التبيان في أيمان القرآنالجزء 1 · ص 133 - 142

فصل: القسم في سورة العصر

فصل: القسم في سورة العصر

فصل

اختلافهم في المراد بالعصر المقسم به في السورة

ومن ذلك إقسامُهُ - سبحانه - بـ "العَصْر" على حال الإنسان في الآخرة، وهذه السورة على غاية اختصارها لها شأنٌ عظيمٌ، حتَّى قال الشافعيُّ رحمه الله: "لو فكَّرَ النَّاسُ كلُّهم فيها لَكَفَتْهُم" (^1).

و"العَصْر" المُقْسَمُ به:

قيل: هو الوقت الذي يلي المغرب من النَّهار (^2).

وقيل: هو آخر ساعةٍ من (^3) ساعاته.

وقيل: المراد صلاة العَصْر (^4).

وأكثر المفسِّرين على أنَّه الدَّهْر (^5)، وهذا هو الراجح.

وتسميةُ "الدَّهْرِ" عَصْرًا أمرٌ معروفٌ في لغتهم، قال:

ولن يَلْبَثَ (^6) العَصْرَانِ: يومٌ وليلةٌ … إذا طَلَبَا أَنْ يُدْرِكَا ما تَيَمَّمَا (^7)

  • (^1) انظر: "تفسير ابن كثير" (8/ 479).
    (^2) قال به: ابن عباس، وقتادة، وزيد بن أسلم، والحسن.
    انظر: "الجامع" (20/ 179)، و"الدر المنثور" (6/ 667).
    (^3) "ساعةٍ من" ساقط من (ز).
    والأثر مشهورٌ من قول قتادة، أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" (2/ 394).
    (^4) وهو قول مقاتل بن سليمان في "تفسيره" (3/ 516).
    (^5) قال ابن جرير الطبري ﵀ في "جامع البيان" (12/ 684):
    "والصواب من القول في ذلك أن يقال: إنَّ ربَّنا أقسمَ بالعَصْر، والعَصْر: اسمٌ للدهر، وهو العَشِيُّ، والليل والنهار، ولم يخصِّص مما شمله هذا الاسم معنىً دون معنىً، فكل ما لزمه هذا الاسم، فداخلٌ فيما أقسم الله به - جلَّ ثناؤه -".
    (^6) في (ك): نبرح، وفي (ن): يبرح، وصححه الناسخ في الهامش.
    (^7) البيت لحُمَيد بن ثَور الهلالي "ديوانه" (8).
133

و"يومٌ وليلةٌ" بدلٌ من: العَصْرَان.

فأقسَمَ - سبحانه - بـ "العَصْر" لمكان العبرة والآية فيه، فإنَّ مرورَ الليل والنَّهار على تقديرٍ قدَّرَهُ العزيزُ العليمُ، منتظِمٍ لمصالح العالم على أكمل ترتيب ونظام، وتعاقبِهما واعتدالِهما تارةً، وأخذِ أحدهما من صاحبه تارةً، واختلافِهما في الضوء، والظلام، والحرِّ، والبرد، وانتشارِ الحيوان وسُكُونِه، وانقسامِ "العَصْر" إلى: القُرُون، والسنين، والأشهر، والأيام، والساعات وما دونها = آيةٌ من آيات الرَّبِّ - تعالى - وبرهانٌ من براهين قدرته وحكمته.

فأقسَمَ بـ "العَصْر" الذي هو زمانُ أفعال الإنسان ومَحَلُّها على عاقبة تلك الأفعال وجزائها، ونبَّهَ بالمَبْدَأ وهو خَلْقُ الزَّمَان والفاعلين وأفعالهم على المَعَاد، وأنَّ قدرته كما لم تقصر عن المبدأ لم تقصر عن المَعَاد، وأنَّ حكمته التي اقتضت خَلْقَ الزَّمان وخَلْقَ الفاعلين وأفعالهم - وجعلها قسمين: خيرًا وشرًّا - تأْبَى أن يُسَوِّي بينهم، وأن لا يُجَازِي المُحسِنَ بإحسانه، والمسيءَ بإساءته، وأن يجعل النَّوعَين رابحِين أو خاسرين، بل الإنسان من حيث هو إنسانٌ: خاسرٌ، إلا من رحمه الله، فهَدَاهُ ووفَّقه للإيمان والعمل الصالح في نفسه، وأمَرَ غيرَهُ به. وهذا نظير ردِّه الإنسانَ إلى أسفل سافلين، واستثنائِهِ الذين آمنوا وعملوا الصالحات من هؤلاء المردودين.

وتأمَّلْ حكمة القرآن لمَّا قال: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2)﴾ ضيَّقَ الاستثناءَ وخصَّصَهُ، فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)﴾. ولمَّا قال: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (5)﴾ وسَّعَ الاستثناءَ وعمَّمَهُ، فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ ولم يقل:

134

﴿وَتَوَاصَوْا﴾؛ فإنَّ التَّوَاصي هو أَمْرُ الغَير بالإيمان والعمل الصالح، وهو قدرٌ زائدٌ على مجرَّدِ فعله، فمن لم يكن كذلك فقد خَسِر هذا الربح، فصار في خُسْرٍ، ولا يلزم أن يكون في أسفل سافلين، فإنَّ الإنسان قد يقوم بما يجب عليه ولا يأمر غيره به (^1)، فإنَّ الأمرَ بالمعروف والنهيَ عن المنكر مرتبةٌ زائدةٌ؛ وقد يكون فرضًا على الأعيان، وقد يكون فرضًا على الكفاية، وقد يكون مستحبًّا.

المراد بالتواصي بالحق وبالصبر

و"التواصي بالحقِّ" يدخل فيه: الحقُّ الذي يجب، والحقُّ الذي يستحب. و"الصبر" يدخل فيه: الصبر الذي يجب، والصبر الذي يستحب.

فهؤلاء إذا تواصوا بالحقّ وتواصوا بالصبر حصل لهم من الربح ما خسره أولئك الذين قاموا بما يجب عليهم في (^2) أنفسهم ولم يأمروا غيرهم به، وإن كان أولئك لم يكونوا من الذين خسروا أنفسهم وأهليهم.

فمُطْلَقُ الخَسَار شيءٌ، والخَسَارُ المطلقُ شيءٌ، وهو - سبحانه - إنَّما قال: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2)﴾، ومن ربح في سلعةٍ وخسر في غيرها قد يطلق عليه أنَّه: في خُسْرٍ، وأنَّه: ذو خُسْرٍ، كما قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: "لقد فرَّطْنا في قَرَارِيطَ كثيرةٍ" (^3) (^4)، فهذا

  • (^1) من (ط)، وسقط من باقي النسخ.
    (^2) في (ز): من.
    (^3) أخرجه: البخاري في "صحيحه" رقم (1260)، ومسلم في "صحيحه" رقم (945)؛ من طريق جرير بن حازم قال: سمعتُ نافعًا يقول:
    حُدِّثَ ابنُ عمر: أنَّ أبا هريرة ﵃ يقول: "من تَبِعَ جَنازةً فله قيراطٌ" فقال: أكثر أبو هريرة علينا. فبعث إلى عائشة فسألها، فصدَّقت أبا هريرة، وقالت: سمعتُ رسول الله ﷺ يقوله. فقال ابن عمر ﵄ … فذكره.
    (^4) من هنا يبدأ السقط في النسخة (ك)، وينتهي (ص/ 194).
135

نوعُ تفريطٍ، وهو نوعُ خُسْرٍ بالنسبة إلى من حصَّلَ ربح ذلك.

ولمَّا قال في سورة "والتين": ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (5)﴾ قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، فقسَّمَ النَّاسَ في هذين القسمين فقط.

الإنسان له قوتان، وحالتان

ولمَّا كان الإنسان له قُوَّتان: قوَّةُ العلم، وقوَّةُ العمل. وله حالتان: حالةٌ يأتمر فيها بأمر غيره، وحالةٌ يأمر فيها غيره = استثنى - سبحانه - من كمَّلَ قوَّته العلميَّة بالإيمان، وقوَّته العَمَليَّة بالعمل الصالح، وانقاد لأمر غيره له بذلك، وأمَرَ غيرَه به (^1)؛ من الإنسان الذي هو في خُسْرٍ.

فإنَّ العبد له حالتان: حالةُ كمالٍ في نفسه، وحالةُ تكميلٍ لغيره.

وكماله وتكميله موقوفٌ على أمرين: علمٌ بالحقِّ، وصبرٌ عليه.

[فـ] (^2) ـانتظمت هذه الآية جميع مراتب الكمال الإنساني، من العلم النافع، والعمل الصالح، والإحسان إلى نفسه بذلك، وإلى أخيه به، وانقياده وقبوله لمن يأمره بذلك.

وقوله تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)﴾ إرشادٌ إلى منصب الإمامة في الدِّين، كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (24)﴾ [السجدة: 24]، فبالصبر واليقين تُنَالُ الإمامةُ في الدِّين.

و"الصبر" نوعان:

نوعٌ بالمقدور (^3)، كالمصائب.

  • (^1) ساقط من (ز).
    (^2) زيادة يقتضيها السياق.
    (^3) أي: نوعٌ يتعلق بالمقدور، ونوعٌ يتعلق بالمشروع.
136

ونوعٌ بالمشروع. وهذا النَّوع - أيضًا - نوعان:

1 - صبرٌ على الأوامر.

2 - وصبرٌ عن المناهي (^1).

فذاك صبرٌ على الإرادة والفعل، وهذا صبرٌ عن الإرادة والفعل.

فأمَّا النَّوع الأوَّل (^2) من "الصبر" فمشتركٌ بين المؤمن والكافر، والبَرِّ والفاجر، ولا يثاب عليه لمجرَّدِهِ إن لم يقترن به إيمانٌ واحتسابٌ، كما قال النبيُّ ﷺ في حقِّ ابنته: "مُرْهَا فلْتَصْبِر ولْتَحْتَسِبْ" (^3)، وقال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (11)﴾ [هود: 11]، وقال تعالى: ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾ [آل عمران: 125]، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾ [آل عمران: 120].

فالصبر بدون الايمان والتقوى بمنزلة قوَّة البدن الخالي عن الإيمان والتقوى، وعلى حسب اليقين بالمشروع يكون الصبر على المقدور.

وقال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (60)﴾ [الروم: 60]، فأمره أن يصبر ولا يتشبه بالذين لا يقين عندهم في عدم الصبر؛ فإنَّهم لعدم يقينهم عُدِمَ صبرهم، وخَفُّوا

  • (^1) في (ن) و(ط) و(م): النواهي.
    (^2) اقتصر المؤلف ﵀ على الكلام عن النوع الأول فقط، وقد تكلَّم عن النوع الثاني في "عدة الصابرين" (55 - 75).
    (^3) أخرجه: البخاري في "صحيحه" رقم (1224، 5331، 6228، 6279، 6942، 7010)، ومسلم في "صحيحه" رقم (923)، من حديث أسامة بن زيد ﵄.
137

واستَخَفُّوا قومَهم، ولو حصل لهم اليقين (^1) لَمَا خَفُّوا، ولَمَا استَخَفُّوا.

فمن قَلَّ يقينُه قلَّ صَبْرُه، ومن قَلَّ صبره خَفَّ واستخفَّ.

فالمُوقِنُ (^2) الصابرُ رَزِينٌ ملآنُ، ذو لُبٍّ وعقلٍ، ومَنْ لا يقين له ولا صبر خفيفٌ طائشٌ، تلعب به الأهواء والشهوات، كما تلعب الرِّياح بالشيء الخفيف. والله المستعان.

  • (^1) بعدها في (ح) و(م) زيادة: والحق.
    (^2) في (ز): فالمؤمن.
138

فصل: القسم في سورة البروج

فصل

ومن ذلك إقسامُهُ - سبحانه - بالسماء ﴿ذَاتِ الْبُرُوجِ (1) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (2) وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (3)﴾ [البروج: 1 - 3].

وقد فُسِّرت "البروجُ ": بالبروجِ التي تنزلها الشمسُ والقمرُ والسيَّارةُ.

وفُسِّرَت: بالنُّجُوم، أو نوع منها.

وفُسِّرت: بالقُصور العِظَام (^1).

اختلاف المفسرين في المراد بالبروج

وكلُّ ذلك من آيات قدرته، وشواهد وحدانيته، وأدلَّة ربوبيته؛ فإنَّ السماء كُرَةٌ متشابهة الأجزاء، والشَّكْل الكُرِي لا يتميَّز منه جانبٌ عن جانبٍ بطولٍ، ولا قِصَرٍ، ولا وضعٍ، بل هو متساوي الجوانب. فجَعْلُ هذه "البروج" في هذه الكرة على اختلاف صورها وأشكالها ومقاديرها يستحيل أن توجد بغير فاعلٍ، ويستحيل أن يكون فاعله غير قادرٍ، ولا عالمٍ، ولا مُريدٍ، ولا حيٍّ، ولا حكيمٍ، ولا مباينٍ للمفعول.

وهذا ونحوه ممَّا هدم قواعد الطبائعية، والملاحدة، والفلاسفة الذين لا يثبتون للعالم ربًّا مباينًا له، قادرًا فاعلًا بالاختيار، عالمًا بتفاصيله، حكيمًا مُدَبِّرًا له.

فبروج السماء - وهي منازلها، أو منازل السيَّارة التي فيها - من أعظم آياته سبحانه، فلهذا أقسَمَ بها مع السماء، ثُمَّ أقسَمَ بـ "اليوم

  • (^1) انظر هذه الأقوال في: "جامع البيان" (12/ 518 - 519)، و"المحرر الوجيز" (15/ 383 - 384)، و"الجامع" (19/ 281).
139

اليوم الموعود المقسم به في السورة هو يوم القيامة

الموعود" وهو يوم القيامة (^1)، وهو المُقْسَمُ به وعليه، كما أنَّ القرآن يُقْسَمُ به وعليه.

ودلَّ على وقوع اليوم الموعود باتفاق الرُّسُل عليه، وبما عرَّفَ عبادَهُ من حكمته وعزَّتِه التي تأْبَى أن يتركهم سُدَىً، ويخلقهم عبثًا. وبغير ذلك من الآيات والبراهين التي يستدِلُّ بها - سبحانه - على إمكانه تارةً، وعلى وقوعه تارةً، وعلى تنزيهه عمَّا يقول أعداؤه من أنه لا يأتي به تارةً. فالإقسام به عند من آمن بالله كالإقسام بالسماء وغيرها من الموجودات المُشَاهَدَةِ بالعِيَان.

أصح الأقوال في المراد بالشاهد والمشهود

ثُمَّ أقسَمَ - سبحانه - بـ "الشاهد" و"المشهود"، مُطْلَقَين غير مُعَيَّنَين، وأَعَمُّ المعاني فيه أنه: المُدْرِك والمُدْرَك، والعالِم والمعلوم، والرائي والمرئي؛ وهذا أليق المعاني به (^2)، وما عداه من الأقوال ذُكِرت على وجه التمثيل، لا على وجه التخصيص (^3).

  • (^1) باتفاق المفسرين، انظر: "المحرر الوجيز" (15/ 384)، و"الجامع" (19/ 281)، و"تفسير السمعاني" (6/ 194).
    (^2) وهذا اختيار ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (12/ 523)، قال:
    "والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إن الله أقسم بشاهدٍ شَهِدَ، ومشهودٍ شُهِدَ، ولم يخبرنا مع إقسامه بذلك أيَّ شاهدٍ وأىَّ مشهود أراد، وكل الذي ذكرنا أن العلماء قالوا هو المعنيُّ؛ مما يستحق أن يقال له: شاهد ومشهود".
    وانظر: "البحر المحيط" (8/ 443)، و"محاسن التأويل" (7/ 295).
    (^3) وقد حكى الواحديُّ في "الوسيط" (4/ 458)، والبغوي في "معالم التنزيل" (8/ 381) أنَّ أكثر المفسرين على القول بأنَّ "الشاهد": يوم الجمعة، و"المشهود": يوم النَّحْر أو يوم عرفة، وروي في ذلك أحاديث مرفوعة، لكنها لا تصح.
    وانتصر لهذا القول: الشوكاني في "فتح القدير" (5/ 483) ونسبه إلى =
140

فإن قيل: فما وجه الارتباط بين هذه الثلاثة المُقْسَم بها؟

قيل: هي - بحمد الله - في غاية الارتباط، والإقسامُ بها متناوِلٌ لكلِّ موجودٍ في الدنيا والآخرة، وكلٌّ منها آيةٌ مستقلَّةٌ دالَّةٌ على ربوبيته وإلهيَّته.

فأقسَمَ بالعالم العُلْويِّ، وهو السماء وما فيها من البروج، التي هي أعظم الأمكنة وأوسعها.

ثُمَّ أقسَمَ بأعظم الأيام وأَجَلِّها قدرًا، الذي هو مَظْهَرُ مُلْكِهِ، وأمره، ونهيه، وثوابه، وعقابه، ومجْمَعُ أوليائه وأعدائه، والحكم بينهم بعلمه وعدله.

ثُمَّ أقسَمَ بما هو أعمُّ (^1) من ذلك كلِّه (^2)، وهو "الشاهد" و"المشهود". وناسَبَ هذا القَسَم ذِكْرَ أصحابِ الأخدود الذين عَذَّبُوا أولياءَهُ، وهم شهودٌ على ما يفعلون بهم، والملائكةُ شهودٌ عليهم بذلك، والأنبياءُ، وجوارحُهم تشهد به عليهم.

وأيضًا؛ فـ "الشاهد" هو: المُطَّلِعُ، والرقيبُ، والمخبِرُ. و"المشهود" هو: المُطَّلَعُ عليه، المخبَرُ به، المُشَاهَدُ.

فمن نوَّعَ الخليقةَ إلى شاهدٍ ومشهودٍ وهو أقدر القادرين، كما

  • = جمهور الصحابة والتابعين ومن بعدهم.
    وانظر بقية الأقوال في: "المحرر الوجيز" (15/ 385 - 387)، و"زاد المسير" (8/ 216 - 217)، و"الجامع" (19/ 281 - 284).
    (^1) في (ز): أعظم.
    (^2) ساقط من (ز).
141

نوَّعَها إلى مرئيٍّ لنا وغير مرئيٍّ، كما قال تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (38) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (39)﴾ [الحاقة: 38، 39]، وكما نوَّعَها إلى أرضٍ وسماءٍ، وليلٍ ونهارٍ، وذكرٍ وأُنثَى، وهذا التنويع والاختلاف من آياته سبحانه = كذلك نوَّعَها إلى شاهدٍ ومشهودٍ.

وفيه سِرٌّ آخر؛ وهو أنَّ من المخلوقات ما هو مشهودٌ، ومنها ما هو شاهدٌ عليه، ولا يتمُّ نظام العالم إلا بذلك، فكيف يكون المخلوق شاهدًا رقيبًا حفيظًا على غيره، ولا يكون الخالق تبارك وتعالى شاهدًا على عباده، مطَّلِعًا عليهم رقيبًا؟!

وأيضًا؛ فإنَّ ذلك يتضمَّنُ القَسَمَ بملائكته وأنبيائه ورسله، فإنَّهم شاهدون على العباد، فيكون من باب اتحاد (^1) المقسَم به والمقسَم عليه، كما أقسم باليوم الموعود، وهو المقسَم به وعليه.

وأيضًا؛ فيوم القيامة مشهودٌ، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (103)﴾ [هود: 103] يشهده الله، وملائكته، والإنس، والجنُّ، والوحش، فالشاهد من آياته، والمشهود من آياته.

وأيضًا؛ فكلامه مشهودٌ كما قال تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (78)﴾ [الإسراء: 78]، تشهده ملائكة الليل، وملائكة النَّهار؛ فالمشهود من أعظم آياته، وكذلك الشاهد.

فكُلُّ ما وقع عليه اسم "شاهدٍ" و"مشهودٍ" فهو داخلٌ في هذا القَسَم، فلا وجه لتخصيصه ببعض الأنواع أو الأعيان إلا على سبيل

  • (^1) في (ز) و(ن) و(ط): ايجاد، وهو تصحيف، وما أثبته من (ح) و(م).
142