التبيان في أيمان القرآنالجزء 1 · ص 318 - 326

اختلافهم في تقدير قوله تعالى: {بأيكم المفتون}

منه القرآنُ، ورَغْبَتُهُ فيما رغَّبَ فيه، وزُهْدُه فيما زهَّدَ فيه، وكراهته لما كَرِهَهُ، ومحبته لما أحبَّهُ، وسَعْيُهُ في تنفيذ أوامره، وتبليغِهِ، والجهادِ في إقامته.

فترجَمَتْ أُمُّ المؤمنين - لكمال معرفتها بالقرآن وبالرسول ﷺ، وحسن تعبيرها - عن هذا كلِّه بقولها: "كان خُلُقُهُ القرآنُ"، وفَهِمَ السائلُ عنها هذا المعنى، فاكتفى به واشتفى.

وإذا كانت أخلاقُ العباد، وعلومُهم، وإراداتُهم (^1)، وأعمالُهم مستفادةً من "القَلَمِ" وما يسطرون، وكان في خَلْقِ "القَلَم" والكتابة إنعامًا عليهم، وإحسانًا إليهم، إذ وَصَلُوا به إلى ذلك، فكيف ينكرون إنعامه وإحسانه على عبده ورسوله الذي أعطاه أعلى الأخلاقِ، وأفضلَ العلومِ، والأعمالِ، والإراداتِ، التي لا تهتدي العقول إلى تفاصيلها من غير قلمٍ ولا كتابةٍ؟! فهل هذا إلا من أعظم آيات نبوَّته، وشواهدِ صِدْقِ رسالته؟! وسيعلم أعداؤه المكذِّبون له أيُّهُم المفتون، هو أَمْ هم؟ وقد علموا - هُمْ والعُقَلاء - ذلك في الدنيا، ويزداد علمهم به في البَرْزخ، وينكشِفُ ويظهَرُ كلَّ الظهور في الآخرة، بحيث تتساوى أقدام الخلائق في العلم به.

اختلافهم في تقدير قوله تعالى: ﴿بأيكم المفتون﴾

وقد اختُلِفَ في تقدير قوله: ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (6)﴾:

فقال أبو عثمان المازني (^2): هو كلامٌ مُسْتَأْنَفٌ، و"المَفْتُون" عنده

  • (^1) في (ك): وإرادتهم.
    (^2) هو أبو عثمان، بكر بن محمد بن عدي المازني، البصري، إمام العربية في زمانه، كان كثير الرواية والمناظرة، صنف: "التصريف"، و"ما تلحن فيه =
318

مصدرٌ، أي: بأيِّكم الفِتْنَة. والاستفهامُ عن أمرٍ دائِرٍ بين اثنين قد عُلِمَ انتفاؤه عن أحدهما قطعًا، فتعيَّنَ حصولُه للآخر (^1).

والجمهور على خلاف هذا التقدير، وهو عندهم متَّصِلٌ بما قبله، ثُمَّ لهم فيه أربعةُ أوجهٍ:

أحدها: أنَّ "الباء" زائدةٌ، والمعنى: أَيُّكُم المَفْتُون. وزيدت في المبتدأ كما زيدت في قولك: بِحَسْبِكَ (^2) أن تفعل. قاله أبو عبيدة (^3).

الثاني: أنَّ "المَفْتُون" بمعنى: الفتنة (^4)، أي: سَتُبْصِرُ ويُبْصِرُون

  • = العامة"، وغير ذلك، توفي سنة (247 هـ) ﵀.
    انظر: "نزهة الألباء" (182)، و"السير" (12/ 270).
    (^1) انظر كلام المازني في: "المحرر الوجيز" (15/ 29)، و"البحر المحيط" (8/ 303).
    (^2) بعدها في (ط) زيادة: درهم.
    (^3) انظر: "مجاز القرآن" (2/ 264).
    واختاره: الأخفش في "معانيه" (2/ 505)، وابن قتيبة في "تأويل مشكل القرآن" (248)، وقدَّمه القرطبي في "الجامع" (18/ 229).
    وردَّه الزجَّاج، وقال: "و"الباء" لا يجوز أن تكون لغوًا، وليس هذا جائزًا في العربية في قول أحدٍ من أهلها". "معاني القرآن" (5/ 205).
    وقال السمين الحلبي: "وإلى هذا ذهب قتادة، وأبو عبيدة؛ إلا أنه ضعيفٌ من حيث إن "الباء" لا تُزاد في المبتدأ إلا في "حَسْبُك" فقط". "الدر المصون" (10/ 401).
    (^4) فهو مصدر على وزن "المفعول"، كما قالوا: معقول أي: عقل، وميسور أي: يُسْر، وهذا قول: ابن عباس، والحسن، والضحَّاك. "الجامع" (18/ 229).
    وقدَّمه: الزجَّاج في "معانيه" (5/ 205)، وابن الأنباري في "البيان" (2/ 453)، واختاره ابن جرير الطبري في "تفسيره" (12/ 181).
319

بأيِّكُم الفتنة، و"الباء" على هذا ليست بزائدة. قاله الأخفش (^1).

الثالث: أنَّ "المَفْتُون" مفعولٌ على بابه، ولكن هنا مضافٌ محذوفٌ تقديره: بأيِّكُم فُتُون المَفْتُون، وليست "الباء" زائدةً. قاله الأخفش (^2) أيضًا.

الرابع: أنَّ "الباء" بمعنى "في"، والتقدير: في أَيِّ فريقٍ منكم النَّوع المفتون، و"الباء" على هذا ظرفية (^3).

وهذه الأقوال كلُّها تكلُّفٌ ظاهِرٌ لا حاجة إلى شيءٍ منه، و﴿فَسَتُبْصِرُ﴾ مضمَّنٌ (^4) معنى: تَشْعُرُ وتَعْلَمُ، فعُدِّيَ بـ "الباء"، كما تقول: ستشعر بكذا، وتَعْلَمُ به. قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (14)﴾ [العلق: 14]، وإذا دعاك اللفظ إلى (^5) المعنى من مكانٍ قريبٍ فلا تُجِبْ من دعاك إليه من مكانٍ بعيدٍ.

  • (^1) وكذا نسبه إليه أبو حيَّان في "البحر المحيط" (8/ 303).
    والذي في "معاني الأخفش" (2/ 505) أنَّ "الباء" زائدة، وهو الذي نسبه إليه القرطبي في "الجامع" (18/ 229).
    (^2) انظر: "البحر المحيط" (8/ 303)، و"فتح القدير" (5/ 356).
    (^3) وهو مذهب الفرَّاء في "معاني القرآن" (3/ 173).
    قال ابن عطية: "وهذا قولٌ حسنٌ، قليل التكلُّف". "المحرر الوجيز" (15/ 30).
    (^4) من (ح)، وفي باقي النسخ: مضمر.
    (^5) "إلى" ملحق بهامش (ك).
320

فصل: القسم في سورة الواقعة

فصل

ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (78) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (79) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (80)﴾ [الواقعة: 75 - 80].

ذكر - سبحانه - هذا القَسَمَ عقيب ذكر القيامة الكبرى، وأقسام الخَلْقِ فيها، ثُم ذكر الأدلَّةَ القاطعةَ على قدرته على المَعَاد بالنَّشْأة الأولَى، وإخراجِ النَّبَاتِ من الأرض، وإنزالِ الماء من السماء، وخَلْقِ النَّار. ثُمَّ ذكر بعد ذلك أحوال النَّاس في القيامة الصغرى عند مفارقة "الرُّوح" للبدن.

وأقسَمَ بمواقع النُّجُوم على ثبوت القرآن، وأنَّه تنزيله.

اختلافهم في النجوم التي أقسم الله بمواقعها

وقد اختُلِفَ في النُّجُوم التي أقسَم بمواقعها:

فقيل: هي آيات القرآن، ومواقعها: نزولها شيئًا بعد شيء. هذا قول ابن عباس رضي الله عنهما في رواية عطاء، وقولُ: سعيد بن جبير، والكلبي، ومقاتل (^1)، وقتادة.

وقيل: النُّجُوم (^2) هي الكواكب، ومواقِعُها: مساقِطُها عند غروبها. هذا قول أبي عبيدة (^3) وغيره.

  • (^1) "تفسيره" (3/ 317).
    وقال به: عكرمة، ومجاهد، والسُّدِّي، وأبو حَزْرَة. "تفسير ابن كثير" (7/ 544).
    (^2) "النُّجُوم" ملحق بهامش (ن).
    (^3) انظر: "مجاز القرآن" (2/ 252).
    وذكر ابن عطية أنه مذهب جمهور المفسرين "المحرر الوجيز" (14/ 267)، =
321

وقيل: مواقعها انْتِثَارُها وانْكِدَارُها يوم القيامة، وهذا قول الحسن.

ومن حُجَّةِ هذا القول أنَّ لفظ "مواقع" يقتضيه، فإنَّه (مَفَاعِل) من الوقوع وهو السقوط، فَلِكُلِّ نجمٍ مَوْقعٌ، وجَمْعُها: مَوَاقع.

ومن حُجَّةِ قول من قال: هي مَسَاقِطُها عند الغروب؛ أنَّ الرَّبَّ - تعالى - يُقْسِمُ بالنُّجُوم وطلوعها وجريانها وغروبها، إذ فيها وفي أحوالها الثلاث آيةٌ وعبرةٌ ودلالةٌ كما تقدم في قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (15) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (16)﴾ [التكوير: 15، 16]، وقال تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1)﴾ [النجم: 1]، وقال تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ [المعارج: 40].

ويرجِّحُ هذا القول - أيضًا - أنَّ النُّجُوم حيث وقعت في القرآن فالمراد منها: الكواكب، كقوله تعالى: ﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ (49)﴾ [الطور: 49]، وقوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ﴾ [الأعراف: 54].

وجوه المناسبة بين ذكر النجوم في القسم وبين المقسم عليه وهو القرآن

وعلى هذا فتكون المناسبة بين ذكر النُّجُوم في القَسَم، وبين المُقْسَم عليه - وهو القرآن - من وجوه:

أحدها: أنَّ النُّجُوم جعلها الله يُهتَدَى بها في ظلمات البَرِّ والبحر، وآياتُ القرآن يُهتَدَى بها في ظلمات (^1) الجهل والغَيِّ. فتلك هدايةٌ في الظلمات الحِسِّيَّة، وآياتُ القرآن هدايةٌ في الظلمات المعنويَّة، فجَمَعَ بين

  • = وكذا قال ابن الجوزي في "زاد المسير" (7/ 292).
    واختاره ابن جرير في "تفسيره" (11/ 658).
    (^1) "ظلمات" ملحق بهامش (ك).
322

الهدايتين.

مَعَ ما في النُّجُوم من الزينة الظاهرة للعالم، وفي إنزال القرآن من الزينة الباطنة.

ومَعَ ما في النُّجُوم من الرجوم للشياطين، وفي آيات القرآن من رجوم شياطين الإنس والجنِّ.

والنُّجُومُ آياته المشهودة العِيَانِيَّة، والقرآنُ آياتُهُ المَتْلُوَّةُ السمعيَّةُ. مَعَ ما في مواقعها عند الغروب من العبرة والدلالة على آياته القرآنية ومواقعها عند النزول.

توجيه قراءة الإفراد: "بموقع النجوم"

ومن قَرَأَ "بموقع النُّجُوم" (^1) على الإفراد، فَلِدلالة الواحد المضاف إلى الجَمْع على التعدُّد، و"الموقع": اسمُ جنْس، والمصادر إذا اختلفت جُمِعَت، وإذا كان النَّوع واحدًا أُفرِدَتْ، قالَ الله تعالى: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (19)﴾ [لقمان: 19]، فجَمَعَ الأصوات لتعدُّدِ النَّوع، وأَفرَدَ "صوت الحمير" لوحدته. فإفراد "موقع النُّجُوْم" لوحدة المضاف إليه، وتعدُّد المواقع لتعدُّده، إذ لكلِّ نجمٍ موقع.

فصل: الاعتراض بين القسم وجوابه في هذه الآيات

فصل

والمُقْسَم عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77)﴾، ووقع الاعتراض بين القَسَم وجوابه بقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76)﴾، ووقع الاعتراض بين الصفة والموصوف في جملة هذا الاعتراض بقوله

  • (^1) قرأ بها: حمزة، والكسائي، وخَلَف.
    انظر: "التيسير" (207)، و"النثر" (2/ 383).
323

مثال من سورة الأعراف لاعتراض الاحتراز

تعالى: ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76)﴾، فجاء هذا الاعتراض في ضمن هذا الاعتراض، ألْطَفَ شيءٍ وأحسَنَهُ موقعًا.

وأحسن ما يقع هذا الاعتراض إذا تضمَّنَ تأكيدًا أو تنبيهًا أو احترازًا، كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (42)﴾ [الأعراف: 42]، فاعترض بين المبتدأ والخبر بقوله: ﴿لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ لما تضمَّنَهُ ذلك من الاحتراز الرافع (^1) لِتَوَهُّمِ مُتَوَهِّمٍ: أنَّ الوعد إنَّما يستحقه من أتى بجميع الصالحات، فرفع ذلك بقوله: ﴿لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾.

وهذا أحسن مِنْ قول مَنْ قال: "إنَّه أَخْبَرَ عن الذين آمنوا، ثُمَّ أخبر عنهم بخبرٍ آخر، فهما خبران عن مُخْبَرٍ واحدٍ"، فإنَّ عدم التكليف فوق الوسْع لا يَخْتَصُّ [بِـ] (^2) الذين آمنوا، بل هو حكمٌ شامِلٌ لجميع الخلق، مَعَ ما في هذا التقدير من إخلاء جملة الخبر عن الرابط، وتقدير صفةٍ محذوفةٍ - أي: نَفْسًا منهم -، وتعطيل هذه الفائدة الجليلة.

ومن أَلْطَفِ الاعتراضِ وأحسَنِهِ قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [النحل: 57]، فاعترض بقوله: ﴿سُبْحَانَهُ﴾ بين الجَعْلَين.

وفوائد الاعتراض تختلف بحسب قَصْدِ المتكلِّم، وسياق الكلام، من قَصْدِ الاعتناء، والتقرير، والتوكيد، وتعظيم المُقْسَم به، والمخبر

  • (^1) في جميع النسخ: الواقع، وهو تحريف.
    (^2) زيادة يقتضيها الكلام.
324

عنه، ورفع تَوَهُّمِ خلاف المراد، والجواب عن سؤال مقدَّرٍ، وغير ذلك.

فمن الاعتراض الذي يُقْصَدُ به التقرير والتوكيد قول الشاعر (^1):

لو أنَّ البَاخِلِينَ - وأنتِ مِنْهُمْ -رَأَوكِ تعلَّمُوا (^2) مِنْكِ المِطَالا

وممَّا يقصد به الجواب عن سُؤَالٍ مقدرٍ قول الآخر (^3):

فلا هَجْرُهُ يبدُو - وفي اليأْسِ رَاحَةٌ -ولا وَصْلُهُ يَصْفُو لنا فَنُكَارِمُه (^4)

فقوله: "وفي اليأس راحةٌ" جوابٌ لتقدير سؤالِ سائلٍ: وما يُغْنِي عنكَ هجره؟ فقال: وفي اليأس راحةٌ، أي: المطلوب أحد أمرين: إمَّا يأسٌ مريحٌ، أو وِصَالٌ صَافٍ.

ومن اعتراض (^5) الاحتراز قول الجعدي (^6):

أَلَا زَعَمَتْ بَنُو جَعْدٍ بأَنِّي- وقد كَذَبُوا - كبيرُ السِّنِّ فَانِي

ومنه قول نُصَيْبٍ (^7):

  • (^1) هو كُثيِّر عزَّة "ديوانه" (1/ 150).
    (^2) في (ز) و(ك): وأول تعلم، وفي (ن): وارك تعلم!
    (^3) من قوله: "ومما يقصد به. . ." إلى هنا؛ ساقط من (ز) و(ن)، إلا أنه الحق بهامش (ن)، لكنه لم يظهر في التصوير!
    (^4) في جميع النسخ: تبدو … تصفو لها فتكارمه.
    والبيت لرَوْح بن ميَّادة "شعر ابن ميَّادة" (225)، ولفظه: فلا صَرْمُه يبدو …
    (^5) ساقط من (م)، وفي باقي النسخ: الاعتراض، وما أثبته من (ح).
    (^6) "شعر النابغة الجعدي" (162)، وفيه: بنو كعب … ألَا كذبوا.
    ومن قوله: "وفي اليأس راحة، أي. . ." إلى هنا؛ ملحقٌ بهامش (ك).
    (^7) انظر: "الأغاني" (1/ 213 و343)، وفيه أخباره.
325

فكِدْتُ - ولم أُخْلَقْ مِن الطَّيْرِ - إنْ بَدَاسَنَا بَارِقٍ نحْوَ الحِجَازِ أَطِيرُ

فقوله: "ولم أُخْلَق منِ الطير" لرفع استفهام يتوجَّهُ عليه على سبيل الإنكار لو قال: فكدتُ أَطِيرُ، فيقال له: وهل خُلِقْتَ من الطير؟ فاحترز بهذا الاعتراض.

وعندي أنَّ هذا الاعتراضَ يُفِيدُ غيرَ هذا، وهو قوَّةُ شَوقِهِ ونُزُوعِهِ إلى أرض الحجاز، فأَخْبَر أنَّه كاد يطير على أنَّه أَبْعَدُ شيءٍ من الطيران، فإنَّه لم يُخْلَق من الطير، ولا عَجَبَ طيرانُ من خُلِق من الطير، وإنَّما العَجَبُ طيرانُ من لم يُخْلَق من الطير، لشدَّةِ نُزُوعه وشوقه إلى جهة محبوبه؛ فتَأمَّلْه.

ومن مواقع الاعتراض: الاعتراضُ بالدعاء، كقول الشاعر (^1):

قد كنتُ أَبْكِي وأنتِ رَاضِيَةٌحِذَارَ هذا الصُّدُودِ والغَضَبِ

إنْ تَمَّ ذَا الهَجْرُ يا ظَلُومُ - ولاتَمَّ - فَمَا لِي في العَيْشِ من أَرَبِ

وكقول الآخر (^2):

إنَّ سُلَيْمَى - واللهُ يَكْلَؤُها -ضَنَّتْ بشيءٍ ما كَانَ يَرْزَؤُها

وكقول الآخر (^3):

  • (^1) هو العباس بن الأحنف "ديوانه" (49)، ولفظ البيت الثاني فيه:
    إن دَامَ ذا الهَجْرُ يا ظلوم - ولا … دامَ - فما لي. . . . . . . .
    (^2) هو إبراهيم بن هَرْمَة القرشي "ديوانه" (55).
    (^3) هو عوف بن مُحَلِّم الخُزَاعي. انظر: "طبقات الشعراء" لابن المعتز (188)، و"معجم الأدباء" (4/ 517).
326