستلزمان للإيمان بما عداهما، وقوله يتحيرون يعني التردد مجاز أو كناية عن التحير لأن المتحير لا يقرّ في مكان وأصل معنى التردّد الذهاب والمجيء، وقوله أهبة بهمزة مضمومة تليها هاء موحدة هي هنا ما يحتاج إليه المسافر كالزاد والراحلة. قوله: (وقرئ عدّة بحذف التاء الخ) يعني بضم العين وتشديد الدال والإضافة إلى الضمير الذي هو عوض عن تاء التأنيث المحذوفة فإن الإضافة قد تعوّض عنها إذا كانت لازمة كإقام الصلاة لأنّ التاء عوض عن محذوف كما في عدة بالتخفيف بمعنى الوعد في البيت فلا تحذف بغير عوض، وقوله:

إن الخليط أجدوا البين فانجردوا وأخلفوك عد الأمر الذي وعدوا

مطلع قصيدة لزهير بن أبي سلمى، والخليط الأصدقاء المخالطون وانجردوا بمعنى ارتحلوا بأجمعهم وأسرعوا المسير، والشاهد في عد بكسر العين وتخفيف الدال وأصله عدة قال السفاقسيّ: قرأ محمد بن مروان وابنه معاوية عدة بضم العين والهاء دون التاء فقال الفرّاء: سقطت كما في إقام الصلاة. وهو سماعي، وفي اللوامح لما أضاف أناب الإضافة عن التاء فأسقطها قال أبو حاتم: هو جمع عدة كبرة وبرّ. قوله: (استدراك عن مفهوم قوله ولو أرادوا الخ (هذا دفع لسؤال تقديره إنّ قوله أراد الخروج معناه نفي إرادتهم للخروج وقوله كره ال! هـ الخ نفي لإرادة الله الخروج فكيف استدرك نفي إرادتهم الخروج بنفي إرادة الله لهم الخروج

والاستدراك من النفي إثبات، ومن الإثبات نفي، فلا انتظام لهذا الكلام أجاب عنه بأنّ قوله، ولو أرادوا الخروج يستلزم نفي خروجهم والمراد بقوله كره الخ تثبيطهم عن الخروج، لأنّ كراهة انبعاثهم سبب لتثبيطهم فأقيم السبب مقام المسبب فكأنه قيل ما خرجوا لكن تثبطوا عن الخروج فهو استدارك نفي الشيء بإثبات ضدّه كما يستدرك نفي الإحسان بإثبات الإساءة في قولك ما أحسن إليّ لكن أساء والتثبيط التعويق، والصرف عما يريد فعله وهذا كلام في غاية الانتظام وكذا قرّره شراح الكشاف، واعترض عليه بأن لكن تقع بين ضدين أو نقيضين أو مختلفين على قول، وما نحن فيه بين متفقين على تقريرهم، ولذا

329