الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبيةالجزء 1 · ص 185 - 192

سورة المائدة (5): آية 5

سورة المائدة (5): آية 5

سورة المائدة (5): آية 6

بذكر اسم الله تعالى عليها سيما بعد ورود الأمر به إِنَّ اللَّهَ المطلع بجميع حالاتكم سَرِيعُ الْحِسابِ شديد العقاب لمن لم يمتثل بأوامره ولم يجتنب عن نواهيه

الْيَوْمَ اى حين انتشر وظهر دينكم على عموم الأديان كلها قد أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ المذكورة المحللة فيها وَايضا طَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ اى اليهود والنصارى وذبائحهم حِلٌّ لَكُمْ في دينكم وَكذا طَعامُكُمْ واطعامكم حِلٌّ لَهُمْ لأنهم من ذوى الملل واولى الأديان وَكذا قد أحل لكم الْمُحْصَناتُ الحرائر العفائف مِنَ الْمُؤْمِناتِ اى نكاحكم اياهن وَكذا الْمُحْصَناتُ ايضا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مهورهن بلا تنقيص وتكسير حال كونكم مُحْصِنِينَ محافظين على حقوق الزواج والنكاح غَيْرَ مُسافِحِينَ مجاهرين بالزنا وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ مستترين به وَمَنْ يَكْفُرْ منكم وينكر بِالْإِيمانِ وبلوازمه وحدوده الدالة على صحته فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ الذين ضل سعيهم في الحيوة الدنيا وهم يحسبون انهم يحسنون صنعا ثم لما بين سبحانه ما يتعلق بمعاش عباده من الحل والحرمة والزواج والنكاح وحسن المعاشرة ورعاية الآداب والحقوق المشروعة فيها أراد ان يرشدهم الى طريق الرجوع نحو المعاد الذي هو المبدأ بعينه ليميلوا اليه ويتوجهوا نحوه على نية التقرب الى ان وصلوا بل اتصلوا

فقال مناديا لهم يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا وأيقنوا بوحدة ذات الحق وتنزهه عن وصمة الكثرة مطلقا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اى إذا قصدتم ان تخرجوا عن بقعة الإمكان مهاجرين وأردتم ان تميلوا نحو فضاء الوجوب متحننين متشوقين فَاغْسِلُوا أولا اى فعليكم ان تغسلوا بماء المحبة والشوق والجذب الإلهي المحبى المنبت نبات المعارف والحقائق من أراضي استعداداتكم ومزارع تعيناتكم وُجُوهَكُمْ التي تلى الحق عن رين الإمكان وشين الكثرة مطلقا وَطهروا أَيْدِيَكُمْ ثانيا اى قصروها عن ادناس الأخذ والإعطاء من حطام الدنيا ونظفوها عن اقذارها إِلَى الْمَرافِقِ اى مبالغين في تطهيرها الى أقصى الغاية وَبعد ما غسلتم الوجوه وطهرتم الأيدي امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ اى امحوا وحكوا انانيتكم وهويتكم التي منها طلبكم واربكم وبسببها ومقتضاها تعبكم في الدنيا وَامحوا ايضا أَرْجُلَكُمْ واقطعوا اقدامكم التي بها سلوككم واقدامكم نحو مزخرفاتها إِلَى الْكَعْبَيْنِ مبالغين فيها الى ان ينقطع توجهكم وطلبكم عن غير الحق ويتمحض سيركم وسلوككم بالفناء في الله وَإِنْ كُنْتُمْ ايها المائلون نحو الحق جُنُبًا منغمسين في خبائث الإمكان وقاذوراتها غاية الانغماس فَاطَّهَّرُوا اى فعليكم المبالغة في التطهير بالرياضات الشاقة والمجاهدات الشديدة القالعة لعروق التعلقات واصول المألوفات والمشتهيات وبالركون الى الموت الإرادي والخروج عن الأوصاف البشرية مطلقا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى اى من الأبرار الذين مرضوا بسموم الإمكان ويحموم نيرانه وصاروا محبوسين مسجونين فيه بلا قدم واقدام أَوْ عَلى سَفَرٍ من السالكين السائرين نحو الحق بلا بدرقة الجذبة أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ اى عاد ورجع عن التدلس والتلوث بغلاظ ادناس الدنيا من جاهها ومالها ورئاستها أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ التي هي كناية عن الدنيا الدنية ومزخرفاتها البهية وشهواتها الشهية واستكرهتموهن لأنهن من أقوى حبائل الشيطان وشباكها يصرف بها اهل الارادة عن جادة السلامة فَلَمْ تَجِدُوا في عموم هذه الصور المذكورة من لدن نفوسكم وقلوبكم ماءً اى محبة وشوقا الى الحق مطهرا

185

سورة المائدة (5): آية 7

سورة المائدة (5): آية 8

سورة المائدة (5): آية 9

سورة المائدة (5): آية 10

سورة المائدة (5): آية 11

لخباثة نفوسكم قالعا لها مطلقا او جذبة صادقة مزيلة لدرن التعلقات عن أصلها او خطفة مفرطة بارقة من جانب الحق مزعجة ملجئة الى الفناء فيه فَتَيَمَّمُوا اى فعليكم ان تقصدوا وتتوجهوا صَعِيدًا طَيِّبًا اى مرشدا كاملا وهاديا مكملا طاهر عن جميع الرذائل والآثام العائقة عن الوصول الى جنة الوحدة فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ اى بهوياتكم الباطلة وَأَيْدِيَكُمْ اى اوصافكم الذميمة العاطلة مِنْهُ اى من تراب اقدامه وثرى سدته السنية وعتبته العلية لعله بيمن أنفاسه المتبركة يرشدكم الى النجاة عن مضيق التعينات ويهديكم نحو فضاء الذات. واعلموا ايها المكلفون القاصدون للتحقق نحو فضاء الوحدة الذاتية والقبلة الحقيقية ما يُرِيدُ اللَّهُ المدبر لعموم مصالحكم المتعلقة لمبدئكم ومعادكم لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ ويبقى فيكم مِنْ حَرَجٍ يمنعكم عن الوصول الى ما جبلتم لأجله وَلكِنْ يُرِيدُ بمقتضى فضله ولطفه لِيُطَهِّرَكُمْ ويصفيكم أولا من اقذار التعينات وادناسها وَلِيُتِمَّ ويوفر نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ ثانيا مما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ اى رجاء ان تشكروا له حين تفوزون ما تفوزون

وَبعد ما سمعتم من الحق ما سمعتم ووعدتم من عنده ما وعدتم اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ التي أنعمها عَلَيْكُمْ وقوموا بمواظبة شكرها وَتذكروا مِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ في أزل استعدادكم بالسنة قابلياتكم حين سمعتم قوله سبحانه الست بربكم سَمِعْنا قولك يا ربنا أنت أظهرتنا بفضلك وجودك من كتم العدم وربيتنا في كنف حفظك وجوارك بأنواع اللطف والكرم وَأَطَعْنا ما امرتنا به طوعا وَاتَّقُوا اللَّهَ المنتقم الغيور من نقض ميثاقه إِنَّ اللَّهَ المطلع بالسرائر والخفايا عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ اى بمكنونات صدوركم يجازيكم على مقتضى علمه وخبرته

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ مستقيمين في عموم ما أمركم به في طريق توحيده شُهَداءَ حضراء مستحضرين بِالْقِسْطِ والعدل بحقوق آلائه ونعمائه الفائضة عليكم من عنده تفضلا وامتنانا وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ اى لا يحملنكم ولا يبعثنكم شَنَآنُ قَوْمٍ اى شدة عداوة قوم وبعضهم عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا ولا تقسطوا فيما أنعم الله تعالى عليكم بان تتجاوزوا عن حدود الله حين القدرة والاقتدار على الانتقام تشفيا لصدوركم بل عليكم ان تقسطوا في كل الأحوال سيما عند المكنة والقدرة والاقتدار وبالجملة اعْدِلُوا ايها المنعمون بالقدرة والظفر هُوَ اى عدلكم أَقْرَبُ لِلتَّقْوى عن محارم الله والاجتناب عن منهياته وَاتَّقُوا اللَّهَ المراقب لكم في عموم أحوالكم إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ من مقتضيات نفوسكم وتسويلاتها

وَعَدَ اللَّهُ المدبر لأمور عباده الَّذِينَ آمَنُوا بتوحيده وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ المقربة نحوه المأمورة من عنده ان قد حصل لَهُمْ مَغْفِرَةٌ لذنوبهم تفضلا منه وامتنانا وَمع ذلك لهم عند ربهم أَجْرٌ عَظِيمٌ الا وهو الفوز بشرف اللقاء ان أخلصوا واعتدلوا في عموم ما جاءوا.

وبعد ما قد وعد سبحانه للمؤمنين ما وعد اردفه بوعيد الكفار جريا على مقتضى سنته المستمرة في دعوة عباده فقال وَالَّذِينَ كَفَرُوا بتوحيدنا واثبتوا الوجود لغيرنا مكابرة وعنادا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا اى دلائلنا الدالة على وحدة ذاتنا المنزلة على رسلنا أُولئِكَ البعداء المنهمكون الكفر والضلال أَصْحابُ الْجَحِيمِ اى مصاحبوها وملازموها لا نجاة لهم منها أصلا لكمال توغلهم وانهماكهم في اسبابها

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ كيف ينجيكم من يد العدو وقت إِذْ هَمَّ وقصد قَوْمٌ من عدوكم أَنْ يَبْسُطُوا ويمدوا إِلَيْكُمْ

186

سورة المائدة (5): آية 12

سورة المائدة (5): آية 13

أَيْدِيَهُمْ حين كنتم مشغولين في الصلاة ويفاجئوا عليكم بغتة ويستأصلوكم مرة فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ بالوحي على نبيكم امتنانا وتفضلا عليكم وَبالجملة اتَّقُوا اللَّهَ الحفيظ الرقيب عليكم من ان تخالفوا امره وَعَلَى اللَّهِ في كل الأمور فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ الموقنون بوحدانيته بحفظه وحمايته. ثم لما أراد سبحانه تقرير المؤمنين على الايمان وتثبيت قدمهم على جادة التوحيد والعرفان استشهد عليهم تزلزل بنى إسرائيل وعدم رسوخ قدمهم في الايمان والإطاعة مع أخذ المواثيق الوثيقة والايمان الغلاظ منهم على لسان نبيهم صلوات الرّحمن على نبينا وعليه

فقال وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ العليم الحكيم بلسان موسى الكليم مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ اى العهد الوثيق منهم بعد ما خلصوا من فرعون وورثوا منه ما ورثوا واستقروا على ملك مصر وَذلك انا قد بَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا من نجبائهم ونخبائهم من كل فرقة نقيب مسلم بينهم رئاسة ووجاهة وجاها وثروة وبالجملة كل من النقباء يولى امر فرقته عند نبينا موسى عليه السلام فعهدوا بأجمعهم ان يسيروا مع موسى الى اريحاء في الشام حين أوحينا اليه بالسير والسفر نحوه فساروا الى ان وصلوا اليه وكان فيه الجبابرة الكنعانيون فلما أراد موسى عليه السلام ان يفتش عن أحوالهم ويفحص عن اخبارهم أرسل النقباء جواسيس وعيونا يتجسسون العدو ولا يظهرون ما اطلعوا عليه من حال العدو على فرقهم فذهبوا وتجسسوا فلما رأوا العدو ذوى قوة واولى بئس شديد هابوا منهم وترهبوا فرجعوا الى قومهم فأخبروا لهم ما ظهر عليهم من شوكة العدو وبالجملة نقضوا العهود والمواثيق الا قليلا منهم فانصرفوا ورجعوا جميعا وَمع ذلك قالَ اللَّهُ الرقيب الحفيظ عليهم حين أمرهم إِنِّي مَعَكُمْ أنصركم على عدوكم وأخرجهم منها صاغرين فو عزتي وجلالي لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ على الوجه الذي وصل إليكم من نبيكم وامر في كتابكم وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ على الوجه المشروع وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي بلا تفريق بينهم وَعَزَّرْتُمُوهُمْ عظمتموهم ونصرتموهم في إعلاء كلمة الحق واشاعة احكام الدين القويم وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ الحكيم العليم مما في أيديكم من مزخرفة الدنيا قَرْضًا حَسَنًا اى إنفاقا للفقراء والمساكين بلا شوب المن والأذى لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ ولأمحون عن ديوان أعمالكم سَيِّئاتِكُمْ بأسرها البتة وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جزاء إخلاصكم وانفاقكم جَنَّاتٍ منتزهات ثلثة العلم والعين والحق تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ مملوة بمياه الحقائق والمعارف فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ مِنْكُمْ اى بعد ما سمع التذكير والعظة من الله فَقَدْ ضَلَّ وفقد سَواءَ السَّبِيلِ لا دواء لدائه ولا رجاء لإنجائه. اللهم اهدنا بجودك الى سواء السبيل

فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ وبعدم وفائهم للعهود الوثيقة المؤكدة قد لَعَنَّاهُمْ وطردناهم عن ساحة فضاء التوحيد وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً مظلمة مكدرة بظلمة الإمكان الى حيث يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ المثبتة في كتاب الله لإعلاء كلمة توحيده عَنْ مَواضِعِهِ التي وضعها الحق فيها وَنَسُوا حَظًّا ونصيبا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ اى بالتورية ووعظوا عنه واستفادوا منه مع انهم مجبولون على فطرة العظة والتذكير وَصاروا من غاية القساوة والنسيان بحيث لا تَزالُ تَطَّلِعُ دائما مستمرا عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ متبالغ في الخيانة إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وهم الذين آمنوا بك وأنصفوا حيث أظهروا جميع ما في التورية ولم يحرفوها فَاعْفُ عَنْهُمْ يا أكمل الرسل بعد ما أنصفوا ورجعوا عن التحريف وان حرفوها زمانا وَاصْفَحْ وانصرف عن انتقامهم الى الإحسان

187

سورة المائدة (5): آية 14

سورة المائدة (5): آية 15

سورة المائدة (5): آية 16

سورة المائدة (5): آية 17

سورة المائدة (5): آية 18

معهم إِنَّ اللَّهَ القادر المقتدر على الانعام والانتقام يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ المتجاوزين عن الانتقام سيما بعد الاقتدار عليه

وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى مدعين نصرة الدين وإعلاء كلمة الحق المبين قد أَخَذْنا ايضا كما أخذنا من اليهود مِيثاقَهُمْ فنقضوا ايضا كما نقضوا فَنَسُوا كما نسوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ اى بالإنجيل المنزل على عيسى عليه السلام فَأَغْرَيْنا اى قد ألقينا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ المستمرة إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ بحيث لا يصفو نفاقهم وشقاقهم أصلا بان جعلناهم فرقا متخالفين متخاصمين وهم اليعقوبية والمسطورية والملكائية وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ المنتقم العليم كلا الفريقين اى اليهود والنصارى بِما كانُوا يَصْنَعُونَ في الدنيا من البغض والنفاق وبما يكسبون به في الآخرة من العذاب والعقاب

يا أَهْلَ الْكِتابِ اى اليهود والنصارى المجبولين على الكفر والعناد قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا اضافه الى نفسه تعظيما وتوقيرا يُبَيِّنُ ويظهر لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ من أوامره ونواهيه واخباره المتعلقة بالزمان الماضي والآتي سيما نعت خاتم الأنبياء والرسل صلوات الله عليه وسلامه وانما يبين لكم المذكورات لئلا يفوت منكم شيء من امور الدين ولا تؤاخذوا به وَمع ذلك يَعْفُوا ويصفح عَنْ تبيين كَثِيرٍ من مخفياتكم من الكتب مما لا يترتب عليه العذاب والنكال فعليكم ان تؤمنوا به وبما جاء به لهدايتكم الى طريق التوحيد إذ قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ معه نُورٌ واضح الا وَهو كِتابٌ مُبِينٌ ظاهر لائح هدايته وإرشاده

يَهْدِي بِهِ اللَّهُ الهادي لعباده مَنِ اتَّبَعَ منهم رِضْوانَهُ اى ما يرضى به سبحانه سُبُلَ السَّلامِ اى طرق التوحيد الموصولة الى سلامة الوحدة المسماة عنده سبحانه بدار السّلام وَيُخْرِجُهُمْ اى المتبعين رضوانه مِنَ الظُّلُماتِ المتراكمة ظلمة العدم وظلمة الإمكان وظلمة التعينات إِلَى النُّورِ اى الوجود البحت الخالص عن شوب الظلمة إذ هو نور على نور يهدى الله لنوره من يشاء من اهل العناية بِإِذْنِهِ وتوفيقه وجذب من جانبه وَبالجملة يَهْدِيهِمْ به ان سبق لهم العناية منه إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ موصل الى توحيده

ثم قال سبحانه والله لَقَدْ كَفَرَ واعرض عن الحق ولم يعرف حق قدره وقدر حقيته الغلاة الَّذِينَ بالغوا في وصف عيسى عليه السلام وغلوا في شأنه مبالغين الى ان قالُوا عن سبيل الحصر والتخصيص إِنَّ اللَّهَ المتجلى في الآفاق بكمال الإطلاق والاستحقاق هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ لهم يا أكمل الرسل تبكيتا وإلزاما فَمَنْ يَمْلِكُ اى يدفع ويمنع مِنَ اللَّهِ القادر المقتدر العالم بالسرائر والخفايا شَيْئًا من مراداته ومقدوراته إِنْ أَرادَ وشاء أَنْ يُهْلِكَ اى يبقى على الهلاك الأصلي والفناء الجبلي بلا مد من ظله ورش من نوره الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ ايضا بل وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَبالجملة لا يبالى الله الغنى المستغنى بذاته عن مطلق المظاهر والأكوان لا به ولا بها ولا بهم جميعا إذ لِلَّهِ المنزه عن مطلق الكوائن والفواسد الكائنة الثابتة مطلقا مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما يتصرف فيها حسب ارادته واختياره كيف يشاء إيجادا واعداما احياء وافناء بحيث يَخْلُقُ ويظهر ما يَشاءُ بلطفه ويعدم ويخفى ما يشاء بقهره وَبالجملة اللَّهَ المتصف بعموم أوصاف الكمال عَلى كُلِّ شَيْءٍ من مقدوراته ومراداته قَدِيرٌ لا تفتر قدرته عند مقدور ولا ينتهى ارادته ومشيئته دون مراد

وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى من غاية مبالغتهم وغلوهم في حق عزير وعيسى عليهما السلام نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ

188

سورة المائدة (5): آية 19

سورة المائدة (5): آية 20

سورة المائدة (5): آية 21

سورة المائدة (5): آية 22

سورة المائدة (5): آية 23

إذ نعبد ابنيه عزيرا وعيسى عليهما السلام وَأَحِبَّاؤُهُ إذ نحن نحبهما وهما محبوباه سبحانه قُلْ لهم يا أكمل الرسل فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ الله المنتقم الغيور بِذُنُوبِكُمْ ان كنتم صادقين في هذه الدعوى وقد عذبكم في الدنيا بالقتل والسبي والاجلاء وضرب الذلة والمسكنة وفي الآخرة بأضعاف ما في الدنيا وآلافها فعليكم ان لا تغلوا في دينكم ونبيكم ولا تفتروا على الله الكذب بَلْ أَنْتُمْ ونبيكم ايضا بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ اى من جنس ما خلق الله بقدرته وأظهره حسب ارادته فله التصرف فيكم وفيهم بحيث يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ تفضلا وامتنانا وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ عدلا وانتقاما وَاعلموا انه لِلَّهِ المتصرف المطلق مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما يتصرف فيها كيف يشاء ارادة واختيارا وَإِلَيْهِ لا الى غيره الْمَصِيرُ والمرجع إذ الكل منه بدأ واليه يعود

يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تفتروا في امور دينكم ولا تضعفوا فيها إذ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا الموعود في كتابكم يُبَيِّنُ لَكُمْ امور دينكم مع كونه عَلى فَتْرَةٍ انقطاع وحى مِنَ الرُّسُلِ وانما أرسلناه كراهة أَنْ تَقُولُوا وتعتذروا حين وهن دينكم وضعف يقينكم ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ حتى يصلح امور ديننا فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ اى يبشر وينذر لئلا تعتذروا على ما تقتصروا فيه فكذبتموه ولم تقبلوا منه عموم ما جاء به من اسرار الدين والايمان وَاللَّهُ المقتدر المجازى عَلى كُلِّ شَيْءٍ من انواع الجزاء قَدِيرٌ يجازيكم على مقتضى قدرته وخبرته

وَاذكروا إِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ وهم اسلافكم وآباءكم حين أراد أن يذكرهم نعم الله التي أنعمها عليهم ليقوموا بشكرها يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ تفضلا وامتنانا إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ منكم أَنْبِياءَ كانوا يرشدونكم ويهدونكم الى طريق التوحيد وَجَعَلَكُمْ ايضا مُلُوكًا متصرفين في اقطار الأرض وَآتاكُمْ من الخوارق والارهاصات من فلق البحر وظل الغمام وسقى الحجر ونزول المن والسلوى وغير ذلك ما لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعالَمِينَ حين ظهوركم واستيلائكم

يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ المطهرة عن شوائب الفتن الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ اى قدرها في حضرة علمه القديم لمقركم ومسكنكم إذ هي منازل الأنبياء ومقر الأولياء والأصفياء فعليكم ان تقبلوا إليها تاركين ديار العمالقة والفراعنة التي هي محل انواع الجور والعناد ومجمع اصناف البغي والفساد وَعليكم ان لا تَرْتَدُّوا بعد ما سمعتم الوحى عَلى أَدْبارِكُمْ خوفا من الجبابرة قيل لما سمعوا أوصاف جبابرة الكنعان من نقبائهم خافوا واستوحشوا وفزعوا وقالوا ليتنا نرد على أعقابنا تعالوا ننصب رأسا ينصرف بنا الى مصر إذ موتنا فيها خير من الحيوة في موضع آخر وان ترتدوا وترجعوا فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ خسرانا عظيما لذلك صاروا بعد انقلابهم في الدنيا تائهين حائرين وفي الآخرة خاسرين خائبين وبعد ما سمعوا من موسى ما سمعوا

قالُوا على صورة الاعتذار واظهار العجز وعدم الاقتدار وما هي الا من عدم تثبتهم على الايمان وعدم رسوخهم في مقتضياته وعدم وثوقهم بنصر الله واعانته سيما بعد ما أمرهم بالنقل والترحال ووعدهم ما وعدهم من النصر والظفر يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْمًا جَبَّارِينَ لا يتأتى منا مقاومتهم ومقاتلتهم وَبالجملة إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها بقتال او غيره فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها على اى وجه فَإِنَّا داخِلُونَ إذ لا طاقة ولا قدرة لنا معهم

قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ من قهر الله وغضبه سيما بعد ورود امره إذ هما من اهل الوثوق بنصر الله وانجاز وعده إذ قد أَنْعَمَ اللَّهُ المنعم المفضل عَلَيْهِمَا بالإيمان والإذعان وبإعطاء الحكمة والمعرفة

189

سورة المائدة (5): آية 24

سورة المائدة (5): آية 25

سورة المائدة (5): آية 26

سورة المائدة (5): آية 27

ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ اى ضيقوا على عدوكم باب بلدهم وقربوهم الى حيث يضطرون ويخافون من جسامتهم وضيق أمكنتهم فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ على هذا الوجه فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ غانمون البتة وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بما وعدتم

قالُوا مستهزئين مصرحين بما تكن صدورهم من الكفر وعدم الوثوق والإخلاص ومناقضة العهود والمواثيق الإلهية يا مُوسى لا تحملنا ما لا طاقة لنا به إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَدًا ما دامُوا فِيها وان شئت فَاذْهَبْ أَنْتَ ايها الداعي وَرَبُّكَ الذي دعوتنا اليه وادعيت الإعانة والانتصار منه فَقاتِلا مع العدو إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ منتظرون الى ان يظهر الأمر

قالَ موسى بعد ما سمع منهم ما سمع يؤسا قنوطا باثا الشكوى مع ربه رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ ولا أثق لامتثال أمرك إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ الخارجين عن مقتضى أمرك التاركين الامتثال به من عدم وثوقهم بإعانتك وتأييدك.

ثم لما سمع سبحانه من موسى ما سمع من بث الشكوى وكان حالهم وصلاحهم معلومة عنده سبحانه قالَ مهددا إياهم فَإِنَّها اى الأرض المقدسة مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ مدة أَرْبَعِينَ سَنَةً خص هذا العدد لأنهم لما أعادوا نفوسهم بعدم امتثال امر الله والاستهزاء به وبرسوله الى ما هم عليه قبل ايمانهم والايمان ما يكمل غالبا الا بعد الأربعين لذلك خص هذه المدة لمجازاتهم ومجاهداتهم ليكمل الايمان فيها وبعد ما ارتدوا من الشأم وتوجهوا نحو المصر يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ المقدرة بستة فراسخ تائهين حائرين مذبذبين لا الى مصر ولا الى الشأم في تلك المدة وموسى سار معهم فيها ليرشدهم الى ان يخرجهم من الحيرة والضلال الصوري والمعنوي ثم لما رأى موسى اضطرار قومه وحزنهم وقلقهم واضطرابهم رحمهم وندم عما دعا عليهم فدعا لهم بمقتضى شفقة النبوة ومرحمتها لذلك رد الله سبحانه عليه بقوله فَلا تَأْسَ اى لا تحزن ايها النبي الشاكي عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ الخارجين عن مقتضى التصديق والايمان التاركين سبيل اليقين والعرفان

وَاتْلُ يا أكمل الرسل عَلَيْهِمْ اى على من تبعك من المؤمنين نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ اى قصة قابيل وهابيل واختلافهما وقربانهما وقتل قابيل هابيل ليعتبروا ويتنبهوا من قصتهما على ما هو الأقوم من السبل والأليق بحال المؤمن من حسن المعاشرة مع الخلان وآداب المصاحبة مع الاخوان ورعاية الغبطة والتصبر على البلية والمحنة وان ادى الى بذل المهجة والإخلاص مع الله في عموم الأحوال تلاوة ملتبسة بِالْحَقِّ مطابقة للواقع موافقة لما في الكتب السالفة وذلك انهما تنازعا في تزوج كل منهما توأمة الآخر على ما هو شرع أبيهم فقال قابيل توأمتى احسن صورة من توأمتك انا أحق بتزوجها منك فترافعا الى أبيهما فامرهما بالقربان المقرب الى الله اذكروا وقت إِذْ قَرَّبا باذن أبيهما كل واحد منهما بمقتضى اخلاصهما مع الله قُرْبانًا كان قابيل صاحب زرع قرب مقدارا من أردإ قمحه وهابيل صاحب ضرع قرب شاة سمينة حسناء فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وهو هابيل وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ وقد كان علامة القبول حينئذ انه تنزل نار من جانب السماء وتأكل جميع ما يتقربوا به فأخذا قرباناهما وذهبا الى جبل فطرحا عليه وانتظرا القبول فنزلت نار فأكلت قربان هابيل ولم تأكل قربان أخيه فاشتد غضبه وسخطه على أخيه وزاد حسده بقبول الله قربانه الى حيث قالَ من شدة غضبه والله لَأَقْتُلَنَّكَ البتة إذ قد ظهر مزيتك على وفضلك عند الله منى وبذلك تفتخر وتتفوق على بين الناس قالَ هابيل يا أخي مالي في هذا التقرب الا الإخلاص والرجوع الى الله والإطاعة والانقياد لأمره والاجتناب

190

سورة المائدة (5): آية 28

سورة المائدة (5): آية 29

سورة المائدة (5): آية 30

سورة المائدة (5): آية 31

سورة المائدة (5): آية 32

سورة المائدة (5): آية 33

والتحرز عن سخطه وغضبه بلا غرض نفسانى وميل شهوانى فتقبل منى بمقتضى فضله ولطفه إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ اى ما يتقبل الله المطلع لسرائر عباده أعمالهم التي يتقربون بها الى الله الا مِنَ الْمُتَّقِينَ المتقربين اليه بين طرفي الخوف والرجاء المخلصين فيما جاءوا به خالصا لوجهه الكريم بلا ميل منهم الى ما تهوى نفوسهم

ثم اقسم هابيل بعد ما أوعده اخوه بالقتل والله يا أخي لَئِنْ بَسَطْتَ أنت إِلَيَّ يَدَكَ من افراط غيظك وغضبك وشؤم امارة نفسك وطغيان طبعك لِتَقْتُلَنِي ظلما بلا رخصة شرعية بل عن محض عناد ومكابرة ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لدفع ضررك وصولتك عن نفسي او لِأَقْتُلَكَ على مقتضى امارتى وكيف اقعل كذا إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ من تخريب بنيته لمجرد دفع الصائل وان رخص شرعا ولا أخاف على نفسي من القتل إذ الشهداء المقتولون ظلما احياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله

بل إِنِّي من غاية اشفاقى واعطافى معك يا أخي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ اى لان تذهب ولان ترجع أنت الى الله بِإِثْمِي اى بإثمك المنسوب الى قتلى وَإِثْمِكَ الذي كنت فيه فَتَكُونَ حينئذ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ عند الله بهذا الظلم الصريح وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ عنده سبحانه

فَطَوَّعَتْ لَهُ اى لقابيل نَفْسُهُ اى هيجت نفسه حسده الى حيث رضى طوعا وحسن له الشيطان قَتْلَ أَخِيهِ رغبة فَقَتَلَهُ ظلما بلا مدافعة منه كما شرط فندم دفعة فَأَصْبَحَ وصار مِنَ جملة الْخاسِرِينَ خسرانا عظيما مبينا في الدنيا والآخرة وبعد ما وقع ما وقع تحير في دفعه واخفائه إذ لم يمت احد من بنى آدم الى تلك المدة فحمله على عاتقه ضرورة وسار معه الى حيث انتفخ وأنتن

فَبَعَثَ اللَّهُ تعالى المدبر الحكيم حينئذ أعلا ماله غُرابًا فقتل غرابا آخر من جنسه عنده فأراد ان يدفنه لذلك يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ اى يضرب بمنقاره ورجله عليها ليحفرها لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي يدفع ويستر سَوْأَةَ أَخِيهِ اى جسده وجثته التي يسوءه بنتنه ونفخه فتفرس قابيل منه الأعلام قالَ حينئذ متحسرا متحزنا قلقا حائرا يا وَيْلَتى ويا هلكتا احضرى أَعَجَزْتُ وعزلت عن مقتضى العقل وعن الاهتداء به الى حيث أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ المنعزل عن مقتضى العقل والإدراك بل صرت انا متابعا له متلمذا منه فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي بتعليمه فواراه ودفعه فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ ندامة مؤبدة بحيث لا يضحك مدة حياته أصلا وعاش مائة سنة واسود لونه الى حيث لم يعرف اهوام غيره

مِنْ أَجْلِ ذلِكَ وبسبب وقوع هذا بين بنى آدم كَتَبْنا اى قد قضينا والزمنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ اى بلا قصاص شرعي أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ مرخص موجب لقتله من شرك وبغى وقطع طريق وغير ذلك من الفسادات العامة السارى شرها وضرها فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا إذ كل فرد من افراد الإنسان مستجمع لكمالات الجميع بسعة قلبه وعلو رتبته وفسحة استعداده وقابليته لمظهرية الحق وخلافته فكان قتله قتل الجميع وَكذا مَنْ أَحْياها اى خلصها وأنجاها من المهلكة والمتلفة فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا على الوجه المذكور وَبعد ما قضينا على بنى إسرائيل ما قضينا لَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُنا تأكيدا له وتشديدا إياه بِالْبَيِّناتِ الدالة على عظم جريمة القتل عند الله وعظم الجزاء والنكال المترتب عليها في الآخرة ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ اى من بنى إسرائيل سيما بَعْدَ ذلِكَ التأكيد والتشديد فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ على أنفسهم بالقتل بلا رخصة شرعية من غير مبالاة بالآيات البينات

ثم قال سبحانه إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ

191

سورة المائدة (5): آية 34

سورة المائدة (5): آية 35

سورة المائدة (5): آية 36

سورة المائدة (5): آية 37

سورة المائدة (5): آية 38

سورة المائدة (5): آية 39

سورة المائدة (5): آية 40

يُحارِبُونَ اللَّهَ العليم الحكيم ويقاتلون له بعدم امتثال امره وحكمه وانقياد شرعه وَرَسُولَهُ بتكذيبه وتكذيب ما جاء به من عند ربه والقتال معه ومع من تابعه وَمع ذلك يَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسادًا يعنى يترددون في أقطارها مفسدين بأنواع الفسادات السارى ضررها في الآفاق أَنْ يُقَتَّلُوا حيث وجدوا دفعة أَوْ يُصَلَّبُوا حيا ليعتبر منهم من في قلبه مرض مثل مرضهم ثم يقتلوا على أفظع وجه واقبحه أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ متبادلتين ليعيشوا بين الناس كذلك لينزجر منهم نفوس اهل الاهوية الفاسدة أَوْ يُنْفَوْا ويخرجوا مِنَ الْأَرْضِ الى حيث يؤمن من شرورهم ذلِكَ المذكور من البغاة الطغاة المترددين بين الناس بالفساد لَهُمْ خِزْيٌ تدليل وتفضيح فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ اى طرد وتبعيد عن مرتبة اهل التوحيد

إِلَّا الَّذِينَ تابُوا ورجعوا الى الله عما كانوا عليه مخلصين نادمين خائفين من بطشه راجين من عفوه وجوده مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ اى غرماؤهم وتأخذوهم مطالبين القصاص عنهم فحينئذ يسقط عنهم حق الله بالتوبة ان أخلصوا فيها فَاعْلَمُوا ايها المؤمنون أَنَّ اللَّهَ الموفق لهم على التوبة غَفُورٌ لهم يغفر ذنوبهم رَحِيمٌ لهم يقبل توبتهم

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مقتضى ايمانكم التقوى عن محارم الله اتَّقُوا اللَّهَ المنتقم الغيور عن ارتكاب ما حرم عليكم ونهاكم عنه وَابْتَغُوا واطلبوا منه سبحانه إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ المقربة لكم الى ذاته لتتوسلوا به الى توحيده وَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لقطع العلائق ورفع الموانع مع القوى البشرية الشاغلة عن التوجه نحوه لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وتفوزون بفضاء توحيده وصفاء تجريده وتفريده. ثم قال سبحانه على مقتضى سنته من تعقيب الوعد بالوعيد

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بوحدة الله وأصروا على ما هم عليه من الكفر والشقاق لَوْ أَنَّ لَهُمْ اى لو تحقق وثبت ان لهم وفي تصرفهم ملك ما فِي الْأَرْضِ من الزخارف والكنوز جَمِيعًا بل وَمِثْلَهُ مَعَهُ بل أضعاف أمثاله كل ذلك لِيَفْتَدُوا بِهِ ويخلصوا مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ ونكاله المترتب على كفرهم المعد لهم بشركهم ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ لعظم جرمهم وإصرارهم عليه وَلَهُمْ فيها عَذابٌ أَلِيمٌ مؤلم مؤبد مخلد بحيث لا يرجى نجاتهم منه أصلا

يُرِيدُونَ متمنين أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَالحال انه ما هُمْ بِخارِجِينَ مخرجين مِنْها لاستحالة الخروج عن مقتضى الحكم المبرم الإلهي بل وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ دائم متجدد متلون لئلا يعتادوا بنوع منه

ثم قال سبحانه وَالسَّارِقُ المتجاوز عن حدود الله وَكذا السَّارِقَةُ المتجاوزة عنها فَاقْطَعُوا ايها الحكام أَيْدِيَهُما اى اليمين منهما ان اخرجا المسروق من الحزر المتعارف جَزاءً بِما كَسَبا معهما نَكالًا عقوبة وتعذيبا صادرا مِنَ اللَّهِ المنتقم الغيور لتصرفهم في ملك الغير بلا رخصة شرعية وَاللَّهُ المتصرف في ملكه وملكوته بكمال الاستيلاء والاستقلال عَزِيزٌ غالب قادر على انواع الانتقام حَكِيمٌ متقن في تقديره وتعيينه

فَمَنْ تابَ ورجع الى الله مخلصا خائفا مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وخروجه عن حدود الله وَأَصْلَحَ بالتوبة ما أفسد على نفسه من مجاوزة حكم الله فَإِنَّ اللَّهَ المصلح لأحوال عباده يَتُوبُ عَلَيْهِ ويقبل منه توبته بعد ما وفقه عليها إِنَّ اللَّهَ الميسر لأمور عباده غَفُورٌ لذنوبهم رَحِيمٌ لهم بعد ما رجعوا اليه راجين عفوه

أَلَمْ تَعْلَمْ ايها الداعي للخلق الى الحق أَنَّ اللَّهَ المتوحد المستقل بالالوهية والتصرف لَهُ مُلْكُ

192