التبيان في أيمان القرآنالجزء 1 · ص 405 - 413

اختلافهم في معنى "المسجور"

اختلافهم في معنى "المسجور"

المقدَّر به، فالخمسمائة مقدَّرَةٌ بسير الإبل، والسبعون بسير البريد، وهو يقطع بقدر (^1) ما تقطعه الإبل سبعة أضعاف (^2).

وهذا القول في البحر - أنَّه الذي تحت العرش - محكيٌّ عن: عليِّ بن أبي طالب رضي الله عنه.

والثاني: أنَّه بحر الأرض.

واختُلف في "المَسْجُور":

  • = وابن أبي عاصم في "السُّنَّة" رقم (578)، وأبو الشيخ في "العظمة" رقم (201)، والبيهقي في "الأسماء والصفات" رقم (849)، وغيرهم.
    كلهم من طريق: قتادة، عن الحسن، عن أبي هريرة مرفوعًا.
    وإسناده ضعيف؛ فإنَّ قتادة مدلِّس وقد عنعن، والحسن - هو البصري - لم يسمع من أبي هريرة ﵁، وبهذا أعلَّه أكثر المحدِّثين كـ: الترمذي، والبيهقي، وابن الجوزي وغيرهم.
    وقال الجوزقاني: "هذا حديث باطل". "الأباطيل" (1/ 70).
    وقال الذهبي: "الحسن مدلِّس، والمتن منكر". "العلو" (60).
    وأخرجه: ابن جرير الطبري في "تفسيره" (11/ 670) مرسلًا عن قتادة، قال ابن كثير: "ولعل هذا هو المحفوظ". "تفسيره" (8/ 8).
    (^1) "بقدر" ملحق بهامش (ح).
    (^2) هذا الجواب الأوَّل عن التعارض الوارد في حساب المسافة بين الحديثين.
    والجواب الثاني ما ذكره البيهقي بقوله: "ويحتمل أن يختلف ذلك باختلاف قوة السير وضعفه، وخفته وثقله، فيكون بسير القوي أقل، وبسير الضعيف أكثر، والله أعلم". "الأسماء والصفات" (2/ 288 - 289).
    وثَمَّ جوابٌ ثالثٌ ذكره الطيبي بقوله: "المراد بـ (السبعون) في الحديث التكثير لا التحديد، لما ورد من أنَّ ما بين السماء والأرض، وبين سماءٍ وسماءٍ مسيرة خمسمائة عام". انظر: "تحفة الأحوذي" (9/ 165).
405

فقيل: المَمْلُوء، هذا قول جميع أهل اللغة.

قال الفَرَّاء: "المسجور في كلام العرب: المَمْلُوء" (^1).

يقال: سَجَرْتُ الإناءَ إذا مَلأته، قال لبيد (^2):

فَتَوَسَّطَا عُرْضَ السَّرِيِّ وَصَدَّعَامَسْجُورةً مُتَجَاوِزًا قُلَّامُها

وقال المُبرِّد: "المسجور: المَمْلُوء عند العرب"؛ وأنشد للنَّمِرِ بن تَوْلَب:

إذا شَاءَ طَالَعَ مَسْجُورةً (^3)

يريد عَيْنًا مملوءةً ماءً.

وكذا قال ابن عباس: "المسجور: المُمْتَلئ".

وقال مجاهد (^4): "المسجورُ: المُوْقَدُ".

قال الليث: "السَّجْرُ: إيقادُك في التنُّور، تَسْجُره سَجْرًا، والسَّجُور (^5): اسم الحطب" (^6).

  • (^1) "معاني القرآن" (3/ 91).
    (^2) "ديوانه"
  • (216) بشرح الطوسي.
    السِّرِيّ: النهر. والقُلَّام: نَبْتٌ من أنواع الحمض لا ساقَ له. والعُرْض: الناحية.
    (^3) "ديوانه" (65)، وعجز البيت:
    . . . . . . . . . . … ترى حَوْلَها النَّبْعَ والسَّاسَمَا
    (^4) "تفسيره" (2/ 624)، وأخرجه ابن جرير في "تفسيره" (11/ 482).
    وهذا هو القول الثاني في معنى "المسجور".
    (^5) ساقط من (ز).
    (^6) انظر: "العين" (6/ 50)، و"تهذيب اللغة" (10/ 575).
406

وهذا قول: الضحَّاك، وكعب، وغيرِهما.

قال: "البحر يُسْجَر فيُزَادُ في جهنَّم" (^1).

وحُكِيَ هذا القول عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قال: "مسجُورٌ بالنَّارِ". قالَـ[ـهُ] (^2) الفرَّاء (^3).

  • (^1) كذا في جميع النسخ من دون تعيين القائل!
    وهذا اللفظ أخرجه: أبو الشيخ في "العظمة" رقم (928)، وأبو نعيم في "الحلية" (5/ 375)؛ من طريق: عكرمة، عن ابن عباس، عن كعب الأحبار به.
    وأشار جماعةٌ من المفسرين إلى كونه حديثًا مرفوعًا! لكني لم أجد من خرَّجه؛ إلا إن عَنَوا به ما أخرجه: أحمد في "المسند" (4/ 223)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (1/ 70) و(8/ 414)، والفَسَوي في "المعرفة والتاريخ" (1/ 308)، والطبري في "تفسيره" (15/ 239)، والحاكم في "المستدرك" (4/ 596)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (4/ 334)، وفي "البعث والنشور" رقم (451 و452)؛ من حديث صفوان بن يَعْلَى، عن أبيه:
    أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "إنَّ البحر هو جهنَّم".
    وفي لفظ: "البحر من جهنَّم".
    صححه الحاكم، ووافقه الذهبي. وقال الهيثمي: "رجاله ثقات". "مجمع الزوائد" (10/ 386).
    وقال ابن كثير: "حديث غريبٌ جدًّا". "تفسيره" (6/ 289).
    وضعفه الألباني في "السلسلة الضعيفة" رقم (1023)، و"ضعيف الجامع" رقم (2366).
    وانظر كلام الحافظ ابن رجب في "التخويف من النَّار"
  • (74) فقد عزَا هذا المعنى لجماعةٍ من السلف.
    (^2) زيادة لا بد منها.
    (^3) في "معاني القرآن" (3/ 91)، وانظر: "تهذيب اللغة" (10/ 575).
407

وهذا يرجع إلى القول الأوَّل؛ لأنَّكَ تقول: سَجَرْتُ التنُّورَ؛ إذا ملأْتَهُ حَطَبًا.

وروى ذُو الرُّمَّةِ الشاعر عن ابن عباس أنَّ المسجور: "اليابس الذي قد نَضَب ماؤُه وذهب" (^1). وليس لِذِي الرُّمَّةِ رواية عن ابن عباس غير هذا الحرف (^2). وهذا القول اختيار أبي العالية.

قال أبو زيد: "المسجور: المَمْلُوء، والمسجور (^3): الذي ليس فيه شيء" (^4)، جعله من الأضداد.

وقد رُوي عن ابن عباس أنَّ المسجور (^5): المحبوس، ومنه: سَاجُور الكلب، وهو القِلَادة من عُودٍ أو حديدٍ يُمْسِكُه.

  • (^1) أخرجه الثعلبي في "الكشف والبيان" (9/ 125).
    وعزاه ابن كثير في "تفسيره" (7/ 429) إلى ابن مردويه في "مسانيد الشعراء".
    وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" (6/ 146) إلى الشيرازي في "الألقاب".
    كلُّهم من طريق الأصمعي، عن أبي عمرو بن العلاء، عن ذي الرُّمَّة، عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ قال: "الفارغ؛ خرَجَت أمَةٌ تستسقي، فرجعت وقالت: إنَّ الحوضَ مسجورٌ، تعني: فارغًا".
    (^2) وهذا قول ابن أبي داود؛ كما نقله عنه: الثعلبي في "الكشف والبيان" (9/ 125)، والقرطبي في "الجامع" (17/ 61).
    (^3) "والمسجور" ملحق بهامش (ح).
    (^4) انظر: "تهذيب اللغة" (10/ 577).
    ولكونه من الأضداد؛ انظر: "الأضداد" لقطرب (102)، ولابن الأنباري (54)، وللأصمعي
  • (10) ضمن "الكنز اللغوي".
    (^5) من قوله: "المملوء، والمسجور: الذي. . ." إلى هنا؛ ملحقٌ بهامش (ن).
408

بعض الحكم في كيفية وجود البحر وطريقة توزيعه

والمعنى على هذا أنَّه محبوسٌ بقدرة الله أن يَفِيضَ على الأرض فيُغْرِقَها، فإنَّ ذلك مقتضى الطبيعة أن يكون الماء غامرًا للأرض فوقها، كما أنَّ الهواء فوق الماء، ولكن أَمْسَكَهُ الذي يُمْسِكُ السماوات والأرض أنْ تَزُولا، وفي هذا المعنى حديثٌ ذكره الإمامُ أحمد مرفوعًا: "ما من يومٍ إلَّا والبحرُ يستأذِنُ ربَّهُ أنْ يُغرق بني آدم" (^1).

وهذا الموضع ممَّا هَدَمَ أصول الملاحدة والدهريَّة، فإنَّه ليس في الطبيعة ما يقتضي حَبْسَ الماء عن بعض جوانب الأرض، مع كون كرة الماء عالية على كرة (^2) الأرض بالذَّات، ولو فُرِضَ أنَّ في الطبيعة ما يقتضي بروز بعض جوانبها لم يكن فيها ما يقتضي تخصيص هذا الجانب بالبروز دون غيره.

وما ذكره الطبائعيُّون والمُتَفَلْسِفة أنَّ العناية الإلهية اقْتَضَتْ ذلك لمصلحة العالَم: فَنَعَم؛ هو كما ذكروا، ولكنَّ عناية من يفعل بقدرته

  • (^1) أخرجه: أحمد في "المسند" (1/ 43)، ومن طريقه ابن الجوزي في "العلل المتناهية" رقم (37)، وعزاه الحافظ في "المطالب العالية" رقم
  • (2043) إلى إسحاق بن راهويه، ومن طريقه أبو بكر الإسماعيلي كما ذكره ابن كثير في "تفسيره" (7/ 430)؛ كلُّهم من حديث عمر بن الخطاب ﵁؛ ولفظه:
    "ليس من ليلةٍ إلا والبحر يُشْرِف فيها ثلاثَ مرَّاتٍ على الأرض، يستأذنُ الله في أن يَنْفَضِخ عليهم، فيكفُّه الله ﷿".
    قال ابن الجوزي: "العوَّام ضعيفٌ، والشيخ مجهول". (1/ 41).
    وقال ابن كثير: "فيه رجلٌ مبهمٌ لم يُسَمَّ". "تفسيره" (7/ 430)، و"مسند عمر" له - أيضًا - (2/ 608).
    (^2) ساقط من (ز).
409

ومشيئته، وهو بكلِّ شيءٍ عليمٌ، وعلى كلِّ شيءٍ قديرٌ، وهو أحكم الحاكمين = غير معقولة؟!

فالعناية الإلهية تقتضي حياتَهُ، وقدرتَهُ، ومشيئته، وعلمَهُ، وحكمتَهُ، ورحمتَهُ، وإحسانَهُ إلى خلقه، وقيامَ الأفعال به، فإثبات العناية الإلهية مع نفي هذه الأمور ممتنعٌ. وبالله التوفيق.

وأقوى الأقوال في "المَسْجُور" أنَّه المُوْقَد (^1) - وهذا هو المعروف في اللغة - من: السَّجْر، ويدلُّ عليه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (6)﴾ [التكوير: 6]، قال عليُّ بن أبي طالب، وابنُ عباس: "أُوقِدَتْ فَصَارَتْ نارًا".

ومن قال: "يَبسَت وذَهَب ماؤها"؛ فلا يُناقض كونها نارًا مُوقَدَةً. وكذا من قال: "مُلئت"؛ فإنَّها تُمْلأُ نارًا.

وإذا اعتبرتَ أسلوبَ القرآن ونَظْمَهُ ومفرداته رأيتَ اللفظة تدلُّ على ذلك كلِّه، فإنَّ البحر محبوسٌ بقدرة الله عز وجل، ومملوءٌ ماءً، ويذهب ماؤُه يوم القيامة ويصير نارًا. فكلٌّ من المفسِّرين أخذ معنىً من هذه المعاني. والله أعلم.

  • (^1) وهو مرويٌّ عن: عليٍّ، وابنِ عباسٍ ﵃.
    وقال به: سعيد بن المسيب، وزيد بن أسلم، ومجاهد، والضحَّاك، وسعيد بن جبير، وشِمْر بن عطية، ومحمد بن كعب القرظي، وعبد الله بن عبيد بن عمير، والأخفش، وغيرهم.
    واختاره: الألوسي في "روح المعاني" (27/ 24) ونسبه للجمهور، والشوكاني في "فتح القدير" (5/ 125).
410

فصل: جواب القسم في السورة: (﴿إن عذاب ربك لواقع﴾

بيان معنى "المور"

فصل

وأقسَمَ - سبحانه - بهذه الأمور على المَعَاد والجزاء، فقال تعالى: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (7)﴾ [الطور: 7].

ولمَّا كان الذي يقع قد يُمْكِنُ دَفْعُهُ أخبَر - سبحانه - أنَّه لا دافع له. وهذا يتناول أمرين:

أحدهما: أنَّهُ لا دافع لوقوعه.

والثاني: أنه لا دافع له إذا وقع.

ثُمَّ ذكر - سبحانه - وقتَ وقوعه فقال: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (9) وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا (10)﴾ [الطور: 9، 10].

و"المَوْرُ": قد فُسِّر بالحركة، وفُسِّر بالدَّوَران، وفُسِّر بالتموُّج والاضطراب.

والتحقيقُ؛ أنَّه حركةٌ في تموُّجٍ، وتكفُّؤٍ، وذهابٍ، ومجيءٍ.

ولهذا فرَّق بين حركة السماء وحركة الجبال، فقال: ﴿وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا (10)﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (3)﴾ [التكوير: 3]، فالجبالُ تسير من مكانٍ إلى مكانٍ، وأمَّا السماء فإنَّها تتكفَّأُ، وتتموَّجُ، وتذهبُ، وتجيءُ.

قال الجوهري (^1): "مَارَ الشيءُ يَمُورُ مَوْرًا: تَرَهْيَأَ؛ أي: تحرَّك،

  • (^1) هو أبو نَصْر، إسماعيل بن حمَّاد الجوهري، إمام اللغة، كان من أعاجيب الدنيا، أصله من "الفَارَاب" إحدى بلاد التُرك، أكثَرَ من مخالطة قبائل العرب =
411

بيان معنى "دعا"، وتفسير الآيات بعدها

وجاء، وذهبَ، كما تكفَّأُ النَّخْلَةُ العَيْدَانة - أي: الطويلة -، ومنه قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (9)﴾، قال الضحَّاكُ: تَمُوجُ مَوْجًا.

وقال أبو عبيدة، والأخفش: تكفَّأُ. وأنشد للأعشى (^1):

كَأَنَّ مِشْيَتَها من بَيْتِ جَارَتِهامَوْرُ السَّحَابة، لا رَيْثٌ ولا عَجَلُ" (^2)

ثُمَّ ذَكَر وعيدَ المكذِّبين بالمَعَادِ والنُّبُوَّةِ، وذكر أعمالَهم وعلومَهم التي كانوا عليها، وهي "الخَوْضُ" الذي هو كلامٌ باطلٌ، و"اللَّعِبُ" الذي هو سَعْيٌ ضَائعٌ. فلا علمٌ نافعٌ، ولا عملٌ صالحٌ؛ بل علومُهم خَوْضٌ بالباطل، وأعمالُهم لَعِبٌ.

ولمَّا (^3) كانت هذه العلومُ والأعمالُ مُسْتَلزِمةً لدفع الحقِّ بعُنْفٍ وقَهْرٍ؛ أُدخِلُوا جهنَّم وهم يُدَعُّونَ إليها دعًّا، أي: يُدفَعُون (^4) في أَقْفِيَتهم وأكتافهم، دَفْعًا بعد دَفْع، فإذا وَقَفُوا عليها وعَايَنُوها وُقِّفُوا، وقيل لهم: ﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (14)﴾، وتقولون لا حقيقة لها، ولا مَنْ أخبر بها صادِقٌ. ثم يُقَال لهم: ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا﴾ الآن كما كنتم تقولون للحقِّ الذي جاءتكم به الرُّسُل: إنَّه سِحْرٌ، وإنَّهم سَحَرَةٌ؛ فهذا - الآن -

  • = في البوادي وخاصة ربيعة ومضر، وصنف كتاب "الصِّحاح" المشهور، توفي بنيسابور سنة (398 هـ) أو بعدها، ﵀.
    انظر: "نزهة الألباء" (344)، و"إنباه الرواة" (1/ 194)، و"السير" (17/ 80).
    (^1) "ديوانه" (279). ورواية الديوان: مَرُّ السحابة.
    (^2) "الصحاح" (2/ 820).
    (^3) في (ز): ولو.
    (^4) في (ح) و(م): يُدْفَع.
412

سِحْرٌ لا حقيقةَ له كما قلتم، أَمْ على أبصاركم غِشَاوةٌ فلا تبصرونها، كما كان عليها غِشَاوَةٌ في الدنيا فلا تُبْصِر الحقَّ؟ أَفَعَمِيَتْ أبصارُكم اليومَ عن رؤية هذا الحقِّ، كما عَمِيَتْ في الدنيا؟

ثُمَّ سُلِبَ عنهم نَفْعُ الصَّبْرِ (^1) الذي كانوا في الدنيا إذا دَهَمَتْهم الشدائدُ وأحاطت بهم لجأوا إليه، وتعلَّلُوا بانقضاء البليَّةِ (^2) لانقضاء أمدها (^3). فقيل لهم يومئذٍ: ﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا﴾ [الطور: 16] كلاهما سواءٌ عليكم لا يُجْدي عليكم الصبر ولا الجَزَع، فلا الصبر يُخَفِّفُ عنكم حِمْلَ هذا العذاب، ولا الجَزَعُ يعطِفُ عليكم قلوبَ الخَزَنَةِ، ولا يستنزل لكم الرحمة.

ثُمَّ أُعْلِمُوا بأنَّ الرَّبَّ - تعالى - لم يظلمهم (^4) بذلك، وإنَّما هو نَفْسُ أعمالهم صارت عذابًا، فلم يجدوا من اقترانهم به بُدًّا؛ بل صارت عذابًا لازمًا لهم، كما كانت إراداتهم وعقائدُهم الباطلةُ وأعمالُهم القبيحةُ لازِمةً لهم، ولُزُوم العذاب لأهله في النَّار بحسب لزوم تلك الإراداتِ الفاسدة، والعقائد الباطلة، وما يترتَّبُ عليها من الأعمال لهم في الدنيا.

فإنْ زال ذلك اللزوم في وقتٍ ما بضدِّه، وبالتوبة النَّصُوح زوالًا كُلِّيًّا لم يُعَذَّبُوا عليه في الآخرة؛ لأنَّ أثره قد زال من قلوبهم وألسنتهم وجوارحهم، ولم يبق له أثرٌ يترتَّبُ عليه، فالتائبُ من الذنب كمن لا ذنب له، والمادَّةُ الفاسدةُ إذا زالت من البَدَنِ بالكُلِّية لم يَبْقَ هناك

  • (^1) تصحفت في (ز) و(ن) و(ك) و(ط) إلى: البصر!
    (^2) تصحفت في (ز) و(ن) و(ك) و(ط) إلى: الثلاثة!
    (^3) تصحفت في (ز) و(ن) و(ك) و(ط) إلى: أمرها.
    (^4) في (ز) و(ن) و(ك) و(ط): يظلمكم، وأعمالكم.
413