التبيان في أيمان القرآنالجزء 1 · ص 340 - 348

فصل: ما دلت عليه الآية من لطيف الإشارات والتنبيهات

فصل: ما دلت عليه الآية من لطيف الإشارات والتنبيهات

قليلًا" (^1).

وقد رواه ابن حِبَّان في "صحيحه" (^2)، ومالك في "موطئه" (^3) وفي المسألة آثارٌ أُخَرُ مذكورةٌ في غير هذا الموضع.

فصل

ودلَّت الآيةُ - بإشارتها وإيمائها - على أنَّه لا يُدْرِك معانيه ولا يفهمه إلا القلوب الطاهرة، وحرامٌ على القلب المتلوِّث بنجاسة الباع والمخالفات أن ينال معانيه، وأن يفهمه كما ينبغي.

قال البخاري في "صحيحه" (^4) في هذه الآية: "لا يجد طعمه إلا مَنْ آمَنَ به".

وهذا - أيضًا - من إشارة الآية وتنبيهها، وهو أنَّه لا يَلْتَذُّ به وبقراءته وفهمه وتدبُّرِه إلا مَنْ شَهِدَ أنَّه كلام الله، تكلم به حقًّا، وأنزله على رسوله وحيًا، ولا ينال معانيه إلا من لم يكن في قلبه حَرَجٌ منه بوجهٍ من

  • (^1) "التمهيد" (17/ 396 - 397)، و"الاستذكار" (8/ 10).
    (^2) "الإحسان" (14/ 504) رقم (6559).
    (^3) "الموطأ" (1/ 275) رقم (534)، وهو مرسل.
    ومن طريقه أخرجه: الشافعي في "الأم" (7/ 185)، وأبو داود في "المراسيل" رقم (93)، والبيهقي في "معرفة السنن والآثار" (1/ 318)، والبغوي في "شرح السُّنَّة" (2/ 47) رقم (275).
    (^4) كتاب التوحيد، باب: "قل فأتوا بالتوراة فاتلوها". "الفتح" (13/ 517).
    وهذا قول الفَرَّاء في "معاني القرآن" (3/ 130) وعنه نقله من جاء بعده، كالبغوي في "معالم التنزيل" (8/ 23)، والماوردي في "النكت والعيون" (5/ 464)، وغيرهما.
340

الوجوه.

فمن لم يؤمن بأنَّه حقٌّ من عند الله ففي قلبه منه أعظمُ (^1) حرجٍ.

ومن لم يؤمن بأنَّ الله - سبحانه - تكلَّم به حقًّا، وليس مخلوقًا من جملة مخلوقاته؛ ففي قلبه منه حَرَجٌ (^2).

ومن قال: إنَّ (^3) له باطنًا يخالف ظاهره، وإنَّ له تأويلًا يخالف ما يُفْهَمُ منه؛ ففي قلبه منه حَرَجٌ (^4).

ومن قال: إنَّ له تأويلًا لا نفهمه، ولا نعلمه، وإنَّما نتلوه مُتَعبِّدِين بألفاظه؛ ففي قلبه حَرَجٌ منه (^5).

ومن سلَّط عليه آراء الآرائيين، وهذيان المتكلِّمين، وسَفْسَطَة المتسَفْسِطِين، وخيالات المُتَصوِّفين؛ ففي قلبه منه حَرَجٌ.

ومن جعله تابعًا لنِحْلَتِهِ ومذهبه، وقول من قلَّده دينه، ينزِّلُه على أقواله، ويتكلَّفُ حمله عليها؛ ففي قلبه منه حَرَجٌ.

ومن لم يُحَكِّمْهُ ظاهرًا وباطنًا في أصول الدِّين وفروعه، ويُسَلِّمْ وينقاد (^6) لِحُكْمه أين كان؛ ففي قلبه منه حَرَجٌ (^7).

  • (^1) ساقط من (ح) و(م).
    (^2) من قوله: "ومن لم يؤمن بأن الله. . ." إلى هنا؛ ملحق بهامش (ك).
    (^3) ساقط من (ز) و(ن) و(ك) و(ط).
    (^4) من قوله: "ومن قال: إن له باطنًا. . ." إلى هنا؛ ساقط من (ح).
    (^5) من قوله: "ومن قال إن له تأويلًا. . ." إلى هنا؛ ساقط من (ز).
    (^6) الوجه: ويَنْقَدْ؛ لأنه معطوف على مجزوم.
    (^7) من قوله: "ومن لم يحكِّمْه ظاهرًا. . ." إلى هنا؛ ملحق بهامش (ن).
341

ومن لم يأْتَمِرْ بأوامره، ويَنْزَجِرْ عن زواجره، ويُصَدِّقْ جميع أخباره، ويُحَكِّمْ أَمْرَهُ ونَهْيَهُ وخَبَرَهُ، ويَرُدَّ له كلِّ أمرٍ ونَهْيٍ وخبرٍ خالَفَهُ؛ ففي قلبه منه حَرَجٌ.

وكلُّ هؤلاء لا تَمسُّ قلوبَهم معانيه، ولا يفهمونه كما ينبغي أن يُفْهَم، ولا يجدون من لذَّةِ حلاوته وطعمه ما وَجَدَهُ الصحابةُ ومن تَبِعَهُم (^1).

وأنتَ إذا تأمَّلْتَ قوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: 79]، وأعطيت الآية حقَّها من دلالة اللفظ، وإيمائه، وإشارته، وتنبيهه، وقياس الشيء على نظيره، واعتباره بمُشَاكِلِه، وتأمَّلْتَ المشابهة التي عَقَدَها الله - سبحانه - وربطها بين الظاهر والباطن = فَهِمْتَ هذه المعاني كلَّها من الآية، وبالله التوفيق.

فصل

فصل: ما أفاده قوله تعالى: ﴿تنزيل من رب العالمين﴾ من مطالب الدين

ثُمَّ أكَّدَ ذلك وقرَّرَهُ وأطَّدَهُ بقوله عز وجل: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (80)﴾ [الواقعة: 80]، وهذا كما أنَّه لازِمٌ لكونه قرآنًا كريمًا في كتابٍ مكنونٍ؛ فهو ملْزُومٌ له. فهو دليلٌ عليه، ومدلولٌ له.

وأفاد كونه تنزيلًا من ربِّ العالمين مطلوبَين (^2) عظيمَين هما أَجَلُّ مَطَالب الدِّين:

  • (^1) في (ن): بعدهم، ثم صححت في الهامش.
    (^2) الأنسب: مَطْلَبَين، فإنه الموافق لـ "مطالب".
342

إثبات الربوبية يستلزم إثبات الرسالة للنبي ﷺ

أحدهما: أنَّه المتكلِّم به، وأنَّه منه نَزَل، ومنه بَدَأ، وهو الذي تكلَّم به. ومن هنا قال السلف: "منه بدأ".

ونظيره قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ [السجدة: 13]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل: 102].

والثاني: عُلُوُّ اللهِ - سبحانه - فوق خَلْقه، فإنَّ "النُّزُول" و"التنزيل" - الذي تعقله العقول وتعرفه الفِطَر - هو وصول الشيء من أَعْلَى إلى أسفل، والرَّبُّ - تعالى - إنَّما يخاطب عباده بما تعرفه فِطَرُهم، وتشهد به عقولهم.

وذَكَر "التنزيل" مضافًا إلى ربوبيته للعالَمين المستلزِمة لملكه لهم، وتَصَرُّفِهِ فيهم، وحكمِهِ عليهم، وإحسانِهِ وإنعامِهِ عليهم، وأنَّ مَنْ هذا شَأْنُهُ مع الخَلْق كيف يليق به مع ربوبيته التامَّةِ أن يتركَهم سدىً، ويَدَعَهُم هَمَلًا، ويخلقَهم عبثًا، لا يأمرهم ولا ينهاهم، ولا يثيبهم ولا يعاقبهم. فمن أقرَّ بأنَّه ربُّ العالَمين؛ أقرَّ بأنَّ القرآن تنزيله على رسوله.

واستَدَلَّ بكونه ربَّ العالَمين على ثبوتِ رسالة رسوله ﷺ، وصحةِ ما جاء به. وهذا الاستدلال أقوى وأشرف من الاستدلال بالمعجزات والخوارق، وإن كانت دلالتها أقرب إلى أذهان عموم النَّاس، وتلك إنَّما تكون لخواصِّ العقلاء.

وقد أشار - سبحانه - إلى الطريقين في غير موضع من كتابه، كقوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: 53]، فهذا استدلالٌ بالآيات المُعَايَنَة المخلوقة، ثُمَّ قال: ﴿أَوَلَمْ﴾

343

﴿يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (53)﴾، فهذا استدلالٌ (^1) بكمال ربوبيته، وكمال أوصافه؛ على صدق رسوله فيما جاء به.

وهذه الطريق أخصُّ، وأقوى، وأكمل، وأَعْلَى. والأُولَى (^2) أعمُّ وأشمل، وقد تقدَّم بيانها عند قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (44)﴾ [الحاقة: 44] (^3).

وأين الاستدلال بأوصاف الرَّبِّ - تعالى - وكماله المقدَّس على ثبوت النَّبِيِّ (^4) وبعثه، من الاستدلال عليه ببعض مخلوقاته؟

وتأمَّلْ فَرْقَ ما بين استدلال (^5) سيدة نساء العالَمين خديجة رضي الله عنها بصفات الرَّبِّ تعالى، وصفات محمد ﷺ، واستنتاجها (^6) من بين هذين الأمرين صحة نبوَّته (^7)، وأنَّه رسول الله حقًّا، وأنَّ من كانت هذه صفاته فصفات ربِّهِ وخالقه تَأْبَى أن يُخْزِيَهُ، وأنَّه لا بُدَّ أن يؤيِّدَه، ويُعْلِيَهُ، ويُتِمَّ نعمته عليه (^8).

وأنتَ إذا تأمَّلْتَ هذه الطريقةَ وهذا الاستدلالَ وجدتَ بينها وبين

  • (^1) من قوله: "بالآيات المعاينة. . ." إلى هنا؛ ملحق بهامش (ن).
    (^2) من (م)، وفي باقي النسخ: والأول.
    (^3) من أول الفصل إلى هنا مفقود من (ك).
    (^4) في (ز) و(ن) و(ك) و(ط): الشيء.
    (^5) في (ز): الاستدلال من، وفي (ط) كذلك بدون: من.
    (^6) تصحفت في (ن) و(ك) و(ط) إلى: واستنساخها.
    (^7) تصحفت في (ك) إلى: ثبوته.
    (^8) أخرجه: البخاري في "صحيحه" رقم (3)، ومسلم في "صحيحه" رقم (160)، من حديث عائشة ﵂.
344

طريقة المتكلِّمين من الفَرْق ما لا يخفى.

وإذا حصل للعبد الفقه في الأسماء والصفات انتفع به في باب معرفة الحقِّ والباطل من الأقوال، والطرائق، والمذاهب، والعقائد = أعظمَ انتفاعٍ وأتمَّهُ. وقد بينَّا في كتابنا (^1) "المَعَالم" (^2) بطلان التحليل وغيره من الحِيَل الربويَّة بأسماء الربِّ وصفاته، وأنَّه يستحيل على الحكيم أن يُحَرِّمَ الشيء ويتوعَّدَ (^3) على فعله بأعظم أنواع العقوبات، ثُمَّ يُبِيح التوصُّل إليه بنفسه بأنواع (^4) التحيُّلات.

فأين ذلك الوعيد الشديد، وجواز التوصُّل إليه بالطريق البعيد؟! إذ ليست حكمة الرَّبِّ - تعالى - وكمال علمه وأسمائه وصفاته؛ تنتقض (^5) بإحالة ذلك وامتناعه عليه (^6).

فهذا استدلالٌ بالفقه الأكبر في الأسماء والصفات (^7) على الفقه

  • (^1) "في كتابنا" ملحق بهامش (ك).
    (^2) هو كتاب "إعلام الموقعين"، وانظر فيه: إبطال التحليل (4/ 408 - 426)، وإبطال عموم الحيل (4/ 522) فما بعده.
    وقد ذكره ابن القيم باسم "المعالم" في ثلاثة مواضع من كتبه، هذا ثالثها، كما أفاده الشيخ العلامة بكر أبو زيد في كتابه "ابن قيم الجوزية: حياته، آثاره، موارده" (214).
    (^3) من (م)، وفي باقي نسخ. ويتواعد.
    (^4) "بأنواع" ملحق بهامش (ن).
    (^5) في (ن) و(ك): تنتقص.
    (^6) كذا في جميع النسخ! ولا تستقيم العبارة مع ما قبلها، فلعل الصواب هكذا: إذ حكمة الرَّبِّ - تعالى - وكمال علمه وأسمائه وصفاته تقضي بإحالة ذلك، وامتناعه عليه. ويمكن أن تقرأ هكذا: أَوَ ليست حكمة الرَّبِّ. . . إلخ.
    (^7) "في الأسماء والصفات" ملحق بهامش (ك).
345

فصل: توبيخه سبحانه لمن داهن في القرآن، وتوضيح ذلك

تفسير قوله تعالى: ﴿وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون﴾

العَمَليِّ في باب الأمر والنَّهْي.

وهذا بابٌ حرامٌ على الجَهْميِّ المُعَطِّلِ أن يَلِجَهُ، وجَنَّةٌ حرامٌ عليه رِيحُها، وإنَّ ريحَها ليوجد من مسيرة خمسين ألف سنة. والله العزيز الوهَّاب، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، وبه التوفيق.

فصل

ثُمَّ وبَّخَهُم - سبحانه - على وَضْعِهم الإدْهَانَ (^1) في غير موضعه، وأنَّهم يُدَاهِنُون بما حَقُّه أن يُصْدَعَ به، ويُفَرَّقَ به، ويُعَضَّ عليه بالنَّواجذ، وتُثْنى عليه الخَنَاصِر، وتُعْقَدَ (^2) عليه القلوبُ والأفئدة، ويُحَارَبَ ويُسَالَمَ لأجله، ولا يُلْتَوَى عنه يَمْنَةً ولا يَسْرَةً، ولا يكون للقلب التفاتٌ إلى غيره، ولا محاكمةٌ إلا إليه، ولا مخاصمةٌ إلا به، ولا اهتداءٌ في طُرُق المطالب العالية إلا بنُوره، ولا شفاءٌ إلا به، فهو روحُ الوجود، وحياة العالم، ومدار السعادة، وقائدُ الفلاح، وطريقُ النَّجاة، وسبيلُ الرَّشاد، ونورُ البصائر، فكيف تُطْلَبُ المُدَاهَنَةُ بما هذا شأنه، ولم ينزل للمُدَاهَنة؟ وإنَّما أُنزل بالحقِّ وللحقِّ.

والمُدَاهَنة إنَّما تكون في باطِلٍ قَوِيٍّ لا يمكن إزالته، أو في حَقٍّ ضعيفٍ لا يمكن إقامته، فيحتاج المداهِنُ إلى أنْ يترك بعض الحقِّ، ويلتزم بعض الباطل، فأمَّا الحقُّ الذي قام به كلُّ حَقٍّ فكيف يُدَاهن به؟

ثُمَّ قال سبحانه: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (82)﴾ [الواقعة: 82]،

  • (^1) "الإدْهَان": المُدَارَاةُ، والمُلَايَنَةُ، وتركُ الجِدِّ. "مفردات الراغب" (320).
    (^2) في جميع النسخ: تعتقد، والصواب ما أثبته.
346

قوام كل أحد يقوم على رزق البدن ورزق القلب، والحكمة منهما

اختلاف المفسرين في تقدير الآية

لمَّا كانَ قِوَام كلِّ واحدٍ من البدن والقلب إنَّما هو بالرِّزْق - فَرِزْقُ البدنِ: الطعامُ، والشرابُ. ورزْقُ القلب: الإيمانُ، والمعرفةُ بربِّه وفاطره، ومحبتُه، والشوقُ إليه، والأُنْسُ بقُرْبه، والابتهاجُ بذكره -، وكان لا حياة له إلا بذلك، كما أنَّ البدن لا حياة له إلا بالطعام والشراب = أَنْعَم الله - على عباده بهذين النَّوعَين من الرِّزْق، وجعل قيام أبدانهم وقلوبهم بهما.

ثُمَّ فَاوَتَ - سبحانه - بينهم في قِسْمَة هذين الرِّزْقَين، بحسب ما اقتضاه علمه وحكمته؛ فمنهم من وُفِّرَ حظُّه من الرِّزْقَين، ووُسِّعَ عليه فيهما، ومنهم من قُتِّرَ عليه في الرِّزْقَين، ومنهم من وُسِّعَ عليه رزقُ البدن، وقُتِّرَ عليه رزقُ القلب، وبالعكس.

وهذا الرِّزْق إنَّما يَتِمُّ ويَكْمُلُ بالشُّكْر. و"الشُّكْر" مادَّةُ زيادته، وسبب حفظه وبقائه، وترك الشُّكْر سبب زواله وانقطاعه عن العبد، فإنَّ الله - تعالى - تأذَّنَ أنَّه لا بُدَّ أن يزيد الشَّكُور من نعمه، ولا بُدَّ أنْ يَسْلُبَها مَنْ لم يشكرها.

فلمَّا وضعوا الكفر والتكذيبَ موضع الشُّكْرِ والإيمان؛ جعلوا رزقَهم - نَفْسَهُ - تكذيبًا، فإنَّ التصديقَ والشُّكْرَ لمَّا كانا سبب زيادة الرِّزْق - وهما (^1) رِزْقُ القلب حقيقةً -، فهؤلاء جعلوا مكانَ هذا الرِّزْق التكذيبَ والكفْرَ، فجعلوا رزقَهم التكذيب.

وهذا المعنى هو الذي حَامَ حوله من قال: التقدير: وتجعلون شُكْرَ

  • (^1) في (ز) بين الأسطر، وبخط دقيق، جاء فوق قوله "وهما": "أي: التصديق والشكر".
347

رزقكم أنكم تكذِّبون (^1).

وقال آخرون (^2): التقدير: وتجعلون بَدَلَ شُكْرِ رزقكم أنكم تكذِّبون، فحَذَفَ مُضَافَين معًا.

وهؤلاء أطالوا اللفظ، وقصَّروا بالمعنى.

ومن بعض معنى الآية قولهم: "مُطِرْنَا بِنَوْءِ كذا وكذا" (^3)، فهذا

  • (^1) هذا مذهب الجمهور، وعليه أكثر السلف. "زاد المسير" (7/ 295).
    واختاره: الفَرَّاء في "معانيه" (3/ 130)، والزجَّاج في "معانيه" (5/ 116).
    قال القرطبي: "وإنَّما صَلُح أن يوضَع اسم "الرِّزْق" مكان شكره؛ لأنَّ شُكْر الرِّزْقِ يقتضي الزيادة فيه، فيكون "الشكر" رزقًا على هذا المعنى، فقيل: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾ أي: شكر رزقكم الذي لو وُجِد منكم لعَادَ رزقًا لكم، ﴿أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (82)﴾ بالرزق، أي: تضعون الكذب مكان الشكر". "الجامع" (17/ 228).
    (^2) هذا قول جمال الدين ابن مالك في "شرح الكافية الشافية" (2/ 971)، وكذا نسبه إليه السمين الحلبي في "الدر المصون" (10/ 228).
    ونقل الواحديُّ في "الوسيط" (4/ 240) عن الأزهري قولًا يؤيِّدُه! والذي في "تهذيب اللغة" (8/ 430)، و"علل القراءات" (2/ 670) - كلاهما للأزهري - مثلُ قول الجمهور.
    (^3) أخرج مسلم في "صحيحه" رقم
  • (73) من حديث ابن عباس ﵄ قال: مُطِر النَّاسُ على عهد النبيِّ ﷺ، فقال النبيُّ ﷺ: "أصبح من النَّاس شاكرٌ، ومنهم كافر. قالوا: هذه رحمةُ الله، وقال بعضهم: لقد صَدَق نَوء كذا وكذا" قال: فنزلت هذه الآية ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75)﴾ حتى بلغ: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (82)﴾.
    وأخرج: أحمد في "المسند" (1/ 89) رقم
  • (677) و(1/ 180) رقم (849)، وعبد الله في زوائده على "المسند" (1/ 131) رقم (1087)، والترمذي في "سننه" رقم (3295)، والبزار في "البحر الزخَّار" رقم (593)، وابن جرير =
348