الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبيةالجزء 1 · ص 273 - 280

سورة الأعراف (7): آية 170

سورة الأعراف (7): آية 170

سورة الأعراف (7): آية 171

سورة الأعراف (7): آية 172

سورة الأعراف (7): آية 173

قد ورد عليه الأمر الإلهي من عنده سبحانه وَكيف لم يعلموا أخذ الله إياهم مع انهم قد دَرَسُوا من معلميهم ما فِيهِ من الاحكام والمواعظ والأوامر والنواهي وَبالجملة الدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ويحذرون عن حطام الدنيا ويجتنبون عن آثامها أَفَلا تَعْقِلُونَ خيريتها ايها الضالون المنغمسون «2» في قاذورات الدنيا ولذاتها وشهواتها مع انها لا مدار لها ولا قرار للذاتها ومشتهياتها

وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ ويتمسكون منهم بِالْكِتابِ اى بما امرناهم في التورية ونهيناهم عنه فيه وَمع ذلك قد أَقامُوا الصَّلاةَ واداموا الميل والتوجه إلينا على الوجه الذي امرناهم في كتابهم فعلينا أجرهم إِنَّا لا نُضِيعُ ولا نهمل أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ الذين يصلحون ظواهرهم بالشرائع والاحكام المنزلة من عندنا وبواطنهم بالإخلاص والتوحيد المسقط للاضافات مطلقا

وَاذكر وقت إِذْ نَتَقْنَا وقلعنا الْجَبَلَ من مكانه ورفعنا فَوْقَهُمْ بحيث يظل عليهم كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ سقف فوق رؤسهم وَظَنُّوا من قبح صنيعهم أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ الى ان قلنا لهم خُذُوا ما آتَيْناكُمْ من مأمورات التورية بِقُوَّةٍ عزيمة صادقة وجزم خالص في أوامره وأحكامه وَاذْكُرُوا اى اتعظوا وتذكروا ما فِيهِ من المواعظ والتذكيرات لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ تنتهون وتحذرون عن قبائح أعمالكم ورذائل أخلاقكم

وَبالجملة نقض العهود ورفض المواثيق ونكثها والاعراض عن التكاليف المأمورة ليس مما يختص بهؤلاء المعرضين بل ما هي الا من الديدنة القديمة والعادة المستمرة لبنى آدم اذكر وقت إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ يا أكمل الرسل مِنْ بَنِي آدَمَ حين أخرجهم حسب حصة ناسوتهم مِنْ ظُهُورِهِمْ اى من ظهور آبائهم وأصلابهم على التوالد المتعارف ذُرِّيَّتَهُمْ اى أولادهم قرنا بعد قرن بطنا بعد بطن وَأَشْهَدَهُمْ اى أحضرهم واطلعهم عَلى أَنْفُسِهِمْ اى على حصة لاهوتهم وعلى أرواحهم الفائضة عليهم المنفوخة فيهم من روحه سبحانه ثم قال لهم بعد ما شهدوا واستحضروا منشأهم وعلموا أصلهم اللاهوتى والناسوتي أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ الذي أوجدكم وأظهركم من كتم العدم بنفخ من روحي فيكم وفي ناسوتكم يا بنى آدم قالُوا بالسنة استعداداتهم بَلى قد شَهِدْنا يا مولينا سيما بعد ما أشهدتنا واقررتنا أنت ربنا لا رب لنا سواك ولا مظهر لنا غيرك فأخذ سبحانه على ذلك منهم الميثاق الوثيق حينئذ وانما أخذ ما أخذ كراهة أَنْ تَقُولُوا على سبيل المجادلة والمراء حين أخذهم يَوْمَ الْقِيامَةِ بجرائمهم الصادرة عنهم المقتضية لنقض العهد إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا عن ربوبيتك واستقلالك فيها غافِلِينَ غير عالمين بها ولا منبهين عليها

أَوْ تَقُولُوا لو لم يأخذ سبحانه العهد الوثيق منهم جميعا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَقد كُنَّا ذُرِّيَّةً ضعافا مِنْ بَعْدِهِمْ فتقلدنا بهم أَفَتُهْلِكُنا وتأخذنا يا ربنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ اى بفعل آبائنا الذين قد أشركوا بك مع انا حينئذ لم نكن من اصحاب الرأى والتمييز وأخذنا بجرمهم ظلم علينا لذلك أخذ سبحانه الميثاق من جميع بنى آدم حتى لا يبقى لهم حجة عليه

  • (2) كما نشاهد اليوم من اعيان زماننا احسن الله أحوالهم ومشايخ عصرنا واواننا يدعون وراثة الأنبياء ويجمعون من حطام الدنيا حلالها وحرامها وهم مولعون بجمعها الى حيث يلقون أنفسهم في المهالك ويحضرونها في المعاطب لنظم فضول العيش واسباب النخوة والجاه لذلك يترددون الى باب السلاطين ويتزورون بأنواع التزويرات والتلبيسات ويأخذون من اموال الجباية ما أمكن لهم ولا يعطون المستحقين شيأ منها ومع ذلك يدعون الولاية والوراثة والترك والتجريد والإطلاق والتفريد وبالجملة ما أولئك الا حزب الشيطان الا ان حزب الشيطان هم الخاسرون أعاذنا الله وعموم عباده من غوائل الشيطان وتسويلاته وتغريراته بمنه وجوده
273

سورة الأعراف (7): آية 174

سورة الأعراف (7): آية 175

سورة الأعراف (7): آية 176

سورة الأعراف (7): آية 177

سورة الأعراف (7): آية 178

سورة الأعراف (7): آية 179

سبحانه

وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ ونبين على وجه الخصوص والعموم الْآياتِ الدالة على توحيدنا على اليهود وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ رجاء ان يتنبهوا فيرجعوا نحونا ومع ذلك لم يرجعوا ولم يتنبهوا أصلا

وَبعد ما قد بالغوا في الاعراض والإنكار اتْلُ عَلَيْهِمْ اى على اليهود يا أكمل الرسل نَبَأَ اى قصة الشخص الَّذِي آتَيْناهُ علم آياتِنا العظام وأسمائنا الكرام حتى قدر وتمكن بسببها على اى شيء أراد فاعرض عنا بمتابعة الهوى كهؤلاء الغواة فَانْسَلَخَ مِنْها اى تجرد وعرى من سرائر الآيات جميعا انسلاخ لحية من جلدها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ اى قد جعله اللعين تابعا لاهوية نفسه فَكانَ بمتابعتها مِنَ الْغاوِينَ المنهمكين في الغي والضلال بحيث لا يرجى هدايته أصلا كهؤلاء اليهود

وَلَوْ شِئْنا وتعلق مشيتنا لهدايته الى أقصى غاية التوحيد وأعلى مرتبته لَرَفَعْناهُ بِها اى بتلك الآيات وَلكِنَّهُ متعلق لذلك أَخْلَدَ اى انخفض ومال إِلَى الْأَرْضِ الأنزل الأرذل وَاتَّبَعَ هَواهُ ينزل عليها ومع ذلك يتمسك بها وأراد ان يتشبث بمقتضاها فَمَثَلُهُ في هذا التمسك والتشتت بعد اللتيا والتي كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ حملا موجبا للهثه واندلاع نسائه يَلْهَثْ يخرج لسانه بسببه أَوْ تَتْرُكْهُ ولم تحمل عليه ما يوجب للهثه يَلْهَثْ ايضا لرسوخ تلك الديدنة القبيحة في ذاته وبالجملة ذلِكَ اى مثل ذلك الكلب بعينه مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ يا أكمل الرسل لليهود الْقَصَصَ المعهود لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ويتأملون فيما هم عليه من الاعراض والإنكار فيتنبهون على قبح صنيعهم وسوء فعالهم مع الله قيل ذلك الشخص هو بلعام بن باعوراء وقصته معروفة وقيل امية ابن الصلت كان قد قرأ الكتب المنزلة ووحد فيها وصف النبي ﷺ ورجا ان يكون هو فلما بعث رسول الله ﷺ حسد وكفر جميع الكتب المنزلة وكان من الغاوين

ساءَ مَثَلًا الْقَوْمُ اى بئس المثل مثل القوم الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا واعرضوا عنها منكرين عليها وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ اى وما يظلمون بالإعراض والإنكار الا أنفسهم إذ عاد عليهم وباله ونكاله ولكن لا يشعرون لقساوة قلوبهم وخبث طينتهم

وبالجملة مَنْ يَهْدِ اللَّهُ بان يوفقه على سماع كلمة الحق فَهُوَ الْمُهْتَدِي الى توحيده وَمَنْ يُضْلِلْ بان يضله عن سبيله بإنكار آياته وتكذيب رسله فَأُولئِكَ البعداء الضالون هُمُ الْخاسِرُونَ المقصورون على الخسران الأبدي لا يرجى ربحهم وهدايتهم أصلا

ثم قال سبحانه وَلَقَدْ ذَرَأْنا أوجدنا وأظهرنا لِجَهَنَّمَ البعد والخذلان ونيران الإمكان والخسران كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ مع انه قد ثبت لَهُمْ قُلُوبٌ هي مناط التكاليف والعرفان ومحال الايمان والإيقان وهم لا يَفْقَهُونَ بِها ليحصل لهم مرتبة اليقين العلمي وَلَهُمْ أَعْيُنٌ هي سبب مشاهدة الآثار والاستدلال منها على الأوصاف الموجدة لها المترتبة على الذات الإلهي وهم لا يُبْصِرُونَ بِها ليحصل لهم مرتبة اليقين العيني وَلَهُمْ ايضا آذانٌ هي آلات لسماع كلمة الحق ووسائل الى اكتساب الفضائل والكمالات المنبهة على ما في نفوسهم من السرائر والأسرار المكنونة الإلهية وهم لا يَسْمَعُونَ بِها ليحصل لهم الترقي من مرتبة اليقين العيني الى اليقين الحقي وبالجملة أُولئِكَ الحمقى الجهلاء المتصنعون بأوصاف العقلاء العرفاء كَالْأَنْعامِ في عدم الشعور والتنبه بَلْ هُمْ بسبب تضييع استعداداتهم الفطرية وقابلياتهم الجبلية أَضَلُّ من الانعام بمراتب وبالجملة أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ المقصورون على الغفلة المؤبدة

274

سورة الأعراف (7): آية 180

سورة الأعراف (7): آية 181

سورة الأعراف (7): آية 182

سورة الأعراف (7): آية 183

سورة الأعراف (7): آية 184

سورة الأعراف (7): آية 185

المتناهون فيها أقصى الغاية

وَاعلموا ايها العقلاء العرفاء الموحدون ان لِلَّهِ المتوحد المتفرد لذاته الْأَسْماءُ الْحُسْنى التي تترتب عليها الصفات العليا المترتبة عليها الآثار الحادثة في عالم الكون والفساد والشهادة والغيبة والنشأة الاولى والاخرى فَادْعُوهُ سبحانه ايها الموحدون بِها وأسندوا الحوادث الكائنة إليها أولا وبالذات وَذَرُوا اى دعوا واتركوا اقوال الجاحدين الملحدين الَّذِينَ يُلْحِدُونَ يميلون وينحرفون فِي أَسْمائِهِ بنسبة الحوادث الكائنة الى الأسباب والوسائل العادية أولا وبالذات واعتقدوها عللا وأسبابا حقيقية واهجروا مذاهبهم واعتزلوا عنهم وعن مجالستهم واعلموا ان كل واحد منهم ايها المكلفون سَيُجْزَوْنَ بمقتضى ما كانُوا يَعْمَلُونَ في نشأة الدنيا ان خيرا فخير وان شرا فشر ثم قال سبحانه كلاما كليا جمليا شاملا على جميع الملل والأديان

وَمِمَّنْ خَلَقْنا اى اظهرناهم على صورتنا أُمَّةٌ مستخلفة عنا هم يَهْدُونَ الناس إلينا ملتبسين بِالْحَقِّ المطابق للواقع متمسكين به وَبِهِ اى بالحق لا بغيره إذ لا غير يَعْدِلُونَ يقسطون وينصفون في الوقائع والاحكام

وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا الدالة على توحيدنا المنزلة على رسلنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ اى سنستضلهم ونستذلهم قليلا قليلا الى ان نهلكهم بالمرة وندخلهم في جهنم البعد وسعير الإمكان مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ ولا يفهمون كيف وقعوا فيها ومن اى طريق دخلوا

وَبالجملة أُمْلِي لَهُمْ اى امهلهم في بطرهم وغفلتهم الى حيث ازدادوا على نفوسهم العتو والعناد الموجب لشدة العذاب مكرا عليهم وكيدا لهم إِنَّ كَيْدِي ومكري سيما مع العصاة الغواة الضالين عن منهج العدالة والرشد مَتِينٌ محكم بحيث لم يحسوا به وباماراته ومقدماته أصلا الى ان أخذوا بأسوإ العذاب وأشد النكال ثم أشار سبحانه الى توبيخ المسرفين المسفهين لرسول الله عنادا ومكابرة

فقال أَما يستحيون من الله أولئك المسرفون المفرطون من نسبة الجنون الى من فاق على عموم العقلاء بالرشد والهداية وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ولم يتدبروا انه ما بِصاحِبِهِمْ يعنى نبيهم ورسولهم محمدا ﷺ مِنْ جِنَّةٍ خفة عقل موجب للخبط والجنون غاية ما في الباب ان هؤلاء القاصرين عن ادراك كلامه ينسبون ما لم يفهموا من كلامه الى انه قد صدر عنه هفوة لا عن قصد وشعور ويسمونه مجنونا لذلك إِنْ هُوَ اى بل ما هو ﷺ عند التحقيق إِلَّا نَذِيرٌ ينذرهم باذن الله ووحيه ويخوفهم الله به مُبِينٌ عظيم الشان ظاهر البيان في امر الإنذار والإرشاد روى انه ﷺ صعد الصفا يوما فدعاهم فخذا فخذا يحذرهم عن بأس الله وبطشه فقال قائلهم ان صاحبكم لمجنون فنزلت. ثم قال سبحانه على سبيل التوبيخ والتقريع لهؤلاء المسرفين الذين ينسبون ما هو خارج عن مدركات عقولهم الى الجنون ويدعون استقلال العقل في العلوم المتعلقة بالأشياء كلها

أَوَلَمْ يَنْظُرُوا ولم يتدبروا كيف تقصر وتدهش عقولهم فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وكيفية نظمها ونضدها وترتيبها وتطبيقها وما فيها من كواكبها وبروجها وحركاتها وادوارها وانقلاباتها شتاء وصيفا ربيعا وخريفا وَالْأَرْضِ وما عليها من تلالها ووهادها وأنهارها وبحارها ورياضها وازهارها وغرائبها وبدائعها المكنونة المتكونة فيها بل وَفي جميع ما خَلَقَ اللَّهُ وأظهره من كتم العدم إظهارا إبداعيا مِنْ شَيْءٍ اى مما يطلق عليه اسم شيء تدهش وتتحير في ظهوره عقول فحول العقلاء بحيث لم يطلعوا ولم يفهموا كيفية ظهور ذرة حقيرة من ذرائر العالم فكيف لميتها لذلك قال ﷺ في دعائه اللهم أرنا الأشياء كما هي وقال ايضا ﷺ

275

سورة الأعراف (7): آية 186

سورة الأعراف (7): آية 187

سورة الأعراف (7): آية 188

رب زدني فيك تحيرا هذا في الآفاق الخارجة عنهم وَاما في نفوسهم فلم ينظروا أَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ المقدر المسمى لهم وهم لا يفهمونه وان اجتمع العقلاء في تعيين أجل شخص واحد ما قدروا ومع قصور نظرهم وسخافة أحلامهم ينسبون الجنون الى المكاشفين الناظرين بنور الله المشاهدين المطالعين دائما صفاء وجهه الكريم الا وهم الذين قد انخلعوا عن لوازم البشرية مطلقا وشقوا جلباب الناسوت رأسا وخرقوا الحجب المسدولة بالكلية وصاروا ما صاروا لا اله الا هو كل شيء هالك الا وجهه وبعد ما سقط العقل عن درجة الاعتبار واضمحلت مدركاته رأسا وخرجت عن الوثوق والاعتماد مطلقا فلا تعويل الا على الوحى والإلهام الملقى من عند العليم العلام فَبِأَيِّ حَدِيثٍ من الأحاديث الملهمة والموحى بها بَعْدَهُ اى بعد نزول القرآن يُؤْمِنُونَ ايها المؤمنون المصدقون بالوحي والإلهام

وبالجملة مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ وتعلق مشيته بإضلاله وإذلاله حسب جلاله فَلا هادِيَ لَهُ يرشده فعليك ان لا تجهد يا أكمل الرسل في هدايتهم ولا تصغى ايضا الى أباطيلهم إذ أمرهم مفوض الى الله وَكيف تجتهد وتسعى في ايمانهم إذ هم قوم يَذَرُهُمْ ويتركهم الله باسمه المذل المضل فِي طُغْيانِهِمْ المتجاوز عن الحد يَعْمَهُونَ يترددون ويتحيرون الى ان يأخذهم بما يأخذهم دعهم أنت ايضا مع أباطيلهم يترددون وفي سكرتهم يعمهون

يَسْئَلُونَكَ يا أكمل الرسل عَنِ السَّاعَةِ التي تخوفهم بها ومن شدة أهوالها وافزاعها أَيَّانَ مُرْساها اى في اى آن من الآنات وزمان من الازمنة قيامها ووقوعها حتى نؤمن بها قبل قيامها قُلْ يا أكمل الرسل في جوابهم إِنَّما عِلْمُها وعلم قيامها عِنْدَ رَبِّي ومن جملة ما استأثر الله به سبحانه في غيبه ولم يطلع أحدا عليها وبالجملة لا يُجَلِّيها اى لا يظهرها ولا يكشف أمرها لِوَقْتِها الذي عين لها وفي ساعتها التي قدر لوقوعها إِلَّا هُوَ إذ هي من جملة الغيوب الخمسة التي قد خصها سبحانه لنفسه في قوله وعنده علم الساعة وينزل الغيث الآية وانما أخفاها وأبهم وقتها ولم يطلع أحدا عليها لان الحكمة المتقنة تقتضي ذلك إذ لو أظهرها على عباده قد ثَقُلَتْ عظمت وشقت عليهم أمرها واشتدت هولها على من فِي السَّماواتِ من الملائكة وَعلى من في الْأَرْضِ من الثقلين لذلك لا تَأْتِيكُمْ الساعة عند إتيانها إِلَّا بَغْتَةً فجاءة وعلى غفلة بحيث لا يسع لكم ترك ما كنتم فيه حينئذ من الأمور كما اخبر ﷺ ان الساعة تهيج بالناس والرجل يصلح حوضه والرجل يسقى ماشيته والرجل يقوم سلعته في سوقه والرجل يخفض ميزانه ويرفعه وانما يَسْئَلُونَكَ عن الساعة وقيامها لظنهم فيك من نجابة طينتك يا أكمل الرسل كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها خبير بوقتها عليم بشأنها مذكر لها دائما مفتش عن أهوالها وأحوالها مستمرا قُلْ لهم إِنَّما عِلْمُها ووقت ظهورها عِنْدَ اللَّهِ وفي خزانة حضرة علمه ولوح قضائه وعالم أسمائه وغيب ذاته وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ انه سبحانه مختص به لا يطلع أحدا عليها

قُلْ يا أكمل الرسل لمن ظن بك انك حفى عليم بسرائر الأمور والعلوم ومخفياتها خبير أنت بحقائق الموجودات وماهياتها اعترافا بالعبودية وسلبا للاختيار عن نفسك والله لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا اى جلب نفع وَلا ضَرًّا اى دفع ضر إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ إيصاله الى من النفع والضر وايضا لا اعلم من الغيب الا ما اوحى الله الى وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ يعنى لو تعلق علمي بعواقب أموري لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ لنفسي وَصرت بحيث ما مَسَّنِيَ السُّوءُ

276

سورة الأعراف (7): آية 189

سورة الأعراف (7): آية 190

سورة الأعراف (7): آية 191

سورة الأعراف (7): آية 192

سورة الأعراف (7): آية 193

سورة الأعراف (7): آية 194

سورة الأعراف (7): آية 195

ابدا وما لحقني ضر أصلا لكن إِنْ أَنَا اى ما انا إِلَّا نَذِيرٌ أنذركم باذن ربي على مقتضى وحيه والهامه إياي وَبَشِيرٌ ايضا بمقتضاه لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ بوحي الله والهامه وبالجملة ما انا عالم بحالي ولا بأحوالكم أصلا بل رسول من عند ربي أبلغكم ما أرسلت به وما اوحيت من لدنه

وكيف لا يكون الغيب مما استأثر الله به إذ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ اى أوجدكم وأظهركم مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ هي أبونا آدم عليه السلام وكان جسدا لا علم له ولا ادراك ثم علمه سبحانه من انيات الأشياء والأسماء ما تعلق ارادته بتعليمه إياه ولم يعلمه حقائقها وكمياتها إذ هي من جملة المغيبات التي لم يطلع أحدا عليها وَبعد ما أظهرها جَعَلَ مِنْها اى خلق من جنسها زَوْجَها حواء وانما خلقها لِيَسْكُنَ إِلَيْها ويوانس معها فَلَمَّا تَغَشَّاها وواقعها بالهام الله إياه حَمَلَتْ وحبلت حواء حَمْلًا خَفِيفًا اى أدركت حملا خفيفا في بطنها فَمَرَّتْ بِهِ ومضت عليها مدة أدركت ثقلها وأخبرت زوجها بثقلها فالهم بانه ولد فَلَمَّا أَثْقَلَتْ الى حيث اشتد عليها حملها وظهرت عندها امارة حيوة ما في بطنها واحست حركته دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا ولدا صالِحًا سالما لموانستنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ لنعمك المواظبين على أداء حقوق كرمك

فَلَمَّا آتاهُما صالِحًا بعد صالح وطالحا بعد طالح بطنا بعد بطن جَعَلا وأخذا موضع الشكر لَهُ سبحانه شُرَكاءَ باغواء الشيطان إياهما فِيما آتاهُما من الأولاد فسمياهم بعبد الحارث وعبد العزى وعبد المناة بتعليم الشيطان إياهما فَتَعالَى اللَّهُ المنزه بذاته عن الشريك مطلقا سيما عَمَّا يُشْرِكُونَ له هما وغيرهما من المشركين ثم لا يكن شركهما عن قصد واختيار بل بوسوسة الشيطان واغوائه وبخ سبحانه عليهم وعيرهم لينزجروا

وقال أَيُشْرِكُونَ جمعه باعتبار أولاده معنا ما لا يَخْلُقُ ويظهر شَيْئًا حقيرا قليلا بل وَهُمْ اى الأصنام والشركاء في أنفسهم يُخْلَقُونَ مخلوقون كسائر المخلوقات

وَكيف يشركون الأصنام معنا في الألوهية والربوبية مع انهم لا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ اى لعبدتهم نَصْرًا حيث يدفعون عنهم الأذى والضرر إذ هم جمادات لا شعور لها وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ يعنى بل لا يقدرون ان ينصروا أنفسهم بدفع ما يؤذيهم ويكسرهم فكيف لغيرهم

ثم قال سبحانه وَإِنْ تَدْعُوهُمْ ايها المؤمنون الموحدون المشركين المصرين على الشرك والعناد إِلَى الْهُدى الموصل لهم الى توحيد الحق لا يَتَّبِعُوكُمْ لخبث طينتهم بل سَواءٌ عَلَيْكُمْ ايها المؤمنون المريدون هداية هؤلاء الغواة أَدَعَوْتُمُوهُمْ اى دعوتكم إياهم الى الإسلام أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ ساكتون عن الدعوة بل عن الالتفات إليهم مطلقا لشدة قساوتهم وغلظة غشاوتهم

ثم قال سبحانه تبكيتا للمشركين إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ وتعبدون ايها الضالون المشركون مِنْ دُونِ اللَّهِ المتفرد بالالوهية المتوحد بالربوبية عِبادٌ أَمْثالُكُمْ اى هم مخلوقون أمثالكم بل أسوأ حالا منكم لكونهم جمادات لا شعور لها كيف سميتموها معبودات تعبدونها كعبادة الله وان اعتقدتم إلهيتهم وتأثيرهم فَادْعُوهُمْ بانزال العذاب على مخالفيكم فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ البتة لكونكم عبادا لهم إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في انهم آلهة وبالجملة كيف تعتقدون ايها الحمقى الهية هؤلاء الجمادات الهلكى التي أنتم تنحتونها من الأحجار والأخشاب والإله منزه عنها متعال عن أمثالها وايضا كيف تعتقدون تأثير هؤلاء

أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها فيؤثرون بها أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها والتأثير مسبوق بأمثال هذه

277

سورة الأعراف (7): آية 196

سورة الأعراف (7): آية 197

سورة الأعراف (7): آية 198

سورة الأعراف (7): آية 199

سورة الأعراف (7): آية 200

سورة الأعراف (7): آية 201

سورة الأعراف (7): آية 202

القوى والآلات كيف وشرط التأثير الحيوة ولا حيوة لهم أصلا فكيف يؤثرون وأنتم ايها الحمقى كيف تعتقدون تأثيرهم أفلا تعقلون قُلِ لهم يا أكمل الرسل تبكيتا وإلزاما ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ الذين تدعون مشاركتهم مع الله واستظهروا منهم ثُمَّ كِيدُونِ وامكرون بمظاهرتهم بحيث لا اطلع بمكركم أصلا فَلا تُنْظِرُونِ ولا تمهلوني مدة حتى اتأمل فيه واطلع عليه واشتغل لدفعه وبالجملة انا لا أبالي بكم وبمكركم وبمكر شركائكم ومعاونيكم جميعا بولاية الله وحفظه ونصره إياي

إِنَّ وَلِيِّيَ وحافظي ومعينى وناصري ومتولى عموم أموري اللَّهُ القادر المقتدر القيوم المطلق الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ اى القرآن لنصرى وتأييدى وَمن غاية لطفه هُوَ سبحانه بنفسه يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ من عباده ويحفظهم عن مكر الماكرين سيما الأنبياء الذين هم في كنف جواره وحوزة حفظه يحفظهم عن جميع ما يؤذيهم

وَكيف لا يحفظهم سبحانه عن تأثير هؤلاء الأصنام الهلكى الَّذِينَ تَدْعُونَ أنتم ايها الضالون مِنْ دُونِهِ سبحانه وتستنصرون منهم مع انهم لا يَسْتَطِيعُونَ ولا يقدرون نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ اى كيف ينصرونكم وهم لا ينصرون أنفسهم لعدم استعدادهم وقابليتهم على النصرة

وَمن خبث طينتهم وشدة شكيمتهم وضغينتهم إِنْ تَدْعُوهُمْ ايها المؤمنون أولئك المشركين الضالين إِلَى الْهُدى ودين الإسلام لا يَسْمَعُوا ولا يقبلوا مع ورود هذه الدلائل الواضحة بل وَتَراهُمْ ايها المعتبر الرائي يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ ويسمعون منك الادلة القاطعة وَهُمْ من خبث طينتهم وجهلهم المركوز في جبلتهم لا يُبْصِرُونَ الى ان أصنامهم جمادات ولا يتأملون ولا يتفطنون ان ما ينسبون الى هؤلاء من الشفاعة والشركة وهم زائل وخيال باطل وخروج عن مقتضى العقل الفطري بل يصرون على ما هم عليه عتوا وعنادا وإذا كان حالهم هذا وهكذا وإصرارهم بهذه الغاية

خُذِ الْعَفْوَ اى اختر يا أكمل الرسل طريق العفو والملاينة واترك الغضب والخشونة بمقتضى شفقة النبوة وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ اى ادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة القوم الذين قد تفرست منهم الرشد والهداية بنور النبوة والولاية وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ المصرين وان جادلوك جادلهم بالتي هي احسن وبالجملة ان ربك اعلم منك بمن ضل عن سبيله وهو اعلم ايضا بالمهتدين منهم

وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ ينخسنك ويشوشنك مِنَ الشَّيْطانِ المثير المهيج للقوى الغضبية والحمية الجاهلية نَزْغٌ اى وسوسة وإغراء يحملك على الغضب ويخرجك عن مقتضى ما أمرت به من الحلم والملاينة فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ من غوائله وارجع نحوه سبحانه من وسوسة الشيطان ومخايله يكفيك سبحانه مؤنة شروره واغوائه إِنَّهُ سبحانه بذاته سَمِيعٌ لمناجاتك عَلِيمٌ بعموم حاجاتك.

ثم قال سبحانه تذكيرا لنبيه ﷺ وعظة إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا من عبادنا قد كانوا إِذا مَسَّهُمْ واستولى عليهم طائِفٌ خاطر يطوف ويحول حول قلوبهم مِنَ قبل الشَّيْطانِ المضل المغوى تَذَكَّرُوا ما أمروا به ونهوا عنه من عند الله فَإِذا هُمْ بتذكر المأمور او المنهي مُبْصِرُونَ مميزون موقع الخطايا فيحترزون منها ويتعوذون الى الله عما يغريهم الشيطان اليه

وَالذين لم يتقوا عن محارم الله ولم يحذروا عن غوائل الشيطان بل هم إِخْوانُهُمْ اى اخوان الشياطين إذا مسهم ما مسهم لا يتأتى لهم التذكر ولم يوفقوا عليه بل يَمُدُّونَهُمْ الشياطين بالتزيين والتحسين والوسوسة والإغراء الى ان يوقعوهم فِي الغَيِّ والضلال ثُمَّ بعد الإيقاع فيه لا يُقْصِرُونَ بل

278

يبالغون في اغوائهم واغرائهم الى حيث يردونهم بحال لا يرجى لهم الفلاح أصلا

وَمن غاية انهماكهم في الغي والضلال ونهاية غراقتهم فيه إِذا لَمْ تَأْتِهِمْ يا أكمل الرسل بِآيَةٍ قد اقترحوها منك عنادا قالُوا على سبيل التهكم والاستهزاء لَوْلا اجْتَبَيْتَها وهلا انتخبتها من الأقوال كسائر منشأتك أعجزت فيها فان عجزت لم لم تطلبها من ربك بمقتضى دعواك كما طلبت غيرها منه قُلْ يا أكمل الرسل في جوابهم ما انا منشئ مختلق بل رسول مبلغ إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي الذي هو مرسلى ومبلغي مالي صنع في نظمه وتأليفه وبلاغته وفصاحته واعجازه بل هذا اى القرآن وما فيه من الرموز والإشارات بَصائِرُ للمستبصرين المستكشفين بمقتضى الودائع الفطرية التي قد اودعها الله في قلوب عباده حسب حكمته المتقنة ومتى انكشفتم بودائعكم علمتم انها مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً ايضا يوصلكم الى ما جبلتم لأجله الا وهو التوحيد والعرفان وَرَحْمَةٌ نازلة من الله توقظكم عن نومة الغفلة ونعاس النسيان كل ذلك لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ اى يتحققون بمرتبة اليقين العلمي ويطلبون الترقي منها الى العين والحق. حققنا بلطفك بحقيتك وخلصنا من هويتنا الباطلة بفضلك وجودك يا ارحم الراحمين

وَبعد ما سمعتم منا من أوصاف القرآن ما سمعتم إِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ عندكم او قرأتم أنتم لأنفسكم فَاسْتَمِعُوا لَهُ عن صميم قلوبكم وتأملوا في معناه حسب وسعكم وطاقتكم وَأَنْصِتُوا اى اسكتوا واعرضوا وانصرفوا عن مقتضيات سائر قواكم وآلاتكم ولا تلتفتوا إليها أصلا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ تنكشفون وتتحققون بما في نفوسكم من ودائع الله بسببه

ثم خاطب سبحانه حبيبه ﷺ لان أمثال هذه الخطابات لا تسع الا في وسعه وقابليته فقال وَاذْكُرْ رَبَّكَ اى تذكر وتحقق بمربيك الذي أظهرك على صورته فِي نَفْسِكَ إذ أنت بهويتك ظاهر ربك تَضَرُّعًا وَخِيفَةً متضرعا متحننا خائفا عن غلبة غفلة ناسوتك وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ إخفاء من المحجوبين الجاهلين الجاحدين برتبتك وغيرة عليه سبحانه بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ اى بعموم أوقاتك التي جرى عليك بمقتضى بشريتك وَبالجملة لا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ بحال من حالاتك لتحققك وتمكنك في مقام الكشف والشهود

وبالجملة إِنَّ السالكين الَّذِينَ قد حصلوا وتمكنوا عِنْدَ رَبِّكَ يا أكمل الرسل لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ آنا ولمحة ولا يلتفتون الى ما سواه طرفة بل وَيُسَبِّحُونَهُ اى ينزهونه ويقدسونه سبحانه عن عموم ما يصور لهم ويوهمهم منه سبحانه ناسوتهم وَبالجملة لَهُ يَسْجُدُونَ دائما بمقتضى حصة لأهونهم منسلخين عن مقتضيات هوياتهم الباطلة الناسوتية مطلقا منخلعين عن لوازم اوهامهم وخيالاتهم العاطلة رأسا. ربنا اكشف عنا بفضلك حجب ناسوتنا بالمرة وحققنا بجودك بفضاء لاهوتك انك أنت الجواد الكريم

سورة الأعراف (7): آية 203

سورة الأعراف (7): آية 204

سورة الأعراف (7): آية 205

سورة الأعراف (7): آية 206

خاتمة سورة الأعراف

عليك ايها السالك المتوجه نحو القبلة الأحمدية والمقصد الاحدية المحمدية هداك الله نحو سواء سبيله وأوصلك الى مقر عزك من التوحيد الذاتي ان تتوجه الى فضاء قلبك وتتذكر ما فيه من ودائع ربك على وجه الخبرة والاستبصار مجتنبا عما يشوشك عن غبار الأغيار معيرا بمعيار العبرة والاعتبار بحيث لا يلهيك عنها وسوسة الشيطان المحيل المكار وتغريرات الدنيا الغرار ولا يتيسر لك هذا الا بتذكر ما في كتاب الله من المواعظ والاخبار والآثار وامتثال ما فيه من الأوامر والنواهي والتدبر

279

في سرائرها واستكشاف حكمها واسرارها وعليك ان تتوسل في استرشادك من كتاب الله بأحاديث رسوله المختار إذ هي مبينة له كاشفة عن سرائره ومرموزاته موضحة لما فيه من الغوامض متكفلة لحفظ عقيدتك عن التزلزل والانحراف عن جادة الهداية موصلة لك بقدر قابليتك الى مسائل مسالك التوحيد فلك ان تواظب على الاستفادة منها ناويا في استفادتك استخلاص نفسك عن ربقة التقليد مستقبلا في سلوكك هذا الى مقر المعرفة ومقصد التوحيد مشمرا ذيلك عن جميع ما يعوقك ويمنعك عن لوازم بشريتك ملتجأ نحو الحق في عموم حالاتك مستمدا في سلوكك هذا عن ارباب الولاء الوالهين في مطالعة جمال الله والعرفاء الواصلين الى فضاء وحدته وصفاء بقائه منخلعين عن جلباب ناسوتهم بالمرة بحيث لا يلتفتون الى لوازم بشريتهم أصلا الا وهم البدلاء الحائرون الحاضرون الوالهون الواصلون الفانون الباقون المتحققون الا ان أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون رب اجعلنا بفضلك من خدامهم وتراب اقدامهم

سورة الأنفال

فاتحة سورة الأنفال

لا يخفى على ذوى الألباب المستكشفين عن لب التوحيد المستنزهين عن قشوره ان من لم يترق ممن يتأتى منهم الهداية والسلوك في سبيل التوحيد عن المرتبة الحيوانية ولم يصل الى الدرجة العلية الانسانية لم يثمر شجرة هويته وظهوره ثمرة المعرفة واليقين التي قد غرست لأجلها وظهرت لحصولها وبالجملة من لم نحيى بحياة العلم اللدني الأزلي الأبدي بل بقي على الجهل الجبلي الهيولاني فهو ميت حقيقة وان كان حيا صورة وبسبب موتهم وجهلهم هذا لا يستنشقون نسمات الروح ونفحات الحيوة الطيبة من أنفاس الأنبياء المبعوثين لإحيائهم بنفخ الروح الإلهي والنفس الرحمانى المظهر لهوياتهم المحيي لهياكلهم وماهياتهم من كتم العدم ولم يؤمنوا بهم ولم يصدقوهم فيما جاءوا به من عند ربهم بل كذبوهم وقاتلوا معهم وأصروا على جهلهم واستكبروا عليهم حسب حميتهم الحيوانية الجاهلية الساقطة المسقطة الضالة المضلة لذلك قد صارت دماؤهم مباحا وأموالهم فيأ عند العارف المحقق المتحقق بتوحيد الحق وشئونه المعتدلة وبالجملة أموالهم وما ينسب إليهم من جملة أرزاق الله التي لم يضف الى احد من خلقه ولم يقسم بين عباده إذ الحكمة في ترزيق العباد انما هي كسب المعرفة والتوحيد لذلك اخبر سبحانه نبيه ﷺ بكيفية تقسيم اموال الفيء والغنيمة مخاطبا له على وجه التعليم فقال سبحانه متيمنا بِسْمِ اللَّهِ المقسم لأرزاق العباد على العدل القويم الرَّحْمنِ لهم بإصلاح ما ظهر بينهم من المخالفة والنزاع باغواء الشيطان الرجيم الرَّحِيمِ لهم يوفقهم على ازدياد الهداية والايمان سيما باحكام كتابه الكريم

الآيات

سورة الأنفال (8): آية 1

يَسْئَلُونَكَ اى أصحابك ايها الرسول المبعوث على الخلق العظيم عَنِ الْأَنْفالِ اى عن قسمة الغنائم عبر سبحانه عنها بالنفل وهو في اللغة عطية زائدة اشترطها الامام لمن اقتحم على محل الخطر زيادة على سهمه كأنها زائدة على سهام الغزاة المجاهدين المقاتلين في سبيل الله لإعلاء كلمة الحق طلبا لمرضاته سبحانه وما يترتب عليه من اموال الدنيا انما هو بمنزلة النفل والعطية الزائدة على سهامهم التي هي المثوبة العظمى والمرتبة العليا عند الله قُلِ لهم يا أكمل الرسل الْأَنْفالِ كلها لِلَّهِ ومن مال الله وقسمتها مفوض اليه سبحانه وَالى الرَّسُولِ المستخلف منه النائب عنه سبحانه باذنه فَاتَّقُوا اللَّهَ ايها المؤمنون عن مخالفة امره وامر رسوله وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ

280