التبيان في أيمان القرآنالجزء 1 · ص 473 - 480

منافع شعر الرأس

الثالث: حرارةٌ ضعيفةٌ ويُبْسٌ ضعيفٌ، كأبدان النِّساء.

ففي هذه الأقسام يقلُّ "الشَّعْر"، وأمَّا الشَّباب فإنَّ حرارةَ أبدانهم ويُبْسَها معتدِلٌ، فيقوى تولُّد "الشَّعْر" فيهم.

منافع شعر الرأس

وفي"شَعْر الرأس" منافع ومصالح:

1 - منها وقايته عن الحر والبرد والمرض.

2 - ومنها الزِّينة والحُسْن.

والسبب الذي صار به "شَعْر الرأس" أكثر من "شَعْر البَدَن" أنَّ البُخَار شأنُه أن يصعد من جميع البدن إلى "الدِّماغ"، ومن "الدِّماغ" إلى فوق، فلذلك (^1) كان هذا (^2) "الشَّعْر" ناميًا على الدوام؛ لأنَّ البُخَار يتصاعد إلى "الرأس" أبدًا، وهو مادَّةٌ "للشَّعْر". فَبِنَمَاء "الشَّعْر" ينمو البُخَار، وكان فيه تخليصٌ للبدن من تلك المواد، وتكثيرٌ لوقايته وغطائه.

فصل: فوائد شعر الحاجبين

فصل

الفرق بينه وبين شعر الحاجبين

وأمَّا شَعْر "الحاجِبَين" ففيه - مع الحُسْن والزِّينة والجَمَال - وِقايةُ "العَينَين" ممَّا ينحدر من "الرأس".

وجُعِلَ على هذا المقدار، فلو نقص عنه لزالت منفعة الجَمَال والوقاية، ولو زاد عليه لغَطَّى "العينَ"، وأضرَّ بها، وحالَ بينها وبين ما تدركه.

  • (^1) ساقط من (ح) و(م).
    (^2) "هذا" ملحق بهامش (ك).
473

وقد ذكرنا منفعة شَعْر "الهُدْب" (^1).

ولمَّا كان الأصلح والأنفع أن يكون شَعْر "الهُدْب" قائمًا منتصِبًا، وأن يكون باقيًا على حالٍ واحدٍ في مقدارٍ واحدٍ = جُعِلَ مَنْبَتُ هذا "الشَّعْر" في جِرْمٍ صُلْبٍ شبيهٍ بالغُضْرُوف، يمتدُّ في طُول "الجَفْن" لئلَّا يطول وينمو. وهذا كما نشاهد النَّبَات الذي ينبت في الأرض الرِّخْوَة اللَّيِّنَةِ كيف يطول ويزداد، والذي ينبت في الأرض الصخريَّة الصُّلْبة لا ينمو إلا نُمُوًّا يسيرًا. فكذلك (^2) "الشَّعْر" النَّابِتُ في الأعضاء اللَّيِّنَةِ الرَّطْبَة، فإنَّه سريعُ النُّمو كشَعْر "الرأس" و"العَانَة".

فصل

فصل: منافع شعر اللحية

إشكال وجوابه حول زينة اللحية للرجال دون النساء

وأمَّا شَعْر "اللِّحْيَة" ففيه منافع:

1 - منها الزِّينة، والجمال (^3)، والوقار، والهَيْبَة. ولهذا لا يُرَى على الصبيان والنِّساء والسِّنَاطِ (^4) من الهَيْبَة والوقار ما يُرَى على ذوي اللِّحَى.

2 - ومنها التمييز بين الرجال والنِّساء.

فإن قيل: لو كان شَعْر "اللِّحْيَة" زينةً لكان النِّساء أولى به من الرجال، لحاجتِهنَّ إلى الزِّينة، وكان التمييزُ يحصل بخُلُوِّ الرجال منه،

  • (^1) من (ح) و(م)، وفي باقي النسخ: البدن.
    (^2) تكررت مرتين في (ز).
    (^3) ساقط من (ح) و(م).
    (^4) "السِّنَاط" هو: الكَوْسَج الذي لا لحية له أصلًا. "مختار الصحاح" (338).
474

ولَكَان أهل الجنَّة أولى به، وقد ثبت أنَّهم جُرْدٌ مُرْدٌ (^1)؟

قيل: الجوابُ أنَّ النِّساء لمَّا كُنَّ مَحَلَّ الاستمتاع والتقبيل، كان الأحسن والأَوْلى خُلُوهُنَّ عن "اللِّحى"، فإنَّ مَحَلَّ الاستمتاع إذا خلا عن "الشَّعْر" كان أتمَّ.

ولهذا المعنى - والله أعلم - كان أهل الجنَّة مُرْدًا؛ ليكمُلَ استمتاعُ نسائهم بهم (^2)، كما يكمُلُ استمتاعُهم بهنَّ.

  • (^1) عن معاذ بن جبل ﵁ أن النبيَّ ﷺ قال: "يدخل أهل الجنَّةِ الجنَّةَ جُرْدًا، مُرْدًا، مُكَحَّلينَ، أبناء ثلاثين أو ثلاثٍ وثلاثين سنة".
    أخرجه: أحمد في "المسند" (5/ 232 و243)، والترمذي في "سننه" رقم (2545)، والبزار في "مسنده" رقم (2644)، والشاشي في "مسنده" رقم (1342)، والطبراني في "الكبير" (20/ 64) رقم (118)، وأبو نعيم في "صفة الجنَّة" رقم (257)، وغيرهم.
    وفي إسناده: شَهْر بن حوشب، وهو ضعيف.
    قال الترمذي: "حديث حسن غريب".
    لكن للحديث شواهد كثيرة من أحاديث: أبي هريرة، وابن عباس، وأنس بن مالك، وجابر بن عبد الله، والمقدام بن معد يكرب ﵃ جميعًا -، فيرتقي الحديث إلى درجة الحسن، والله أعلم.
    وقد حسنه: الهيثمي في "مجمع الزوائد" (10/ 398)، وأحمد شاكر في تعليقه على "المسند" رقم (8505)، وصححه - أيضًا - عند رقم (7920)، وصححه الألباني في "صحيح الجامع" رقم (8072).
    قال العلامة السِّنْدي: ""جُرْدًا" جمع: أَجْرَد؛ وهو من لا شعر على جسده. و"مُرْدًا" جمع: أمْرَد؛ وهو من لا شعر على ذَقنه".
    (^2) في (ك) و(ح) و(م): استمتاعهم بنسائهم، وفي (ز): استمتاعهنَّ بهم، وسقطت من (ط)، وما أثبته أوفق للمراد.
475

وأيضًا؛ فإنَّه أكشف لمحاسن الوجوه، فإنَّ "الشَّعْر" يستُرُ ما تحته من المحاسِن، فصَانَ الله محاسنَ (^1) وجوهِهِم عمَّا يسترها.

وأيضًا؛ ليكمل استمتاعهم بنسائهم؛ فإنَّ "الشَّعْر" يمنع ما تحته من البَشَرَةِ أن يَمَسَّ بَشَرَةَ المرأة. والله أعلم بحكمته في خلقه.

فصل

فصل: شعر العانة والإبط والأنف

وأمَّا شَعْر "العَانَة" و"الإبط" و"الأنف"؛ فمنفعته تنقية البدن عن الفَضْلَة، ولهذا إذا أُزِيلَ من هذه المواضعِ وجَدَ البدنُ خِفَّةً ونشاطًا، وإذا وَفَرَ وتُرِكَ (^2) وجد البدنُ (^3) ثِقَلًا وكَسَلًا وغمًّا.

ولهذا جاءت الشريعة بحَلْق "العَانَة"، ونَتْفِ "الإبِط". وكان حَلْقُ "العَانَة" أولى من نَتْفِها لصَلَابة "الشَّعْر"، وتَأذِّي صاحبه بنتفه. وكان نَتْفُ "الإبِط" أولى من حَلْقه لضَعْف "الشَّعْر" هناك، وشدَّته وتَفَحُّلِهِ (^4) بالحَلْق. فجاءت الشريعة بالأنفع في هذا وهذا.

فصل

الحكمة في خلو الكفين والجبهة والأخمصين من الشعر

وتأمَّلْ حكمة الرَّبِّ - تعالى - في كونه أخلَى "الكَفَّين" و"الجَبْهَة" و"الأَخْمَصَين" (^5) من "الشَّعْر". فإنَّ "الكَفَّين" خُلِقا حاكمين على

  • (^1) ساقط من (ح) و(م).
    (^2) ساقط من (ح) و(م).
    (^3) ساقط من (ح) و(م).
    (^4) في (ح) و(م): وتعجله.
    (^5) "الأَخْمَصان": مثنَّى: الأَخْمَص، وهو ما جَفَا عن الأرض من باطن القَدَم، فلا =
476

الملموسات، فلو جُعِل "الشَّعْر" فيهما لأخَلَّ ذلك بالحكمة التي خُلِقا لها (^1).

وخُلِقا للقبض، وإلصاقُ اللَّحَم على المقبوض أعْوَنُ على جودته من التصاق "الشَّعْر" به.

وأيضًا؛ فإنَّهما آلة الأخذ، والعطاء، والأكل، ووجود "الشَّعْر" فيهما يُخِلُّ بتَمَامِ هذه المنفعة.

وأمَّا "الأَخْمَصَان" فلو نَبَتَ فيهما "الشَّعْر" لأضرَّ ذلك بالماشي، ولأَعَاقَهُ في المشي كثيرًا ممَّا كان يَعْلَقُ بشَعْره ممَّا على الأرض، ويتعلَّقُ شَعْرُه بما عليها أيضًا.

هذا مع أنَّ كثرةَ الأوتار والأغشية في "الكفَّين" مانعٌ من نفوذ الأَبْخِرَة فيها. وأمَّا في "الأخْمَصَين" فإنَّ الأَبْخِرَة تتصاعد إلى عُلُوٍّ، وكلَّما تصاعدت كان "الشَّعْر" فيه أكثر.

وأيضًا؛ فإنَّ في كثرة وَطْءِ الأرض بـ "الأَخْمَصَين" تصليبهما، ويجعل سطحهما أمْلَسَ لا ينبت شيئًا، كما أنَّ الأرض التي توطأ كثيرًا لا تنبت شيئًا.

وأمَّا "الجَبْهَة" فلو نبت "الشَّعْر" عليها لسَتَر محاسِنَها، وأظلم الوجه، وتدلَّى إلى "العَينَين"، فكان يحتاج إلى حَلْقه دائمًا، ومَنَعَ "العَينَين" من كمال الإدراك.

  • = تصيبه الأرض إذا مشى الإنسان.
    انظر: "خلق الإنسان" لابن أبي ثابت (323)، وللزجَّاج (101).
    (^1) العبارة في (ح) و(م) هكذا: فلو حصل "الشَّعْر" فيهما لأخلَّ بذلك.
477

والسبب المؤدِّي لذلك أنَّ الذي تحت عَظْم "الجَبْهَة" هو مُقَدَّمُ "الدِّمَاغ"، وهو باردٌ رَطْبٌ، والبُخَارُ لا يتحرَّك منحرِفًا إلى "الجبهة"، بل صاعدًا إلى فوق.

فإن قيل: فَلِمَ نَبَتَ شَعْر الصبيِّ على رأسه وحاجبيه وأجفانه معه في الصِّغَر دون سائر الشُّعُور؟

قيل: لشدَّةِ الحاجة إلى هذه الشُّعُور الثلاثة أوجَدَها الله - سبحانه - معه وهو جنينٌ في بطن أُمِّه، فإنَّ شَعْر "الرأس" كالغِطَاءِ الواقي له من الآفات، و"الأهدابَ" و"الأجفانَ" وِقايةٌ "للعين".

فإن قيل: فَلِمَ لَمْ تنبت له "اللِّحْيَةُ" إلا بعد بلوغه؟

قيل: لأنَّه عند البلوغ تجتمع الحرارة في بدنه، وتكون أقوى ما هي. ولهذا يَعْرِضُ له في هذا الطَّوْر: "البَثَرَات" (^1)، و"الدَّمَاميل" (^2)، وكثرة الاحتلام.

الموجب لنبات اللحية والعانة

وإذا قويت الحرارة كثُرَت الأَبْخِرَةُ بسبب التحلُّل، وزادت على القَدْر المحتاج إليه في شَعْر "الرأس"، فَصَرَفَها أحكمُ الحاكمين إلى نبات "اللِّحْيَة" و"العَانَة".

وأيضًا؛ فإنَّ بين أوعية "المَنِيِّ" وبين "اللِّحْيَة" ارتباطًا؛ إذ العُرُوق

  • (^1) "البَثرَات": جمع بَثْرة، وهو خُرَّاج صغير يظهر من تنفُّط الجلد.
    انظر: "مختار الصحاح" (53)، و"المصباح المنير" (49 - 50).
    (^2) "الدماميل": جمع دُمَّل، ويجمع - أيضًا - على: دَمَامِل، وهو القُرُوح المعروفة.
    انظر: "مختار الصحاح" (231)، و"المصباح المنير" (271).
478

سبب الضلع والكوسج

والمجاري مُتَّصلةٌ بينهما، فإذا تعطَّلت أوعية "المَنِيِّ" ويَبِسَتْ تعطَّل شَعْر "اللِّحْيَة"، وإذا قَلَّت الرُّطُوبة والحرارة هناك قَلَّ شَعْرُ "اللِّحْيَة"؛ ولهذا فإنَّ الخِصْيَان (^1) لا ينبت لهم "لحَىً" (^2).

فإن قيل: فما العِلَّةُ في "الكَوْسَج" (^3)؟

قيل: بَرْدُ مِزَاجِهِ، ونُقصَانُ حَرَارته.

فإن قيل: فما السبب في "الصَّلَع" (^4)؟

قيل: عدم احتباس الأَبْخِرَة في موضع الصَّلَع.

فإن قيل: فَلِمَ كان في مُقَدَّم "الرأس" دون جوانبه ومُؤَخَّرِهِ؟

قيل: لأنَّ الجُزْءَ المقدَّمَ من "الرأس" بسبب رُطُوبة "الدِّمَاغ" يكون أكثر لِينًا وتحلُّلًا، فتَتَحَلَّلُ الفَضَلَاتُ التي يكون منها "الشَّعْر" (^5)، فلا يبقى "للشَّعْر" مادَّةٌ هناك.

فإن قيل: فَلِم لَمْ يحدث في "الأصْدَاغ" (^6)؟

  • (^1) "الخِصْيَان": جمع خَصِيّ، يقال: خَصَيْتُ الفَحْل أَخْصِيه خِصَاءَ؛ إذا سَلَلْتَ خُصْيَيْهِ. "مختار الصحاح" (197).
    (^2) في (ز): لا تنبت لها اللحى.
    (^3) "الكَوْسَج": فارسيٌّ معرَّبٌ، وهو "الثَّطُّ" الذي عَرِيَ وجهه من الشَّعْر إلا طاقاتٍ في حَنَكِهِ. "خلق الإنسان" للسيوطي (236).
    (^4) "الصَّلَع": انحسار الشَّعْر من مقدَّم الرأس إلى اليَافُوخ، ويقال: رجلٌ أَصْلَع.
    انظر: "مختار الصحاح" (391)، و"خلق الإنسان" للسيوطي (188).
    (^5) في (ز) و(ك) و(ط): الشعور.
    (^6) "الأَصْدَاغ": جمع صُدْغ، وهو ما بين العين والأذن، وكذلك الشَّعْر المتدلي عليها يسمَّى: صُدْغًا. "مختار الصحاح" (382).
479

قيل: لأنَّ الرُّطُوبةَ في الأسافل أكثر منها في الأعالي. وشاهِدُهُ في الأرض العالية والمُنْخَفِضَة.

الحكمة في أن النساء لا يلحقهن الصلع إلا نادرا جدا

فإن قيل: فَلِمَ لَمْ تَصْلَع المرأة إلا نادرًا، وكان الصَّلَع (^1) في الرجال أكثر؟

قيل: لأنَّ الصَّلَعَ (^2) يحدُثُ من يُبْسٍ في الجلد، بمنزلة احتراقه، وذلك لقوَّة الحرارة. و[أمَّا] (^3) النِّساء فالرُّطُوبة والبُرُودَة أغلب عليهنَّ؛ ولهذا جُلُودهُنَّ أَرْطَبُ من جلود الرجال، فلا تَجِفُّ جلود رؤوسهنَّ، فلا يعرض لَهُنَّ الصَّلَع. ولهذا لا يعرض للصِّبْيَان، ولا الخِصْيَان (^4). وإن عَرَضَ للمرأة صَلعٌ فذلك في سِنِّ يأسِها، وبلوغها من الكِبَرِ عِتِيًّا.

السبب في سواد الشعر وصهوبته

فإن قيل: فما السبب في شِدَّةِ سَوَاد "الشَّعْر"؟

قيل: شدَّة البُخَارَات الخارجة من البدن واعتدالُها، وصِحَّةُ مادَّتها كَخُضْرَةِ الزَّرْع.

فإن قيل: فما سبب "الصُّهُوبَة" (^5)؟

قيل: بَرْدُ المِزَاج، فَتَضْعُفُ الحرارة عن صَبْغ "الشَّعْر"

  • (^1) ساقط من (ط)، وفي بقية النسخ: الأصلع، والأنسب ما أثبته.
    (^2) في جميع النسخ: الأصلع! والأنسب ما أثبته.
    (^3) زيادة تناسب السياق.
    (^4) "ولا الخِصْيَان" ساقط من (ح) و(م).
    (^5) "الصُّهُوبَة": حُمْرَةٌ تَعْلُو الشَّعْرَ وأصوله سُودٌ، وإذا كان أحمرَ كلُّه فهو: أَصْهَب.
    انظر: "خلق الإنسان" لابن أبي ثابت (87 - 88)، وللسيوطي (192).
480