إيجاز البيان عن معاني القرآنالجزء 1 · ص 71 - 79

سورة البقرة (2): آية 17

سورة البقرة (2): آية 17

زرع «1»: «ركب شريّا وأخذ خطّيّا» «2» .

17 مَثَلُهُمْ: في قوم أسلموا ثم نافقوا «3» .

وقيل «4»: هم اليهود ينتظرون المبعث ويستفتحون

  • (1) قال الزبير بن بكار في الأخبار الموفقيات: 464: «وهي أمّ زرع بنت أكيمل بن ساعد» .
    وقال الحافظ ابن حجر في الفتح: 9/ 167: «وسمى ابن دريد في «الوشاح» أم زرع عاتكة» . وأم زرع هي واحدة من إحدى عشرة امرأة من قرية من قرى اليمن كما في الأخبار الموفقيات: 462، وقد خرجن إلى مجلس لهن، فقال بعضهن لبعض: تعالين فلنذكر بعولتنا بما فيهم، ولا نكذب فتبايعن على ذلك ...» .
    والحديث في صحيح البخاري: 6/ 147، كتاب النكاح، باب «حسن المعاشرة مع الأهل»، وصحيح مسلم: 4/ 1901، كتاب فضائل الصحابة، باب «ذكر حديث أم زرع» .
  • (2) قال القاضي عياض ﵀ في بغية الرائد: 160: «والشرى أيضا- بالشين المعجمة- الفرس الذي يستشري في سيره، أي يلج ويمضي بلا فتور ولا انكسار» ... و«الخطى» الرمح، نسب إلى الخط، وهو موضع من ناحية البحرين، تأتي الرماح إليها من الهند، ثم تفرق من الخط إلى بلاد العرب فينسب إليه ...» .
    وانظر غريب الحديث لأبي عبيد: (2/ 308، 309)، وغريب الحديث لابن الجوزي:
    1/ 535، والنهاية لابن الأثير: 2/ 496.
    والخطّ بفتح أوله وتشديد ثانيه كما في معجم ما استعجم: 2/ 503، ومعجم البلدان:
    2/ 378.
  • (3) الآيات التي نزلت في المنافقين في صدر سورة البقرة (8- 20) من قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ إلى قوله تعالى: يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ ... الآية.
    وانظر خبرهم في تفسير الطبري: 1/ 322، وتفسير ابن كثير: (1/ 80، 81)، والدر المنثور: (1/ 81، 82) .
  • (4) هذه الآية والآيات التي قبلها نزلت في المنافقين قولا واحدا، ولم أجد من قال إنها نزلت في اليهود والمعنى الذي ذكره المؤلف ورد في قوله تعالى: وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ البقرة: 89.
    فهذه الآية نزلت في اليهود، وقد ورد خبر استفتاح اليهود بالنبي ﷺ في عدة روايات منها:
    ما أخرجه ابن إسحاق (السيرة لابن هشام: 1/ 211)، والطبري في تفسيره: (2/ 332، 333)، وأبو نعيم في الدلائل: (1/ 94- 96)، والبيهقي في الدلائل: (2/ 75، 76) عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن أشياخ منهم قالوا: فينا والله وفيهم- يعني في الأنصار، وفي اليهود- الذين كانوا جيرانهم- نزلت هذه القصة، يعني: وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا قالوا: كنا قد علوناهم دهرا في الجاهلية ونحن أهل الشرك، وهم أهل الكتاب- فكانوا يقولون: إن نبيا الآن مبعثه قد أظل زمانه، يقتلكم قتل عاد وإرم. فلما بعث الله تعالى ذكره رسوله من قريش واتبعناه، كفروا به. يقول الله: فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ اهـ.
    قال الشيخ أحمد شاكر في تخريج هذا الحديث: «هذا له حكم الحديث المرفوع، لأنه حكاية عن وقائع في عهد النبوة، كانت سببا لنزول الآية، تشير الآية إليها. الراجح أن يكون موصولا. لأن عاصم بن عمر بن قتادة الأنصاري الظفري المدني: تابعي ثقة، وهو يحكي عن «أشياخ منهم» فهم آله من الأنصار. وعن هذا رجحنا اتصاله» اهـ.
    وانظر باقي الروايات الواردة في استفتاح اليهود بالنبي ﷺ في تفسير الطبري: (2/ 333- 336)، ودلائل النبوة لأبي نعيم: 1/ 96، ودلائل النبوة للبيهقي: (2/ 76، 77)، وأسباب النزول للواحدي: (63، 64)، والدر المنثور: (1/ 216، 217) .
71

سورة البقرة (2): آية 18

به «1»، فلما جاءهم كفروا.

وهذا التمثيل إن كان لأنفس المنافقين بأنفس المستوقدين ف «الذي» في معنى الجمع لا غير «2»، وإن كان ذلك تشبيه حالهم بحال المستوقد جاز فيه معنى الجمع والتوحيد، لأنه إذا أريد به الحال صار الواحد في معنى الجنس «3»، إذ لا يتعين به مستوقد بخلاف إرادة الذات.

18 لا يَرْجِعُونَ أي: إلى الإسلام أو عن الكفر «4»، لتنوع الرجوع إلى

  • (1) قال ابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: 58: «كانت اليهود إذا قاتلت أهل الشرك استفتحوا عليهم أي استنصروا الله عليهم. فقالوا: اللهم انصرنا بالنبي المبعوث إلينا ...
    والاستفتاح: الاستنصار» .
    وانظر تفسير الطبري: 2/ 332، ومعاني القرآن للزجاج: 1/ 171.
  • (2) وهو قول الأخفش في معاني القرآن له: 1/ 209.
  • (3) انظر معاني القرآن للفراء: 1/ 15، ومعاني القرآن للنحاس: 1/ 102، والتبيان للعكبري، (1/ 32، 33)، والدر المصون: 1/ 156.
  • (4) أخرج الطبري في تفسيره: 1/ 332 عن ابن عباس وعن مرّة عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ: «فهم لا يرجعون»: فهم لا يرجعون إلى الإسلام. ونقل الماوردي في تفسيره: 1/ 75 عن قتادة مثل هذا القول.
72

سورة البقرة (2): آية 19

سورة البقرة (2): آية 22

الشيء وعنه، ويقال: كلمني فلان فما رجعت إليه كلمة ولا رجعت «1» .

19 كَصَيِّبٍ: ذي صوب، فيجوز مطرا أو سحابا «2» فيعل من صاب يصوب وهو مثل القرآن فما فيه من ذكر الثواب والبشارة وأسباب الهداية كالمطر، وما فيه من الوعيد والتخسير «3» والذم كالظلمات.

والصواعق والصاعقة: عذاب هدأت فيها النار، وصعق الصوت:

شديدة «4»، وفي الحديث «5»: «ينتظر بالمصعوق ثلاثا ما لم يخافوا عليه نتنا» .

19 حَذَرَ الْمَوْتِ أي: المنافقين آمنوا ظاهرا خوفا من المؤمنين، وتابعوا الكفار باطنا مخافة أن يكون الدائرة لهم، فهم يحذرون الموت كيف ما كانوا.

22 فِراشًا: بساطا [وقيل: فراشا يمكن الاستقرار عليه، ولم يجعلها حزنة غليظة والسماء بناء سقفا] «6» وفي الحديث «7»: «فرشنا للنّبيّ عليه السلام - بناء في يوم مطر» أي نطعا «8» والمبناة قبة من أدم.

  • (1) في هامش الأصل ونسخة «ك» و«ج»: «ولا أرجعت» . [.....]
  • (2) قال ابن فارس في مجمل اللغة: 2/ 544: «الصوب: نزول المطر. والصّيّب: السحاب ذو الصّوب» .
  • (3) في «ج»: والتحسر.
  • (4) اللسان: 10/ 199 (صعق) .
  • (5) هذا الأثر مقطوع، وهو من قول الحسن البصري ﵁، كما في الفائق: 2/ 299، وغريب الحديث لابن الجوزي: 1/ 590. وهو في النهاية: 3/ 32 دون عزو. قال ابن الأثير: «هو المغشى عليه، أو الذي يموت فجأة لا يعجّل دفنه» .
  • (6) ما بين معقوفين عن نسخة «ج» .
  • (7) أخرجه- باختلاف في لفظه- الإمام أحمد في المسند: 6/ 85 عن عائشة ﵂.
    والخطابي في غريب الحديث: 1/ 230 وفي إسنادهما مقاتل بن بشير، قال عنه الحافظ في التقريب: 544: «مقبول»، وبقية الرجال ثقات.
    وأورده الزمخشري في الفائق: 1/ 130، وابن الجوزي في غريب الحديث: 1/ 88، وابن الأثير في النهاية: 1/ 158.
  • (8) قال الخطابي: «البناء: النّطع، والمشهور منه المبناة، يقال للنّطع مبناة ومبناة- بكسر الميم وفتحها- ... وإنما سمّي النطع مبناة، لأنها تتخذ من أديمين يوصل أحدهما بالآخر، والمبناة في قول أبي عبيدة خيمة، وهي العيبة أيضا» .
73

سورة البقرة (2): آية 21

21 لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ: على أصلها في الشك والرجاء من المخاطب للتقوى لئلا يأمن العبد مدلّا بتقواه.

سورة البقرة (2): آية 22

22 فَأَخْرَجَ بِهِ: لما كان تقديره: أنه إذا أنزل الماء أخرج الثمرات قال (أخرج به) لأنه كالسبب وإن كان الله لا يفعل بسبب وآلة كقولهم: جازاه بعمله وإن كان فعل واحد لا يكون سبب فعل آخر.

سورة البقرة (2): آية 23

[4/ أ] 23 فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ: (من) للتبعيض «1» كقولك: هات من الدراهم درهما وليست من التجنيس مثل قوله: مِنَ الْأَوْثانِ «2» لأن التحدي ببعض المثل وليس الرجس ببعض الأوثان «3» .

و«السورة»: الرفعة «4» وسور الرأس أعلاه.

وفي الحديث «5»: «لا يضر المرأة أن لا تنقض شعرها إذا أصاب الماء سور الرأس» .

23 وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ: أعوانكم «6»، أي: من يشهد لكم.

  • (1) ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز: (1/ 201، 202) ورجحه.
  • (2) سورة الحج، آية: 30.
  • (3) راجع معاني القرآن للزجاج: 3/ 425، ومشكل إعراب القرآن لمكي: 2/ 492. حيث قال: «من لإبانة الجنس وجعلها الأخفش للتبعيض على معنى: فاجتنبوا الرجس الذي هو بعض الأوثان. ومن جعل (من) إبانة الجنس فمعناه: فاجتنبوا الرجس الذي الأوثان منه فهو أعم في النهي وأولى» .
    وانظر البيان لابن الأنباري: 2/ 174، والتبيان للعكبري: 2/ 941.
  • (4) انظر غريب الحديث للخطابي: 1/ 637، والمجموع المغيث: 2/ 148، وتفسير القرطبي:
    1/ 65، واللسان: 4/ 386 (سود) .
  • (5) أخرجه الخطابي في غريب الحديث: 1/ 637 عن جابر مرفوعا، وفي سنده أحمد بن عصام، وهو ضعيف كما في لسان الميزان: 1/ 220، وانظر النهاية لابن الأثير: 2/ 421.
  • (6) أخرج الطبري في تفسيره: 1/ 376 عن ابن عباس: «وادعوا شهداءكم من دون الله»، يعني أعوانكم على ما أنتم عليه، «وإن كنتم صادقين»، وأخرج نحوه ابن أبي حاتم في تفسيره:
    1/ 84. -
    ونقله الماوردي في تفسيره: 1/ 77 عن ابن عباس، وأورده السيوطي في الدر المنثور:
    1/ 98. وزاد نسبته إلى ابن إسحاق عن ابن عباس أيضا.
74

سورة البقرة (2): آية 24

سورة البقرة (2): آية 25

24 وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ: هي حجارة الكبريت «1» فهي أشد توقدا أو الأصنام المعبودة فهي أشد تحسرا أو كأنهم حذّروا نارا تتقد بها الحجارة «2» .

25 مُتَشابِهًا: أي خيارا كلّه «3» أو التذاذهم بجميعه متساو لا يتناقض «4» ولا يتفاضل أو متشابها في اللّون وإن اختلف المطعم «5» فيقولون ما لم يطعموه هذا الذي رزقناه.

  • (1) أخرجه الطبري في تفسيره: (1/ 381، 382) عن ابن مسعود، وابن عباس وابن جريج.
    والحاكم في المستدرك: (2/ 261) كتاب التفسير، سورة البقرة عن ابن مسعود ﵁، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي.
    وأورده السيوطي في الدر المنثور: 1/ 90 وزاد نسبته إلى عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، والفريابي، وهناد بن السري، وعبد بن حميد، وابن المنذر وابن أبي حاتم، والطبراني، والبيهقي، كلهم عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه. [.....]
  • (2) قال الفخر الرازي في تفسيره: 2/ 133: «إنها نار ممتازة من النيران بأنها لا تتقد إلا بالناس والحجارة، وذلك يدل على قوتها من وجهين. الأول: أن سائر النيران إذا أريد إحراق الناس بها أو إحماء الحجارة أو قدت أولا بوقود ثم طرح فيها ما يراد إحراقه أو إحماؤه، وتلك- أعاذنا الله منها برحمته الواسعة- توقد بنفس ما تحرق.
    الثاني: أنها لإفراط حرها تتقد في الحجر» .
  • (3) ورد هذا المعنى في أثر أخرجه الطبري في تفسيره: (1/ 389، 390) عن الحسن، وقتادة، وابن جريج. وأورده السيوطي في الدر المنثور: 1/ 96، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد عن الحسن.
  • (4) في «ج»: يتناقص.
  • (5) أخرجه الطبري في تفسيره: (1/ 387، 390) عن ابن عباس، وعن مرة عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ، وعن مجاهد، وعن يحيى بن أبي كثير.
    وذكره الماوردي في تفسيره: 1/ 79 وقال: وهذا قول ابن عباس، وابن مسعود، والربيع بن أنس.
    وأورده السيوطي في الدر المنثور: 1/ 96 وزاد نسبته إلى وكيع، وعبد الرزاق، وعبد بن حميد، عن مجاهد.
75

سورة البقرة (2): آية 26

مِنْ تَحْتِهَا، أي: من تحت أشجارها. ونهر الجنة يجري في غير أخدود «1» .

26 لا يَسْتَحْيِي: لا يدع ولا يمتنع لا على المأخذ الذي هو الابتداء بل التمام، وأصل الاستحياء: التهيّب «2» قال ﷺ «3»: «اللهم لا ترني زمانا لا يتّبع فيه العليم ولا يستحيا فيه من الحليم» .

26 ما بَعُوضَةً: أي: يضرب مثلا ما من الأمثال ثم «بعوضة» نصب على البدل «4» .

فَما فَوْقَها أي: في الصّغر «5»، لأنّ القصد التمثيل بالحقير، كما

  • (1) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه: 13/ 97، كتاب الجنة، وابن قتيبة في غريب الحديث:
    2/ 522، والطبري في تفسيره: 1/ 384، وأبو نعيم في صفة الجنة: 3/ 167 عن مسروق.
    وأورده السيوطي في الدر المنثور: 1/ 95 وزاد نسبته إلى ابن مردويه والضياء المقدسي عن أنس مرفوعا. قال ابن الأثير في النهاية: 2/ 13: «الأخدود: الشّقّ في الأرض، وجمعه الأخاديد» .
  • (2) قال المؤلف﵀- في كتابه «وضح البرهان» 1/ 119: «والاستحياء عارض في الإنسان يمتنع عنده عما يعاب عليه وذلك لا يجوز على الله، ولكن ضرب المثل بالحقير إذا تضمن جليل الحكمة لا يستحيا عنه، فقارب- جل اسمه- الخطاب في التفهيم باللفظ المعتاد» .
  • (3) الحديث أخرجه الإمام أحمد في مسنده: 5/ 340 عن سهل بن سعد مرفوعا، واللفظ عنده: «اللهم لا يدركني زمان ولا تدركوا زمانا لا يتبع فيه العليم ولا يستحى فيه من الحليم، قلوبهم قلوب الأعاجم وألسنتهم ألسنة العرب» .
    وفي سنده عبد الله بن لهيعة، قال عنه الحافظ في التقريب: 319: «صدوق، من السابعة، خلط بعد احتراق كتبه» .
  • (4) معاني القرآن للفراء: 1/ 21، معاني القرآن للزجاج: (1/ 103، 104)، مشكل إعراب القرآن لمكي: 1/ 83، التبيان للعكبري: 1/ 43، الدر المصون: 1/ 223.
  • (5) قال الفراء في معاني القرآن: 1/ 20: «ولست أستحسنه لأن البعوضة كأنها غاية في الصغر، فأحبّ إلى أن أجعل «ما فوقها» أكبر منها ...» .
    وقال الطبري في تفسيره: 1/ 405: «وأما تأويل قوله «فما فوقها»: فما هو أعظم منها- عندي- لما ذكرنا قبل من قول قتادة وابن جريج: أن البعوضة أضعف خلق الله، فإذ كانت أضعف خلق الله فهي نهاية في القلة والضعف. وإذ كانت كذلك فلا شك أن ما فوق أضعف الأشياء، لا يكون إلا أقوى منه ...» .
    وانظر القول الذي ذكره المؤلف﵀- في المصدرين السابقين ومجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 35، ومعاني القرآن للأخفش: 1/ 215.
    وأورد ابن عطية القولين في المحرر الوجيز: 1/ 215، وقال: «والكل محتمل» .
76

سورة البقرة (2): آية 27

سورة البقرة (2): آية 28

[يقول] «1»: هو قليل العقل فيقال: وفوق ذلك.

يُضِلُّ: يحكم بالضّلال ويقضيه، أو يضل عن الجنّة والثّواب، أو يخليهم واختيار الضّلال، أو يملي لهم في الضّلال، أو يجدهم ضالين.

أضل ناقته إذا ضلّت.

وفي الحديث «2»: «أتى النّبيّ ﷺ قومه فأضلّهم» [أي: فوجدهم ضالين] «3» .

27 يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ: ما أمر به في كتبه، وقيل: هو حجة الله القائمة في العقول على التوحيد والنّبوات.

وموضع «أن» في أَنْ يُوصَلَ خفض على البدل من الهاء في «به» «4» إذ يجوز أمر الله بأن يوصل.

28 وَكُنْتُمْ أَمْواتًا: نطفا في أصلاب آبائكم «5»، أو أمواتا في القبور

  • (1) في «ك»: يقال.
  • (2) أورده الخطابي في غريب الحديث: 1/ 716، مع أحاديث أخرى قائلا: «وهذه مقطعات من الحديث لم يحضرني إسنادها. وهو في الفائق للزمخشري: 2/ 346، والنهاية لابن الأثير: 3/ 98.
    ونقل الخطابي عن أبي موسى قال: «ومعناه أنه وجدهم ضلالا. تقول العرب: أتيت بني فلان فأحمدتهم: أي وجدتهم محمودين، وأبخلتهم: وجدتهم بخلاء، وأضللتهم: وجدتهم ضلالا» .
  • (3) ما بين معقوفين ساقط من الأصل، والمثبت في النص من «ك» .
  • (4) معاني القرآن للأخفش: 1/ 216، معاني القرآن للزجاج: 1/ 106، التبيان للعكبري:
    1/ 44، البحر المحيط: 1/ 128، الدر المصون: 1/ 236.
  • (5) أخرج الطبري﵀- هذا المعنى في تفسيره: (1/ 419، 420) عن ابن عباس ﵄ وعن قتادة، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره: 1/ 102، وقال: «وروى عن أبي العالية والحسن البصري وأبي صالح والسدي وقتادة نحو ذلك» . -
    وأورده السيوطي في الدر المنثور: 1/ 105 وزاد نسبته إلى ابن المنذر عن ابن عباس ﵄.
    وصحح ابن الجوزي في زاد المسير: 1/ 57 هذا القول ونسبه إلى ابن عباس وقتادة ومقاتل والفراء وثعلب والزجاج وابن قتيبة وابن الأنباري. [.....]
77

سورة البقرة (2): آية 29

فأحياكم للسؤال «1»، لأنّ الموت ما كان عن حياة، إلا «2» أن الميت ولا شيء سواء.

[4/ ب] والواو في وَكُنْتُمْ للحال/، أي: كيف وهذه حالكم، وقد فيه مضمرة «3» .

29 ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ: قصد وعمد إلى خلقها «4»، أو صعد أمره الذي به كانت الأشياء إليها «5» .

أو تقديره: لأنّ القضاء والقدر من السّماء فحذف الأمر والتقدير لدلالة الحال.

وقيل «6»: استولى على ملك السماء ولم يجعلها كالأرض المعارة من العباد.

  • (1) أخرجه الطبري في تفسيره: 1/ 419 عن أبي صالح، وأورده السيوطي في الدر المنثور:
    1/ 105 وزاد نسبته إلى وكيع عن أبي صالح.
    وانظر المحرر الوجيز: 1/ 221، وتفسير القرطبي: 1/ 249، وتفسير ابن كثير: 1/ 97.
  • (2) في «ك» و«ج»: «أو لأن الميت ولا شيء سواء» .
  • (3) انظر معاني القرآن للفراء: 1/ 24، ومعاني القرآن للزجاج: 1/ 107، والتبيان للعكبري:
    1/ 45، والدر المصون: 1/ 238.
  • (4) نقل الزجاج في معاني القرآن: 1/ 107 عن بعضهم- ولم يسمهم- عمد وقصد إلى السماء كما تقول قد فرغ الأمير من بلد كذا وكذا، ثم استوى إلى بلد كذا، معناه قصد بالاستواء إليه.
  • (5) ذكره الزجاج في معاني القرآن: 1/ 107 وعزاه إلى ابن عباس ﵄.
  • (6) ذكره ابن الجوزي في زاد المسير: 3/ 213 عند تفسير قوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ الأعراف: 54، وأورد البيتين اللذين يستشهد بهما أصحاب هذا القول وهما قول الشاعر:
    حتى استوى بشر على العراق ... من غير سيف ودم مهراق
    وبقول الشاعر: -
    هما استويا بفضلهما جميعا ... على عرش الملوك بغير زور
    قال ابن الجوزي: «وهذا منكر عند اللغويين. قال ابن الأعرابي: العرب لا تعرف «استوى» بمعنى «استولى»، ومن قال ذلك فقد أعظم، قالوا: وإنما يقال: استوى فلان على كذا، إذا كان بعيدا عنه غير متمكن منه، ثم تمكن منه، والله﷿- لم يزل مستوليا على الأشياء، والبيتان لا يعرف قائلهما كذا قال ابن فارس اللغوي، ولو صحا فلا حجة فيهما لما بينا من استيلاء من لم يكن مستوليا. نعوذ بالله من تعطيل الملحدة وتشبيه المجسمة» .
    وقال القرطبي في تفسيره: 7/ 219: «وقد كان السلف الأول ﵃ لا يقولون بنفي الجهة، بل نطقوا هم والكافة بإثباتها لله تعالى كما نطق كتابه وأخبرت رسله. ولم ينكر أحد من السلف أنه استوى على عرشه حقيقة. وخص العرش بذلك لأنه أعظم المخلوقات، وإنما جهلوا كيفية الاستواء فإنه لا تعلم حقيقته ...» .
78

وقيل لمالك: كيف استوى؟ فقال: الكيف غير معقول، والاستواء غير مجهول «1» .

ولا يصح معنى فَسَوَّاهُنَّ عند الحمل على الانتصاب، ولا يناقض الآية قوله «2»: وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها، لأنّ الدّحو: البسط «3» فإنّما دحاها بعد أن خلقها وبنى عليها السماء «4» .

  • (1) أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات: (2/ 150، 151)، وتتمة كلام الإمام مالك:
    والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا مبتدعا. فأمر به أن يخرج. قال البيهقي: «وروى ذلك أيضا عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن أستاذ مالك بن أنس ﵄» . وانظر شرح العقيدة الطحاوية: 76، والدر المنثور: 3/ 474.
  • (2) سورة النازعات: آية: 30.
  • (3) انظر تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: 513، وتأويل مشكل القرآن: 68، وتفسير المشكل لمكي: 374، وتفسير القرطبي: 19/ 204.
  • (4) هذا الذي ذكره المؤلف ﵀ نسب إلى مجاهد كما في زاد المسير: 1/ 58، وأورده ابن قتيبة في تأويل مشكل القرآن: 67 آية النازعات وقال: فدلت هذه الآيات على أنه خلق السماء قبل الأرض. وليس في كتاب الله تحريف الجاهلين، وغلط المتأولين. وإنما كان يجد الطاعن متعلّقا لو قال: والأرض بعد ذلك خلقها أو ابتدأها أو أنشأها، وإنما قال:
    دَحاها فابتدأ الخلق للأرض على ما في الآي الأول في يومين، ثم خلق السماوات وكانت دخانا في يومين، ثم دحا بعد ذلك الأرض، أي بسطها ومدها.
79