الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبيةالجزء 1 · ص 153 - 160

سورة النساء (4): آية 41

سورة النساء (4): آية 41

سورة النساء (4): آية 42

سورة النساء (4): آية 43

وَإِنْ تَكُ تلك الذرة حَسَنَةً صادرة عنهم مقارنة بالإخلاص يُضاعِفْها حسب فضله وطوله الى سبعة بل الى سبعين بل الى ما شاء الله وَمع تضعيفها لعموم المؤمنين يُؤْتِ للمخلصين منهم مِنْ لَدُنْهُ امتنانا عليهم وتفضلا أَجْرًا عَظِيمًا الا وهو الفوز بمقام الكشف والشهود. آتنا من لدنك رحمة انك أنت الوهاب

فَكَيْفَ لا تفوزون ايها المحمديون بما تفوزون مع انا إِذا جِئْنا في يوم الحشر والجزاء مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ نبي مرسل إليهم هاد لهم إلينا باذن منا بطريق مخصوص وَجِئْنا بِكَ يا أكمل الرسل المرسل الى كافة البرايا وعامة العباد بالتوحيد الذاتي الجامع لجميع المراتب والطرق من توحيد الصفات والأفعال عَلى هؤُلاءِ الأمناء الخلص شَهِيدًا مرشدا هاديا لهم إلينا بالدين القويم الناسخ لعموم الأديان.

اذكر يا أكمل الرسل يَوْمَئِذٍ اى يوم إذ جئنا بك شهيدا على المؤمنين يَوَدُّ اى يحب ويتمنى الَّذِينَ كَفَرُوا وأشركوا بالله وَعَصَوُا الرَّسُولَ الأمي المبعوث الى كافة الأنام بدين الإسلام ان لَوْ تُسَوَّى وتغطى بِهِمُ الْأَرْضُ في تلك الساعة وصاروا نسيا منسيا لكان خيرا لهم من الصغار والمذلة التي قد عرضت عليهم في تلك الحالة وَبالجملة لا يَكْتُمُونَ اللَّهَ المطلع بعموم أحوالهم حَدِيثًا اى لا يمكن لهم كتمان حديث نفوسهم وهواجس صدورهم من الله في تلك الحالة الهائلة فكيف كتمان أعمالهم الصادرة عنهم. ثم لما حضر بعض المؤمنين المسجد لأداء الصلاة سكارى حين اباحة الخمر وغفلوا عن أداء بعض الأركان وتعديلها وغلطوا في القراءة وحفظ الترتيب وسائر اعمال الصلاة نبه سبحانه عليهم ونهاهم عن المبادرة نحو المساجد قبل الإفاقة

فقال مناديا ليقبلوا يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مقتضى ايمانكم حفظ الأدب مع الله سيما عند الميل والتوجه نحوه فعليكم ان لا تَقْرَبُوا ولا تتوجهوا الصَّلاةَ اى لأداء الصلاة التي هي عبارة عن التوجه نحو الذات الإلهية بعموم الأعضاء والجوارح المقارن بالخضوع والخشوع المنبئ عن الاعتراف بالعبودية والإذلال المشعر عن العجز والتقصير فلا بد لأدائها من فراغ الهم وخلاء الخاطر عن ادناس الطبيعة مطلقا وَلا سيما أَنْتُمْ حين أدائها سُكارى بحيث لا تعلمون ما تفعلون وما تقرءون بل اصبروا حَتَّى تَعْلَمُوا اى تفيقوا وتفهموا ما تَقُولُونَ وما تفعلون في أدائها من محافظة الأركان والأبعاض والهيآت وغير ذلك وَعليكم ايضا ان لا تقربوا الصلاة حال كونكم جُنُبًا مجنبين باى طريق كان إذ استفراغ المنى انما هو من استيلاء القوة الشهوية التي هي من أقوى القوى البهيمية وأبعدها عن مرتبة الايمان والتوحيد وحين استيلائها تسرى جنابتها الى جميع الأعضاء الحاملة للقوى الدراكة وتعطلها من مقتضياتها بالمرة فحينئذ تتحير الأمزجة وتضطرب لانحرافها عن العدالة الفطرية بعروض تلك الجنابة السارية فتكون الجنابة ايضا كالسكر من مخلات القوة العاقلة فعليكم ايضا ان لا تقربوها معها إِلَّا إذا كنتم عابِرِي سَبِيلٍ اى على متن سفر لا يسع لكم قدرة استعمال الماء لفقده او لوجود المانع فعليكم ان تتيمموا وتصلوا جنبا حفظا لكرامة الوقت حَتَّى تَغْتَسِلُوا وتتمكنوا على استعمال الماء وَكذا إِنْ كُنْتُمْ مقيمين حال كونكم مَرْضى تخافون من شدة المرض في استعماله أَوْ راكبين عَلى متن سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ اى من الخلاء محدثين أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ اى جامعتم معهن او لعبتم بهن بالملامسة والمساس فَلَمْ تَجِدُوا في هذه الصور المذكورة ماءً مزيلا لما عرض عليكم من الجنابة فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا اى فعليكم ان

153

سورة النساء (4): آية 44

سورة النساء (4): آية 45

سورة النساء (4): آية 46

سورة النساء (4): آية 47

تقصدوا عند عروض هذه الحالات بالتراب الطيب من صعيد الأرض ورفيعها بان تضربوا أيديكم عليها وبعد ما ضربتم فَامْسَحُوا باليدين المغبرتين بِوُجُوهِكُمْ مقدار ما يغسل ليكون بدلا من الغسل نائبا عنه وَأَيْدِيكُمْ ايضا كذلك جبرا لما فوتم من الغسل بالماء إذا لتراب من جملة المطهرات سيما من الصعيد المرتفع وبالجملة إِنَّ اللَّهَ المصلح لعموم أحوالكم كانَ عَفُوًّا لكم مجاوزا من أمثالها غَفُورًا يستر عنكم عموم زلاتكم ولا يأخذكم عليها ان كنتم مضطرين فيها بل يجازيكم خيرا تفضلا وامتنانا.

ثم قال سبحانه مستفهما مخاطبا لكل من يتأتى منه الرؤية عن حرمان بعض المعاندين عن هداية القرآن أَلَمْ تَرَ ايها الرائي إِلَى قبح صنيع القوم الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا وحظا مِنَ الْكِتابِ الجامع لجميع ما في الكتب السالفة الهادي للكل لكونهم موجودين عند نزوله سامعين الدعوة ممن انزل اليه ﷺ كيف يحرمون أنفسهم عن هدايته الى حيث يَشْتَرُونَ ويختارون لأنفسهم الضَّلالَةَ بدل هدايته وَمع ذلك لا يقتصرون عليه بل يُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا اى يسدوا ويظلموا عليكم ايها المؤمنون السَّبِيلَ الواضح الموصل الى زلال الهداية بإلقاء الشبه الزائغة في قلوب ضعفائكم واظهار التكذيب وادعاء المخالفة بينه وبين الكتب المتقدمة وبالجملة لا تغتروا ايها المؤمنون بودادهم وتملقهم ولا تتخذوهم اولياء إذ هم اعداء لكم حقيقة

وَاللَّهُ الرقيب عليكم أَعْلَمُ منكم بِأَعْدائِكُمْ فعليكم ان تفوضوا أموركم كلها اليه والتجؤا نحوه واستنصروا منه ليدفع مؤنة شرورهم وَكَفى بِاللَّهِ وَلِيًّا اى كفى الله وليا لأوليائه وَكَفى بِاللَّهِ نَصِيرًا لهم ينصرهم على أعدائه بان يغلبهم عليهم وينتقم عنهم سيما

مِنَ الَّذِينَ هادُوا نسبوا الى اليهودية ووسموا به وهم من غاية بغضهم مع الرسول ﷺ يدعون مخالفة القرآن بجميع الكتب السالفة لذلك يُحَرِّفُونَ ويغيرون الْكَلِمَ المنزلة في التورية في شأن القرآن وشأن بعثة الرسول ﷺ عَنْ مَواضِعِهِ التي قد وضعها الحق سبحانه فيها بل يستبدلونها لفظا ومعنى مراء ومجادلة وَيَقُولُونَ حين دعاهم الرسول الى الايمان سَمِعْنا قولك وَعَصَيْنا أمرك وَاسْمَعْ منا في امر الدين كلاما غَيْرَ مُسْمَعٍ لك من احد وَبالجملة راعِنا واحسن رعايتنا لتستفيد منا وما يقصدون بأمثال هذه المزخرفات الباطلة الا لَيًّا اى اعراضا وصرفا للمؤمنين بِأَلْسِنَتِهِمْ عما توجهوا نحوه من التوحيد والايمان الى ما يشتهيه نفوسهم وَيريدون ان يوقعوا بها طَعْنًا فِي الدِّينِ القويم والشرع المستقيم وَلَوْ أَنَّهُمْ كانوا من اهل الهداية ولهم نصيب منها قالُوا حين دعاهم الرسول ﷺ الى الإسلام سَمِعْنا قولك وَأَطَعْنا أمرك وَاسْمَعْ من وحى ربك من الاحكام واسمعها إيانا وَبالجملة انْظُرْنا بنظر الشفقة والمرحمة حتى نسترشد منك ونستهدي بهدايتك لَكانَ قولهم هذا خَيْرًا لَهُمْ في أولاهم وأخراهم وَأَقْوَمَ اى اعدل سبيل الى التوحيد والايمان لو صدر عنهم هذا طوعا ورغبة وَلكِنْ قد لَعَنَهُمُ اللَّهُ اى طردهم عن عز حضوره في سابق علمه بِكُفْرِهِمْ المركوز في جبلتهم فَلا يُؤْمِنُونَ منهم إِلَّا قَلِيلًا مما استثناهم الله سبحانه في علمه السابق.

ثم ناداهم سبحانه وأوعدهم رجاء ان يتنبهوا بقوله يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ اى التورية آمِنُوا بِما اى بالكتاب الجامع الذي قد نَزَّلْنا من كمال فضلنا وجودنا على محمد ﷺ مع كونه مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ اى لكتابكم مِنْ

154

سورة النساء (4): آية 48

سورة النساء (4): آية 49

سورة النساء (4): آية 50

سورة النساء (4): آية 51

سورة النساء (4): آية 52

قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا اى آمنوا بكتابنا قبل ان نمحو وتضمحل مراتب انسانيتكم وادراككم فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها قهقرى الى المرتبة الأرذل الأنزل قبل وصولكم الى مرتبة الكمال أَوْ نَلْعَنَهُمْ ونطردهم عن ساحة عز الوجوب الى مضيق الإمكان كَما لَعَنَّا طردنا ومسخنا أَصْحابَ السَّبْتِ بمخالفتهم الأمر الوجوبي باختراع الحيلة عن لوازم الانسانية مطلقا ورددناهم الى اخس المراتب وَلا تستبعدوا من الله القادر المقتدر على جميع ما يشاء أمثال هذا الطرد والأدبار إذ كانَ أَمْرُ اللَّهِ اى عموم ارادته المتعلقة بتكوين مراداته مَفْعُولًا مقضيا البتة بلا تخلف.

ثم قال سبحانه إِنَّ اللَّهَ المتعزز برداء العظمة والكبرياء المتفرد بكمال المجد والبهاء لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ اى لا يستر ولا يعفو عن انتقام الشرك به بإثبات الوجود لغيره وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ من الكبائر والصغائر لِمَنْ يَشاءُ من التائبين وغيرهم ان تعلق ارادته ثم قال تأكيدا وتحذيرا وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ الواحد القهار الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا احد شيأ من مظاهره بادعاء الوجود له اصالة واستقلالا فَقَدِ افْتَرى على الله المنزه عن مطلق المراء والافتراء واكتسب لنفسه إِثْمًا عَظِيمًا لا مخلص له عنه وعن ما يترتب عليه في النشأتين نعوذ بك منك ونستغفرك من ان نشرك بك شيأ من مظاهرك ونحن نعلم به ونستغفرك ايضا لما لا نعلم انك أنت علام الغيوب

أَلَمْ تَرَ ايها الرأى إِلَى القوم الَّذِينَ يُزَكُّونَ ويطهرون أَنْفُسَهُمْ بألسنتهم وألبستهم رياء وسمعة ويتفاخرون بها ويباهون عليها كيف وطنوا نفوسهم بهذا المزخرف الباطل ولم يتفطنوا ان العبد قلما يخلو عن الشرك الحلي فضلا عن الخفى وبالجملة لا يليق التزكية للعبد مطلقا سواء يزكى نفسه او غيره بَلِ اللَّهُ المطلع لأحوال عباده يُزَكِّي ويطهر بفضله مَنْ يَشاءُ من عباده والمراؤون المزكون لنفوسهم قولا بلا توافق أحوالهم وأعمالهم على مقالهم يعاقبون عليها على سواء وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا اى لا يزاد على انتقام ما اقترحوا مقدار حبل النواة وهو مثل في الصغر والحقارة

انْظُرْ ايها المعتبر الرائي كَيْفَ يَفْتَرُونَ أولئك المراؤون المزكون نفوسهم عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ بادعائهم تزكية الله إياهم ترويجا لما عليه نفوسهم من التلبيس وَكَفى بِهِ اى بالمفترى هذا الافتراء إِثْمًا مُبِينًا ظاهرا موجبا لانتقام عظيم من الله

أَلَمْ تَرَ ايها الرائي إِلَى المسرفين المفرطين الَّذِينَ يدعون انهم أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ علم الْكِتابِ التورية المبين لطريق التوحيد الموضح لسبيله كيف يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ اى الصنم الذي لا خير يرجى منه ولا شر يتوقع عنه ولا نفع فيه ولا ضر يترتب عليه وَالطَّاغُوتِ التي هي عبارة عن الآراء الباطلة والاهوية الفاسدة المؤدية الى الكفر والزندقة والى الإلحاد والميل عن طريق الرشاد ولو انهم في أنفسهم من اهل التوحيد ولهم نصيب من علم الكتاب النازل من عند الله لتبيين طريق التوحيد وتعليم اماراته لما آمنوا بأمثال هذه الأباطيل الزائغة الفاسدة المضلة عن طريق الحق والصراط المستقيم وما صدقوها وما انقادوا لها مطلقا ومع ضلالهم في أنفسهم يريدون إضلال غيرهم وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا اى لضعفائهم واتباعهم هؤُلاءِ الضعفاء من إخواننا أَهْدى وأقوم مِنَ السفهاء الَّذِينَ آمَنُوا بمحمد المدعى سَبِيلًا وانما يقولون أمثال هذه الخرافات استهانة منهم واستخفافا للنبي ﷺ وقدحا وطعنا في دين الإسلام

وبالجملة أُولئِكَ البعداء المعزولون عن منهج الرشد. هم الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ اى طردهم عن ساحة عز قبوله وطرحهم الى

155

سورة النساء (4): آية 53

سورة النساء (4): آية 54

سورة النساء (4): آية 55

سورة النساء (4): آية 56

سورة النساء (4): آية 57

سورة النساء (4): آية 58

مضيق الإمكان بأنواع الخيبة والخسران وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ المنتقم المقتدر فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا يشفع له عنده سبحانه إذ لا غير معه ولا شيء سواه. أتعتقد وترى ايها المعتبر الرائي ان لهم حظا من الايمان ونصيبا من التوحيد والعرفان وليس لهم ذلك

أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ والسلطنة الصورية والايالة المجازية فَإِذًا اى حين كانوا ملوكا متصرفين على وجه الأرض لا يُؤْتُونَ النَّاسَ اى الفقراء المحتاجين لوجه المعاش نَقِيرًا منها بل لا قطميرا لنهاية شحهم وبخلهم

أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ يعنى بل هم من شدة غيظهم مع المؤمنين المنظورين لله الناظرين بنوره سبحانه الى وجهه الكريم يحسدون عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ من الحكمة والنبوة والكتاب المبين وهم من غاية بخلهم وحسدهم يكذبونهم وكتابهم عنادا. وإذا أردت ان ترى ايها الرائي من لهم نصيب من الملك والكتاب فَقَدْ آتَيْنا اى فاعلم انا قد آتينا من محض فضلنا وجودنا آلَ إِبْراهِيمَ وذريته الذين من اجلتهم وصفوتهم محمد ﷺ الْكِتابَ المبين للشرائع والاحكام وَالْحِكْمَةَ اى السرائر المقتضية لتشريعها وَمع ذلك قد آتَيْناهُمْ في الدنيا مُلْكًا عَظِيمًا اى استيلاء تاما وبسطة عالية ممتدة الى يوم القيمة

فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ اى بنبوة آل ابراهيم وذريته وبعظمة ملكهم وبسطتهم وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ اى اعرض ولم يؤمن عتوا وعنادا فلا تعجل يا أكمل الرسل بعقوبتهم وانتقامهم وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا اى كفى جهنم المسعرة المعدة لانتقامهم وتعذيبهم منتقما منهم على أقبح وجه وأشد تعذيب قل للمؤمنين يا أكمل الرسل نيابة عنا اخبارا لهم عن وخامة عاقبة هؤلاء المعرضين

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا كهؤلاء المدبرين المعاندين سَوْفَ نُصْلِيهِمْ وندخلهم نارًا مسعرة معدة لجزاء الغواة بحيث كُلَّما نَضِجَتْ اى فنيت واضمحلت وتلاشت جُلُودُهُمْ بإحراق نار الخذلان قد بَدَّلْناهُمْ من غاية قهرنا وانتقامنا إياهم جُلُودًا غَيْرَها مماثلة لما احترقت لِيَذُوقُوا الْعَذابَ اى يدوم لهم ذوقه وخذلانه ابدا وبالجملة إِنَّ اللَّهَ الغيور المنتقم منهم كانَ عَزِيزًا غالبا على الانتقام حسب المرام حَكِيمًا عادلا لا يظلم بالزيادة ولا يهمل بالنقصان.

ثم قال سبحانه وَالَّذِينَ آمَنُوا بنا وبآياتنا ورسلنا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ اى أتوا بالأعمال المأمورة من لدنا سَنُدْخِلُهُمْ تفضلا عليهم وتكرما جَنَّاتٍ متنزهات العلم والعين والحق تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ اى انهار اللذات الروحانية المترتبة على التجليات الرحمانية الغير المتناهية بحيث صاروا خالِدِينَ فِيها أَبَدًا بلا انقطاع ولا انصرام ومع ذلك لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ صواحب وجلساء مصورة من مقتضيات الأسماء والصفات الإلهية يوانسونهم مُطَهَّرَةٌ عن ادناس الطبيعة مطلقا وَبالجملة نُدْخِلُهُمْ من غاية لطفنا إياهم ظِلًّا مروحا لقلوبهم ظَلِيلًا مروحا ممدودا لا يزول أصلا واعلموا ايها المبشرون بهذه البشارة العظمى

إِنَّ اللَّهَ المبشر لكم بأمثاله يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا وتدفعوا الْأَماناتِ من الأموال والشهادات وسائر حقوق العباد من التربية والتكميل والهداية والإرشاد إِلى أَهْلِها ومستحقيها وَيأمركم ايضا انكم إِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ اى المتخاصمين في الوقائع والخطوب أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ اى على وجه الإنصاف والسوية بلا ميل منكم الى جانب احد من المتخاصمين إِنَّ اللَّهَ المصلح لأحوالكم نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ اى نعم شيأ يعظكم به ويأمركم بامتثاله وبالجملة إِنَّ اللَّهَ المطلع على جميع حالاتكم قد كانَ سَمِيعًا لعموم أقوالكم بَصِيرًا لجميع أعمالكم

156

سورة النساء (4): آية 59

سورة النساء (4): آية 60

سورة النساء (4): آية 61

سورة النساء (4): آية 62

سورة النساء (4): آية 63

وأفعالكم ونياتكم فيها بحيث لا يعزب عنه مثقال ذرة لا في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا اكبر.

ثم قال سبحانه مناديا لأهل الايمان إيصاء لهم وتنبيها عليهم يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مقتضى ايمانكم اطاعة الله واطاعة رسوله أَطِيعُوا اللَّهَ بامتثال أوامره واجتناب نواهيه وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ الذي استخلفه من نفسه ليهديكم الى توحيده وَأطيعوا ايضا أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ وهم الذين يقيمون شعائر الإسلام بين الأنام من الأمراء والحكام والقضاة المجتهدين في تنفيذ الاحكام واستنباطها فَإِنْ تَنازَعْتُمْ أنتم مع حكامكم فِي شَيْءٍ من امور الدين اهو موافق مطابق للشرع المتين او غير موافق فَرُدُّوهُ اى فراجعوا فيه إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ اى الى كتاب الله والى أحاديث رسوله بان اعرضوه عليهما واستنبطوه منهما إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ المجازى لاعمال عباده خيرا كان او شرا وَالْيَوْمِ الْآخِرِ المعد للجزاء ذلِكَ الرد والرجوع خَيْرٌ لكم من استبدادكم بعقولكم وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ومآلا من تأويلكم واحمد عاقبة مما تتخيلونه أنتم برأيكم

أَلَمْ تَرَ ايها الرسول المرسل الى كافة الأنام إِلَى المنافقين الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ من الفرقان الفارق بين الحق والباطل وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ من الكتب المنزلة على اخوانك من الأنبياء عليهم السلام ومع ادعائهم هذا يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا ويتراجعوا في الخطوب والوقائع إِلَى الطَّاغُوتِ المضل عن مقتضى الايمان والكتب وَالحال انهم قَدْ أُمِرُوا في الكتب المنزلة أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ اى بالطاغوت وَما ذلك الا ان يُرِيدُ الشَّيْطانُ الذي هو رئيس الطواغيت أَنْ يُضِلَّهُمْ عن طريق الحق ضَلالًا بَعِيدًا بمراحل عن الهداية الى حيث لا يرجى منهم الاهتداء أصلا

وَإِذا قِيلَ لَهُمْ امحاضا للنصح تَعالَوْا هلموا إِلى امتثال ما أَنْزَلَ اللَّهُ من الكتاب الجامع لجميع الكتب المبينة لطريق الحق الهادية الى توحيده وَإِلَى متابعة الرَّسُولِ المبلغ الكاشف لكم أحكامه رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ الذين في قلوبهم مرض يَصُدُّونَ ويعرضون عَنْكَ وعن عظتك وتذكيرك يا أكمل الرسل صُدُودًا اى اعراضا ناشئا عن محض القساوة والعناد

فَكَيْفَ لا يكونون هؤلاء المفسدون منافقين مع انهم إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ من نفاقهم مع المؤمنين وتحاكمهم نحو الطاغوت وعدم الرضاء بقضائك وحكمك ثُمَّ اى بعد ما أصيبوا جاؤُكَ معتذرين لك يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنا اى ما قصدنا مما جرينا عليه إِلَّا إِحْسانًا اى طلبا للخير من الله لإخواننا المؤمنين وَتَوْفِيقًا بينهم. عن ابن عباس رضي الله عنهما ان منافقا نازع يهوديا فدعاه اليهودي الى رسول الله ﷺ والمنافق الى كعب بن الأشرف ثم بعد النزاع والجدال الكثير احتكما الى رسول الله ﷺ فحكم الرسول عليه السلام لليهودي فلم يرض المنافق بقضائه فقال نتحاكم الى عمر رضي الله عنه فحضرا عنده فقال اليهودي لعمر رضي الله عنه قضا لي رسول الله ﷺ فلم يرض فخاصم إليك فقال عمر للمنافق أهكذا قال نعم فقال مكانكما حتى اخرج فدخل بيته وأخذ سيفه فخرج فضرب به عنق المنافق فقال هكذا اقضى لمن لم يرض بقضاء الله وقضاء رسوله فنزل جبريل عليه السلام وقال ان عمر رضي الله عنه قد فرق بين الحق والباطل فسمى الفاروق

وبالجملة أُولئِكَ الأشقياء المنهمكون في الغي والضلال هم الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ من النفاق والشقاق فلا يغنى عنهم حلفهم الكاذب شيأ من عذاب الله فَأَعْرِضْ أنت ايضا عَنْهُمْ وعن حلفهم عند المؤمنين وَعِظْهُمْ في الخلوات بمقتضى

157

سورة النساء (4): آية 64

سورة النساء (4): آية 65

سورة النساء (4): آية 66

سورة النساء (4): آية 67

سورة النساء (4): آية 68

سورة النساء (4): آية 69

سورة النساء (4): آية 70

اشفاق مرتبة النبوة والرسالة وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ حين كانوا منفردين عن المؤمنين قَوْلًا بَلِيغًا ليؤثر فيهم ويحرك فطرتهم الاصلية التي هم فطروا عليها رجاء ان يتفطنوا بالتوحيد ويتنبهوا بحقيته بتوفيق الله وجذب من جانبه

وَلا تستبعد يا أكمل الرسل أمثال هذا التوفيق منا إياهم إذ ما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ الى امة من الأمم الماضية إِلَّا لِيُطاعَ ويؤمن به ويمتثل بامره بِإِذْنِ اللَّهِ وعند تعلق ارادته بإطاعتهم له وايمانهم به وَلَوْ أَنَّهُمْ عن غاية جهلهم ونفاقهم إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بالخروج عن اطاعتك وانقيادك عنادا جاؤُكَ تائبين معتذرين عما صدر عنهم فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ مخلصين نادمين وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ ايضا بالاستشفاع والاستدعاء من الله بالقبول بعد ما جاءوا معتذرين لَوَجَدُوا اللَّهَ العفو الرءوف عطوفا البتة وصادفوه مفضلا كريما تَوَّابًا رَحِيمًا يقبل توبتهم ويوفقهم عليها.

فَلا وَرَبِّكَ يعنى فوحق ربك وعظم شانه وسطوع برهانه لا يُؤْمِنُونَ بالله وبكتبه ورسله حَتَّى يُحَكِّمُوكَ ايها المبعوث للكل فِيما شَجَرَ وحدث بَيْنَهُمْ اى في عموم وقائعهم وخطوبهم التي اختلفوا فيها ثُمَّ اى بعد ما حكموك لا يَجِدُوا حين راجعوا وجدانهم فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا ضيقا واضطرابا وشكا وارتيابا مِمَّا قَضَيْتَ وحكمت به أنت وَبالجملة يُسَلِّمُوا حكمك وقضائك تَسْلِيمًا ناشئا عن محض الإطاعة والانقياد ظاهرا وباطنا إذ اطاعتك وانقيادك يا أكمل الرسل عين اطاعتنا وانقيادنا وهكذا نفاقك وشقاقك

وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا اى لو فرضنا وأمرنا عَلَيْهِمْ حتما أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ في سبيلنا أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ المألوفة التي هي بقعة الإمكان طلبا لمرضاتنا ما فَعَلُوهُ اى المأمور به إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ الا وهم الموفقون المخلصون المبادرون الى الفناء في الله ليفوزوا بشرف بقائه ولقائه وَلَوْ أَنَّهُمْ من شدة تشوقهم وتعطشهم بمرتبة الفناء فيه سبحانه قد فَعَلُوا عموم ما يُوعَظُونَ ويؤمرون بِهِ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ في أولاهم وأخراهم وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا لقدمهم في طريق التوحيد وصراط العرفان

وَإِذًا اى حين ثبتوا على طريق التوحيد أشد تثبيتا لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنَّا تفضلا منا إياهم بلا صنع منهم أَجْرًا عَظِيمًا الا وهو الفوز بمرتبة الكشف والشهود

وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطًا مُسْتَقِيمًا يوصلهم الى وحدة ذاتنا بلا اعوجاج ولا انحراف اهدنا بلطفك صراطا مستقيما يوصلنا الى ذروة توحيدك يا هادي المضلين

وَاعلموا ايها المؤمنون مَنْ يُطِعِ اللَّهَ حق أطاعته سبحانه وَيطع الرَّسُولَ المستخلف عنه سبحانه فَأُولئِكَ المطيعون لله ولرسوله مصاحبون مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ الذين يجمعون بين مرتبتي الكمال والتكميل الفائزين بمقام الكشف والشهود بحيث لا يرون غير الله في الوجود لذلك يدبرون الأمور الجارية في العالم الظاهر والباطن وَالصِّدِّيقِينَ وهم الذين يصلون الى مقام المشاهدة ويتحيرون في مطالعة وجه الله الكريم الى حيث لا يلتفتون الى الكمال والتكميل بل يهيمون ويستغرقون من كمال شوقهم وحضورهم وَالشُّهَداءِ وهم الذين يرفعون حجب انانيتهم ومزاحمة هويتهم عن البين مطلقا وَالصَّالِحِينَ وهم الذين يستعدون نفوسهم لفيضان المراتب السابقة لهم في علم الله ولوح قضائه ويترصدون لها ايمانا واحتسابا وَبالجملة قد حَسُنَ أُولئِكَ المقربون المجتهدون المجاهدون في طريق التوحيد حسب مقدورهم رَفِيقًا شفيقا للسالكين المتوجهين نحوه

ذلِكَ الْفَضْلُ والهداية والرفاقة مع هؤلاء الأمناء العظام والكبراء الكرام والتفضل والانعام كرامة مِنَ اللَّهِ المفضل الكريم وامتنانا من لدنه بلا تصنع

158

سورة النساء (4): آية 71

سورة النساء (4): آية 72

سورة النساء (4): آية 73

سورة النساء (4): آية 74

سورة النساء (4): آية 75

سورة النساء (4): آية 76

سورة النساء (4): آية 77

للعباد فيه ولا علم لاحد منا في كميته وكيفيته وَكَفى بِاللَّهِ عَلِيمًا في عموم مقدوراته وموهوباته هب لنا من لدنك رحمة انك أنت الوهاب ومن أجل اسباب المرافقة مع هؤلاء المقربين الجهاد لذلك أمرهم سبحانه بتهيئة أسبابه والتهيئ له فقال مناديا لهم اهتماما بشأن الجهاد

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مقتضى ايمانكم ترويج دينكم ونصرة نبيكم خُذُوا حِذْرَكُمْ اى عدتكم التي أنتم بها تحذرون عن العدو واستعدوا للقتال وبعد ما تم اعدادكم فَانْفِرُوا واخرجوا قبل العدو ثُباتٍ فرقة بعد فرقة أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا مجتمعين مختلطين إذ الاجتماع ادخل في المهابة

وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ ان أناسا منكم ليتكاسلن ويتثاقلن في الاقدام على الجهاد لنفاقهم ومرض قلوبهم فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قتل وهزيمة قالَ المنافق المتكاسل قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ بسبب البطء والتأخير إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا حاضرا ليصيبني ما أصابهم

وَلَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ ظفر وغنم لَيَقُولَنَّ متمنيا من فرط تحسره وتحسده بكم كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ من الله يعنى كتحسر الأعداء للأعداء يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا كما فاز هؤلاء.

ثم ان ابطأ المنافقون في امر القتال وتكاسلوا فيه لمرض قلوبهم فَلْيُقاتِلْ المؤمنون المخلصون المبادرون الى الفناء فِي سَبِيلِ اللَّهِ ألا وهم الَّذِينَ يَشْرُونَ ويستبدلون الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ ويبيعونها بها ابتغاء لمرضاة الله تعالى وَبالجملة مَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ترويجا لدينه وإعلاء لكلمة توحيده مع المشركين المعاندين المصرين على الشرك فَيُقْتَلْ في أيديهم أَوْ يَغْلِبْ عليهم فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ من لدنا أَجْرًا عَظِيمًا تفضلا وإحسانا لا كأجور الدنيا ولا كأجور الآخرة المترتبة على الأعمال الصالحة إذ شهداءهم احياء عند الله واصلون اليه فرحون بما آتاهم الله من فضله والغزاة منهم في حمى الله وكنف حفظه وجواره

وَماذا عرض ولحق لَكُمْ ايها المؤمنون المبشرون بهذه البشارة العظمى لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مع اعداء الله ورسوله وَلا تنقذون الإسراء الْمُسْتَضْعَفِينَ منكم من أيديهم مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ الَّذِينَ قد بقوا في مكة أسارى بعد الهجرة فآذوهم أهلها واستذلوهم الى ان استعبدوهم. وهم الذين يَقُولُونَ من غاية حزنهم واسفهم ونهاية مذلتهم وضعفهم متضرعين الى الله مشتكين نحوه رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها إذ لا طاقة لنا بظلمهم وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يولى أمورنا وينقذنا من أيدي هؤلاء الغواة والطغاة ويخرجنا من بينهم سالمين وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا يا ربنا ينصرنا عليهم لننتقم عنهم فاستجاب الله دعاءهم بان الحق بعضهم الى المهاجرين ونصر بعضهم بالنبي والمؤمنين حين فتحوا مكة شرفها الله فوصلوا الى ما طلبوا من الله

واعلموا ايها المكلفون الَّذِينَ آمَنُوا بالله يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تقربا اليه وطلبا لمرضاته وترويجا لدينه ونصرة على نبيه المبعوث لإعلاء كلمة توحيده فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون وَالَّذِينَ كَفَرُوا بالله يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ المضل عن طريق الحق وسبيل الهداية الى متابعة الشيطان وموالاته فلهم عذاب اليم لا عذاب أشد ايلاما منه فَقاتِلُوا ايها المؤمنون المخلصون بنصر الله أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ ولا تبالوا بعددهم وعددهم إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ ومكره بالنسبة الى كيد الله ومكره قد كانَ ضَعِيفًا بحيث لا عبرة له ولا تأثير أصلا

أَلَمْ تَرَ إِلَى المؤمنين الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ عند ضعفهم ورثاثة حالهم حين كانوا في مكة قبل الهجرة يريدون ان يقاتلوا كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ عن القتال الى ان يأذن الله

159

سورة النساء (4): آية 78

لكم به ويرد الأمر عليه وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ اى داوموا على الميل والتوجه المقرب لكم نحو الحق بجميع الأعضاء والجوارح وَآتُوا الزَّكاةَ المصفية لأموالكم ولنفوسكم عن الميل الى زخرفة الدنيا وحطامها وانتظروا للأمر الإلهي المتعلق بالقتال والجهاد فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ ونزل الوحى بعد ما قوى حالهم وزال ضعفهم إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ لضعف اعتقادهم وقلة وثوقهم واعتمادهم بنصر الله وتأييده يَخْشَوْنَ النَّاسَ ويخافون من الكفار كَخَشْيَةِ اللَّهِ اى مثل خوفهم من الله أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً يعنى بل خشيتهم من الناس أشد من خشيتهم من الله لوهن اعتقادهم وضعف اعتمادهم على الله ونصره وعونه إذ هم في أوائل ظهور الإسلام كانوا متزلزلين بحيث لا يصفو يقينهم عن شوب الظن والتخمين وَمن عدم وثوقهم وشدة تذبذبهم وتزلزلهم قالُوا حين سمعوا نزول امر القتال مسوفين مستأخرين رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ مع انا بعد باقون على ضعفنا لَوْلا وهلا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ يزداد فيه قوتنا ويكثر شوكتنا وعدتنا وانما قالوا ما قالوا خوفا من إلمام الموت وفوات المال قُلْ لهم يا أكمل الرسل تذكيرا وتنبيها مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وعمره قصير بالنسبة الى ما عند الله من العطاء الغير المجذوذ وشرف اللقاء وَبالجملة الْآخِرَةُ المعدة للجزاء والعطاء خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى وحفظ نفسه عما يشغله عن لقائه وعطائه سبحانه وَاعلموا ايها المؤمنون انكم لا تُظْلَمُونَ اى لا تنقصون ولا تهملون مما قدر لكم الحق في لوح قضائه فَتِيلًا اى مقدار فتيل النواة واعلموا ايضا ان تسويفكم وتأخيركم هذا لا يفيدكم نفعا في حلول الأجل ونزوله بل وقته مبهم وامره مبرم وحكمه محكم

أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ عند انقضاء الأجل المقدر للحياة من لدنه سبحانه وَلَوْ كُنْتُمْ أنتم متحصنين فِي بُرُوجٍ قلاع وحصون مُشَيَّدَةٍ بأنواع التجصيصات والتشييدات والتحصينات إذ لا مرد لقضاء الله ولا معقب لحكمه بل الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ارادة واختيارا وَمن غاية تزلزلهم وتذبذبهم وعدم رسوخهم وتقررهم في جادة التوحيد واليقين إِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ فتح وغنيمة تسر بها نفوسهم وتنبسط بها قلوبهم يَقُولُوا فرحين هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تفضلا علينا وامتنانا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بلية واختبار بها تنقبض نفوسهم وتتألم قلوبهم يَقُولُوا متطيرين هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ اى أضافوها إليك يا أكمل الرسل متشأمين بك كما تشأمت اليهود حيث قالوا منذ دخل محمد ﷺ المدينة قد نقصت ثمارها وغلت أسعارها قُلْ لهم كلاما ناشئا عن محض الحكمة والإيقان كُلٌّ من الحوادث الكائنة سواء كانت مفرحة او مملة مقبضة او مبسطة نازلة مِنْ عِنْدِ اللَّهِ حسب قدرته وارادته لا يسأل عن فعله ولا يشارك في امره بل له التصرف مطلقا في ملكه وملكوته فَماذا عرض اى اى شيء لحق لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ المنحطين عن درجة التوحيد والعرفان لا يَكادُونَ ولا يقربون يَفْقَهُونَ يعلمون ويفهمون حَدِيثًا في ملكه وملكوته واضحا جليا يخلصهم عن التزلزل والتردد المترتب على الإضافات المنافية لصفاء التوحيد ولو انهم من اهل التدبر والتأمل في سرائر كلام الله ومرموزاته لفتح الله عليهم منه ما يخلصهم عن دغدغة الكثرة مطلقا فكيف عن إضافات الحسنة والسيئة. ثم لما أراد سبحانه ان ينبه على خلص عباده طريق توحيده وان ظهوره سبحانه في عموم مظاهره خير محض ونفع صرف وان الشر الموهوم انما يحصل من الاضافة المعدومة العارضة بسبب التعينات العدمية فقال مخاطبا لرسوله ﷺ لان تحمل أمثال هذه

160