التبيان في أيمان القرآنالجزء 1 · ص 284 - 293

الكلام عن مراتب اليقين الثلاثة

فنقول وبالله التوفيق:

الكلام عن مراتب اليقين الثلاثة

ذكر الله - سبحانه - في كتابه مراتب اليقين، وهى ثلاثةٌ: حقُّ اليقين، وعلمُ اليقين، وعينُ اليقين، كما قال تعالى: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (5) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (6) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (7)﴾ [التكاثر: 5 - 7]، فهذه ثلاث مراتب لليقين:

أوَّلُها: عِلْمُهُ؛ وهو التصديقُ التامُّ به، بحيث لا يعرض له شَكٌّ ولا شبهةٌ تقدح في تصديقه، كعلم اليقين بالجَنَّة مثلًا، وتَيَقُّنِهم أنَّها دارُ المتقين ومَقَرُّ المؤمنين. فهذه مرتبة العلم؛ لِتَيَقُّنِهم (^1) أنَّ الرُّسُل أخبروا (^2) بها عن الله، وتَيَقُّنِهم صِدْق المُخْبِر.

المرتبة الثانية: "عين اليقين"؛ وهي مرتبة الرؤية والمشاهدة، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (7)﴾ [التكاثر: 7].

  • = يقصد بها التعريف والتخصيص، والشيء لا يتعرَّف بنفسه، وما ورد من ذلك في القرآن أو كلام العرب فمحمولٌ على أنَّه أضاف - في الأصل - إلى موصوفٍ محذوفٍ، وأقام صفته مقامه. وبه قال: الأخفش، وابن السراج، وأبو علي الفارسي "الإيضاح" (271).
    انظر: "الإنصاف" (2/ 436)، و"ارتشاف الضَّرَب" (4/ 1806)، و"أمالي ابن الشجري" (2/ 68).
    قال شيخ الإسلام: "والأوَّل - أي مذهب الكوفيين - أصحُّ؛ ليس في اللفظ ما يدلُّ على المحذوف، ولا يخطر بالبال، وقد جاء في غير موضعٍ …
    وبالجملة فنظائر هذا في القرآن وكلام العرب كثيرٌ". "مجموع الفتاوى" (20/ 481).
    (^1) في (ح) و(م): كتيقنهم.
    (^2) عبارة "أن الرسل أخبروا" تكررت مرتين في (ز).
284

وبين هذه المرتبة والتي قبلها فَرْقُ ما بين العلم والمشاهدة؛ فـ "علم (^1) اليقين" للسمع، و"عين اليقين" للبصر، وفي "المسند" للإمام أحمد مرفوعًا: "ليس الخَبَرُ كالمُعَايَنَة" (^2).

وهذه المرتبة هي التي سألها إبراهيمُ الخليلُ عليه السلام أنْ يُرِيَهُ اللهُ كيف يحيي الموتى؛ ليحصل له مع "علم اليقين": "عين اليقين"، فكان سؤاله زيادةً لنفسه، وطمأنينةً لقلبه، فَيَسْكُنُ القلبُ عند المعاينة، ويطمئنُّ لقطع المسافة التي بين الخبر والعِيَان.

وعلى هذه المسافة أطلق النبيُّ ﷺ لفظ الشكِّ حيث قال: "نحنُ أحَقُّ بالشَّكِّ من إبراهيم" (^3)، ومعاذَ الله أن يكون هناك شكٌّ منه، ولا من

  • (^1) ليست في (ز) و(ح) و(ط) و(م)، وصححت في هامش (ن) و(ك).
    (^2) أخرجه: أحمد في "المسند" (1/ 215) رقم
  • (1842) و(1/ 271) رقم (2447)، والبزار "كشف الأستار" رقم (200)، وابن حبَّان في "صحيحه" رقم (6213 و6214)، والطبراني في "الأوسط" رقم (25)، وفي "الكبير" (12/ رقم 12451)، والحاكم في "المستدرك" (2/ 321) و(2/ 380)؛ من حديث ابن عباس ﵄.
    وصححه: ابن حبَّان، والحاكم على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.
    وقال الهيثمي: "رجاله رجال الصحيح". "المجمع" (1/ 153).
    وصححه الألباني في "صحيح الجامع" رقم (5374).
    وحسنه الحافظ في "موافقة الخبر" (2/ 138).
    وانظر: "المقاصد الحسنة" (414)، و"كشف الخفاء" (2/ 236).
    وفي (ز) و(ن) و(ح) و(ك): "ليس المخبَر كالمعايِن"، وما أثبته موافق للفظ "المسند".
    (^3) أخرجه: البخاري في "صحيحه" رقم (3372 و4537 و4694)، ومسلم في "صحيحه" من كتاب الإيمان رقم (151)؛ ومن كتاب الفضائل رقم (151)، =
285

إبراهيم عليهما السلام، وإنَّما هو عينٌ بعد علمٍ، وشُهُودٌ بعد خبرٍ، ومعاينةٌ بعد سماعٍ.

المرتبة الثالثة: مرتبةُ "حَقِّ اليقين"؛ وهي مباشرة الشيء بالإحساس به، كما إذا دخلوا الجنَّةَ وتمتَّعُوا بما فيها. فَهُمْ في الدنيا في مرتبة "علم اليقين"، وفي الموقف حين تُزْلَفُ وتَقْرُبُ منهم حتَّى يُعَاينُوها في مرتبة "عين اليقين"، وإذا دخلوها وباشروا نعيمَها في مرتبة "حقِّ اليقين".

ومباشرةُ المعلوم تارةً تكون بالحواسِّ الظاهرة، وتارةً تكون بالقلب، فلهذا قال: ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (51)﴾ [الحاقة: 51]، فإنَّ القلبَ يباشِرُ الإيمانُ به ويخالِطُهُ (^1) كما يُبَاشِرُ بالحواسِّ ما يتعلَّق بها، فحينئذٍ يُخَالِط بشاشته القلوب، ويبقى لها "حقُّ اليقين"، وهذه أعلى مراتب الإيمان وهي "الصدِّيقيَّة" التي تتفاوت (^2) فيها مراتب المؤمنين.

وقد ضرب بعض العلماء للمراتب الثلاثِ مثالًا؛ فقال: إذا قال لك مَنْ تَجْزِمُ بِصِدْقِه: عندي عَسَلٌ أُرِيد أن أُطْعِمَك منه، فصدَّقْتَهُ؛ كان ذلك "علم اليقين"، فإذا أحضره بين يديك صار ذلك "عين اليقين"، فإذا ذُقْتَهُ صار ذلك "حقَّ اليقين".

وعلى هذا فليست هذه الإضافة من باب إضافة الموصوف إلى

  • = من حديث أبي هريرة ﵁.
    (^1) "ويخالطه" ملحق بهامش (ن).
    والعبارة في (ك) هكذا: "يباشر الإيمان ويخالطه به".
    (^2) في (ن) و(ك) و(ح) و(م): تفاوتت.
286

صفته، بل من باب (^1) إضافة الجنْس إلى نوعه، فإنَّ "العلمَ" و"العينَ" و"الحقَّ" أعمُّ من كونها يقينًا، فأُضيف العامُّ إلى الخاصِّ، مثل: بعض المتاع، وكُلِّ الدراهم.

نكتة نفيسة في ختمه سبحانه السورة بقوله: ﴿فسبح باسم ربك العظيم﴾

ولما كان المضاف والمضاف إليه في هذا الباب يَصْدُقَانِ على ذَاتٍ واحدةٍ - بخلاف قولك: دار عمروٍ، وثوب زيدٍ - ظَنَّ مَنْ ظَنَّ أنَّها من إضافة الموصوف إلى صفته؛ وليس كذلك، بل هي من باب إضافة الجِنْس إلى نوعه، كـ: ثوب خَزٍّ، وخاتَمِ فضَّةٍ. فالمضاف إليه قد يكون مغَايرًا للمضاف، لا يَصْدُقَانِ على ذاتٍ واحدةٍ، وقد يُجَانسه فَيَصْدُقَانِ على مسمَّىً واحدٍ، والله أعلم.

ثُمَّ ختم السورة بقوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (52)﴾ [الحاقة: 52]، وهي جديرةٌ بهذه الخاتمة، لما تضمَّنَتْهُ من الإخبار عن عظمةِ الرَّبِّ - تعالى - وجلالِهِ، وذكرِ عظمةِ مُلْكِه، وجريان حكمه بالعدل على عباده في الدنيا والآخرة، وذكر عظمته - تعالى - في إرسالِ رسوله، وإنزالِ كتابه، وأنَّه - تعالى - أعظمُ وأجَلُّ وأكبرُ عند أهل سماواته والمؤمنين من عباده من أنْ يُقِرَّ كذَّابًا مُتَقوِّلًا عليه، مفتريًا عليه، يُبدِّلُ دينَهُ، وينسخُ شرائعه، ويقتلُ عباده، ويخبِرُ عنه بما لا حقيقة له، وهو - سبحانه - مع ذلك يُؤَيِّدُه، وينصره، ويُجِيبُ دعواته، ويأخذُ أعداءه، ويرفعُ قَدْرَهُ، ويُعْلِي ذِكْرَهُ، فهو - سبحانه - العظيمُ الذي تأْبَى عظمتُهُ أنْ يفعل ذلك بمن أتى بأقبح أنواع الكذب والظلم، فسبحان ربِّنا العظيم، وتعالى عمَّا يَنْسُبُهُ إليه الجاهلون علوًّا كبيرًا.

  • (^1) ساقط من (ح) و(م).
287

فصل: القسم في سورة المعارج

فصل

المراد بالمشارق والمغارب

ومن ذلك قوله عز وجل: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ (40) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (41)﴾ [المعارج: 40، 41]، أقسَمَ - سبحانه - بـ "رَبِّ المَشَارِقِ والمَغَارِبِ"، وهي: إمَّا مشارقُ النُّجُوم ومغارِبُها، أو مشارقُ الشمس ومغارِبُها، أَو أنَّ (^1) كُلَّ موضعٍ من الجهة مشرقٌ ومغربٌ (^2).

فلذلك جَمَعَ في موضعٍ، وأَفْرَدَ في موضعٍ، وثَنَّى في موضعٍ آخر (^3)، فقال تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (17)﴾ [الرحمن: 17]، فقيل: هما مَشْرِقَا الصيف والشتاء (^4).

وجاء في كلِّ موضع ما يناسبه، فجاء في "سورة الرحمن": ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (17)﴾؛ لأنَّها سورةٌ ذُكِرَتْ فيها المُزْدَوِجَات، فذُكِرَ فيها الخلقُ والتعليمُ، والشمسُ والقمرُ، والنَّجْمُ والشجرُ، والسماءُ والأرضُ، والحَبُّ والثَّمَرُ، والجنُّ والإنسُ، ومادةُ أبي البشر، ومادةُ (^5)

  • (^1) في (ز) و(ط) و(م): وأن.
    (^2) انظر: "معاني الزجَّاج" (5/ 224)، و"روح المعاني" (15/ 73)، و"محاسن التأويل" (7/ 181).
    (^3) انظر: "الأنواء" لابن قتيبة (141)، و"أمالي ابن الشجري" (1/ 121)، و"المحرر الوجيز" (15/ 107)، و"فتح الباري" لابن رجب (3/ 65).
    وبنحوٍ مما ههنا ذكره المؤلف في "بدائع الفوائد" (1/ 211 - 214).
    (^4) لم يذكر المؤلف ﵀ غير هذا القول، وكذا المفسرون لا يذكرون غيره في تفسير الآية.
    انظر: "معاني الفرَّاء" (3/ 115)، و"مجاز القرآن" (2/ 243) وغيرهما.
    (^5) ساقط من (ح) و(م).
288

أبي الجنِّ، والبحرين، والجنَّةُ والنَّارُ، وقسَمَ الجنَّةَ إلى: جَنَّتَين عاليتين، وجَنَّتَين دونهما، وأخبرَ أنَّ في كلِّ جنَّةٍ عَيْنَين؛ فناسب كلَّ المناسبة أن يذكر المشرقين والمغربين.

وأمَّا سورة ﴿سَأَلَ سَائِلٌ﴾ فإنَّه أقسَمَ - سبحانه - على عمومِ قُدرته وكمالِها، وصحةِ تعلُّقِها بإعادتهم بعد العَدَم، فذكَرَ "المشارقَ" و"المغارِبَ" بلفظ الجمع؛ إذ هو أدلُّ على المُقْسَم عليه، سواءٌ أُرِيدَ مشارقُ النُّجُومِ ومغاربُها، أو مشارقُ الشمس ومغاربُها، أو كلُّ جزءٍ من جهَتَي المشرق والمغرب. فكُلُّ ذلك آيةٌ ودلالةٌ على قدرته - تعالى - عَلى أن يبدِّل أمثال هؤلاء المكذِّبين، ويُنْشِئَهم فيما لا يعلمون، فيأتي بهم في نشأةٍ أخرى، كما تأتي الشمسُ كُلَّ يومٍ من مَطْلَعٍ، وتذهبُ في مَغْرِبٍ.

وأمَّا في "سورة المزَّمِّل" فذَكَرَ المشرق والمغرب بلفظ الإفراد لَمَّا كان المقصود ذكر ربوبيته ووحدانيته (^1)، وأنَّهُ كما تفرَّدَ بربوبية المشرق والمغرب وحده فكذلك يجب أن يُفْرَدَ بالربوبيةِ والتوكُّلِ عليه وحده. فليس للمشرق والمغرب رَبٌّ سواه، فكذلك (^2) ينبغي أن لا يُتَّخَذَ إلهٌ ولا وكيلٌ سواه، ولذلك قال موسى لفرعون حين سأله: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (23)﴾ [الشعراء: 23] فقال: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (28)﴾ [الشعراء: 28].

وفي ربوبيته - سبحانه - للمشارق والمغارب تنبيهٌ على ربوبيته

  • (^1) ساقط من (ك).
    (^2) في (ز): فلذلك.
289

السماوات وما حوته من الشمس والقمر والنُّجُوم، وربوبيته (^1) ما بين الجهتين، وربوبيته الليلَ والنَّهارَ وما تضمَّنَاهُ.

تفسير قوله تعالى: ﴿على أن نبدل خيرا منهم وما نحن بمسبوقين﴾

ثُمَّ قال: ﴿إِنَّا لَقَادِرُونَ (40) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (41)﴾ [المعارج: 40، 41]، أي: لَقَادرون على أن نذهب بهم، ونأتي بأَطْوَعَ لنا منهم، وخير منهم، كما قال تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا (133)﴾ [النساء: 133].

وقوله تعالى: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (41)﴾، أي: لا يفوتني ذلك إذا أردتُه، ولا يمتنع منِّي. وعَبَّر عن هذا المعنى بقوله: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (41)﴾؛ لأنَّ المغلوبَ يسبقه الغالبُ إلى ما يريده فيفوت عليه، ولهذا عَدَّى بـ "على" دون "إلى"، كما في قوله: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (60) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ﴾ [الواقعة: 60، 61]، فإنَّه لمَّا ضمَّنَهُ معنى: مغلوبين ومقهورين؛ عَدَّاهُ بـ "على"، بخلاف: سَبَقْتُه إليه، فإنَّه فَرْقٌ بين (سَبَقْتُه عليه) و(سَبَقْتُه إليه)؛ فالأوَّل بمعنى: غَلَبْتُه وقَهَرْتُه عليه، والثاني بمعنى: وصَلْتُ إليه قبله.

فصل: الجواب عما وقع في القرآن من استبدالهم بأمثالهم أو بغيرهم أو بخير منهم

فصل

وقد وقع الإخبارُ عن قدرته - سبحانه - على تبديل غيرهم في مواضع من القرآن؛ ففي بعضها (^2) قدرتُه على تبديلهم بخيرٍ منهم، وفي بعضها تبديل أمثالهم، وفي بعضها استبداله قومًا غيرهم ثُمَّ لا يكونوا

  • (^1) في جميع النسخ: ربوبية، وكذا في المواضع الباقية في (ك) و(ح)، والصواب ما أثبته.
    (^2) ساقط من (ز).
290

أمثالهم. فهذه ثلاثة أمور يجب معرفة ما بينها من الجَمْع والفَرْق:

فحيث وقع التبديلُ بخيرٍ منهم فهو إخبارٌ عن قدرته على أن يذهب بهم، ويأتي بأَطْوَعَ وأتقى له منهم في الدنيا. وكذلك قوله: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (38)﴾ [محمد: 38]، يعني (^1): بل يكونوا خيرًا منكم.

قال مجاهد: "يستبدل بهم من شاء من عباده فيجعَلَهُم خيرًا من هؤلاء، فلم يتولَّوا بحمد الله، ولم يستبدل بهم" (^2).

وأمَّا ذِكْرُهُ تبديلَ أمثالهم، ففي "سورة الواقعة" و"سورة الإنسان"، فقال في "سورة الواقعة": ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (60) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ (61)﴾ [الواقعة: 60، 61]، وقال في "سُورة الإنسان": ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا (28)﴾ [الإنسان: 28]، قال كثيرٌ من المفسِّرين: المعنى: أنَّا إذا أَرَدْنا أن نخلق خلقًا (^3) غيركم لم يَسْبِقْنَا سَابِقٌ، ولم يَفُتْنا ذلك. وفي قوله: ﴿وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا (28)﴾ إذا شئنا أهلكناهم، وأَتَيْنَا بأشباههم، فجعلناهم بَدَلًا منهم.

قال المَهْدَوِيُّ (^4): "قومًا موافقين لهم في الخَلْقِ، مخالفين لهم في

  • (^1) في جميع النسخ: معنى!
    (^2) أخرجه: ابن جرير في "تفسيره" (11/ 330)، وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" (6/ 56) إلى: عبد بن حميد. ولفظه عندهما أخصر مما ههنا.
    (^3) في (ك): خلقنا.
    (^4) هو أحمد بن عمار بن أبي العباس المهدوي، المقريء المفسِّر، النحوي اللغوي، له كتاب: "التفصيل الجامع لعلوم التنزيل"، و"الموضح في تعليل =
291

العمل"، ولم يذكر الواحديُّ ولا ابنُ الجوزي (^1) غير هذا القول.

وعلى هذا فتكون هذه الآيات نظير قوله تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ [النساء: 133]، فيكون استدلالُهُ (^2) بقدرته على إذهابهم، والإتيان بأمثالهم = على إتيانه بهم أنفسِهم إذا ماتوا.

ثُمَّ استدلَّ - سبحانه - بالنَّشْأَة الأُولَى، فذكَّرَهُم بها فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ (62)﴾ [الواقعة: 62]، فَنَبَّهَهُم بما عَلِمُوه وعاينُوهُ على صدق ما أَخْبَرَتْهُم به رُسُلُه من النَّشْأَة الثانية.

والذي عندي في معنى هاتين الآيتين - وهما آية "الواقعة" و"الإنسان" -؛ أنَّ المراد بتبديل أمثالهم: الخَلْقُ الجديدُ والنَّشْأَةُ الآخرة التي وُعِدُوا بها (^3).

وقد وُفِّقَ الزمخشريُّ لفهم هذا من "سورة الإنسان"، فقال: "وبدَّلْنا أمثالهم في شِدَّة الأَسْرِ، يعني: النَّشْأَة الأُخْرَى"، ثُمَّ قال: "وقيل: بدَّلْنا غيرَهُم ممَّن يُطِيع، وحقه أن يأتي بـ "إنْ" لا بـ "إذا"، كقوله: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ " (^4).

  • = وجوه القراءات"، وغيرهما، توفي سنة (440 هـ) وقيل غير ذلك، ﵀. انظر: "الوافي بالوفيات" (7/ 257)، و"طبقات المفسرين" (1/ 56).
    (^1) انظر: "الوسيط" (4/ 406)، و"زاد المسير" (8/ 151).
    (^2) في (ح) و(م): استدلالًا.
    (^3) في (ز) و(ن) و(ك): به.
    (^4) "الكشاف" (4/ 676).
292

قلت: وإتيانه بـ "إذا" التي لا تكون إلا للمُحَقَّقِ الوقوعِ يدلُّ على تحققِ وقوع هذا التبديل وأنَّه واقعٌ لا محالة، وذلك هو "النَّشْأَةُ الأُخْرَى" التي استدَلَّ على إمكانها بقوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى﴾، واستدلَّ على المِثْل بالمثل، وعلى ما أنكروه بما عاينوه وشاهدوه.

وكونهم "أمثالهم" هو إنشاؤُهم خلقًا جديدًا بعينه، فَهُمْ هُم بأعيانهم، وهم أمثالُهم، فَهُم أنفسُهم يُعَادُون. فإذا قلتَ للمُعَادِ: هذا هو الأوَّلُ بعينه؛ صَدَقْتَ، وإن قلتَ: هو مثله؛ صَدَقْتَ. فهُو هُو (^1) مُعَادًا، وهو مثل الأوَّل.

وقد أوضح هذا - سبحانه - بقوله: ﴿بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ (15)﴾ [ق: 15]، فهذا الخَلْقُ الجديد هو المتضمَّنُ لكونهم أمثالهم. وقد سمَّاهُ الله سبحانه وتعالى: إعادةً، والمُعَاد (^2) مثل المُبْتَدَأ، وسمَّاهُ "نَشْأَةً أخرى" وهي مثل الأُولى، وسمَّاهُ "خَلْقًا جديدًا" وهو مثل الخَلق الأوَّل كما قال تعالى: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ (15)﴾ [ق: 15]، وسمَّاهُم (^3) "أمثالًا" وَهُمْ هُمْ. فتطابقت ألفاظ القرآن، وصدَّقَ بعضُها بعضًا، وبيَّنَ بعضُها بعضًا.

وبهذا تزول إشكالاتٌ أوردها من لم يفهم المَعَاد الذي أخبرت به الرُّسُل عن الله عز وجل. ولا يُفْهَمُ من هذا القول ما قاله بعض المتأخرين أنَّهم غيرُهم من كلِّ وجهٍ، فهذا خطأٌ قطعًا - مَعَاذَ اللهِ من اعتقاده -، بل هُمْ أمثالُهم، وهُمْ أعيانُهم. وإذا فُهِمَت الحقائقُ فلا يُنَاقِشُ

  • (^1) ساقط من (ز).
    (^2) في (ك): والإعادة.
    (^3) "وسماهم" ملحق بهامش (ك)، وفي (ح) و(م): وسمَّاه.
293