التبيان في أيمان القرآنالجزء 1 · ص 570 - 580

فصل: القلب بمنزلة التنور للأعضاء

وحكمته (^1). فمصدر خَلْقِهِ (^2) وأمرِهِ علْمُهُ - تعالى - وحكمتُه. وأدلَّةُ (^3) الرَّبِّ - تعالى - وآياتُه لا تتعارض ولا تتناقض، ولا يُبطل بعضها بعضًا. والله أعلم.

فصل

و"الكبد" و"الطِّحَال" متقابلان، و"المعدة" بينهما، و"العُرُوق الضَّوَارب" تتصل بها (^4) "المعدة".

فصل: القلب بمنزلة التنور للأعضاء

و"القلب" بمنزلة التَّنُّور، أو بمنزلة أَتُون الحَمَّام يُسَخِّن ماءَهُ، وله إلى كلِّ بيتٍ مَنْفَذٌ ينفذ فيه وَهَجُ النَّار إليه. وكذلك الحارُّ الغريزيُّ الذي منبعه من "القلب" ينفذ في مسالك ومنافذ إلى جميع الأعضاء فيسخِّنُها (^5).

فصل: وظيفة المعدة والأمعاء

الحكمة من جعل الأمعاء كثيرة اللفائف والطول

فصل

وجُعلت الأعضاء مسلكًا مؤدِّيًا، و"المعدة" هي الآلة لهضم (^6) الغذاء واستمرائه، و"الأمعاء" تؤدِّي ذلك إلى "الكبد".

ولمَّا كانت "الأمعاء" آلة الأداء والاتصال كَثُرت لفائفها وطولها، وكانت "العُرُوق" التي تأتيها من "الكبد" لا تحصى كثرةً، لينفذ فيها

  • (^1) في جميع النسخ: وحكمه، والصواب ما أثبته.
    (^2) "فمصدر خلقه" ساقط من (ك).
    (^3) في (ح) و(م): وآلاء.
    (^4) من (ح) و(م)، وفي باقي النسخ: بهما.
    (^5) ساقط من (ك).
    (^6) من (ز)، وفي باقي النسخ: تهضم.
570

الفرق بين العروق الضاربة والعروق غير الضاربة بالنسبة للغذاء

الغذاء أوَّلًا فأوَّلًا، وتستقضيه يسيرًا يسيرًا. فلولا تطويل لفائف "الأمعاء" لكان الغذاءُ يخرج قبل أخذ خاصيَّته، وكانت تعرض لهم شهوةُ الأكل دائمًا، وكان الإنسان يعدم التفرغ لمصالحه وسائر أعماله، وكان - دائمًا - مُكِبًّا على الغذاء. ولهذا صار الحيوان الذي ليس (^1) لأمعائه استدارات بل له مِعىً واحدٌ مستقيمٌ مكبًّا على الغذاء (^2)، عديم الصبر عنه كالمسكِر (^3).

وأمَّا ما لأمعائه استدارات فإنَّه إذا فَاتَهُ الغذاءُ أو بعضُه في الاستدارة الأُولَى صادفه في الثانية، فإن فاته في الثانية صادفه في الثالثة، والرابعة والخامسة كذلك، فيمكن صبره عن الغذاء؛ حكمةٌ بالغةٌ.

وتنفذ إلى "الأمعاء" شُعَبٌ (^4) من "العُرُوق الضاربة"، تأخذ من الغذاء جزءًا يسيرًا لطيفًا. وأمَّا "العُرُوق غير الضاربة" - هي مجاري الغذاء بالحقيقة - فأخذت أكثره.

وأمَّا "العُرُوق الضاربة" فجُعِلت مسلكًا للأرواح المنبعثة من "القلب"، فاستغْنَت بقليل الغذاء، وجعل "للقلب" وَصْلَةٌ بـ "الأمعاء" ليُسَخِّنَها أوَّلًا، ويَمُدَّها بقوَّة الحياة (^5) بإذن خالقه، ثُمَّ يأخذ منها الجزء الملائم من الغذاء المستغني عن فعل "الكبد"؛ للطافة جوهره، فإنَّ هذا

  • (^1) ساقط من (ح) و(م).
    (^2) من قوله: "ولهذا صار الحيوان. . ." إلى هنا؛ ألحق بهامش (ز).
    (^3) في (ك) و(ط): كالمسك، وفي (م): كالفيل! وأهملت في (ح).
    (^4) في (ح) و(م): يبعث.
    (^5) في (ح) و(م): الحار.
571

الحكمة في إحاطة الأمعاء بطبقتين

فرق الوظائف بين الأمعاء الدقيقة والغليظة

الجزء لو حصل في "الكبد" لم يُؤْمَن احتراقُهُ (^1) وفساده، فلا ينتفع به "القلب"، ثُمَّ يأخذ منها عند شدَّة الحاجة وصدق المجاعة، فيتعجَّل ذلك من أدنى المواضع.

وكذلك يُشَاهد من أكل مِن مَسْغَبةٍ شديدةٍ يحسُّ بزيادةٍ ونماءٍ في كلِّ أعضائه، حتَّى ما يمرُّ الطعامُ بـ "المعدة" إلا وقد أخذت الأعضاءُ حاجتها منه (^2) قبل استقراره فيها؛ فسبحان مَنْ أتقنَ ما صَنَع.

ولمَّا كانت "المعدةُ" آلةَ هَضْم الغذاء، و"الأمعاءُ" آلةَ دفعه: جُعل "للأمعاء" طبقتان (^3)، ليقوَى دفعُها بهما جميعًا، وليكون ذلك حرزًا لها وحفظًا. وكذلك مَنْ تعرض له قُرْحَةٌ في "الأمعاء" بانجرادٍ (^4) في أحد الصِّفَاقَين يبقى الآخر سليمًا. وجعلت "الأمعاء" الغِلَاظُ لقذف الثُّفْلِ، والدِّقَاقُ لتأدية الغذاء.

والسبب في أن صار (^5) الإنسان لا يحتاج إلى تناول الغذاء دائمًا: كثرة لفائف أمعائه.

والسبب المانع من قذف الفُضُول دائمًا: سَعَة "الأمعاء" الغِلَاظ التي تقوم له مقام وعاءٍ آخر، شبيهٍ بـ "المعدة" في السَّعَة، كما أنَّ "المثانة" وعاءٌ للبول كذلك.

  • (^1) في جميع النسخ: اصرافه! ولعله تحريف ما أثبت.
    (^2) "إلا وقد أخذت الأعضاء حاجتها منه" ساقط من (ح) و(م).
    (^3) في (ط) وهامش (ك): طبقات.
    (^4) "انجراد": من قولهم: انْجَرَدَ الثوب، أي: انْسَحَق وَلان. "مختار الصحاح" (114).
    (^5) "صار" ملحق بهامش (ك).
572

فصل: فيه اختصار لما مضى ولم شتاته بإيضاح وإيجاز

فصل

ونحن نذكر فصلًا مختصرًا في هذا الباب، نجمع لك شتاته بإيضاحٍ وإيجازٍ - إن شاء الله تعالى، وبه الحَولُ والقوَّة -؛ فنقول:

"المريء" موضوعٌ خلف "الحُلْقُوم" ممَّا يلي فَقَار "الظَّهْر"، وينتهي في ذهابه إلى "الحِجَاب"، وهو مشدودٌ برباطاتٍ. فإذا بَعُدَ "الحِجَاب" مال إلى الجانب الأيسر واتَّسَعَ، وذلك المُتَّسِعُ هو "المعدة"، وأسفلها يعود مائلًا إلى اليمين.

و"المعدة" مُفَرْطَحَةٌ، وفَمُها هو المُسْتَدِق منها، ويسمُّونه: "الفؤاد"، وهذا من غلطهم - إلَّا أن يكون ذلك اصطلاحًا خاصًّا منهم - فإنَّ "الفؤاد" عند أهل اللغة هو: "القلب".

قال الجوهري: "الفؤادُ: القلبُ" (^1).

وقال الأصمعي: "وفي الجَوْف الفؤاد، وهو القلب" (^2).

وقد فرَّق بعض أهل اللغة بين "القلب" و"الفؤاد"، فقال الليث: "القلب: مُضْغَةٌ من الفؤاد، معلَّقةٌ بالنِّيَاط" (^3).

وقالت طائفةٌ: " [الفؤاد:] (^4) مُسْتَدِق (^5) القلب".

  • (^1) "الصحاح" (2/ 517).
    (^2) "خلق الإنسان" له، وهو ضمن "الكنز اللغوي" (218).
    (^3) انظر: "تهذيب اللغة" (9/ 172).
    (^4) زيادة لفهم الكلام.
    (^5) كذا في جميع النسخ، ولعل المراد أنَّ الفؤاد شيءٌ دقيقٌ في القلب، وهو ما يذكرونه بـ "سويداء القلب". =
573

وقد قال النبيُّ ﷺ: "جاءكم أهل اليمن؛ [هم] أَرَقُّ قلوبًا، وأَلْيَنُ أفئدَةً" (^1)؛ ففرَّق بينهما؛ ووصف "القلب" بالرقَّة، و"الأفئدة" باللِّين.

وأمَّا كون فَمِ "المعدة" هو "الفؤاد" فهذا لا نعلم أحدًا من أهل اللغة قاله.

وتأمَّلْ وصْفَ النبيِّ ﷺ "القلب" بالرقَّة التي هي ضدُّ القَسَاوَة والغلظة، و"الفؤاد" باللِّين الذي هو ضدُّ اليُبْس والقسوة. فإذا اجتمع لِينُ "الفؤاد" إلى رِقَّة "القلب" حصل من ذلك الرحمة، والشفقة، والإحسان، ومعرفة الحقِّ وقبوله. فإنَّ اللِّينَ موجِبٌ (^2) للقبول والفهم، والرقَّةَ تقتضي الرحمة (^3) والشفقة. وهذا هو العلم والرحمة، وبهما كمال الإنسان، وربُّنا وَسِعَ كلَّ شيءٍ رحمةً وعلمًا.

فلنرجع إلى ما نحن بصدده فنقول:

"المعدة" مع "المريء" ذات طبقتين لطيفتين. واللَّحْم في الطبقة الداخلة أقلُّ، ولهذا يغلب عليها البياض، وهي عصبيَّةٌ حسَّاسَةٌ. وهو في الطبقة الخارجة أكثر، ولهذا تغلب عليها الحُمْرة، وهي مربوطةٌ مع (^4)

  • = وانظر: "تهذيب اللغة" (9/ 518)، و"تاج العروس" (4/ 69 - 70).
    (^1) أخرجه: البخاري في "صحيحه" رقم (4388، 4390)، ومسلم في "صحيحه" رقم (52)؛ من حديث أبي هريرة ﵁ ولفظه:
    "أتاكم أهل اليمن؛ هم ألين قلوبًا، وأرقُ أفئدة".
    وفي لفظ لهما: "أضعف قلوبًا، وأرقُ أفئدة".
    (^2) في (ز): أقبل، وسقطت من (ط).
    (^3) مكانها بياض في (ز) و(ط).
    (^4) من (ح) و(م)، وفي باقي النسخ: على.
574

الفَقَار برباطاتٍ وثيقةٍ، وتنتهي من جهة قَعْرِها إلى منفذٍ هو: "باب المعدة"، وبابُها يغلق عند اشتماله على الغذاء مدَّة هضمه.

ويقال لباطن جِرْم (^1) "المعدة": "خَمْل المعدة".

"والأمعاء": المَصَارِين، وهو جمع: مُصْرَان - بضمِّ الميم -، وهو جمع: مَصِير. وسُمِّي "مصيرًا" لمصير الغذاء إليه، والسُّفْلى يقال لها: "الأقْتَاب"، ومنه قوله ﷺ: "فتندَلِقُ أقتاب بطنه" (^2). والعليا أدق من السُّفْلى، لما تقدَّم من الحكمة.

فأعلى الدِّقَاق يسمَّى: "الاثني عشر"؛ لأنَّ مساحته اثنا عشر إصْبَعًا.

ويليه: المسمَّى بـ "الصائم"؛ لقلَّة لُبْث الغذاء فيه، لا لأنَّه (^3) يوجد أبدًا خاليًا كما ظنَّه بعضُهم، فإنَّ هذا باطلٌ حسًّا وشرعًا كما سنذكره.

والثالث: المسمَّى بـ "الدقيق" و"اللفائف"، وهو أطولُ "الأمعاءِ" وأكثرُها تلافيف، ولُبْث الغذاء فيه أطول، و"العُرُوق" التي تأتيه من "الكبد" أقلُّ.

وأمَّا اللذان قبله فمنتصبان في طول البدن، قصيران (^4)، ويقلُّ لُبْث الغذاء فيهما، وهو في "الصائم" أقلُّ لبثًا.

  • (^1) في (ز): رحم!!
    (^2) أخرجه: البخاري في "صحيحه" رقم (3267)، ومسلم في "صحيحه" رقم
  • (2989) واللفظ له؛ من حديث أسامة بن زيد ﵁.
    "الأقْتَاب": جمع: قِتْب، وهي الأمعاء. واندلاقُها: خروجها بسرعة. "الفتح" (13/ 56).
    (^3) في (ز): أنه.
    (^4) في (ح) و(م): فيصيران.
575

وهذه الثلاثة تسمَّى: "الأمعاء العليا" و"الأمعاء الدِّقَاق"، وهي كلُّها في سعة "البوَّاب".

وأمَّا الرابع (^1) - وهو الأوَّل من الثلاثة السُّفْلَى الغِلَاظ - فيسمَّى: "الأعور"؛ لأنَّه لا منفذ له، بل هو كالكيس يخرج منه ما دخل من حيث دخل. وحكمته أنَّه يَتِمُّ فيه ما يَعْسُر هَضْمُه من الأشياء الصُّلْبة، كما يتمُّ ذلك في قَوَانِص الطيور. ووضعه في الجانب الأيمن.

والخامس: المسمَّى: بـ "قُولُون"، يبتدئ من الجانب الأيمن، ويأخذ عرضًا إلى الأيسر، ويُحْتَبَسُ فيه الثُّفْلُ ريثما يستقصي ما فيه.

والسادس: هو الآخِر، وهو: "المِعَى المستقيم"؛ لأنَّه مستقيم (^2) الوضع في طول البدن، وهو واسعٌ جدًّا، يجتمع فيه الثُّفْل كما يجتمع البول في "المثانة"، وعليه الفَضْلة المانعة لخروج الثُّفْل بدون الإرادة.

وقد صحَّ عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: "المؤمن يأكل في مِعَىً واحدٍ، والكافر يأكل في سبعة أمعاء" (^3)، فأطلق على "المعدة" اسم "المِعَى" تغليبًا، ولمشابهتها بـ "الأمعاء"؛ لكون كل واحدٍ من "الأمعاء" و"المعدة"

  • (^1) في (ح) و(م): الدامع.
    (^2) "لأنه مستقيم" ساقط من (ك).
    (^3) أخرجه: البخاري في "صحيحه" رقم (5393 - 5395)، ومسلم في "صحيحه" رقم (2060)؛ من حديث ابن عمر ﵄.
    وفي "الصحيحين" عن عِدَّةٍ من الصحابة منهم: أبو هريرة، وأبو موسى، وجابر ﵃.
576

مَحَلًّا للغذاء - وهذا لغة العرب، كما يقولون: القَمَران، والعُمَران، والرُّكْنَان اليمانيَّان، والشامِيَّان، والعراقِيَّان (^1)، ونظائر ذلك -، ولا سيَّما فإنَّ تركيب "الأمعاء" كتركيب "المعدة"، إذ هي مركَبةٌ من طبقتين: لَحْميَّةٍ خارجةٍ (^2)، وعصبيةٍ داخلةٍ.

والطبقة الدَّاخلة فيها (^3) لُزُوجَاتٌ متصلةٌ بها؛ لتقيها من تراكم (^4) البَرَاز، ورداءة كثِيفهِ ولَفيفِه (^5)، فلا تمسكه ولا يتعلَّق بها شيءٌ منه.

ولمَّا كان الكافر ليس في قلبه شيءٌ من الإيمان والخير يغتذي به؛

  • (^1) هذا من باب المثنَّى الجاري على التغليب:
    فالقَمَران: هما الشمس والقمر.
    والعُمَران: هما أبو بكر وعمر ﵄. وقيل: هما عمر بن الخطاب، وعمر بن عبد العزيز، وهذا قول قتادة! وحينئذٍ يكون من باب المثنَّى الحقيقي، لكن الأول أشهر.
    انظر: "جَنَى الجنتين في تمييز نوعَي المثنَّيين" للمحبِّي (81، 125، 126).
    وأمَّا "الركنان اليمانيَّان" فهما: الركن اليماني، وركن الحجر الأسود.
    و"الركنان الشاميَّان" هما: اللذان بإزاء حِجْر إسماعيل، ويتوسطهما ميزاب الكعبة.
    و"الركنان العراقيَّان" هما: ركن الحجر الأسود والذي يليه من جهة باب الكعبة.
    انظر: "زاد المعاد" (2/ 226).
    (^2) من (ح) و(م)، وفي باقي النسخ: خارجية.
    (^3) في جميع النسخ: منها، وما أثبته أصوب.
    (^4) في (ح) و(م): حاكم، وفي باقي النسخ: حلام، ولعل ما أثبته هو الصواب.
    (^5) العبارة في (ز) و(ك) و(ط) هكذا: ولرداته تحفيه ولزيفه! وفي (ح) و(م): ورداءة كثيفه ولزيفه. ولعل ما أثبته هو الصحيح.
    والمراد بالكثيف: الغليظ. وباللفيف: المتجمِّع المختلِط.
577

انصرفت قُواه ونَهْمَتُه كلُّها إلى الغذاء الحيوانيِّ البهيميِّ، لمَّا فَقَدَ الغذاءَ الروحيَّ القلبيَّ، فتوفرت أمعاؤه وقُواه على هذا الغذاء، واستفْرَغَتْ أمعاؤه هذا (^1) الغذاء وامتلأت به بحسب استعدادها وقبولها، كما امتلأت به "العُرُوق" و"المعدة".

وأمَّا المؤمن فإنَّه إنَّما يأكل العُلْقَة (^2) ليتقوَّى بها على ما أُمِرَ به، فهِمَّتُه وقُوَاه مصروفةٌ إلى أُمورٍ (^3) وراء الأكل. فإذا أخَذَ ما يُغَذيه ويقيمُ صُلْبَه استغنى قلبُه ونفسُه وروحُه بالغذاء الإيماني عن الاستكثار من الغذاء الحيوانيِّ، فاشتغل مِعَاهُ الواحد - وهو "قُولُون" - بالغذاء، فأمسكه حتَّى أخذت منه الأعضاءُ والقُوى مقدارَ الحاجة، فلم يحتج إلى امْتِلَاءِ (^4) أمعائه كلِّها من الطعام، وهذا أمرٌ معلومٌ بالتجربة.

وإذا قويت موادُّ الإيمان، ومعرفةِ الله وأسمائه وصفاته، ومحبتِه، ورجائه، والشوقِ إلى لقائه في "القلب" = استغنى بها العبدُ عن كثيرٍ من الغذاء، ووجد لها قوَّة تزيد على قوَّة الغذاء الحيوانيِّ.

فإن كَثُفَت طِبَاعُك عن هذا، وكنتَ عنه بمعزلٍ؛ لاشتغالك بالغذاء الحيوانيِّ وامتلائك به (^5)، فتأمَّلْ حال الفَرِح المسرور بتجدُّدِ نعمةٍ عظيمةٍ، واستغنائه مدَّةً عن الطعام والشراب مع وفور قوَّته، وظهور

  • (^1) في (ز) و(ك) و(ط): على هذا.
    (^2) "العُلْقَة": كل ما يُتَبلَّغُ به من العيش. "القاموس" (1176).
    (^3) في (ز) و(ك) و(ط): أمرٍ.
    (^4) في (ح) و(م): أن يملأ.
    (^5) من قوله: "لاشتغالك بالغذاء. . ." إلى هنا؛ ساقط من (ح) و(م).
578

الدَّمَوِيَّة (^1) على بَشَرَته، وتَغَذِّيه بالسرور والفرح. ولا نسبة لذلك إلى فرح "القلب" ونعيمه، وابتهاج "الرُّوح" بقُرْب الرَّبِّ - تعالى - ومحبته ومعرفته، كما قيل (^2):

لها أحادِيثُ من ذِكْرَاكَ تَشْغَلُهاعن الشَّرَابِ، وتُلْهِيها عن الزَّادِ

وقد قال ﷺ في الحديث المتفق على صحته: "إنِّي أَظَلُّ عند رَبِّي يُطْعِمُني ويَسْقِيني" (^3). وصدق الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه؛ فإنَّ المقصودَ من الطعام والشراب التغذيةُ المُمْسِكَةُ، فإذا حصل له أعلى الغذاءين وأشرفُهما وأنفعُهما فكيف لا يُغْنيه ذلك عن الغذاء المشْتَرَك.

وإذا كنَّا نشاهد أنَّ الغذاءَ الحيوانيَّ يَغْلِب على الغذاء القلبيِّ الروحيِّ حتَّى يصير الحكم له، ويَضْمَحِلَّ غذاء "القلب" و"الرُّوح" (^4) بالكُلِّية، فكيف لا يضمحِلُّ غذاء البدن عن استيلاء غذاء "القلب" و"الرُّوح" ويصير الحكم له؟

  • (^1) في (ك): الذمومة!
    (^2) البيت لإدريس بن أبي حفصة.
    انظر: "زهر الآداب" للقيرواني (1/ 507) وفيه: "عن الرُّتُوع" بدل "عن الشراب"، و"الأنوار ومحاسن الأشعار" للشمشاطي (1/ 401) وفيه: "عن الرُّبُوع".
    (^3) أخرجه: البخاري في "صحيحه" رقم (7241)، ومسلم في "صحيحه" رقم (1104)؛ من حديث أنس ﵁ بلفظ: "إني أظَلُّ يطعمني ربي ويسقيني".
    وفي الباب عن عِدَّةٍ من الصحابة منهم: أبو هريرة، وأبو سعيد، وعائشة، وابن عمر ﵃.
    (^4) العبارة في (ح) و(م) هكذا: ويضمحلَّ هذا الغذاء.
579

وقد كان النبيُّ ﷺ يمكث الأيامَ لا يَطْعَمُ شيئًا (^1)، وله قوَّة ثلاثين رجلًا، ويطوف - مع ذلك - على نسائه كلِّهنَّ في ليلةٍ واحدةٍ، وهُنَّ تسع نسوة (^2).

وهذا المسيح ابن مريم ﷺ حيٌّ لم يَمُتْ، وغذاؤه من جنس غذاء الملائكة (^3).

  • (^1) أخرج البخاري في "صحيحه" رقم (6458)، ومسلم في "صحيحه" رقم (2972)؛ عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: "إنْ كنَّا - آلَ محمد ﷺ لنمكُثُ شهرًا ما نستوقد بنارٍ، إنْ هو إلا التمر والماء"، واللفظ لمسلم.
    وفي الباب أحاديث كثيرة عن عِدَّةٍ من الصحابة ﵃ تدل على هذا المعنى.
    (^2) أخرج البخاري في "صحيحه" رقم (268، 284، 5068، 5215)، ومسلم في "صحيحه" رقم (309)؛ عن أنس ﵁ أنه قال:
    "كان النبيُّ ﷺ يطوفُ على نسائه في الليلة الواحدة، وله يومئذٍ تسعُ نِسْوةٍ". وجاء في لفظٍ للبخاري زيادة: قال قتادة: قلت لأنسٍ: أَوَ كان يطيقُه؟ قال: كنا نتحدث أنه أُعطِيَ قوة ثلاثين.
    (^3) وغذاء الملائكة هو التسبيح والتقديس، كما جاء ذلك في:
    1 - حديث ابن عمر ﵄؛ أن رسول الله ﷺ سئل عن طعام الملائكة؟ فقال: "طعامهم منطقهم بالتسبيح والتقديس".
    أخرجه: نعيم بن حماد في "الفتن" رقم (1581)، والحاكم في "المستدرك" (4/ 511) وقال: "صحيح على شرط مسلم" وتعقبه الذهبي بقوله: "كلا لا يصح؛ فسعيد - هو ابن سنان الحنفي - متَّهَمٌ تالِفٌ".
    وانظر: "السلسلة الضعيفة" رقم (3825)، و"ضعيف الجامع" رقم (8054).
    2 - وحديث أسماء بنت يزيد بن السَّكَن الأنصارية ﵂؛ أن رسول الله ﷺ سئل عن طعام المؤمنين زمنَ الدجَّال؟ فقال: "يجزيهم ما يجزي أهل =
580