التبيان في أيمان القرآنالجزء 1 · ص 622 - 629

كيف يحدث الصوت والكلام؟

كيف يحدث الصوت والكلام؟

إخراجه ودَفْعِهِ معه، لم (^1) يُضَيِّعْ أحكمُ الحاكمين ذلك النَّفَس ويخرجه بغير فائدة، بل جعل إخراجه سببًا لحدوث الصوت.

الحكمة في اختلاف الحناجر

ثُمَّ جعل - سبحانه - (^2) "الحَنْجَرَةَ" و"اللِّسَانَ" و"الحَنَكَ" (^3) آلاتٍ وأسبابًا، مختلفة الأشكال (^4)، فباختلافها يكون الصوت (^5)، فيحدث الحَرْف، ثُمَّ أَلْهَمَ الإنسانَ أن رَكَّبَ ذلك الحَرْفَ إلى مثله ونظيره، فتحدث الكلمة، ثُمَّ أَلْهَمَهُ تركيب تلك الكلمة إلى مثلها، فيحدث الكلام.

فتأمَّلْ هذه الحِكْمَةَ الباهرة في إيصال النَّفَس إلى "القلب" لحفظ حياته، ثُمَّ عند الحاجة إلى إخراجه والاستغناء عنه جعله سببًا لهذه المنفعة العظيمة. فتبارك الله أحسن الخالقين.

وخلق - سبحانه - هذه المقاطع والحَنَاجر مختلفةَ الأشكال، والضِّيق، والسَّعَة، والخُشُونة، والمَلَاسَة = لتختلف الأصوات باختلافها، فكما لا تتشابه صورتان من كلِّ وجهٍ، فلا يتشابه صوتان (^6)، بل كما يحصل الامتياز بين الأشخاص بالقوَّةِ البَاصِرَةِ، فكذلك يحصل بالقوَّةِ السَّامِعَةِ، فيحصل الامتياز للأعمى والبصير.

  • (^1) في جميع النسخ: فلم، وما أثبته أنسب.
    (^2) بعده في (ح) و(م) زيادة: في.
    (^3) "الحَنَكُ": سَقْفُ أعلى الفم من داخل. "القاموس" (1210).
    (^4) "آلات وأسبابًا، مختلفة الأشكال" ساقط من (ح) و(م).
    (^5) العبارة في (ح) و(م) هكذا: باخلافها الصوت.
    (^6) "فلا يتشابه صوتان" ساقط من (ح) و(م).
622

فصل: عجائب الخلق في الصدر

علاقة القلب بالأعضاء

فصل

ثُمَّ انزِلْ إلى "الصَّدْرِ"؛ تَرَى معدنَ العلم، والحِلْم، والوقار، والسكينة، والبِرِّ، وأضدادِها. فتجد صدور العِلْيَة (^1) تغلي بالبرِّ، والخير، والعلم، والإحسان، وصدورَ السَّفِلَةِ (^2) تغلي بالفجورِ، والشَّرِّ، والإساءةِ، والحَسَدِ، والمَكْرِ.

ثُمَّ انفُذْ من ساحة "الصَّدْر" إلى مشاهدة "القلب"؛ تجد مَلِكًا عظيمًا جالسًا على سرير مملكته، يأمر وينهى، ويولِّي ويعزِل. وقد حَفَّ به الأمراءُ (^3) والوزراء والجُند وكلُّهم في خدمته، إن استقامَ استقاموا، وإن زَاغَ زاغُوا، وإن صحَّ صَحُّوا، وإن فسد فسدوا، فعليه المُعَوَّلُ.

وهو مَحَلُّ نظر الرَّبِّ تعالى، ومَحَلُّ معرفته، ومحبَّته، وخشيته، والتوكُّلِ عليه، والإنابةِ إليه، والرِّضَى به وعنه. والعبوديةُ عليه أوَّلًا؛ وعلى رعيَّته وجنده تبعًا.

فأشرفُ ما في الإنسان "قلبُه"، فهو العالِمُ بالله، العامِلُ له، السَّاعي إليه، المُحِبُّ له، فهو مَحَلُّ الإيمان والعرفان.

وهو المخاطَبُ المبعوثُ إليه الرُّسُلُ، المخصوصُ بأشرف العطايا، وهو الإيمان والعقل.

  • (^1) من (ك) و(ح) و(م)، وفي (ز) و(ط): العلماء.
    (^2) السَّفِلَة" - بكسر الفاء -: سَقَطُ الناسِ وغَوغاؤهم. وبعض العرب يخفِّف فيقول: "سِفْلَة". "مختار الصحاح" (324).
    (^3) في (ز) و(ح) و(ط) و(م): بالأمراء، وما أثبته من (ك).
623

وإنَّما الجوارح أتباعٌ، وتُبَّعٌ "للقلب" يستخدمها استخدام الملوك للعبيد، والراعي للرعيَّة. والذي يسري إلى الجوارح من الطاعات والمعاصي إنَّما هي آثاره، فإنْ أظْلَمَ أظْلَمَت الجوارح، وإن اسْتَنارَ استنارت، ومع هذا فهو بين إصبعين من أصابع الرحمن عز وجل (^1).

فسبحان مُقَلِّب القلوب، ومُودِعِها ما يشاء من أسرار الغيوب، الذي يحول بين المرء وقلبه، ويعلم ما ينطوي عليه من طاعته وذنبه (^2)، مُصَرِّفِ القلوب كيف أراد، وحيث أراد. أوحى إلى قلوب أوليائه: أنْ أَقْبِلِي إليَّ، فبَادَرَتْ، وبَاتَتْ (^3) وقَالَتْ (^4) بين يَدَي رَبِّ العالمين. وكَرِه عز وجل انبعاثَ آخرين فَثَبَّطَهُم، وقيل: اقعُدُوا مع القاعدين.

كانت أكثر يمين رسول الله ﷺ: "لا، ومُقَلِّبِ القلوب" (^5).

وكان من دعائه: "اللهُمَّ يا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قُلُوبَنَا على طاعتك" (^6).

  • (^1) أخرج مسلم في "صحيحه" رقم (2654)، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄؛ أنَّه سمع رسول الله ﷺ يقول: "إنَّ قلوبَ بني آدم كلِّها بين إصبعين من أصابع الرحمن، كقلبٍ واحدٍ، يصرِّفُه حيث يشاء". ثم قال رسول الله ﷺ: "اللهُمَّ مصرِّفَ القلوب؛ صَرِّف قلوبنا على طاعتك".
    (^2) من (ز)، وفي باقي النسخ: ودينه.
    (^3) ساقط من (ح) و(م).
    (^4) جاء في هامش (ز) شرحًا لها: "قوله: "باتَتْ وقَالَتْ"، من البَيْتُوتة والقَيْلُولة، أي: استمرَّت ليلَها ونهارَها على ذلك".
    (^5) سبق تخريجه (ص/ 14).
    (^6) أخرجه بهذا اللفظ: أحمد في "المسند" (3/ 112 و257)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (10/ 209) و(11/ 36)، وابن أبي عاصم في "السنَّة" رقم (225)، =
624

قال بعض السلف: "لَلْقَلْبُ أشدُّ تقلُّبًا من القِدْرِ إذا استجمعت غليانًا" (^1).

وقال آخر: "القلبُ أشدُّ تقلُّبًا (^2) من الريشة بأرضٍ فَلَاةٍ في يومِ ريحٍ عاصِفٍ" (^3).

  • = والبخاري في "الأدب المفرد" رقم (683)، والترمذي في "سننه" رقم (2140)، وابن ماجه في "سننه" رقم (3834)، والحاكم في "المستدرك" (1/ 526)، وغيرهم.
    قال الترمذي: "هذا حديثٌ حسنٌ". وحسَّنه البغويُّ في "شرح السنَّة" (1/ 165).
    وقال الحاكم: "بإسناد صحيح". وصححه الألباني في "صحيح الأدب المفرد" رقم (527)، و"ظلال الجنَّة" رقم (225).
    (^1) هذا الأثر رُوي مرفوعًا من حديث المقداد بن الأسود ﵁، أخرجه: أحمد في "المسند" (6/ 4)، وابن أبي عاصم في "السنَّة" رقم (226)، والطبراني في "المعجم الكبير" (20/ رقم 598 - 599 و603)، وفي "مسند الشاميين" رقم (2021)، والحاكم في "المستدرك" (2/ 289)، والقضاعي في "مسند الشهاب" رقم (1331 و1332)، وأبو نعيم في "الحلية" (1/ 175)، وغيرهم.
    وللحديث طرق يتقوى بها؛ وصححه الحاكم على شرط البخاري، ووافقه الذهبي.
    قال الهيثمي: "رواه الطبراني بأسانيد، ورجال أحدها ثقات". "مجمع الزوائد" (7/ 211).
    وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة" رفم (1772)، و"ظلال الجنَّة" رقم (226).
    (^2) من قوله: "من القدر إذا. . ." إلى هنا؛ ساقط من (ز) و(ط).
    (^3) رُوي هذا الأثر مرفوعًا من حديث أبي موسى ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "مثلُ القلب كمثل ريشة بأرضٍ فلاةٍ، تقلبها الريح ظهرًا لبطن".
    أخرجه: أحمد في "المسند" (4/ 419) وبنحوه في (4/ 408)، وابن أبي =
625

يطلق القلب على معنيين

جنود القلب نوعان

ويطلق "القلب" على معنيين:

أحدهما: أمرٌ حِسِّيٌّ؛ وهو العضو اللَّحْميُّ الصَّنَوبَرِيُّ الشَّكْل، المُودَعُ في الجانب الأيسر من "الصَّدْر"، وفي باطنه تجويفٌ، وفي التجويف دَمٌ أسود، وهو منبع "الرُّوح".

والثاني: أمرٌ معنويٌّ؛ وهو لطيفةٌ ربَّانيةٌ رحمانيةٌ، روحانيَّةٌ، لها بهذا العضو تعلُّقُ اختصاصٍ. وتلك اللطيفة هي حقيقة الإنسانيَّة.

و"للقلب" جُنْدَان: جندٌ يُرَى بالأبصار، وجندٌ يُرَى بالبصائر.

فأمَّا جندُهُ المشاهَدَةُ: فالأعضاءُ الظاهرة والباطنة، وخُلِقَت خادِمةً له لا تستطيع له خلافًا. فإذا أَمَرَ "العينَ" بالانفتاح انفتحت، وإذا أمرَ "اللِّسَانَ" بالكلام تكلَّم، وإذا أمرَ "اليدَ" بالبطش (^1) بطَشَت، وإذا أمرَ "الرِّجْلَ" بالسعي (^2) سَعَت، وكذا جميع الأعضاء ذُلِّلَتْ له تذليلًا (^3).

  • = عاصم في "السنَّة" رقم (227 - 228)، وابن ماجه في "سننه" رقم (88)، وعبد بن حميد في "المنتخب" رقم (534)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (737 - 738)، والبغوي في "شرح السنَّة" (1/ 164)، وغيرهم.
    واختلف في وقفه ورفعه، وللمرفوع شواهد يتقوى بها.
    قال العراقي: "إسناده حسن".
    وصححه الألباني في "ظلال الجنَّة" رقم (227 - 228)، و"صحيح الجامع" رقم (5833).
    (^1) ساقط من (ح) و(م).
    (^2) ساقط من (ح) و(م).
    (^3) "تذليلًا" ملحق بهامش (ك).
626

جعل الزب سبحانه للقلب منافذ من الحلال لصرف رغباته

ولمَّا خُلِقَ "القلبُ" للسفر إلى الله - تعالى - والدار الآخرة، وجُعِلَ في هذا العالَم ليتزوَّدَ منه = افتقر إلى المَرْكبِ والزَّادِ لسفره الذي خلق لأجله، فأُعِينَ بالأعضاء والقُوَى، وسُخِّرَت له، وأُقِيمَت في خدمته؛ لتجلب له ما يوافقه من الغذاء والمنافع، ويدفع عنه ما يضرُّهُ ويهلكه، فافتقر إلى جُنْدَين:

1 - باطنٍ؛ وهو الإرادة، والشهوة (^1)، والقُوى.

2 - وظاهرٍ؛ وهو الأعضاء.

فخلق في "القلب" من الإرادات والشهوات ما احتاج إليه، وخُلِقَت له الأعضاءُ التي هي آلةُ الإرادة، واحتاج لِدَفْع المَضَارِّ إلى جندين (^2):

1 - باطنٍ؛ وهو الغضب الذي يدفع المُهْلِكَات، وينتقم من الأعداء.

2 - وظاهرٍ؛ وهو الأعضاء التي يُنْفِذُ بها غَضَبَهُ، كالأسلحة للمقاتل.

ولا يتمُّ له ذلك إلا بمعرفته ما يَجْلِبُ وما يَدْفَعُ، فأُعِينَ بجُنْدٍ من العلم يكشف له حقائق ما ينفعه وما يضرُّه.

ولمَّا سُلِّطَت عليه الشهوةُ، والغضبُ، والشيطانُ؛ أُعِين بجندٍ من الملائكة، وجَعَلَ له مَحَلًّا من الحلال يُنْفِذُ فيه شهواتِه، وجَعَلَ بإزائه

  • (^1) من (ح) و(م)، وفي باقي النسخ: الإرادة للشهوة.
    (^2) من (م)، وفي باقي النسخ: جند.
627

أعداءً له يُنْفِذُ فيهم غَضَبَهُ، فما ابتُلِيَ بصفةٍ من الصفات إلا وجُعِلَ له مَصْرِفٌ ومَحَلٌّ يُنْفِذُها فيه. فجُعِلَ لقوَّة الحَسَدِ (^1) فيه مَصْرِفُ المنافسة في فِعْلِ الخير، والغِبْطَةِ عليه، والمسابقةِ إليه.

ولقوَّة الكِبْرِ التكبُّرُ على أعداء الله - تعالى - وإهانتهم، وقد قال النبيُّ ﷺ لمن رآه يختال (^2) بين الصَّفَّين في الحرب: "إنَّهَا لمِشْيَةٌ يبغِضُها اللهُ إلا في هذا المَوطِنِ" (^3). وقد أمر الله - سبحانه - بالغِلْظَة على أعدائه.

وجَعَلَ لقوَّة الحِرْصِ مَصْرِفًا، وهو الحرصُ على ما ينفع، كما قال النبيُّ ﷺ: "احرص على ما ينفعك" (^4).

  • (^1) في (ك) و(ح) و(م) و(ط): الجَسَد!
    (^2) من (م)، وفي باقي النسخ: تَخَايَل.
    (^3) أخرجه: ابن إسحاق في "السيرة" رقم (505)، ومن طريقه البيهقي في "دلائل النبوة" (3/ 233 - 234)، والطبراني في "المعجم الكبير" رقم (6508)، ومن طريقه أبو نعيم في "معرفة الصحابة" رقم (3642).
    وفي إسناده ضعف، وقال الهيثمي عن إسناد الطبراني: "وفيه من لم أعرفه". "مجمع الزوائد" (6/ 109).
    لكن الحديث يتقوى ببعض الأحاديث التي تؤيد معناه، وقد بوَّب ابن أبي عاصم في "كتاب الجهاد" (2/ 674): "الاختيال بين الصفَّين". وانظر: تخريج هذه الآثار لمحققه: مساعد بن سليمان الراشد الحميد (2/ 674 - 678)، فقد أجاد.
    وأصل القصة في "صحيح مسلم" رقم
  • (2470) وغيره، بدون هذه الزيادة.
    والذي كان يختال بين الصفين هو: أبو دُجَانَة؛ سِمَاك بن خَرَشَة الساعدي ﵁.
    (^4) جزء من حديث أبي هريرة ﵁؛ أخرجه مسلم في "صحيحه" رقم (2664).
628

ولقوَّة الشهوة مَصْرِفًا، وهو التزوُّجُ بأربع، والتَّسَرِّي بما شاء.

ولقوَّة حُبِّ المال مَصْرِفًا، وهو إنفاقُه في مرضاته، والتزوُّدُ منه لمَعَاده. فمحبَّة المال على هذا الوجه لا تُذَمُّ.

ولمحبَّة الجَاهِ مَصْرِفًا، وهو استعماله في تنفيذِ أوامره، وإقامةِ دينه، ونَصْرِ المظلوم، وإغاثةِ الملهوف، وإعانةِ الضعيف، وقَمْعِ أعداء الله. فمحبَّةُ الرياسة والجاه على هذا الوجه عبادةٌ.

وجَعَلَ لقوَّة اللعب واللهو مَصْرِفًا، وهو لَهْوُهُ مع امرأته، أو بقوسِهِ وسَهْمِهِ، أو تأديبُهُ فَرَسَهُ.

وكلُّ ما أعانَ على الحقِّ فهو من الحقِّ، وكلُّ ما أعانَ على الباطل فهو من الباطل والضلال (^1).

وجَعَلَ لقوَّة التحيُّلِ (^2) والمَكْرِ فيه مَصْرِفًا، وهو التحيُّلُ على عدوِّهِ وعدوِّ الله - تعالى - بأنواع التحيُّلِ (^3)، حتَّى يُرَاغِمَهُ ويردَّهُ خاسئًا، ويستعملَ معه من أنواع المَكْر ما يستعمله عدوُّهُ معه.

وهكذا جميع القُوى التي رُكِّبَت فيه، فإنَّها لا تزول، ولا يُطْلَبُ (^4) إعْدَامُها؛ وقد ركَبَها اللهُ فيه لمصالح اقتضتها حكمته، فلا يُطْلَبُ تعطيلها، وإنَّما تُصْرَفُ مجاريها من مَحَلٍّ إلى مَحَلٍّ، ومن موضعٍ إلى موضعٍ. ومن تأمَّلَ هذا الموضع وتفقَّه فيه؛ عَلِمَ شدَّةَ الحاجة إليه،

  • (^1) من قوله: "فهو من الحق. . ." إلى هنا؛ ساقط من (ح) و(م).
    (^2) تصحفت في (ك) إلى: البخل! وما بعده إلى: البخيل!!
    (^3) تصحفت في (ك) إلى: البخل!
    (^4) "فإنَّها لا تزول، ولا يُطلَب" ساقط من (ح) و(م).
629