التبيان في أيمان القرآنالجزء 1 · ص 114 - 121

اختلاف المفسرين في "السائل"

يحدِّث بها. فأوصاه - سبحانه - باليتامى، والفقراء، والمتعلِّمين.

قال مجاهد، ومقاتل: "لا تحقر اليتيمَ، فقد كنتَ يتيمًا" (^1).

وقال الفرَّاء: "لا تقهَرْهُ على ماله، فتذهب بحَقِّهِ لِضَعْفِهِ" (^2).

اختلاف المفسرين في "السائل"

وكذلك كانت العرب تفعل في أمر اليتامى، تأخذ أموالهم وتظلمهم (^3)، فغَلَّظَ الخطابَ في أمر اليتيم، وكذلك من لا ناصر له يُغلَّظ في أمره، وهو نهيٌ لجميع المكلَّفِين.

﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (10)﴾؛ قال (^4) أكثر المفسِّرين: هو سائل المعروف والصدقة؛ لا تنهره إذا سأَلكَ، فقد كنتَ فقيرًا؛ فإمَّا أن تُطعِمه، وإمَّا أن تردَّهُ ردًّا لينًا.

وقال الحسن: "أَمَا إنَّه ليس بالسائل الذي يأتيك، ولكن طالب العلم".

وهذا قول يحيى بن آدم (^5)، قال: "إذا جاءك طالبُ العلم فلا

  • (^1) "تفسير مقاتل" (3/ 495).
    وقول مجاهد أخرجه: ابن أبي حاتم في "تفسيره" (10/ رقم 19379)، وابن جرير الطبري في "جامع البيان" (12/ 625).
    وزاد السيوطي نسبته إلى: ابن المنذر. "الدر المنثور" (6/ 612).
    (^2) "معاني القرآن" (3/ 274).
    (^3) انظر: "الوسيط" للواحدي (4/ 511)، و"معالم التنزيل" (8/ 457).
    (^4) أثبته من (ح) و(م).
    (^5) هو يحيى بن آدم بن سليمان القرشي، العلامة الحافظ، الثقة الثبت، صاحب تصانيف منها: "كتاب الخراج"، روى له الجماعة، توفي ببلدة "فَمْ الصِّلْح" =
114

بيان النعمة التي أمر النبي ﷺ أن يتحدث بها

تنهره" (^1).

والتحقيق: أنَّ الآية تتناول النَّوعَين.

وقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (11)﴾؛ قال مجاهد: "بالقرآن" (^2).

قال الكلبي: "يعني: أَظْهِرْها، والقرآن أعظَمُ ما أنعم الله به عليه، فأمره أن يُقْرِئَهُ ويعلِّمَهُ" (^3).

وروى أبو بِشْر (^4)، عن مجاهد: "حَدِّثْ بالنُّبوَّة التي أعطاك

  • = سنة (203 هـ) ﵀.
    انظر: "تهذيب الكمال" (31/ 188)، و"السير" (9/ 522).
    (^1) ونُسب - أيضًا - إلى: أبي الدرداء ﵁، وسفيان الثوري.
    ولم يذكر ابن كثير في "تفسيره" غيره (8/ 427).
    وانظر: "معالم التنزيل" (8/ 458)، و"المحرر الوجيز" (15/ 492)، و"زاد المسير" (8/ 270)، و"الجامع" (20/ 101).
    (^2) أخرجه: ابن أبي حاتم في "تفسيره" (10/ رقم 19384).
    وزاد السيوطي نسبته إلى: عبد بن حميد، وابن المنذر. "الدر المنثور" (6/ 612).
    (^3) انظر: "الوسيط" (4/ 513)، و"معالم التنزيل" (8/ 458)، و"المحرر الوجيز" (15/ 493).
    (^4) ضبط في (ز) بالسين المهملة: أبو بسر! وصوابه بالشين المعجمة كما في بقية النسخ والمصادر.
    وأبو بِشْر هو: جعفر بن إياس، وهو ابن أبي وَحْشِيَّة اليَشْكُرِي، الواسطي، بصري الأصل، أحد الحفاظ، وثَّقَهُ جماعة، قال يحيى بن سعيد القطان: "كان شعبة يضعِّف حديث أبي بشر عن مجاهد"، توفي سنة (123 هـ) ﵀.
    انظر: "تهذيب الكمال" (5/ 5)، و"السير" (5/ 465).
115

الله" (^1).

وقال الزجَّاجُ: "وبلِّغْ ما أُرسلْتَ به، وحدِّث بالنُّبوَّة التي آتاك، وهي أجلُّ النِّعَم" (^2).

وقال مقاتل: "اشكُرْ هذه النِّعَمَ التي ذُكِرَتْ في هذه السورة" (^3).

والتحقيق: أنَّ النِّعَم تعُمُّ هذا كلَّه، فأُمِر أن لا ينهر سائلَ المعروفِ والعلمِ، وأن يحدِّثَ بِنعَم الله عليه في الدنيا والدِّين.

  • (^1) أخرجه: ابن جرير في "جامع البيان" (12/ 625).
    وزاد السيوطي نسبته إلى: سعيد بن منصور، وابن المنذر. "الدر المنثور" (6/ 612).
    (^2) "معاني القرآن" (5/ 340).
    (^3) "تفسير مقاتل" (3/ 495).
116

فصل: القسم في سورة العاديات

فصل

اختلف الصحابة ومن بعدهم في المراد بالعاديات

ومن ذلك إقسامُهُ - سبحانه - بـ ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾ [العاديات: 1] الآية وما بعدها. وقد اختلف الصحابة ومن بعدهم في ذلك:

فقال علي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهما: "هي إبلُ الحاجِّ (^1)، تَعْدُو من عَرَفَة إلى مزدلفة، ومن مزدلفة إلى مِنَى".

وهذا اختيار: محمد بن كعب (^2)، وأبي صالح، وجماعةٍ من المفسِّرين (^3).

وقال عبد الله بن عباس: "هي خيل الغُزَاة".

وهذا قول: أصحاب ابن عباس، والحسن، وجماعة (^4).

  • (^1) في (ن) و(ك): للحاج.
    (^2) هو محمد بن كعب القُرَظي، سكن الكوفة ثم تحول إلى المدينة، كان ثقةً ثبتًا، يرسل كثيرًا، عالمًا بالقرآن من أئمة التفسير، زاهدًا ورعًا، كان جالسًا في مسجد الرَّبَذَة مع أصحابه فسقط عليهم سقف المسجد فماتوا جميعًا، وذلك سنة (108 هـ) ﵀.
    انظر: "تهذيب الكمال" (26/ 340)، و"السير" (5/ 65).
    (^3) منهم: السُّدِّي، وعبيد بن عمير، والنخعي.
    انظر: "المحرر الوجيز" (15/ 544)، و"زاد المسير" (8/ 294)، و"الجامع" (20/ 155).
    (^4) منهم: عطاء، ومجاهد، وأبو العالية، وعكرمة، وقتادة، وعطية العَوفي، والضحَّاك، والربيع، ومقاتل بن حيَّان، ومقاتل بن سليمان، وغيرهم كثيرٌ حتى قال القرطبي: "كذا قال عامة المفسرين، وأهل اللغة". "الجامع" (20/ 153).
    واختاره: ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (12/ 667)، والسمعاني في "تفسيره" (6/ 270)، وأبو حيَّان في "البحر المحيط" (8/ 500)، وغيرهم.
117

واختاره: الفرَّاء (^1)، والزجَّاج (^2).

قال أصحاب قول "الإبل": السورة مكِّيةٌ، ولم يكن ثَمَّ جهادٌ، ولا خيلٌ تجاهد، وإنَّما أقسَمَ بما يعرفونه ويَأْلَفُونَه، وهي إبل الحاجِّ إذا عَدَتْ من عرفة إلى مزدلفة، فهي "عَادِيَات".

بيان معنى "الضبح" في الناقة

و"الضَّبْحُ" و"الضَّبْعُ": مدُّ النَّاقة ضَبْعَها في السَّيْر (^3)، يقال: ضَبَحَتْ، وضبَعَتْ؛ بمعنىً (^4).

وأنشَدَ أبو عبيدة - وقد اختار هذا القول (^5) -:

فكانَ لكُمْ أَجْرِي جميعًا وأَصبَحَت (^6)بي البَازِلُ الوَجْنَاءُ في الأَلِّ تَضْبَعُ (^7)

  • (^1) "معاني القرآن" (3/ 285).
    (^2) "معاني القرآن" (5/ 353).
    (^3) وتسمَّى بـ "الضَّابِع"، والضَّبْع: العَضُد.
    انظر: "إصلاح المنطق" لابن السكيت (196)، و"تهذيب اللغة" (4/ 219).
    (^4) كذا قال أبو عبيدة في "مجاز القرآن" (2/ 307)، وعنه تناقلها أهل اللغة.
    انظر: "الإبدال" لابن السكيت (86)، و"الأمالي" لأبي علي القالي (2/ 70).
    (^5) البيت غير موجود في "مجاز القرآن" (2/ 307) المطبوع، وأبو عبيدة لم يختر القول بأنها الإبل، بل قال إنها الخيل.
    (^6) في (ن): وأضْبَحت - بالضاد المعجمة -، وهو تصحيف.
    (^7) في جميع النسخ: تضبح - بالحاء المهملة في آخره -، والتصحيح من المصادر. والبيت من أبيات عزاها الجاحظ في "الحيوان" (1/ 262) إلى: الجَدَليّ، والأبيات بدون الشاهد عزاها ياقوت في "معجم البلدان" (2/ 184) إلى: الغَطَمَّش الضَّبِّي. وذكره بدون نسبة: الأصمعي في "الإبل" - ضمن الكنز اللغوي - (67)، وابن دريد في "الجمهرة" (1/ 353) و(3/ 1264)، والسرقسطي في "الأفعال" (2/ 224).
    "البَازِل": إذا استكمل البعير سِنَّ الثامنة وطعن في التاسعة سُمِّي "بازلًا"، =
118

قالوا: فهي تعدو ضَبْحًا، فَتُوري بأخفافها النَّارَ من حَكِّ الأحجار بعضها ببعضٍ، فتثير النَّقْعَ -وهو الغُبار - بِعَدْوِها، فتتوسَّط (^1) جَمْعًا وهو المزدلفة.

قال أصحاب قول "الخيل": المعروف في اللغة أنَّ "الضَّبْحَ" أصواتُ أنفاس الخيل إذا عَدَوْنَ (^2)، والمعنى: والعادياتِ تضبح ضبحًا، أو: والعادياتِ ضابحةً، فتكون "ضَبْحًا" مصدرًا على الأوَّل، وحالًا على الثاني.

قالوا: والخيل هي التي تَضْبَحُ في عَدْوِها ضَبْحًا، وهو صوتٌ يُسْمَعُ من أَجْوَافِها، ليس بالصَّهِيل ولا الحَمْحَمَةِ، ولكنه صوت أنفاسها في أجْوَافِها (^3) من شدَّة العَدْوِ.

قال الجُرْجَانيُّ (^4): "كلا القولين قد جاء في التفسير، إلا أنَّ

  • = من البَزْل، وهو الشَّقُّ، وذلك أن نَابَه إذا طلع شقَّ اللحم عن مَنْبَته شَقًّا، وهو أقصى أسنان البعير، فليس بعد "البَازِل" سِنٌّ تسمى.
    "الوَجْنَاء": يقال: ناقةٌ وجْنَاء: تامة الخَلْق، غليظة لحم الوَجْنَة، صلبةٌ شديدةٌ، مشتقة من "الوجين"؛ وهي الحجارة أو الأرض الصلبة.
    "الأَلُّ": السير السريع، يقال: أَلَّ يَؤُلُّ ألًّا، إذا أسرع واهتزَّ.
    والرواية في جميع المصادر: "الرَّمل" بدلًا عن: "الأَلّ".
    انظر: "المخصَّص" لابن سيده (2/ 138 و186)، و"لسان العرب" (1/ 184 و400) و(15/ 224).
    (^1) في (ح) و(م) بياء فتاء، فيكون المراد به: الغُبار. وما أثبته من باقي النسخ فيكون المراد به: الإبل، وهو الصواب؛ لأن الآيات تتكلم عنها، والتوسط من صفتها.
    (^2) انظر: "الصحاح" (1/ 385)، و"تهذيب اللغة" (4/ 219).
    (^3) من قوله: "من أجوافها. . ." إلى هنا؛ ساقط من (ز).
    (^4) هو الحسن بن يحيى الجرجاني، وقد سبقت ترجمته (ص/ 17).
119

السياق يدلُّ على أنَّها الخيل، وهو قوله تعالى: ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا (2)﴾، و"الإيرَاءُ" لا يكون إلا للحَافِرِ لصلابته، وأمَّا الخُفُّ ففيه لِينٌ واسترخاءٌ" انتهى.

قالوا: و"الضَّبْحُ" في الخيلِ أظهرُ منه في الإبل (^1)، و"الإيرَاءُ" لسَنَابِكِ الخيل أَبْيَنُ منه لأخفاف الإبل.

قالوا: و"النَّقْعُ" هو الغُبار، وإثارة الخيل بعَدْوِها له أظهر من إثارة أخفاف الإبل؛ لأنَّها لصلابة حَوَافِرها وسنابكها تثير من الغُبار بعَدْوِها ما لا تثيره أخفاف الإبل. والضمير في "به" عائدٌ على المكَان الذي تعدو فيه.

قالوا: وأعظم ما يَثُورُ الغُبارُ عند الإغَارَة إذا توسَّطَت الخيلُ جَمْعَ العَدُوِّ، لكثرةِ حركتها واضطرابها في ذلك المكان.

وأمَّا حمل الآية على إثارة الغُبار في وادي "مُحَسِّر" عند الإغارة = فليس بالبيِّنِ، ولا يثُور هناك غُبارٌ في الغالب؛ لصلابة المكان.

قالوا: وأمَّا قولكم إنَّه لم يكن بمكَّة حين نزول الآية جهادٌ ولا خيلُ مجاهدين، فهذا لا يلزِم؛ لأنَّه - سبحانه - أقسَمَ بما يعرفونه من شأن الخيل إذا كانت في غزْوٍ، فأَغَارَتْ فأَثَارَت النَّقْعَ، وتوسَّطَت جَمْعَ العَدُوِّ، وهذا أمرٌ معروفٌ.

وذِكْرُ خيلِ المجاهدين أحقُّ ما دخل في هذا الوصف، فذِكْرُهُ على وجهِ التمثيل لا الاختصاص، فإنَّ هذا شأنُ خيل المقاتِلة، وأشرف أنواع

  • (^1) انظر: "لسان العرب" (8/ 13)، و"تاج العروس" (6/ 562).
120

الحكمة في تخصيص الإغارة بالضبح

هذا الخيل: خيلُ المجاهدين (^1).

والقَسَمُ إنَّما وقع بما تضمَّنه شأن هذه "العاديات" من الآيات البيِّنات من خلق هذا الحيوان الذي هو من أكرم الحيوان البهيم وأشرفه، وهو الذي يحصل به الغَزْوُ (^2) والظَّفَر، والنَّصْرُ على الأعداء، فتَعْدُو طالبةً للعَدُوِّ وهاربةً منه، فَيُثيرُ عَدْوُها الغُبارَ لشدَّتِهِ، وتُورِي حَوَافِرُها وسَنَابِكُها النَّارَ من الأحجار؛ لشدَّة عَدْوِها، فَتُدْرِكُ الغَارَة التي طَلَبَتْها حتَّى تتوسَّط جَمْعَ الأعداء، فهذه من أعظم آيات الرَّبِّ - تعالى - وأدلَّةِ قدرته وحكمته.

فذكَّرَهم بِنعَمِه عليهم في خلق هذا الحيوان الذي ينتصرون به على أعدائهم، ويُدْرِكُون به ثأْرَهم. كما ذكَّرهم - سبحانه - بِنعَمِه (^3) عليهم في خلق الإبل التي تحمل (^4) أثقالهم من بلدٍ إلى بلدٍ، فالإبلُ أَخَصُّ بحَمْلِ الأثقال، والخيلُ أخصُّ بنُصْرَةِ الرجال، فذكَّرَهم بنعَمِه بهذا وهذا.

وخصَّ الإغارة بالصُّبْح؛ لأنَّ العَدُوَّ لم ينتشروا إذ ذاك، ولم يفارقوا مَحَلَّهم (^5)، وأصحاب الإغارة جامُّون مستريحون، يبصرون مواقع الغَارَة، والعَدُوُّ لم يأخذوا أُهْبَتَهم، بل هم في غِرَّتِهم وغَفْلَتِهم، ولهذا كان النبيُّ ﷺ إذا أرادَ الغَارَة صبر حتَّى يطلع الفجر، فإن سمع

  • (^1) وقد رجَّح المؤلف أنَّها "الخيل" من ستة أوجه في كتابه "الفروسية" (56 - 59).
    (^2) من (ز)، وفي باقي النسخ: العِزُّ.
    (^3) ساقط من (ز).
    (^4) ساقط من (ز).
    (^5) في (ن) و(ز): محلتهم.
121