الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبيةالجزء 1 · ص 137 - 144

سورة آل عمران (3): آية 184

سورة آل عمران (3): آية 184

سورة آل عمران (3): آية 185

سورة آل عمران (3): آية 186

سورة آل عمران (3): آية 187

على الله في تعليل عدم ايمانهم برسول الله ﷺ إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا في التورية وأوصانا أَلَّا نُؤْمِنَ ولا نقر لِرَسُولٍ اى لكل رسول يدعى الرسالة من عنده سبحانه ويظهر المعجزة وفق دعواه حَتَّى يَأْتِيَنا في أظهرنا وبين أيدينا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ وتحيله النَّارُ النازلة من جانب السماء وذلك لأنهم ادعوا ان أنبياء بنى إسرائيل يتقربون الى الله بقربان فيتقدم النبي يدعو والناس حوله فينزل نار من جانب السماء فتحيل القربان الى طبعها فجأة وقد كان هذه علامة قبول الله قرابينهم قُلْ لهم يا أكمل الرسل تبكيتا وإلزاما قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ اى المعجزات الواضحة الدالة على رسالتهم وَخصوصا بِالَّذِي قُلْتُمْ وادعيتم فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ مع إتيانهم بعموم ما اقترحتم منهم إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في ان ايمانكم موقوف على هذه المعجزة

وإذا كان أمرهم هذا وشانهم هكذا فَإِنْ كَذَّبُوكَ وأنكروا عليك يا أكمل الرسل لا تبال بتكذيبهم وانكارهم فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ ذووا معجزات كثيرة وآيات كبيرة ومع انهم انما جاؤُ على من أرسل إليهم بِالْبَيِّناتِ الواضحة الموضحة وَالزُّبُرِ اى الصحف المشتملة على الاحكام فقط وَالْكِتابِ الجامع للحكم والاحكام والعبر والمواعظ والرموز والإشارات الْمُنِيرِ على عموم من استنار منه واسترشد ومع ذلك قد أنكروا عليه واستكبروا فمضوا هم ومن أنكر عليهم واستكبر

إذ كُلُّ نَفْسٍ خيرة كانت او شريرة ذائِقَةُ كأس الْمَوْتِ عند حلول الأجل المقدر له من لدنا وَبالجملة إِنَّما تُوَفَّوْنَ وتعطون أُجُورَكُمْ اى جزاء أعمالكم خيرا كان او شرا يَوْمَ الْقِيامَةِ المعد للجزاء والوفاء فَمَنْ زُحْزِحَ وبعد بصالح اعماله عَنِ النَّارِ المعدة للفجرة والأشقياء وَأُدْخِلَ بسببها الْجَنَّةَ التي أعدت للصلحاء والسعداء فَقَدْ فازَ فوزا عظيما ومن لم بزحزح عن النار ولم يبعد عنها بل ادخل فيها لفساد عمله فقد خسر خسرانا مبينا وَبالجملة اعلموا ايها المكلفون بالإيمان والأعمال الصالحة المتفرعة عليه مَا الْحَياةُ الدُّنْيا التي أنتم تعيشون بها فيها إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ بمزخرفاتها يغركم بلذاتها الفانية الغير القارة عن النعيم الدائم واللذة المستمرة وأنتم ايها المغرورون بمزخرفاتها الدنية لا يتنبهون.

والله ايها المؤمنون لَتُبْلَوُنَّ ولتختبرن فِي إتلاف أَمْوالِكُمْ التي هي حطام دنياكم وَايضا باماتة أَنْفُسِكُمْ وأولادكم التي هي الهالكة المستهلكة في حدود ذواتها وَلَتَسْمَعُنَّ اخبارا ووقائع مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ من اليهود والنصارى وَايضا مِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا ممن لا كتاب لهم ولا نبي أَذىً كَثِيرًا يؤذيكم سماعها فكيف ادراكها كل ذلك لتوطنوا انفسكم على مقتضيات التوحيد وتمكنوها في مقام الرضا والتسليم كي تستقروا في مقام العبودية مطمئنين بلا تزلزل وتلوين وَإِنْ تَصْبِرُوا ايها الموحدون بأمثالها وَتَتَّقُوا عن الإضرار بها والشكوى عنها فَإِنَّ ذلِكَ اى صبركم وتقويكم هذا مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ اى من الأمور التي قد عزم عليها عموم ارباب المحبة والولاء المستكشفين عن غوامض اسرار التوحيد فعليكم ان تواظبوا عليها ان كنتم راسخين في طلب اليقين. ثبتنا بلطفك على منهج الاستقامة واعذنا من موجبات الندامة يوم القيمة

وَاذكر يا أكمل الرسل لمن يؤذيك من اهل الكتاب وقت إِذْ أَخَذَ اللَّهُ المرسل للرسل المنزل للكتب مِيثاقَ اى العهد الوثيق على الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ من اخبار اليهود والنصارى لَتُبَيِّنُنَّهُ اى الكتاب صريحا واضحا بلا تبديل

137

سورة آل عمران (3): آية 188

سورة آل عمران (3): آية 189

سورة آل عمران (3): آية 190

سورة آل عمران (3): آية 191

سورة آل عمران (3): آية 192

سورة آل عمران (3): آية 193

ولا تغيير لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ شيأ مما فيه من القصص والعبر والرموز والإشارات سيما من أوصاف النبي الموعود ﷺ فَنَبَذُوهُ بعد عهدهم وميثاقهم المعهود وَراءَ ظُهُورِهِمْ وان كان الواجب عليهم الحفظ والوفاء وَاشْتَرَوْا بِهِ اى اختاروا بدله ثَمَنًا قَلِيلًا من الرشى من مترفيهم ومستكبريهم حفظا لرئاستهم وجاههم فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ ويختارون بدل ما يكتمون سيما أوصاف محمد ﷺ

وبالجملة لا تَحْسَبَنَّ ايها الكامل في امر الرسالة المنافقين الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا من الخداع والنفاق مع المؤمنين واظهارهم الايمان على طرف اللسان وَهم في أنفسهم يُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا عند إخوانهم بِما لَمْ يَفْعَلُوا من الإخلاص مع المؤمنين وهم وان خلصوا عن أيدي المؤمنين ظاهرا بخداعهم وتغريرهم هذا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ يا أكمل الرسل بِمَفازَةٍ مخلص ومنجاة مِنَ الْعَذابِ المخلد المعد لهم في يوم الجزاء بل وَلَهُمْ فيه عَذابٌ أَلِيمٌ سيما عند رؤيتهم المؤمنين المخلصين في النعيم المقيم واللذة المستمرة وَان اغتر أولئك المغرورون بامهال الله إياهم في النشأة الاولى وما علموا انهم لا يمهلون في النشأة الاخرى

إذ لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ اى عالم الأرواح وَالْأَرْضِ اى عالم الطبيعة والأشباح. وله التصرف فيهما كيف يشاء متى يشاء بالإرادة والاختيار بطشا وامهالا ثوابا وعذابا وَبالجملة اللَّهُ المتعزز المتفرد في ملكه وملكوته عَلى كُلِّ شَيْءٍ من الانعام والانتقام قَدِيرٌ بلا فتور ولا قصور.

ثم قال سبحانه ايقاظا للمسترشد الخبير وتنبيها للمستبصر البصير إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ اى الأوصاف والأسماء الفياضة الفعالة وَالْأَرْضِ اى الطبيعة القابلة لقبول الفيض وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ اى آثار القبض والجلال وَالنَّهارِ اى آثار البسط والجمال لَآياتٍ دلائل وعلامات على رقائق المناسبات ودقائق الارتباطات الواقعة بين الأسماء والصفات المستدعية لظهور التجليات الظاهرة في الأنفس والآفاق حسب القوابل والمظاهر لِأُولِي الْأَلْبابِ الواصلين الى لب التوحيد المعرضين عن قشوره بالمرة.

الا وهم الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ المتوحد في ذاته في جميع حالاتهم سواء كانوا قِيامًا اى قائمين وَقُعُودًا اى قاعدين وَعَلى جُنُوبِهِمْ مضطجعين متكئين وَبالجملة هم في عموم شئونهم وحالاتهم يَتَفَكَّرُونَ دائما فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الى ان سكروا وترقى أمرهم في السكر الى ان يتحيروا وبعد تحيرهم استغرقوا وبعد استغراقهم تاهوا وهاموا وبعد ذلك فنوا في الله ثم فنوا ثم فنوا وانقطع سيرهم فمنهم من تمكن في تلك المرتبة العلية واستقر عليها وبقي في قباب عز الوحدة متعززا متفردا ومنهم من صحا عن سكره ورجع الى بدئه مستكملا قائلا رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا المحسوس المشاهد باطِلًا بلا طائل سُبْحانَكَ نقدسك وننزهك يا ربنا عن مدركات عقولنا وحواسنا فَقِنا واحفظنا بلطفك عَذابَ النَّارِ الذي قد أحاط بنا بسبب غفلتنا عن مطالعة وجهك الكريم

رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ اى جعلته في مضيق الإمكان من المحبوسين المسجونين المعذبين المطرودين فظلموا أنفسهم بالتفاتهم نحو الغير وَبالجملة ما لِلظَّالِمِينَ المستقرين نفوسهم في ظلمة الإمكان بأنواع الخزي والخذلان مِنْ أَنْصارٍ ينصرونهم ويخرجونهم منها سوى المؤيدين من عندك من الأنبياء والأولياء المأمورين من لدنك بهداية المضلين

رَبَّنا بعد ما وفقتنا بإرسال رسلك إلينا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا مشفقا هاديا مرشدا إذ هو يُنادِي ويرشد لِلْإِيمانِ بتوحيدك قائلا

138

سورة آل عمران (3): آية 194

سورة آل عمران (3): آية 195

سورة آل عمران (3): آية 196

سورة آل عمران (3): آية 197

سورة آل عمران (3): آية 198

سورة آل عمران (3): آية 199

مخاطبا إيانا أَنْ آمِنُوا عباد الله وتوجهوا ايها التائهون في تيه العدم الذي هو عبارة عن مضيق الإمكان بِرَبِّكُمْ الذي رباكم سور وجوب الوجود وبعد ما سمعنا نداءه فَآمَنَّا به وامتثلنا امره وصدقنا قوله يا رَبَّنا فحققنا بإرشاده واشفاقه في مرتبة اليقين العلمي بوحدة ذاتك وبعد تحققنا فيها بإعانتك وتوفيقك فَاغْفِرْ واستر لَنا ذُنُوبَنا اى انانيتنا وهويتنا التي قد صرنا بها محرومين عن ساحة عز حضورك حتى نتحقق ونصل بفضلك ولطفك الى مرتبة اليقين العيني ونكاشف بمعاينة ذاتك ونتشرف بمطالعة وجهك الكريم وَبعد ما تحققنا فيها كَفِّرْ وطهر عَنَّا سَيِّئاتِنا اى عموم اوصافنا التي تشعر بالاثنينية بالكلية حتى نتحقق حسب فضلك وجودك في مرتبة اليقين الحقي وَبالجملة تَوَفَّنا في فضاء الفناء مَعَ الْأَبْرارِ الفانين في ذاتك الباقين ببقائك

رَبَّنا ثبتنا في مقام عبوديتك وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى لسان رُسُلِكَ من الكشوف والشهود وسائر ما جاءوا به وأخبروا عنه وَلا تُخْزِنا ولا تحرمنا يَوْمَ الْقِيامَةِ حين لقيناك عما وعدتنا من شرف لقائك إِنَّكَ بمقتضى لطفك وجودك على عبادك لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ الذي قد وعدته إياهم من سعة رحمتك وجودك.

ثم لما تضرعوا الى الله والتجئوا نحوه نادمين عما هم عليه من مقتضيات بشريتهم فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ واستقبل عليهم بالاجابة والقبول قائلا أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مخلص مِنْكُمْ سواء كان مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى إذ بَعْضُكُمْ ناش مِنْ بَعْضٍ ذكركم من انثاكم وانثاكم من ذكركم وكلكم مشتركون في مرتبة الانسانية وفي المظهرية الجامعة اللائقة للخلافة والنيابة وبالجملة فَالَّذِينَ هاجَرُوا منكم من دار الغرور طالبين الوصول الى دار السرور وَأُخْرِجُوا بسبب هذا الميل مِنْ دِيارِهِمْ المألوفة التي هي بقعة الإمكان وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي بواسطة قطع التعلقات البشرية وترك المألوفات الطبيعية وَقاتَلُوا مع القوى الحيوانية وَقُتِلُوا في الجهاد الأكبر مع جنود الامارة لَأُكَفِّرَنَّ اى لأمحون واطهرن عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ التي هي ذواتهم الباطلة العاطلة الهالكة المستهلكة في حدود ذواتها وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ ملاحظات ومكاشفات ومشاهدات تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ دائما مملوة بمياه المعارف والحقائق المتجددة بتجدد الأمثال يثابون فيها دائما مستمرا ثَوابًا نازلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تفضلا عليهم وامتنانا وَبالجملة اللَّهِ الجامع لشتات العباد عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ وخير المنقلب والمآب

لا يَغُرَّنَّكَ يا أكمل الرسل تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا انتقالهم وترحالهم فِي الْبِلادِ لاستجلاب المنافع والمتاجر

إذ هو مَتاعٌ قَلِيلٌ ولذة يسيرة في مدة قصيرة ثُمَّ اى بعد انقضاء النشأة الاولى مَأْواهُمْ ومنقلبهم جَهَنَّمُ البعد والخذلان خالدين فيها ابد الآباد وَبالجملة بِئْسَ الْمِهادُ مضيق الإمكان المستلزم لانواع الحرمان والخذلان

لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ وحذروا عن الاشتغال بزخرفة الدنيا وأمتعتها منيبين اليه متوجهين نحوه لَهُمْ عنده سبحانه جَنَّاتٌ متنزهات محتوية بأنواع اللذات الروحانية تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ مملوة من العلوم البدنية خالِدِينَ فِيها نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ حين وصلوا اليه واتصلوا به سبحانه وَاعلموا ايها المؤمنون الموحدون المحمديون ما عِنْدَ اللَّهِ من اللذات الدائمة والمثوبات المستمرة خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ المتوجهين الى دار القرار

ثم قال سبحانه وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ المنزل للكتب على الرسل المرسل للرسل

139

وَلا يفرق ولا يميز بين الكتب والرسل أصلا بل يؤمن لجميع ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ من القرآن والرسول الذي هو محمد عليه السلام وَكذا ما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ من التورية والإنجيل المنزلين على موسى وعيسى عليهما السلام وكذا سائر الكتب والصحف المنزلة من عنده سبحانه على الرسل الماضين لتحققهم في مقام العبودية والتوحيد وهم في هذا الايمان والإذعان خاشِعِينَ خاضعين لِلَّهِ مخلصين له. وعلامة خشوعهم وخضوعهم انهم لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ بتبديلها وتحريفها ثَمَنًا قَلِيلًا من الرشى مثل أحبار اليهود ومتفقهة هذه الامة في هذا العصر خذلهم الله وهم الذين يحتالون في احكام الشريعة المصطفوية بمقتضى أحلامهم السخيفة وآراءهم الباطلة ويأخذون الرشى لأجل حيلتهم هذه ويسمونها حيلة شرعية مع ان الشرع الشريف انما وضع لرفض المكر والحيلة كأنه قد ظهر ما قال ﷺ الإسلام بدأ غريبا وسيعود كما بدأ أُولئِكَ السعداء الأمناء المخلصون الخاشعون الخاضعون لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ يوفيهم عليهم أجورهم يوم الجزاء من حيث لا يحتسبون ولا يستحقون بها بأعمالهم إِنَّ اللَّهَ المطلع لضمائرهم سَرِيعُ الْحِسابِ يحاسب أعمالهم ويجازيهم عليها سريعا بل يزيد عليهم تفضلا وامتنانا

سورة آل عمران (3): آية 200

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا بوحدة الحق مقتضى ايمانكم الصبر على متاعب مسالك التوحيد اصْبِرُوا على مشاق التكليفات الواقعة في طريقه وَصابِرُوا اى غالبوا على جنود القوى النفسانية العائقة عن الرياضات القالعة للاهوية الفاسدة وَرابِطُوا قلوبكم الى المشاهدات والمكاشفات الواردة من النسمات الإلهية والنفسات الرحمانية المهبة من قبل يمن عالم اللاهوت حسب جود حضرة الرحموت وَبالجملة اتَّقُوا اللَّهَ عن جميع ما يعوقكم ويشغلكم عن التوجه نحوه لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وتفوزون منه بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. ربنا افرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين واحشرنا مع الصابرين المرابطين وهب لنا من لدنك رحمة انك ارحم الراحمين

خاتمة سورة آل عمران

عليك ايها الموحد المحمدي المترصد لفيضان الكشف واليقين ونزول الاطمئنان والتمكين ان تتصبر على عموم ما جرى عليك من المصيبات والبليات المشعرة للاختبارات الإلهية وابتلاءاته عن رسوخ قدمك في جادة التوحيد وصدق عزيمتك في مسلك الفناء وعلو همتك للتحقق بدار البقاء وتربط قلبك بحقك الذي هو أصلك وحقيقتك مقبلا عليه متوجها اليه مجتنبا عن جميع ما يعوقك عنه من لوازم ماهيتك ولواحق هويتك التي لا حقيقة لها عند التحقيق ولا قرار على ما يترتب عليها وعلى لوازمها إذ هي أعراض متبدلة بل اظلال باطلة واعدام صرفة زائلة عاطلة لا تحقق لها ولآثارها أصلا سوى ان الوجود الحقيقي قد انبسط عليها وأمد إليها بجميع كمالاته فانعكس منه ما انعكس فيتراءى العكوس والاظلال متشعشعة متجددة دائما بمقتضى تجدد تجليات الأوصاف والأسماء الى حيث قد ظن المحجوب الفاقد بصر البصيرة وعين الشهود انها متأصلات في الوجود بل ما هي عند التحقيق إلا تجل واحد منفرد مستمر ازلا وابدا على هذا المنوال. ذقنا بلطفك حلاوة معرفتك وتوحيدك يا أكرم الأكرمين فلك ان تصفى ضميرك عن عموم ما يؤدى الى التقليد والتخمين وتفرغ خاطرك عن جميع ما يوهم التعدد والكثرة حتى انشرح صدرك واتسع قلبك

140

واستعد لان يصير منزلا لسلطان الوجود الذي هو منبع عموم الكمالات والجود وقبلة الواجد والموجود الا وهو الحوض المورود والمقام المحمود وإياك إياك ان تقتفى اثر وساوس مقتضيات نفسك التي هي أعدى عدوك وأشد ما يغويك ويضلك بل جميع شياطينك انما انتشأت منها واستتبعت عليها فعليك ان تلتجئ في الاجتناب عن غوائلها بالمرشد الرشيد الكافل الكامل الذي هو القرآن المجيد المنزل من عند الله على خير الأنام المؤيد من لدن عليم علام ليهدى الضالين المضلين عن جادة التوحيد. بمتابعة الشيطان المريد. ويوصلهم الى صفاء التجريد. وزلال التفريد.

بتوفيق من الله وجذب من جانبه. وفقنا بلطفك وكرمك بما تحب وترضى عنا يا مولانا

سورة النساء

فاتحة سورة النساء

لا يخفى على الموحدين المتأملين في كيفية انبساط الوحدة الذاتية على صفائح الأعيان الممكنة الفانية للحصر والإحصاء ان للحق ﷻ وعم نواله حسب وحدته الذاتية ظهورا في كل ذرة من ذرائر الكائنات ليظهر منها آثار أوصافه وأسمائه الكامنة في غيب هويته حسب استعداداتها وقابلياتها والمظهر الكامل الجامع الذي يلوح منه عموم آثار الأسماء والصفات الإلهية على التفصيل ليس الا الإنسان الكامل لذلك قد خلقه سبحانه على صورته واستخلفه من بين بريته وكرمه على جميع خليقته ورزقه من طيبات معارفه وحقائقه والتفت بذاته نحو تخميره ورباه بإرسال رسله وإنزال كتبه ليظهر منه جميع ما أودعه فيه من الكمالات المترتبة على أسمائه الحسنى وصفاته العليا حتى يتمكن في مرتبة الخلافة والنيابة مطمئنا ويتقرر على مقر التوحيد متمكنا لذلك ناداهم امتنانا عليهم ليقبلوا اليه وأوصاهم بالتقوى ليتخذوه وقاية وكفيلا وقائدا ودليلا فقال متيمنا بِسْمِ اللَّهِ الذي ظهر على من استخلفه بجميع كمالاته إظهارا لقدرته الرَّحْمنِ عليه بنشر ذريته وتوريث مرتبته الرَّحِيمِ عليه بهدايته الى مبدأه ومعاده حسب نشأته

الآيات

سورة النساء (4): آية 1

يا أَيُّهَا النَّاسُ الذين نسوا الموطن الأصلي والمنزل الحقيقي بزخرفة الدنيا المانعة من الوصول اليه عليكم الاتقاء من غوائلها والاجتناب عن مخايلها حتى لا تنحطوا عن مرتبتكم الاصلية ومكانتكم الحقيقية اتَّقُوا واحذروا عن تغريرات الدنيا الدنية والتجؤا رَبَّكُمُ الَّذِي رباكم بحسن التربية حيث خَلَقَكُمْ وأظهركم أولا مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ التي هي عبارة عن المرتبة الفعالة المحيطة بجميع المراتب الكونية والكيانية إلا وهي المرتبة الجامعة المحمدية المسماة بالعقل الكل والقلم الأعلى تكميلا لبواطنكم وغيبكم وَخَلَقَ مِنْها

بالنكاح المعنوي والزواج الحقيقي الواقع بين الأوصاف والأسماء الإلهية حسب المناسبات الرقيقة والإضافات الدقيقة زَوْجَها التي هي النفس الكلية القابلة لفيضان عموم الآثار الصادرة من المبدأ المختار تتميما لظواهركم وشهادتكم حتى تستحقوا الخلافة والنيابة بحسب الظاهر والباطن وَبعد ما خلقهما كذلك قد بَثَّ اى بسط ونشر مِنْهُما بذلك النكاح المذكور رِجالًا كَثِيرًا فواعل مفيضات مؤثرات وَنِساءً قوابل مستفيضات متأثرات أزواجا كل لنظيرتها حسب رقائق المناسبات الواقعة بين التجليات الحبية الإلهية على الوجه الذي بينتها الكتب والرسل. ثم لما كان الرب من الأسماء التي تتفاوت بتفاوت المربوب صرح بالالوهية المستجمعة لجميع الأوصاف والأسماء بلا تفاوت تأكيدا ومبالغة لأمر التقوى فقال وَاتَّقُوا اللَّهَ اى احذروا عن عموم ما يشغلكم عنه سبحانه مع قربه إليكم من حبل

141

سورة النساء (4): آية 2

سورة النساء (4): آية 3

سورة النساء (4): آية 4

سورة النساء (4): آية 5

سورة النساء (4): آية 6

وريدكم إذ هو الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ اى تتساءلون وتتنافسون أنتم بحوله وقوته وتتوهمون بعده من غاية قربه وَاحفظوا الْأَرْحامَ المنبئة عن النكاح المعنوي والزواج الحبى على الوجه الذي ذكر إِنَّ اللَّهَ المحيط بكم وبأحوالكم واطواركم قد كانَ عَلَيْكُمْ دائما رَقِيبًا حفيظا يحفظكم عما لا يعنيكم ان اخلصتم التوجه نحوه ومن جملة الأمور التي يجب المحافظة عليها ايها المأمورون بالتقوى حقوق اليتامى فعليكم ايها الأولياء والأوصياء ان تحرزوا مال اليتيم حين موت أبيه أوجده وتزيدوه بالمرابحة والمعاملة وتصرفوا منه لحوائجه بقدر الكفاف

وَبعد البلوغ آتُوا الْيَتامى قبل البلوغ إذ لا يتم بعد البلوغ أَمْوالَهُمْ المحفوظة الموروثة لهم من آبائهم وَعليكم ان لا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ الردى من أموالكم بِالطَّيِّبِ الجيد من أموالهم وَايضا ان أردتم التصرف في أموالهم مقدار معاشهم ان لا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ اى مع أموالكم مختلطتين إِنَّهُ اى التصرف في أموالهم بلا رعاية المصلحة كانَ حُوبًا كَبِيرًا اى إثما عظيما مسقطا للمروءة بالمرة

وَإِنْ خِفْتُمْ ايها الأولياء والأوصياء أَلَّا تُقْسِطُوا ولا تعدلوا فِي حفظ أعراض الْيَتامى النساء اللاتي لهن مال وجمال فَانْكِحُوا لدفع هذه الدغدغة ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ البالغات مقدار ما يسكن ميلكم وشهوتكم إليهن مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ اى اثنين اثنين وثلثة ثلثة واربعة اربعة حسب تفاوت ميولكم وشهواتكم ان حفظتم العدالة بينهن فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا بين المتعددة منهن فَواحِدَةً اى فلكم ان تنكحوا الواحدة منهن لتأمنوا من الفتنة سواء كانت من الحرائر أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ من الإماء. ثم لما لم يكن في الإسلام رهبانية لان الحكمة تقتضي عدمها كما أشار اليه ﷺ بقوله لا رهبانية في الإسلام نبه سبحانه على اقل مرتبة الزواج الصوري المنبئ عن النكاح المعنوي والارتباط الحقيقي بقوله ذلِكَ اى نكاح الواحدة والقناعة بالإماء أَدْنى مرتبة الزواج على الذين يخافون أَلَّا تَعُولُوا اى من كثرة العيال

وَان أردتم النكاح ايها المسلمون آتُوا النِّساءَ الحرائر او الإماء لغيركم صَدُقاتِهِنَّ اى مهورهن نِحْلَةً بتة مؤبدا بلا حيلة وخديعة وعينوها لهن بل سلموها إليهن بلا مطل وتسويف فَإِنْ طِبْنَ وهبن لَكُمْ لإفراط المحبة عَنْ شَيْءٍ كل او بعض مِنْهُ اى من المهر نَفْسًا رغبة ورضا لا كرها واستحياء فَكُلُوهُ اى الشيء الموهوب لكم من المهر هَنِيئًا حلالا مَرِيئًا طيبا تقويما لمزاجكم لإقامة القسط والعدل الذي هو من جملة حدود الله المتعلقة بالتقوى

وَمن جملة الحدود المتعلقة بالتقوى ايضا ان لا تُؤْتُوا ايها الأولياء السُّفَهاءَ سواء كانوا من أصلابكم او ما ينتمى إليكم وهم الذين قد خرجوا عن طور العقل ومرتبة التدبير والتكليف أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ المدبر لأموركم ملكا لَكُمْ ايها العقلاء المكلفون قِيامًا اى سببا لقيامكم على الطاعة والعبادة وتقويما لأمزجتكم على تحمل التكاليف الإلهية وَلكن ارْزُقُوهُمْ فِيها اى اجعلوا طعامهم وسائر حوائجهم في مدة اعمارهم في ربحها ونمائها وَاكْسُوهُمْ ايضا منها وَان كان منهم من له ادنى شعور بأمر الاضافة والتمليك ولكن لا ينتهى الى التدبير والتصرف المشروع قُولُوا لَهُمْ اى لهؤلاء المنحطين من زمرة العقلاء قَوْلًا مَعْرُوفًا مستحسنا عقلا وشرعا وأضيفوا أموالهم إليهم عندهم لئلا ينكسر قلوبهم

وَايضا من جملة الأمور التي قد وجب عليكم حفظها ابتلاء رشد اليتامى قبل أداء أموالهم إليهم ابْتَلُوا اختبروا وجربوا

142

سورة النساء (4): آية 7

سورة النساء (4): آية 8

سورة النساء (4): آية 9

سورة النساء (4): آية 10

ايها الأولياء عقول الْيَتامى وتدابيرهم في التصرفات الجارية بين ارباب المعاملات حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ اى السن المعتبر في باب النكاح وهو خمسة عشر عند الشافعى رحمه الله وثمانية عشر عند ابى حنيفة رحمه الله فَإِنْ آنَسْتُمْ اشعرتم وأحسستم مِنْهُمْ رُشْدًا وتدبيرا كافيا وافيا للتصرفات الشرعية فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ على الوجه المذكور بلا مماطلة وتأخير وان لم تؤنسوا الرشد المعتبر منهم لا تدفعوها بل احفظوها الى إيناس الرشد منهم لكن وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافًا مسرفين في اجرة المحافظة وَبِدارًا مبادرين في أكلها خوف أَنْ يَكْبَرُوا ويخرجوها من أيديكم وَمَنْ كانَ منكم ايها الأولياء غَنِيًّا ذا يسر فَلْيَسْتَعْفِفْ من أكلها. والتعفف منها خير له في الدنيا والآخرة وَمَنْ كانَ منكم فَقِيرًا ذا عسر فَلْيَأْكُلْ منها بِالْمَعْرُوفِ المستحسن شرعا لا ناقصا من اجرة حفظه ولا زائدا عليها حفظا للغبطتين فَإِذا دَفَعْتُمْ ايها الأولياء بعد ما آنستم الرشد المعتبر منهم إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا اى احضروا ذوى عدل من المسلمين عَلَيْهِمْ ليشهدوا فيما جرى بينكم وبينهم وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا اى كفا الله حسيبا فيما جرى بينكم وبينهم في مدة المحافظة يحاسبكم ويجازيكم على مقتضى حسابه. ومن خطر هذه التصرفات قد كان ارباب الولاء من المشايخ قدس الله أسرارهم يمنعون اصحاب الارادة عن أمثالها لان البشر قلما يخلو عن الخطر سيما في أمثال هذه المزالق. ثبت أقدامنا على جادة توحيدك وجنبنا عن الخطر والتزلزل فيها بمنك وجودك.

ثم لما امر سبحانه أولا عباده بالتقوى على وجه المبالغة والتأكيد وقرن عليها حفظ الأرحام ومراعاة الأيتام ومواساة السفهاء المنحطين عن درجة العقلاء أراد ان يبين احوال المواريث والمتوارثين مطلقا حتى لا يقع التظالم والتغالب فيها كما في الجاهلية الاولى إذ روى انهم لا يورثون النساء معللين بان هن لا يحضرن الوغا ولا يدفعن العدو رد الله عليهم هذا وعين لكل واحد من الفريقين نصيبا مفروزا مفروضا فقال لِلرِّجالِ سواء كانوا بالغين أم لا عقلاء أم سفهاء نَصِيبٌ سهمهم مفروض مقدر مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ المتروك مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا مقدرا في كتاب الله كما سيجيء بيانه وتعيينه عن قريب

وَمن جملة الأمور المستحسنة المترتبة على التقوى تصدق الوارثين من المتروك إِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ اى وقتها أُولُوا الْقُرْبى المقلين المحجوبين عن الإرث وَالْيَتامى الذين لا مال ولا متعهد لهم وَالْمَساكِينُ الفاقدون وجه المعاش فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ فأعطوهم ايها الوارثون من المقسم المتروك مقدار ما لا يؤدى الى حرمان الورثة وَقُولُوا لَهُمْ حين الإعطاء قَوْلًا مَعْرُوفًا خاليا عن وصمة المن والأذى

وَلْيَخْشَ من حلول غضب الله ونزول سخطه الأوصياء والحضار الَّذِينَ حضروا عند من اشرف على الموت ان يلقنوا له التصدق من ماله على وجه يؤدى الى حرمان الورثة وعلى الحضار ان يفرضوا ويقدروا انهم لَوْ ماتوا وتَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً أخلافا ضِعافًا بلا مال ولا متعهد قد خافُوا البتة عَلَيْهِمْ اى على أولادهم ان يضيعوا فكيف لا يخافون على أولئك الضعاف الضياع بل المؤمن لا بد ان يحب لأخيه المسلم ما يحب لنفسه بل اولى منه فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ اى أولئك الحضار والأوصياء عن التلقين المخل لنصيب الورثة وَلْيَقُولُوا له وليلقنوا عليه قَوْلًا سَدِيدًا سويا معتدلا بين كلا طرفي الإفراط والتفريط رعاية للجانبين وحفظا للغبطتين.

ثم قال سبحانه توبيخا وتقريعا على الظالمين المولعين في أكل اموال الأيتام من الحكام

143

سورة النساء (4): آية 11

سورة النساء (4): آية 12

والأوصياء والمتغلبة من الورثة إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْمًا بلا رخصة شرعية إِنَّما يَأْكُلُونَ ويدخرون فِي بُطُونِهِمْ نارًا معنويا في النشأة الاولى مستتبعا للنار الصوري في النشأة الاخرى إلا وهي نار البعد والخذلان وَهم فيها سَيَصْلَوْنَ ويدخلون سَعِيرًا لا نجاة لاحد منه.

ثم لما قدر سبحانه على المتوارثين نصيبا مفروضا على وجه الإجمال أراد ان يفصل ويعين أنصباءهم فقال يُوصِيكُمُ اللَّهُ اى يأخذ منكم العهد ويأمركم محافظته فِي أَوْلادِكُمْ اى الذين استخلفوا عنكم بعدكم وهو ان يقسم متروك المتوفى منكم بينهم لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ لان كل ذكر لا بد له من أنثى او اكثر ليتزوجها حتى يتم امر النظام الإلهي والنكاح المعنوي ويجب عليه حوائجها وكذا لكل أنثى لا بد لها من ذكر ينكحها بعين ما ذكر ويأتى بحوائجها فاقتضت ايضا الحكمة الإلهية ان يكون نصيبهما بقدر كفافهما واحتياجهما لذلك عينه سبحانه هكذا فَإِنْ كُنَّ اى الوارثات نِساءً خلصا ليس بينهن ذكر وهن فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ المتوفى وَإِنْ كانَتْ الوارثة بنتا واحِدَةً فقط فَلَهَا النِّصْفُ مما ترك المتوفى وان كانتا بنتين فقط فقد اختلف فيهما فقال ابن عباس رضي الله عنهما حكمهما حكم الواحدة وقال الباقون حكمهما حكم ما فوق الاثنتين وعلى هذا يكون لفظة فوق مقحما كما في قوله تعالى فاضربوا فوق الأعناق وكذا عين سبحانه نصيب الأبوين فقال وَلِأَبَوَيْهِ اى لأبوي المتوفى لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ المتوفى إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ ذكر او أنثى فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ وللأب الباقي. هذا إذا لم يكن له غير الأب والام وارث فَإِنْ كانَ لَهُ اى للمتوفى إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ اى تردون الام من الثلث الى السدس بخلاف الأب فإنهم لا يرثون معه هذه القسمة والأنصباء المعينة انما تكون مِنْ بَعْدِ إخراج وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها من ماله للفقراء أَوْ قضاء دَيْنٍ كان في ذمته وهما ايضا انما يكونان بعد تجهيزه وتكفينه. ثم أشار سبحانه الى ان امر الميراث وتعيين الأنصباء امر تعبدي ليس لكم ان تتخلفوا عنها بمقتضى ميلكم وظنكم الى ان تورثوا بعض الورثة وتحرموا البعض الآخر بل لكم ان لا تتفاوتوا بينهم سواء كانوا آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ إذ لا تَدْرُونَ ولا تعلمون جزما أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا في الدار الآخرة عند الله فعليكم ان لا تتجاوزوا عن قسمة الله بل انقادوا لها واعتقدوها فَرِيضَةً مقدرة مِنَ اللَّهِ صادرة منه سبحانه بمقتضى حكمته المتقنة إِنَّ اللَّهَ المصلح لأحوال عباده كانَ عَلِيمًا بحوائجهم حَكِيمًا في ضبطها وترتيبها

وَلَكُمْ ايها الأزواج من الذكور نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ من الإناث إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ منكم او من غيركم او ولد ولد وان سفل فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ او ولد ولد كما ذكر فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ هذه ايضا مِنْ بَعْدِ تنفيذ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها للفقراء أَوْ أداء دَيْنٍ لازم عليهن وَلَهُنَّ اى للنساء الوارثات الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ ايها الأزواج إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ منها او من غيرها او ولد ولد مثل ما مر فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ على التعميم المذكور فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ ذلك ايضا مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها تقربا الى الله أَوْ قضاء دَيْنٍ لزم على ذمتكم وَإِنْ كانَ المتوفى رَجُلٌ يُورَثُ منه وكان كَلالَةً ليس لها والد ولا ولد أَوِ امْرَأَةٌ كذلك وَلَهُ اى للرجل أَخٌ أَوْ أُخْتٌ من أم لان حكم الأخ والاخت من الأبوين او من الأب سيجيء في آخر السورة فلا بد ان يصرف هاهنا الى ما صرف فَلِكُلِّ

144