التبيان في أيمان القرآنالجزء 1 · ص 457 - 464

فصل: تفسير قوله تعالى: {وفي أنفسكم أفلا تبصرون}

إلا هو، وأنَّ رُسُلَهُ صادقون.

وآياتُ الأرض أعظمُ ممَّا ذُكر وأكثر، فنبَّهَ (^1) باليسير منها على الكثير.

فصل

فصل: تفسير قوله تعالى: ﴿وفي أنفسكم أفلا تبصرون﴾

ثُمَّ قال تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (21)﴾ [الذاريات: 21]، لمَّا كان أقربُ الأشياء إلى الإنسان نفسَهُ؛ دعاهُ خالقُه وبارئه ومصوِّرُه وفاطِرُه (^2) من قَطْرة ماءٍ إلى التبصُّرِ والتفكُّرِ في نفسه.

شواهد الربوبية وأدلة التوحيد في نفس الإنسان

فإذا تفكَّرَ الإنسانُ في نفسه استَنَارَتْ له آياتُ الربوبية، وسَطَعَتْ له أنوارُ اليقين، واضمحلَّتْ عنه غَمَراتُ الشكِّ والرَّيْب، وانْقَشَعَتْ عنه ظلماتُ الجهل.

فإنَّه إذا نظر إلى نفسه وجد آثارَ التدبير فيه قائمةً، وأدلَّةَ التوحيد على ربِّه ناطِقةً شاهِدةً لمُدَبِّرِه، دالَّةً عليه، مرشِدَةً إليه؛ إذ يَجِدُهُ مُكَوِّنًا من قطرة ماءٍ: لحومًا مُنَضَّدَةً، وعظامًا مركَّبَةً، وأوصالًا متعدِّدةً، مَأْسُورَةً مشدُودَةً بحبال العُرُوق والأعصاب، قد قُمِطَتْ وشُدَّتْ، وجُمِعَتْ بجلدٍ متينٍ، مشتملٍ على ثلاثمائةٍ وستين مَفْصِلًا، ما بين كبيرٍ وصغيرٍ، وثَخِينٍ ودقيقٍ، ومستطيلٍ ومستديرٍ، ومستقيمٍ ومُنْحَنٍ، وشُدَّت (^3) هذه الأوصال بثلاثمائة وستين عِرْقًا، للاتصالِ والانفصالِ، والقَبْضِ والبَسْطِ، والمَدِّ والضَّمِّ، والصنائع والكتابة.

  • (^1) في (ح) و(م): فتنبه.
    (^2) "وفاطره" ملحق بهامش (ح).
    (^3) من هنا يبدأ السقط في النسخة (ن)، وينتهي (ص/ 637).
457

عجائب الخلق في العين

وجعل فيه تسعةَ أبوابٍ: فبابان للسَّمع، وبابان للبصر، وبابان للشَّمِّ، وبابٌ للكلام والطعام والشراب والنَّفَسِ (^1)، وبابان لخروج الفَضَلات التي يُؤْذِي احتباسُها.

وجعل داخل بَابَي السَّمع مُرًّا قاتِلًا؛ لئلا تَلِجَ فيهما (^2) دابةٌ تَخْلُصُ إلى "الدِّمَاغ" فتؤذيه.

وجعل داخل بابي البصر مالحًا؛ لئلَّا تُذِيبَ الحرارةُ الدائمةُ ما هناك من الشَّحْم.

وجعل داخل باب الطعام والشراب حُلْوًا؛ ليُسِيغَ به ما يأكله ويشربه، فلا يتنغَّصُ به لو كان مُرًّا أو مالحًا.

وجعل له مِصْبَاحَين من نورٍ كالسِّرَاجَين المُضِيئَين، مركَّبَين في أعلى مكانٍ منه، وفي أشرف عُضْوٍ من أعضائه، طليعةً له.

وركَّب هذا النُّور في جُزْءٍ صغيرٍ جدًا يُبصِرُ به السماء والأرض وما بينهما، وغَشَّاهُ بسَبْعِ طبقاتٍ، وثلاثِ رطوباتٍ، بعضُها فوق بعض؛ كلُّها (^3) حمايةً له وصيَانةً وحراسةً.

وجعل على مَحَلِّه غَلْقًا بمِصْرَاعَين أعلَى وأسفل، وركَّبَ في ذَينِكَ (^4) المِصْرَاعَين "أهْدَابًا" من الشَّعْر؛ وِقَايَةً "للعَينَين"، وزينةً وجمالًا.

  • (^1) في (ح) و(م): والتنفُّس.
    (^2) من (ح) و(م)، وفي باقي النسخ: فيها.
    (^3) ساقط من (ح) و(م)، وفي باقي النسخ: كله، وما أثبته أنسب للسياق.
    (^4) في (ح) و(م): ذيل.
458

وجعل فوق ذلك كلِّه "حاجِبَين" من الشَّعْر، يَحْجُبَان "العين" من العَرَقِ النَّازل من فَوق، ويَتَلَقَّيَانِ (^1) عنها ما ينصَبُّ من هناك.

وجعل - سبحانه - لكلِّ طبقةٍ من طبقات "العين" شُغْلًا مخصوصًا، ولكلِّ واحدٍ من الرُّطُوبات مقدارًا مخصوصًا، لو زاد على ذلك أو نقص منه لاختلَّت المنافع والمصالح المطلوبة.

وجعل هذا النُّور الباصِرَ في قَدْرِ عَدَسَةٍ، ثُمَّ أظهر في تلك العَدَسَةِ صورة السماءِ، والأرض، والشمس، والقمر، والنُّجُوم، والجبال، والعالم العُلْويِّ والسُّفْليِّ، مع اتِّسَاع أطرافه، وتباعد أقطاره.

واقتضت حكمته - سبحانه - أن جعل فيها بياضًا وسوادًا، وجعل القوَّةَ الباصِرَةَ في السَّواد، وجعل البياضَ مستقرًّا لها ومسكنًا، وزيَّنَ كلًّا منهما بالآخر.

وجعل "الحَدَقَةَ" مَصُونَةً بـ "الأجفانِ" و"الحَوَاجِبِ" - كما تقدَّم -، و"الحَوَاجِبَ" بـ "الأهداب"، وجعلها سوداء؛ إذ لو كانت بيضاء (^2) لتفرَّقَ النورُ الباصِرُ، فضَعُفَ الإدراك، فإنَّ السَّوادَ يجمع البصرَ، ويمنع من تفرُّقِ النُّور الباصر.

وخلق - سبحانه - لتحريك "الحَدَقَةِ" وتقليبها أربعًا وعشرين عَضَلَةً، لو نقصت عَضَلةٌ واحدةٌ لاختلَّ أمر "العين".

ولمَّا كانت "العين" كالمرآة، التي إنَّما تنطبع فيها الصُّوَر إذا كانت

  • (^1) في جميع النسخ: ويلتقيان، وهو تصحيف، والصواب ما أثبته.
    (^2) في (ح) و(م): وجعلها سُودًا؛ إذ لو كانت بِيضًا …
459

في غاية الصَّقَالَة والصَّفَاء = جعل - سبحانه - هذه "الأجفان" متحرِّكَةً - جدًّا - بالطَّبْع إلى الانطباق، من غير تكلُّفٍ، لتبقى هذه المرآة نقيَّةً صافيةً من جميع الكُدْرَات (^1). ولهذا لمَّا لم يخلق لعين الذُّبَابة أجفانًا؛ لا تزال تراها تنظِّفُ عينَها بيدها من آثار الغبار والكُدْرَات (^2).

فصل

وكما جعل - سبحانه - "العَينيَن" مؤدِّيتين "للقلب" ما تَرَيانه، فتُوصِلانه إليه كما رَأَتَاهُ = جعلهما مرآتين "للقلب"، يظهر فيهما ما هو مُودَعٌ فيه من الحُبِّ والبُغْضِ، والخيرِ والشَّرِّ، والبَلَادَةِ والفِطْنَةِ، والزَّيغ والاستقامة.

فصل: العين مرآة للقلب فيستدل على أحواله بها

الفراسة ثلاثة أنواع

فيُستَدَلُّ بأحوال "العين" على أحوال "القلب"، وهو أحد أنواع الفِرَاسَة الثلاثة، وهي: فراسة "العين"، وفراسة "الأُذُن"، وفراسة "القلب".

فـ "العين" مرآةٌ "للقلب"، وطليعةٌ ورسولٌ.

ومن عجيب أمرها أنَّها من ألطف الأعضاء، وأبعدها تأثرًا بالحرِّ والبَرْدِ، على أنَّ "الأُذُن" (^3) على صلابَتِها وغِلَظِها لَتَتَأَثَّرُ بهما أكثر من تأثر "العين" على لطافتها. وليس ذلك بسبب الغطاء الذي عليها من "الأجفان"، فإنَّها ولو كانت مُنْفَتِحَةً لم تتأثَّر بذلك تأثَّرَ الأعضاء الكثيفَةِ.

  • (^1) "الكُدْرات" جمع: كُدْرَة؛ وهي نقيض الصَّفَاء. "تاج العروس" (14/ 22).
    (^2) في (ح) و(م): الكدورات؛ في الموضعين، والمثبت من باقي النسخ.
    (^3) من (ك)، وفي باقي النسخ: الذهن! وهو تحريف.
460

فصل: عجائب الخلق في الأذن

فصل

ومن ذلك: "الأُذُنَان". شَقَّهُما تبارك وتعالى في جانبي الوجه، وأَوْدَعَهما من الرطوبة ما يكون مُعينًا على إدراك السَّمعِ، وأَوْدَعَهما القوَّةَ السَّامعة، وأحاط على هذه القوَّةِ صَدَفَةً مستديرةً مجوَّفةً تَحْتَوِشُ الصوتَ وتجمعه، وتؤدِّيه إلى "الصِّمَاخ" فيؤدِّيه إلى القوَّة السَّامعة.

وجعل - سبحانه - في هذه الصَّدَفَةِ انحرافاتٍ واعوِجَاجَاتٍ، لتطول المسافة قليلًا، فلا يصل الهواء إلى داخل "الأُذُن" إلَّا بعد انكسار حِدَّته، فلا يصدمها وَهْلَةً واحدةً فيؤذيها.

وأيضًا؛ فَلِئلَّا يَفْجَأَها الداخلُ إليها من الدبيب والحشرات، بل إذا دخل إلى عَوْجَةٍ (^1) من تلك الانعطافات وقَفَ هناك، فسهُلَ إخراجه.

وأيضًا؛ فتُمسك ما يصل إليها من الغبار والوسخ، فيَنْحجِبُ هناك عن الوصول، فيسهُلُ إخراجه.

وكانت "العَينَان" في وسط الوجه و"الأُذُنَان" في جانبيه؛ لأنَّ "العَينيَن" مَحَلُّ المَلَاحة والزِّينة والجَمَال، وهما بمنزلة النُّور الذي يمشي به بين يدي الإنسان.

و[أمَّا] (^2) "الأُذُنَان" (^3) فكان جَعْلُهما في الجانبين لكون إدراكهما لما خلف الإنسان، وأمامه، وعن يمينه، وعن شماله = سواءً، فتأتي

  • (^1) تصحفت في (ز) و(ك) و(ط) إلى: عَرْجَة.
    (^2) زيادة لاتساق الكلام.
    (^3) من (ك)، وفي باقي النسخ بدلًا عنها: أيضًا.
461

المسموعات إليهما على نسبةٍ واحدةٍ.

وخُلقت "العَينَان" بغِطَاءٍ، و"الأُذُنان" بغير غطاءٍ. وهذا في غاية الحكمة؛ إذ لو كان للأذنين غطاءٌ لَمَنع الغطاء إدراك الصوت، فلا يحصل إلا بعد ارتفاع الغطاء، والصوتُ عَرَضٌ لا ثبات له، فكان يزول قبل كشْفِ الغطاء، بخلاف ما تراه "العين"، فإنَّه أجسامٌ وأعراضٌ ثابِتةٌ؛ فلا تزول فيما بين كشف الغطاء وفتح "العين".

وجعل - سبحانه - "الأذُن" عضوًا غُضْرُوفيًّا ليس بلحمٍ مُسْتَرْخٍ، ولا عَظْمٍ صُلْبٍ، بل هي بين الصَّلَابة واللِّين، فتُقْبِلُ بِلِينها، وتُحفظ بصلابتها، ولا تنصدع انصداع العظام، ولا تتأثَّرُ بالحرِّ وَالبرد والشمسِ والسَّمُومِ تأثر اللَّحْمِ؛ إذ المصلحة في بُرُوزِها دائمًا لتتلقَّى ما يَرِدُ عليها من الأصوات والأخبار.

فصل: عجائب الخلق في الأنف

فصل

ومن ذلك: "الأَنْفُ"؛ نَصَبَهُ اللَّهُ سبحانه وتعالى في وَسْط الوجه قائمًا معتدلًا، في أحسن شَكْلٍ وأَوْفَقِهِ (^1) للمنفعة، وأَوْدَعَهُ حاسَّةَ الشَّمِّ، التي يُدْرِكُ بها الأَرَايح وأنواعها، وكيفياتها، ومنافعَها، ومضارَّها. ويستدلُّ بها على مَضَارِّ الأغذية والأدوية ومنافعِها.

وأيضًا؛ فإنَّه يستنشِقُ بـ "المِنْخَرَين" الهواءَ الباردَ الرَّطْبَ، فيؤدِّيه إلى "القلب"، فيتروَّحُ به، فيستغني بذلك عن فتح "الفَمِ" أبدًا.

وجعل تجويفه بقَدْر الحاجة، فلم يوسِّعْهُ عن ذلك، فيَدْخُلَه هواءٌ

  • (^1) في (ك): وأَوْقَفَه، وفي (م): وأوقعه.
462

كثيرٌ، ولم يضيِّقهُ فلا يَدْخُلَه من الهواء ما يكفيه.

وجعل ذلك التجويفَ مستطيلًا؛ لينحصر فيه الهواء، وينكسر فيه (^1) بَرْدُه وحِدَّته قبل أن يصل إلى "الدِّمَاغ"، فلولا ذلك لَصَدَمه بِحِدَّتِه وقوَّتِه.

والهواء الذي يَسْتَنْشِقُه "الأنفُ" ينقسم شَطْرين: شطرًا يصعد إلى "الدِّمَاغ"، وشطرًا ينزل إلى "الرئة".

وهو (^2) من آلات النُّطْق، فإنَّ له إعانةً على تقطيع الحروف.

وكما أنَّ تجويفَهُ جُعِلَ لاستنشاق الهواء، فإنَّه جُعل مَصَبًّا لفَضَلات "الدِّمَاغ"، تنحَدِرُ منه في تلك القَصَبَة، فتخرج، فيستريح "الدِّمَاغ".

ولذلك جَعَلَ عليها (^3) سِتْرًا ولم يجعلها بارِزةً فتستَقْبِحَها العيونُ.

وجُعل فيه تجويفَانِ، فإنَّه قد يَنْسَدُّ أحدُهما أو تَعْرِضُ له آفةٌ تمنَعُه من الإدراكِ والاستنشاقِ، فيبقى التجويف الثاني نائبًا عنه، يعمل عمله، كما اقتضت الحكمة مثل ذلك في "العَينيَن" و"الأُذُنين".

ثُمَّ تأمَّلْ الهواءَ الذي يستنشِقُه "الأنفُ"؛ كيف يدخل أوَّلًا من "المِنْخَرَين"، وينكسر بَرْدُه هناك، ثُمَّ يصل إلى "الحَلْق"، فيعتدل مِزَاجُه هناك، ثُمَّ يصل إلى "الرئة" أَلْطَفَ ما يكون، ثُمَّ تبعثُه "الرئةُ" إلى "القلب"، فيروِّحُ عن الحرارة الغَرِيزيَّة التي فيه، ثُمَّ يَنْفُذُ من "القلب" إلى

  • (^1) ساقط من (ح) و(م).
    (^2) بعده في جميع النسخ زيادة: أكثر، ولا مكان لها.
    (^3) ساقط من (ز)
463

فصل: عجائب الخلق في الفم

العُرُوق المتحرِّكة، ويبلغ إلى أقاصي أطراف البدن، ثُمَّ إذا سَخُنَ في الباطن وخَرَجَ عن حَدِّ الانتفاع به؛ عَادَ عن تلك الأقاصي إلى البدن، ثُمَّ إلى "الرئة"، ثُمَّ إلى "الحُلْقوم"، ثُمَّ إلى "المِنْخَرَين" خارجًا، فيخرج منهما، ويعود عِوَضه هواءً باردًا نافعًا.

والنَّفَسُ الواحدُ من أنفاسِ العبد إنَّما يتمُّ بمجموع هذه الأمور والقوى والأفعال. وهو في اليوم والليلة: أربعةٌ وعشرون ألفَ نَفَسٍ، لله في كلِّ نَفَسٍ عِدَّةُ نِعَمٍ، قد وقَفْتَ على القليل منها، فما ظنُّكَ بما وراء النَّفَسِ من الأعضاء، والقوى، ومنافِعها، وتمامِ النعمة بها؟

فصل

وأمَّا "الفَمُ" فمَحَلُّ العجائب، وباب الطعام والشَّراب والنَّفَس والكلام، ومسْكَنُ اللِّسان النَّاطقِ الذي هو (^1) آلةُ العلوم، وتَرْجَمَانُ "القلب" ورسولُه المؤدِّي عنه.

ولمَّا كان "القلبُ" مَلِكَ البَدَن، ومَعْدِنًا للحرارة الغريزيَّةِ، فإذا دخل الهواءُ الباردُ وَصَلَ إليه، فاعتدَلَتْ حرارتُه، وبَقيَ هنالك ساعةً، فسَخُنَ واحتَرَقَ، فاحتاج "القلبُ" إلى دَفْعِه وإخراجه؛ فجعل أحكمُ الحاكمين إخراجَهُ سببًا لحدوث الصوت.

ثُمَّ جَعَلَ (^2) في "الحَنْجَرَة"، و"الحَنَك"، و"اللِّسَان"، و"الشَّفَتين"، و"الأسنان" مقاطِعَ (^3) ومخارِجَ مختلفةً، بسبب اختلافها

  • (^1) ساقط من (ز) و(ك).
    (^2) في جميع النسخ: فعل، وهو تصحيف.
    (^3) في (ز) و(ك): مقاطيع.
464