التبيان في أيمان القرآنالجزء 1 · ص 589 - 596

فصل: الكلام عن المرة السوداء ومنافعها

فصل: الكلام عن المرة السوداء ومنافعها

وحاجة البدن إليها في أن تخالط "الدَّم"، وتُرِقَّهُ (^1) بلُطْفِها، وتُنْفِذَه في المسالك الضيِّقة، ولتعينه في تغذية الأعضاءِ الحارَّةِ اليابسة.

وما ينفصِلُ (^2) عنها ممَّا يُسْتَغْنَى عنه يتصفَّى إلى "المَرَارة" لتأخذ نصيبها منه، وما تستغني عنه "المَرَارة" تَصُبُّهُ إلى "الأمعاء" لتغسلها عن لَطْخَة الأَثْفَال ولُزُوجَتِها، وَلِتَدْعُوَ عَضَلَ "المَقْعَدة" فتحسَّ بالحاجة إلى التبرُّزِ.

فصل

وأمَّا "المِرَّةُ السوداءُ": فخِلْطٌ باردٌ يابِسٌ.

وفيه من المنافع أنَّه يَنْفُذُ مع "الدَّم" في "العُرُوق" ليشدَّهُ (^3)، ويقوِّيه، ويكفِتَهُ (^4)، ويمسكه، ويمنعه من سهولة الحرمة (^5) عند الحاجة إلى ذلك، وتعينه في تغذية الأعضاء المحتاجة إلى (^6) أن يكون في غذائها شيءٌ من "السوداء" (^7) كـ "العِظَام".

وما انفَصَلَ (^8) منه واستغنى عنه يُصَفَّى إلى "الطِّحَال"، فيصفِّيه "الطِّحَالُ" جدًّا، ويتغذَّى به، ثُمَّ يُجْلَبُ ما يَسْتَغنِي عنه "الطِّحَال" إلى فَم

  • (^1) أي: تجعله رقيقًا، وهو ضد الغِلَظ والثَّخَانة. "لسان العرب" (5/ 286).
    (^2) تصحفت في (ز) إلى: يتفصل، وسقطت من (ط).
    (^3) بياض في (ط)، وفي (ح) و(م): ليسدّه! تصحيف.
    (^4) في (ط): ويكيفه! وفي باقي النسخ: ويكفيه. ولعله تحريف ما أثبت.
    (^5) كذا في جميع النسخ، ولم أَدْرِ معناها! والعبارة مرتبكة.
    (^6) من (ك)، وسقط من بقية النسخ.
    (^7) من (ح) و(م)، وفي باقي النسخ: السواد.
    (^8) في (ح) و(م): اتصل!
589

فصل: الأعضاء عموما تنقسم إلى قسمين

"المعدة"، فَيُدَغْدِغُهُ بالحُمُوضَة التي فيه، فتتحرك الشهوةُ، وتحسُّ بالجوع، فتطلب الأعضاء القصوى معلُومَها ورَاتِبَها من الأعضاء التي تليها، وتطلبه الأعضاء التي تليها من التي تجاورها، وهكذا حتَّى ينتهي الطلب إلى "المعدة".

فالجوعُ: طَلَبُ الأعضاءِ (^1) القُصْوَى معلومَها من الأعضاءِ (^2) الدنيا.

فصل

ولمَّا اقتضت حكمة الرَّبِّ ﷻ، وتقدَّسَت أسماؤه، ولا إله غيره - حيث كان بدنُ الإنسان مشبهًا في أحواله بالمدينة = أن يوجد فيه (^3) أعضاء رئيسة تقوم بمصالحه - كما يقوم رؤساء المدينة بمصالحها - تكون له (^4) بمنزلة الولاة والأمراء. وأعضاء تكون خادمةً لهذه الأعضاء الرئيسة؛ فإنَّ الرئيس لا يكون رئيسًا إلا بمرؤوس، وهي بمنزلة: الشُّرَط، والجَلَاوِزَة (^5)، والنُّقَبَاء (^6). وأن يوجد فيه أعضاء كالرعيَّةِ؛ وهي قسمان:

1 - ماله اتصالٌ بالرؤساء، وإن لم يكن اتِّصالُهُ (^7) اتِّصَالَ خدمةٍ.

  • (^1) "الأعضاء" ملحق بهامش (ك).
    (^2) من (م)، وتصحفت في باقي النسخ إلى: الأعمال!!
    (^3) في جميع النسخ: فيها، والصواب ما أثبته.
    (^4) في جميع النسخ: لها، والصواب ما أثبته.
    (^5) "الجَلَاوِزَة": جمع الجِلْواز، وهو: الشُّرَطِي. "القاموس" (650).
    (^6) "النُّقَبَاء": جمع نَقِيب، وهو: عريف القوم. "القاموس" (178).
    (^7) في (ح) و(م): له.
590

فصل: الكلام عن الأعضاء الرئيسة؟ القلب، والكبد، والدماغ، والأنثيين

2 - وما لا اتِّصال له بهم، بل هو مستقلٌّ بنفسه.

فالأعضاء إذًا بهذا التقسيم أربعة:

أحدها: الأعضاء الرئيسة المخدومة.

الثاني: الأعضاء المرؤوسة الخادمة.

الثالث: الأعضاء المرؤوسة بلا خدمة.

الرابع: الأعضاء التي ليست رئيسة ولا مرؤوسة.

فصل

والأعضاء الرئيسة إنَّما استحقَّت الرياسة لشَرَفِها، إذ كانت هي الأصولُ والمعادنُ والمبادئُ للقُوى الأوليَّهِ في البدن، المضطرُّ إليها في بقاء الشَّخْص والنَّوع.

وهي بحسب بقاء الشَّخْصِ ثلاثةٌ: "القلب"، و"الكبد"، و"الدِّماغ".

وبحسب بقاء النَّوع أربعةٌ: الثلاثةُ المذكورةُ، و"الأُنْثَيَان".

وأمَّا "القلب"؛ فهو العُضْو الذي جعله الخَلَّاقُ العليمُ قائمًا بأمر البدن كقيام الملك (^1) بأمر الرعيَّة، وهو أوَّلُ عُضْوٍ يتحرَّكُ في البدن، وآخرُ عُضْوٍ يَسْكُنُ منه، وهو مبدأ جميع القُوى، وما يلحقه من صلاحٍ أو فسادٍ يتأدَّى منه إلى غيره من الأعضاء.

وأمَّا "الكبد"؛ فهو العضو الذي يقوم بحِفْظِ الحياة، إذ كانت هي التي تملأُ الأعضاء بالغذاء؛ ليبقى البدن محفوظًا ما أمكن بقاؤه.

  • (^1) ساقط من (ك).
591

وأمَّا "الدِّمَاغ"؛ فهو العضو القائم بأمر الحِسِّ والإدراك وتكميل الحياة، إذ فيه آلاتُ الإحساس التي بها يُعرف النافعُ من الضَّارِّ، والملائمُ من المُنَافِرِ، وبواسطته (^1) صارت الحياة نافعةً (^2) صالحةً، متجاوِزَةً لرتبة (^3) حياة النَّبَات.

وأمَّا "الأُنْثَيَان"؛ فهما اللَّذَان يقومان بحِفْظِ بقاء النَّوع.

فصل: الكلام عن الأعضاء الخادمة

فصل

وأمَّا الأعضاء الخادمة: فـ "الرِّئة"، و"الشرايين" الحاملة المؤدِّية من "القلب" الحرارةَ الغريزيَّة والقُوى والأرواحَ الحيوانية التي بها قِوَام البدن.

فهذان خادِمان "للقلب".

و"المعدة" و"الأَوْرِدَة" خادمان "للكبد".

و"الأَوْرِدَة" تُنفِذُ "الدَّمَ" الغاذِي، والأرواح، والقُوى إلى جميع البدن.

و"الكبد" خادِمةٌ "للدِّمَاغ"، وكذلك "الأعصاب" التي بها يحصل الحِسُّ والحركة.

و"الأُنْثَيَان" يخدِمُهما الأعضاء المولِّدة "للمَنِيِّ"، والمجاري المؤدِّية عنهما إلى موضع التَّوَالُدِ.

  • (^1) ساقط من (ح) و(م).
    (^2) "نافعة" ملحق بهامش (ح).
    (^3) تصحفت في (ح) و(م) إلى: لزينة.
592

فصل: الكلام عن الأعضاء المرؤوسة بلا خدمة

فصل

وأمَّا الأعضاء المرؤوسة بلا خدمة؛ فهي أعضاءٌ مختصَّةٌ بقُوىً لها طبيعيَّة، بها يتمُّ تدبيرها، ويستقيم أمرها.

ولا بدَّ مع ذلك من أن (^1) يفيضَ (^2) عليها من الأعضاء الرئيسة قُوىً تمدُّها بإذن الله - تعالى - كـ: "الأُذن"، و"العين"، و"الأنف". فإنَّ كلَّ واحدٍ منها يقوم بأمر نفسه بما فيه من القوَّةِ الطبيعيَّةِ التي أعطاها إيَّاهُ الخالقُ (^3) سبحانه، ولا يتمُّ ذلك لها إلا بأن تأتيها قوَّةٌ حسَّاسَةٌ تنزل عليها من "الدِّمَاغ" بإذن الرَّبِّ تعالى.

فصل

فصل: الأعضاء التي ليست برئيسة ولا مرؤوسة

وأمَّا الأعضاء التي ليست برئيسة ولا مرؤوسة؛ فهي التي اختصَّت بقُوىً غريزيَّة فيها من أصل الخِلْقَة في أوَّل التكوين، ليتمَّ بها قَوَامُ أمرها، وتدبيرُها في اجتلاب المنافع ودفع المضارِّ، كـ: "العظام"، و"الغَضَاريف".

وسائر الأعضاء المتشابهة الأجزاء - مثل: "الرِّبَاطات"، و"الأعصاب"، و"الأوتارِ"، و"الشرايين"، و"الأَوْرِدَةِ"، و"الأغْشِيَةِ"، و"اللَّحْمِ"، و"العظَامِ" - كالأساس والاسطوانات لبناء هيكل (^4) البدن.

هل في العظام قوة الإحساس أولا؟

فإن قيل: هل في "العظام" قوَّةُ الإحساس وحياته أم لا؟

  • (^1) من قوله: "بقوىً لها طبيعية. . ." إلى هنا؛ ساقط من (ز).
    (^2) في (ح) و(م): يقبض!
    (^3) تكررت مرتين في (ك).
    (^4) من (ح) و(م)، وفي باقي النسخ: كل.
593

قيل: هذا موضعٌ اختلف فيه أرباب الشريعة فيما بينهم، وأرباب الطبيعة فيما بينهم:

فقالت طائفة: لا حياة في "العظام" وإن كان فيها قوَّة النُّمُو والاغتذاء.

قالوا: لأنَّ الحياةَ إنَّما هي بالرُّوح الحيوانيِّ، ولَا حَظَّ "للعظام" فيه.

قالوا: ولأنَّ مَرْكَبَ الحياةِ (^1) إنَّما هو "الدَّمُ" المُنْبَثُّ في "العُرُوق" و"الأعصاب" و"اللَّحم". ولهذا لم يكن "للشَّعْر" ولا "للظُّفُر" نصيبٌ من ذلك، ولهذا لم يأْلَم الحيوانُ بأَخْذِهِ.

قالوا: فحياةُ "العظام" و"الشَّعْر" حياةُ نُمُوٍّ واغتذاءٍ، وحياةُ أعضاء البدن حياةُ نُمُوٍّ وإحساسٍ.

قالوا: ولهذا قلنا إنَّ "العظام" لا تَنْجَس بالموت؛ لأنَّها لم يكن فيها حياةٌ تزول بالموت.

قالوا: وزوالُ النُّمُوِّ لا يُوجب نجاسة ما فَارَقَهُ، بدليل يُبْسِ الزَّرعْ والشَّجر.

قال آخرون: الدليلُ على أنَّ "العظام" تَحُلُّ فيها الحياةُ قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: 78، 79].

  • (^1) أقحمت "فيه" بعدها في (ز) و(ك) و(ط).
594

والحِسُّ يدلُّ على ذلك أيضًا، فإنَّ "العَظْم" يأْلَم، ويَضْرِبُ (^1)، ويَسْكُن، وذلك نفس إحساسه.

قالوا: ولا يمكن إنكارُ كون "العظام" فيها قوَّةٌ حسَّاسَةٌ تحسُّ بالبارد والحَارِّ.

قال الآخرون: الإحساس والألم ليس "للعظم" في نفسه، وإنَّما هو لما جاوره من "اللَّحْم".

قال المنازعون لهم: هذا مكابَرَةٌ ظاهرةٌ؛ فإنَّ "العظْمَ" نفسَه يَأْلَمُ، ولا سيَّما إذا انْصَدَع.

ثُمَّ إنَّ "الأسنانَ" و"الأضراسَ" تحسُّ بالألم والحارِّ والبارد بأنفسها، لا بِمُجَاوِرِها من "اللَّحم".

ولهذا توسَّطت طائفةٌ ثالثةٌ، وقالت: عظامُ "الأسنان" خاصةً لها الإحساس، بخلاف سائر "العظام".

وهؤلاء قد (^2) سلَّمُوا المسألة من مكانٍ قريب، فإنَّ الذي دلَّ على إحساس "الأسنان" وحياتها هو الدَّالُّ على حياة سائر "العظام"، والشبهة التي ذكروها لو صحَّت لمَنَعَت من إحساس "الأسنان".

وأمَّا حديث الطهارة والنَّجَاسة فذاكَ لأمرٍ آخر وراءَ الحياة.

  • (^1) ضَرَبَ: تحرَّكَ وارتعَدَ بسبب بردٍ أو خوفٍ أو نحو ذلك، وبمعناه: تضرَّب واضطرَب.
    انظر: "القاموس" (138).
    (^2) في جميع النسخ: فقد، وما أثبته أصوب.
595

فصل: عدد عظام البدن حسب إحصاء المشرحين

ومَنْ نَجَّسَها بالموت سَوَّى بينها وبين "اللَّحم"، ومن لم يُنَجِّسْها - وهو الراجح في الدليل - فذاك لعدم عِلَّة التنجيس فيها، فإنَّ الموت ليس بِعلَّةِ النَّجَاسة، وإنَّما هو دليلُ العلَّة وسبَبُها.

والعِلَّةُ هي احتقانُ الفَضَلات في "اللَّحْمِ"، و"العَظْمُ" بريءٌ من ذلك.

والدليل على هذا؛ أنَّ الشارعَ لم يحكم بنجاسة الحيوان التَّامِّ الذي (^1) لا نَفْسَ له سائلةٌ؛ لعدم احتقان الفَضَلات فيه، فَلأَنْ لا يُحكم بنجاسة "العَظْم" أَولى وأحرى. فإنَّ الرُّطُوباتِ التي في "الذُّبَاب" و"العقرب" و"الخنفساء" أكثرُ من الرُّطُوباتِ التي في "العظام"، فهي أَولى بعدم التنجيس من تلك الحيوانات. والله أعلم (^2).

فصل

والذي أحصاه المُشَرِّحُون من "العظام" في البدن: مائتان وثمانيةٌ وأربعون عظمًا، سِوَى الصِّغَار السُّمْسُمَانيَّات (^3) التي أُحْكِمت (^4) بها مفاصل: "الأصابع"، والتي في "الحَنْجَرَة".

  • (^1) ساقط من (ك).
    (^2) من قوله: "التي في "العظام" فهي أولى. . ." إلى هنا؛ ساقط من (ح) و(م).
    (^3) "السُّمْسُمَانيات": جمع: السُّمْسُمَانيّ، وهو الخفيف اللطيف السريع من كلِّ شيءٍ.
    والعظام الصغار التي بين كلِّ مَفْصِلَين من مفاصل الأصابع تسمى: "السُّلَامَيَات"، واحدتها: "سُلَامَى".
    انظر: "القاموس" (1451)، و"الإفصاح" (53).
    (^4) في (ح) و(م): احكم، وفي باقي النسخ: احتكم! والصواب ما أثبته.
596