الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبيةالجزء 1 · ص 313 - 320

سورة التوبة (9): آية 75

سورة التوبة (9): آية 75

سورة التوبة (9): آية 76

سورة التوبة (9): آية 77

سورة التوبة (9): آية 78

سورة التوبة (9): آية 79

سورة التوبة (9): آية 80

سورة التوبة (9): آية 81

في هياكلهم وَان استظهروا واستنصروا من أوليائهم ما لَهُمْ فِي الْأَرْضِ بعد انتشار دين الإسلام في أقطارها مِنْ وَلِيٍّ يعينهم ويتولى أمرهم وَلا نَصِيرٍ ينصرهم من بأس الله وعذابه

وَمِنْهُمْ اى من المنافقين مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ مالا وأعطانا رزقا كثيرا لَنَصَّدَّقَنَّ منها للفقراء المستحقين وَلَنَكُونَنَّ بالبذل والانفاق وأداء الشكر مِنَ الصَّالِحِينَ الشاكرين المنفقين طلبا لمرضاة الله

فَلَمَّا آتاهُمْ الله مِنْ فَضْلِهِ ما طلبوا منه بَخِلُوا بِهِ ومنعوا حق الله منه وَتَوَلَّوْا عن امتثال امر الله وانصرفوا عن اطاعة رسوله وَبالجملة هُمْ قوم مُعْرِضُونَ عادتهم الاعراض عن اطاعة الله ورسوله بخبث طينتهم

فَأَعْقَبَهُمْ الله بسبب فعلهم هذا نِفاقًا راسخا متمكنا فِي قُلُوبِهِمْ مستمرا إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ اى الله سبحانه في يوم الجزاء فيجازيهم حسب نفاقهم وشقاقهم أسوأ الجزاء ذلك بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ ما وَعَدُوهُ من الصدق والصلاح والشكر والفلاح ونقضوا عهده وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ اى بكذبهم حين العهد والميثاق بلا موافقة من قبلهم

أَلَمْ يَعْلَمُوا حين هموا الى القول الكذب مع الله أَنَّ اللَّهَ المطلع لضمائرهم يَعْلَمُ بعلمه الحضوري سِرَّهُمْ اى اخلافهم الوعد عند حصول مطلوبهم وَنَجْواهُمْ اى مناجاتهم معه لا عن اخلاص ناش من محض المعرفة والايمان بالله والإقرار بربوبيته لرسوخ الكفر والشرك في جبلتهم وَلم يعلموا ايضا أَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ لا يعزب عن علمه مثقال ذرة لا في الأرض ولا في السماء فمن آمن بتوحيده واحاطة علمه وقدرته كيف يخرج عن مقتضى امره وأطاعته

ومن المنافقين المصرين على النفاق والشقاق مع المؤمنين هم الَّذِينَ يَلْمِزُونَ ويستهزؤن الْمُطَّوِّعِينَ المتطوعين مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي إعطاء الصَّدَقاتِ وَخصوصا المؤمنين الَّذِينَ لا يَجِدُونَ من الصدقة إِلَّا جُهْدَهُمْ اى يبذلون مقدار طاقتهم طلبا لمرضاة الله فَيَسْخَرُونَ أولئك اللامزون المستهزءون مِنْهُمْ اى من الذين بذلوا جهدهم في امر الصدقة قد سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ في الآخرة مجازاة عن سخريتهم هذه وَلَهُمْ فيها عَذابٌ أَلِيمٌ بدل ما تلذذوا بسخريتهم. وذلك انه ﷺ حث المؤمنين يوما على الصدقة فجاء عبد الرّحمن بن عوف باربعة آلاف دينار وقال لي ثمانية آلاف فاقرضت ربي اربعة وأمسكت لعيالي اربعة فقال ﷺ بارك الله لك فيما أعطيت وفيما أمسكت. واتى عاصم بن عدى بمائة اوسق من تمر وجاء عقيل الأنصاري بصاع تمر فقال بت ليلتي اجرّ بالجرير على صاعين وتركت صاعا لعيالي وأتيت بها فأمره رسول الله ﷺ ان ينثر على الصدقات تبركا فلمزهم المنافقون فقالوا ما اعطى عبد الرّحمن وعاصم الارياء وسمعة

ولقد كان الله ورسوله غنيين عن صاع عقيل ولكنه أحب ان يعد نفسه من المتصدقين فنزلت اسْتَغْفِرْ لَهُمْ يا أكمل الرسل لهؤلاء اللامزين المستهزئين المستسخرين من المؤمنين بانقاذهم من العذاب او تخفيفه أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سواء عند الله في انتقامهم وعذابهم بل إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لا مرة ولا مرتين بل سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ البتة لعظم جرمهم وفسقهم ذلِكَ اى عدم غفرانهم بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وأشركوا معه غيره في الألوهية مع انه منزه عن الشريك مطلقا وَرَسُولِهِ اى كذبوا برسوله وبعموم ما جاء به من عند ربه واستهزؤا بالمؤمنين المصدقين له المتصدقين في سبيل الله وَاللَّهُ الهادي لعباده لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ الخارجين عن مقتضى أوامر الله ونواهيه المسيئين الأدب مع الله ورسوله ومع المؤمنين.

ثم قال سبحانه

313

سورة التوبة (9): آية 82

سورة التوبة (9): آية 83

سورة التوبة (9): آية 84

سورة التوبة (9): آية 85

سورة التوبة (9): آية 86

سورة التوبة (9): آية 87

سورة التوبة (9): آية 88

سورة التوبة (9): آية 89

فَرِحَ المنافقون الْمُخَلَّفُونَ عن رسول الله المتخلفون لأمره المتمكنون بِمَقْعَدِهِمْ ومكان قعودهم خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ حين خرج الى غزوة تبوك وَما ذلك اى قعودهم واستقرارهم بعد رسول الله في مكانهم الا انهم قد كَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لخبث بواطنهم وقساوة قلوبهم وَقالُوا ايضا للمؤمنين تغريرا وتكسيلا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ اى لا تجاهدوا ولا تقاتلوا في الصيف حتى لا تضعفوا أنتم ومواشيكم قُلْ لهم يا أكمل الرسل نارُ جَهَنَّمَ البعد والخذلان التي قد استوجبتم بها بتخلفكم وقعودكم عن الجهاد أَشَدُّ حَرًّا وابلغ احراقا وايلاما لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ ويفهمون ما هي وكيف هي لم يختاروها على حر الدنيا

وبالجملة فَلْيَضْحَكُوا أولئك المتخلفون الهالكون في العذاب المؤبد والوبال المخلد قَلِيلًا في الدنيا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا فيها لما لحقهم بعد خروجهم منها من انواع العذاب والنكال جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ فيها من الجرائم العظام والمعاصي والآثام

فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ وردك عن غزوتك هذه اى غزوة تبوك إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ اى من المتخلفين المستأذنين وهم الذين قعدوا في المدينة بلا عذر وبعد ما قصدت غزوة اخرى فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ تلافيا لما مضى فَقُلْ لهم لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ الى الجهاد أَبَدًا وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا أصلا إِنَّكُمْ قوم قد رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ والتخلف أَوَّلَ مَرَّةٍ بلا عذر بل عن خديعة وغدر فَاقْعُدُوا أنتم دائما مَعَ الْخالِفِينَ المعذورين من النساء والصبيان والزمنى والمرضى

وَمتى ظهر لك حال أولئك الغواة الطغاة الهالكين في النقض والنفاق لا تُصَلِّ ولا تدع عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَدًا اى بعد ورود النهى أصلا وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ لتستغفر له إِنَّهُمْ من خبث بواطنهم قوم قد كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ في حال حياتهم وَماتُوا على الكفر ايضا وَهُمْ فاسِقُونَ مجبولون على الفسق في اصل فطرتهم

وَبعد ما تحقق عندك يا أكمل الرسل كفرهم وظهر فسقهم وخروجهم عن مقتضى الحدود الإلهية لا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ التي هي وبال عليهم إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ المضل المذل لعصاة عباده أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الدُّنْيا بأنواع الحوادث والمصيبات وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ اى يخرج أرواحهم عن اجسادهم وصار ميلهم ومحبتهم منوطة بها وَبالجملة هُمْ كافِرُونَ بالله غير معترفين بألوهيته وربوبيته

وَمن شدة نفاقهم وبغضهم مع الله ورسوله إِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ من القرآن ناطقة أَنْ آمِنُوا ايها المكلفون بِاللَّهِ وَجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ في سبيله اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ والسعة مِنْهُمْ اى صناديدهم وعظماؤهم خوفا من أموالهم وأنفسهم وَقالُوا ذَرْنا ودعنا نَكُنْ مَعَ الْقاعِدِينَ المعذورين الغير القادرين

وبالجملة قد رَضُوا أولئك الغواة مع قوتهم وسعتهم بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ اى الضعفاء الفاقدين للقوة والسعة وَما ذلك الا ان طُبِعَ وختم عَلى قُلُوبِهِمْ بالكفر والضلال فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ قبح ما جاءوا به من المخالفة والقعود مع أولئك المعذورين ولذلك لم يأتوا بالمأمور ولم يمتثلوا به

لكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وامتثلوا لأمر الله وانقادوا لحكمه سمعا وطاعة قد جاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ في سبيله ابتغاء لمرضاته وتثبيتا في دينه وَأُولئِكَ المؤمنون المجاهدون لَهُمُ الْخَيْراتُ والمثوبات العظمى والدرجات العليا عند الله وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ الفائزون عنده سبحانه بما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر

وبالجملة قد أَعَدَّ اللَّهُ

314

سورة التوبة (9): آية 90

سورة التوبة (9): آية 91

سورة التوبة (9): آية 92

سورة التوبة (9): آية 93

سورة التوبة (9): آية 94

المجازى لخلص عباده لَهُمْ اى لهؤلاء المجاهدين المرابطين قلوبهم مع الله ورسوله الباذلين مهجهم في سبيله جَنَّاتٍ متنزهات علمية وغيبية وحقية تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ الكشوف والشهود والواردات الغيبية والإلهامات القدسية لا دفعة ولا دفعات بل خالِدِينَ فِيها ابدا مستمرا ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ واللطف العميم لهؤلاء المخلصين المختصين بالعناية الازلية والسعادة السرمدية

وَمتى جاءت ونزلت سورة ناطقة بالقتال والجهاد جاءَ الْمُعَذِّرُونَ بالأعذار الكاذبة ومن في قلوبهم مرض مِنَ الْأَعْرابِ الذين لا اطمئنان لهم في الايمان لِيُؤْذَنَ لَهُمْ بالقعود وعدم الخروج الى الجهاد وَقَعَدَ المصرون الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ من غير مبالاة بأمر الله واطاعة رسوله لا تبال بهم وبمخالفتهم وكذبهم إذ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ بعد افتضاحهم وظهور نفاقهم عَذابٌ أَلِيمٌ في الدنيا والآخرة بحيث لا نجاة لهم من العذاب أصلا

ثم قال سبحانه لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ الفاقدين استطاعة الحرب ولو كانوا أصحاء كالنسوان والصبيان والشيوخ وَلا عَلَى الْمَرْضى الفاقدين الاستطاعة بعروض العوارض كالعمى والعرج والزمانة وغيرها وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ للزاد والسلاح والمركب وغيرها حَرَجٌ اى اثم ومعصية في قعودهم وتخلفهم إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ اى أخلصوا في الايمان والإطاعة بالله ورسوله بلا مرض مكنون في قلوبهم ودعوا دائما للمجاهدين والغزاة خيرا وأحسنوا مع اهل بيتهم وأطفالهم وفعلوا معهم خيرا ان استطاعوا وبالجملة ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ القاعدين المعذورين المخلصين مع الله ورسوله والمؤمنين مِنْ سَبِيلٍ في المعاتبة والحرج الدنيوي فضلا عن العقاب والعتاب الأخروي بل هم من جملة المجاهدين وزمرتهم فيها وَاللَّهُ المطلع لضمائرهم غَفُورٌ لذنوبهم رَحِيمٌ لهم يجازيهم على قعودهم هذا خيرا لكونهم معذورين فيه

وَلا حرج ولا عقاب ايضا عَلَى المؤمنين المخلصين الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ حين هممت أنت يا أكمل الرسل وعزمت الى الخروج لِتَحْمِلَهُمْ على الخفاف المرقوعة والنعال المخصوفة معقل بن يسار وصخر بن خنساء وعبد الله بن كعب وغيرهم حتى يبلغوا مكان العدو قُلْتَ لهم لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وانصرفوا من عندك آيسين وَأَعْيُنُهُمْ حين توليهم وانصرافهم تَفِيضُ وتسيل مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا وأسفا أَلَّا يَجِدُوا اى لئلا يجدوا ما يُنْفِقُونَ حتى يبلغوا المعركة ويحضروا الوغاء فهؤلاء ايضا لا عتاب لهم ولا عقاب بل يرجى لهم الأجر الجزيل من الله لإخلاصهم واسفهم

بل إِنَّمَا السَّبِيلُ بالمعاتبة والمعاقبة وانواع العذاب عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ بالقعود معتذرين وَالحال انه هُمْ أَغْنِياءُ مستطيعون قادرون بالجسد والمال الا انهم قد رَضُوا من خبث بواطنهم ومرض قلوبهم بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ المعذورين الغير المستطيعين وَما ذلك الا ان طَبَعَ اللَّهُ المذل المضل لأهل الغفلة والعناد عَلى قُلُوبِهِمْ بالجهل والضلال فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ جهلهم وضلالهم حتى يتسببوا لازاحتهما وازالتهما

ومع ذلك يَعْتَذِرُونَ أولئك المستأذنون المستطيعون إِلَيْكُمْ ايها المؤمنون إِذا رَجَعْتُمْ من غزوتكم هذه إِلَيْهِمْ بان يكونوا معكم في عموم غزواتكم ويأتون بالأعذار الكاذبة الغير المطابقة للواقع تسلية لكم وتغريرا وتتميما لنفاقهم قُلْ يا أكمل الرسل تعليما للمؤمنين في مقابلة اعذارهم لا تَعْتَذِرُوا منا مراء ومداهنة انا لَنْ نُؤْمِنَ ولن نصدق لَكُمْ سيما قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ المطلع لضمائركم وبما يجرى في صدوركم بالوحي على رسوله مِنْ أَخْبارِكُمْ التي

315

سورة التوبة (9): آية 95

سورة التوبة (9): آية 96

سورة التوبة (9): آية 97

سورة التوبة (9): آية 98

سورة التوبة (9): آية 99

تكتمونها أنتم في نفوسكم من الشر والفساد بالنسبة إلينا والى نبينا وَكيف تعتذرون أنتم عن جرائمكم وتلبسونها مع انه سَيَرَى اللَّهُ الناقد البصير عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ فتفتضحون حينئذ على رؤس الاشهاد ثُمَّ تُرَدُّونَ في النشأة الاخرى إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ وتحاسبون عنده عليه فَيُنَبِّئُكُمْ ويظهر عليكم مفصلا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ في النشأة الاولى فيجازيكم على مقتضى علمه وخبرته

ومن جملة نفاقهم وتلبيسهم انهم سَيَحْلِفُونَ ويقسمون بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ ورجعتم مشتكين معاتبين إِلَيْهِمْ عن قعودهم وتخلفهم انما غرضهم من الحلف الكاذب تغريركم وتلبيسكم لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ وعن عتابهم ولا تسألوا عن مخالفتهم وقعودهم فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ وعن عتابهم قبل حلفهم وتلبيسهم ولا تلتفتوا إليهم إِنَّهُمْ في أنفسهم رِجْسٌ اى جبلتهم مجبولة على الخباثة والنجاسة لا تقبل التطهير بالتأديب أصلا وَمَأْواهُمْ اى مرجعهم ومنقلبهم في النشأة الاخرى جَهَنَّمُ الطرد والخذلان جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ في النشأة الاولى من الكفر والنفاق والإصرار على الشرك والشقاق

وانما يَحْلِفُونَ لَكُمْ حين عتابكم وشكواكم لِتَرْضَوْا أنتم عَنْهُمْ وتقبلوا إخلاصهم ومودتهم وتكونوا معهم كما كنتم فَإِنْ تَرْضَوْا أنتم عَنْهُمْ بمجرد حلفهم الكاذب وتغريرهم الفاسد لا يغنى ولا يدفع رضاكم عنهم شيأ من غضب الله عليهم فَإِنَّ اللَّهَ المطلع لما في ضمائرهم من الأكنة المكنونة والنفاق المدفون لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ الخارجين عن مقتضى الأوامر والنواهي الواردة لتطهير النفوس الخبيثة عن أرجاس الطبيعة وتصفيتها عن ادناس الأخلاق الذميمة العائقة عن الوصول الى مقر التوحيد.

ثم قال سبحانه الْأَعْرابُ اى اهل الوبر المترددون في البوادي المنهمكون في الغي والضلال والعتو والعناد أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفاقًا من اهل المدر المستأنسين مع العقلاء المستفيدين منهم وَلشدة شكيمة أولئك الاعراب وفرط جهلهم وعدم قابليتهم أَجْدَرُ اى أحق وأليق أَلَّا يَعْلَمُوا اى بان لا يعلموا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ المدبر المصلح لأحوال عباده عَلى رَسُولِهِ النائب عنه المتكفل لإرشاد عباده بوحيه والهامه بإقامة حدوده المنزلة من الأوامر والنواهي المستلزمة لتأديبهم في معاشهم ومعادهم إذ هم في غاية البعد عن الهداية والصلاح وتحمل التكاليف الإلهية مطلقا وَاللَّهُ المطلع لسرائر عباده عَلِيمٌ باستعداداتهم الكامنة فيهم حَكِيمٌ في الزام التكليف عليهم

وَمِنَ منافقي الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ اى يعد ويحسب ما يُنْفِقُ بأمر الله في سبيله مَغْرَمًا ويتخيله غرامة وخسرانا لعدم إيمانه واعتقاده بترتب الثواب عليه بل انما ينفق ما ينفق رياء وسمعة وتقية وَمن خباثة باطنه يَتَرَبَّصُ اى يترقب وينتظر بِكُمُ الدَّوائِرَ اى نوائب الزمان الدائرة عليكم لينقلب الأمر ويتحول الحال ويخلص من الانفاق بالنفاق بل يدور عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ على عكس مرامهم دائما متجددا مستمرا وَاللَّهُ المراقب عليهم سَمِيعٌ لمناجاتهم عَلِيمٌ بنياتهم وحاجاتهم يدبر عليهم ويعيد إليهم ما يتربصون بكم من الدوائر

وَمِنَ مخلصى الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ اى يوقن ويذعن بتوحيده وَالْيَوْمِ الْآخِرِ اى يصدق باليوم الآخر المعد لجزاء الأعمال وترتب المثوبات بالقربات والصدقات وَيَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ في سبيل الله قُرُباتٍ ونيل مثوبات ورفع درجات عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَواتِ الرَّسُولِ اى سبب استغفاره ﷺ ودعائه له أَلا إِنَّها اى تنبهوا ان ما يتصدقون به أولئك المؤمنون المخلصون المتقربون قُرْبَةٌ لَهُمْ وسبب

316

سورة التوبة (9): آية 100

سورة التوبة (9): آية 101

سورة التوبة (9): آية 102

سورة التوبة (9): آية 103

وصولهم اليه سبحانه سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ الموفق لهم الرقيب عليهم فِي سعة رَحْمَتِهِ وجوده بعد انقضاء النشأة الاولى إِنَّ اللَّهَ المصلح لأحوالهم غَفُورٌ لما صدر عنهم من المعاصي قبل ايمانهم رَحِيمٌ لهم يقبل بعد ايمانهم وإخلاصهم ما يتقربون به طلبا لمرضاته

وَالسَّابِقُونَ في الايمان المبادرون الى التصديق وقبول الاحكام الْأَوَّلُونَ الأقدمون بمتابعة الرسول ﷺ مِنَ الْمُهاجِرِينَ الذين قد هاجروا من مألوفات نفوسهم ومشتهيات طباعهم الى الفناء في الله وَالْأَنْصارِ الأبرار الذين سلكوا نحو الحق بالرياضات والمجاهدات الشاقة المزيحة لدرن التعلقات ورين الإضافات المانعة من التوجه الحقيقي وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ واقتفوا أثرهم من اهل الطلب والارادة بِإِحْسانٍ اى بلا تمايل الى الرياء والسمعة والعجب والنخوة أولئك المبرورون المقبولون قد رضي الله عنهم لتحققهم بمرتبة الإخلاص والتسليم وَايضا هم قد رَضُوا عَنْهُ سبحانه لإيصالهم الى مقر التوحيد وفضاء الفناء المثمر للبقاء الأبدي والحيوة السرمدية وَأَعَدَّ لَهُمْ سبحانه في حوزة حمايته وروضة بقائه جَنَّاتٍ متنزهات تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ مملوة من مياه العلوم اللدنية والمعارف الحقيقية الحقية خالِدِينَ فِيها أَبَدًا لا يتحولون عنها أصلا ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ واللطيف الجسيم لأهل العناية من ارباب المحبة والولاء المنخلعين عن جلباب ناسوتهم بالكلية

وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ ايها المؤمنون مِنَ الْأَعْرابِ الذين يسكنون في البوادي قوم هم مُنافِقُونَ معكم وان أظهروا المودة والإخاء والايمان على طرف اللسان لا تبالوا بايمانهم ولا تغفلوا عن مكرهم وخداعهم وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ايضا قوم قد مَرَدُوا رسخوا وثبتوا عَلَى النِّفاقِ ومن شدة نفاقهم وتمرنهم عليه صاروا بحيث لا تَعْلَمُهُمْ ايها المتصف بالفراسة الكاملة من نهاية تلبيسهم واخفائهم بل نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ونعلم ما في ضمائرهم من الخيالات الفاسدة سَنُعَذِّبُهُمْ في الدنيا مَرَّتَيْنِ مرة بتفضيحهم واظهار ما في قلوبهم من الأكنة والشقاق والشقاوة ومرة بقتلهم وسبيهم واجلائهم ثُمَّ يُرَدُّونَ بعد انقضاء النشأة الاولى إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ هو حرمانهم وانحطاطهم عن المرتبة الكاملة الانسانية التي هي مرتبة الخلافة والنيابة الجامعة لعموم المراتب الكونية والكيانية

وَمن اهل المدينة ايضا قوم آخَرُونَ ليسوا من المصرين على النفاق المتمرنين فيه بل قد اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ التي صدرت عنهم من المخالفة والبغض والطعن والاستخفاف والغيبة حين خلوا مع المنافقين المتمرنين على النفاق وهم وان صدر عنهم الايمان والإخلاص ولكن هم قد خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا من الإخلاص والرضا والتسليم وَعملا آخَرَ سَيِّئًا وهو اتفاقهم مع المنافقين في خوضهم وطعنهم وبذلك قد انحطوا عن رتبة المؤمنين المخلصين في عموم أحوالهم عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ويوفقهم على التوبة والندامة ويقبل منهم توبتهم بعد ما أخلصوا فيها إِنَّ اللَّهَ المصلح لأحوال عباده غَفُورٌ لمن تاب وندم عن ظهر القلب رَحِيمٌ يقبل توبتهم وان افرطوا

خُذْ يا أكمل الرسل مِنْ أَمْوالِهِمْ اى من اموال هؤلاء المذنبين التائبين النادمين عما صدر عنهم من المخالفة حين أذنوا لك ان تخرج أنت منها صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ عن ادناس الطبيعة المولعة لحب المال والحرص في جمعها ونمائها وَتُزَكِّيهِمْ بِها اى تصفى بواطنهم عن الشواغل العائقة عن اللذات الروحانية وَصَلِّ عَلَيْهِمْ واستغفر لذنوبهم وادع لهم بالدعاء الخير

317

سورة التوبة (9): آية 104

سورة التوبة (9): آية 105

سورة التوبة (9): آية 106

سورة التوبة (9): آية 107

سورة التوبة (9): آية 108

إِنَّ صَلاتَكَ إياهم والتفاتك بحالهم سَكَنٌ لَهُمْ وسكينة لقلوبهم ووقار وطمأنينة لنفوسهم وسبب لتقررهم وتثبتهم على جادة التوحيد والايمان وَاللَّهُ المراقب عليهم في عموم حالاتهم سَمِيعٌ لإخلاصهم ومناجاتهم عَلِيمٌ بنياتهم وحاجاتهم

أَلَمْ يَعْلَمُوا أولئك التائبون النادمون المخلصون المتضرعون المسترجعون نحو الحق على عفو زلاتهم وتقصيراتهم أَنَّ اللَّهَ المصلح لأحوالهم هُوَ سبحانه بلطفه وفضله يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ خلص عِبادِهِ بعد ما وفقهم عليها ويتجاوز عن سيئاتهم وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ من أموالهم اى يقبلها منهم تطهيرا لقلوبهم عما يشوشهم من رذائل هوياتهم وأثقال تعيناتهم ليشمروا نحو الحق محقين وَلم يعملوا أَنَّ اللَّهَ المتفضل لعباده هُوَ التَّوَّابُ الرجاع لهم من مقتضيات نفوسهم نحو جنابه الرَّحِيمُ عليهم يوصلهم الى بابه ان أخلصوا في سلوكهم وتوجههم

وَقُلِ يا أكمل الرسل للمتخلفين من الاعراب اعْمَلُوا ما شئتم من الكفر والنفاق فَسَيَرَى اللَّهُ الرقيب عليكم عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ايضا بوحيه سبحانه والهامه وَالْمُؤْمِنُونَ ايضا بتبليغه ﷺ وَاعلموا ايها الغواة الطغاة المحرومون سَتُرَدُّونَ للحساب والجزاء إِلى عالِمِ الْغَيْبِ اى السرائر والخفايا التي أنتم تسرونها من الكفر والمعاصي وانواع الضلالات والجهالات وَالشَّهادَةِ اى التي أنتم تعلنون بها فَيُنَبِّئُكُمْ ويخبركم سبحانه على التفصيل الذي صدر عنكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ من طغيان نفوسكم ويجازيكم عليها

وَآخَرُونَ من المتخلفين بعد ما تنبهوا بقبح صنيعهم مُرْجَوْنَ مؤخرون منتظرون لِأَمْرِ اللَّهِ وحكمه وصاروا مترددين بين الخوف والرجاء في ما فعل الله معهم إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ أخذا على ما قد صدر عنهم بمقتضى عدله وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ ويوفقهم على التوبة حسب فضله وسعة رحمته وَاللَّهُ المطلع لخفيات صدورهم عَلِيمٌ باخلاصهم ونياتهم حَكِيمٌ في فعله بهم بعد علمه بحالهم

وَمن أشد الاعراب كفرا ونفاقا وأغلظهم بغضا وشقاقا هم الَّذِينَ اتَّخَذُوا تلبيسا وتغريرا مَسْجِدًا قاصدين في بنائه ضِرارًا مضرة وسوأ لرسول الله وللمؤمنين وَكُفْرًا اى اشتدادا وزيادة فيه إذ هم قد قصدوا ببنائه وإنشائه قتل رسول الله ومن معه من المؤمنين فيه وَقصدوا ايضا تَفْرِيقًا وتشتيتا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ المجتمعين في مسجد قباء وَبالجملة انما يبنونه إِرْصادًا اى ترقبا وانتظارا لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وهو ابو عامر الراهب الذي حارب مع المؤمنين مِنْ قَبْلُ يوم حنين فانهزم فهرب الى الشأم ليذهب الى قيصر فيأتى بجنود وهم منتظرون مجيئه وَبعد ما قد ظهر نفاقهم وخداعهم بوحي الله والهامه على رسوله لَيَحْلِفُنَّ وليقسمن بالإيمان الغليظة إِنْ أَرَدْنا وما قصدنا ببنائه إِلَّا الْحُسْنى والخير والصلاة المقربة لنا نحو الحق والذكر والتسبيح والتوسعة على المؤمنين وازدياد شعائر الإسلام ومعالم الدين القويم وَاللَّهُ المطلع لضمائرهم ومخايلهم يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ في حلفهم وايمانهم هذه وإذا عرفت يا أكمل الرسل حالهم وحلفهم وسوء قصدهم وفعالهم

لا تَقُمْ فِيهِ اى في المسجد الضرار أَبَدًا للتوجه والصلاة إذ هو مبنى على الخداع والتزوير والله لَمَسْجِدٌ مبارك قد أُسِّسَ وبنى عَلَى التَّقْوى عن مطلق المحارم خالصا لرضاه سبحانه مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ بنى وهو مسجد قباء أَحَقُّ أليق واولى أَنْ تَقُومَ أنت يا أكمل الرسل فِيهِ للصلاة والميل نحو الحق والمناجاة معه سبحانه مع انه فِيهِ وفي حواليه رِجالٌ مؤمنون مخلصون كاملون في الايمان بحيث يُحِبُّونَ دائما مستمرا

318

سورة التوبة (9): آية 109

سورة التوبة (9): آية 110

سورة التوبة (9): آية 111

سورة التوبة (9): آية 112

أَنْ يَتَطَهَّرُوا عن المعاصي والآثام ويتوجهوا نحو الحق برفض الشواغل ونفض العوائق والعلائق وَاللَّهُ المطلع بنياتهم يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ القاصدين تطهير ذواتهم عن التوجه الى ما سوى الحق المطلق بل عن هوياتهم وتعيناتهم الباطلة مطلقا

أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ ووضع بناءه عَلى تَقْوى الا وهي قاعدة محكمة وركن شديد وحصن منيع وسبب تحفظ وتحصن مِنَ غضب اللَّهِ وسخطه وَايضا على طلب رِضْوانٍ ومثوبة عظيمة ومنزلة رفيعة منه سبحانه خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ اى على طرف واد قد جوفه السيول والأمطار فسقط البعض واشرف الباقي على السقوط والانهدام فوضع عليه بناءه فَانْهارَ بِهِ وسقط معه من بناه واقامه فِي نارِ جَهَنَّمَ اى الوادي الغائر الهائر المملو من نيران الحرمان والخذلان وَاللَّهُ الهادي لخلص عباده لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ الخارجين عن مقتضى أوامره ونواهيه ومن شدة غيظهم وخبث باطنهم

لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا يورث ويزيد رِيبَةً شكا وريبا متزايدا فِي قُلُوبِهِمْ مترشحا فيها إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ بنيران الحسرة وتفتتت وتلاشت بهجوم اهوال العذاب الهائل عليها الى حيث لا يتأتى منها الإدراك وَاللَّهُ عَلِيمٌ بمخايلهم الكامنة في صدورهم حَكِيمٌ في جزائها وانتقامها

ثم قال سبحانه تبشيرا للمؤمنين الباذلين مهجهم في سبيل الله إِنَّ اللَّهَ المتفضل بالفضل العظيم قد اشْتَرى واستبدل مِنَ الْمُؤْمِنِينَ المخلصين الموقنين أَنْفُسَهُمْ وهوياتهم الفانية الباطلة الهالكة في حد ذاتها المبذولة في سبيله سبحانه في النشأة الاولى وَأَمْوالَهُمْ المصروفة فيها ايضا بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ الباقية واللذة المستمرة الدائمة بدلها لذلك يُقاتِلُونَ أولئك الممتثلون لأمر الله المصدقون لوعده فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ أعداءه ويستحقون المثوبة التي قد وعد من لدنه سبحانه للغزاة المجاهدين وَيُقْتَلُونَ ايضا يصلون الى درجة الشهداء الذين هم احياء عند الله يرزقون من موائد افضاله فرحون بما وعدوا من عنده سبحانه وَعْدًا عَلَيْهِ بلا خلف فيه حَقًّا ثابتا مثبتا مكتوبا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ المنزلة من لدنه سبحانه وَبالجملة مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ ووفى المعهود فقد استحق مِنَ اللَّهِ الوعد الموعود فَاسْتَبْشِرُوا وافرحوا واربحوا ايها المؤمنون بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ مع ربكم حيث استبدلتم الفاني الزائل بالباقي المستمر الدائم وَبالجملة ذلِكَ الموعود الذي قد وعد لكم هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ والفضل الكريم المعد لأرباب العناية والقبول

الا وهم التَّائِبُونَ النادمون على ما جرى عليهم من المعاصي والآثام المحافظون عليها بلا مراجعة أصلا الْعابِدُونَ بالعزائم الصحيحة الخالصة الصافية عن مطلق الكدورات والإخلاص التام في نيات الطاعات الْحامِدُونَ الشاكرون الصارفون عموم ما اعطاهم الحق من النعم والقوى والآلات الى ما خلق لأجله السَّائِحُونَ السائرون السالكون في سبيل الهداية والرشد لازدياد المعارف والحقائق الرَّاكِعُونَ المتواضعون المنكسرون المتذللون عند عموم مظاهر الحق تكريما له سبحانه وتعظيما لشأنه السَّاجِدُونَ المتذللون الواضعون جباههم على تراب المذلة والهوان خضوعا وانقيادا ميلا ودعاء الى الله في عموم حالاتهم الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ المستحسن عقلا وشرعا بالقلب واللسان وعموم الجوارح والأركان وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ المستقبح عقلا وشرعا على الوجه الذي ورد الشرع به وَبالجملة هم الْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ الموضوعة بين ارباب التكاليف قابلين لسلوك مسالك التوحيد

319

سورة التوبة (9): آية 113

سورة التوبة (9): آية 114

سورة التوبة (9): آية 115

سورة التوبة (9): آية 116

سورة التوبة (9): آية 117

والتحقيق مطلقا وَبَشِّرِ يا أكمل الرسل الْمُؤْمِنِينَ الموصوفين بهذه الصفات الجميلة باللذات التي لا يمكن وصفها بلسان التعبير من لدن حكيم خبير.

ثم قال سبحانه على طريق النهى عموما ما كانَ اى ما صح وما جاز لِلنَّبِيِّ الأمي الهاشمي المبعوث الى كافة البرايا بالهداية العامة والإرشاد الكامل الشامل وَالَّذِينَ آمَنُوا معه وأخلصوا فيه أَنْ يَسْتَغْفِرُوا ويشفعوا لِلْمُشْرِكِينَ المصرين على الكفر والعناد لا بتخفيف العذاب عنهم ولا بدخول الجنة وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى من النسب إذ لا عبرة لقرابة النسب بل القرابة المعتبرة عند الله هي قرابة الدين والايمان سيما مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ موت اقربائهم على الكفر والجاهلية وظهر عندهم أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ اى ملازموها وملاصقوها لا نجاة لهم منها لاصرارهم على موجباتها

وَلا يرد على هذا استغفار ابراهيم عليه السلام لأبيه إذ ما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ آزر على سبيل الشفقة والشفاعة والعطف الموجب لها بل ما هو إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وعهد قد وَعَدَها إِيَّاهُ حين أراد ان يخرجه من الكفر والشرك بان يستغفر له ما تقدم من ذنبه ان آمن فاستغفر قبل الايمان انجازا لوعده ليلين قلبه فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ وظهر عنده أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ مصر على كفره مطبوع على قلبه مختوم بختام الجهل والغفلة تَبَرَّأَ مِنْهُ واسترجع الى الله الخليل الجليل منيبا عن اجترائه واستغفاره في حق أبيه الكافر مع عدم علمه باستعداده وبتوفيق الله إياه وبالجملة إِنَّ إِبْراهِيمَ مع كونه متحققا بمقام الخلة مع الله لَأَوَّاهٌ كثير التأوه والتحزن عن أمثال هذه الجرأة حَلِيمٌ كثير الشفقة والمرحمة على اهل الغفلة لظهوره على مقتضى اللطف والجمال

وَاعلموا ايها المؤمنون ما كانَ اللَّهُ المصلح لأحوال عباده لِيُضِلَّ قَوْمًا ويسميهم ضلالا وفساقا بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ على الايمان والإسلام حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ وينبه عليهم ما يَتَّقُونَ ويحذرون من المحارم والمعاصي لامتناع تكليف الغافل ثم بعد ارتكاب المحذر به يسميهم ما يسميهم ويأخذهم بما يأخذهم منتقما عليهم إِنَّ اللَّهَ المدبر لأمور عباده بِكُلِّ شَيْءٍ مما يتعلق بصلاحهم وإصلاحهم عَلِيمٌ لا يعزب عن علمه شيء فعليكم ايها المؤمنون ان تفوضوا أموركم كلها الى الله إذ الأمر كله لله

إِنَّ اللَّهَ المستقل بالالوهية والوجود لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وما فيها من النجوم والبروج والجنود التي لا اطلاع لنا عليها وَكذا ملك الْأَرْضِ وما عليها وكذا ملك ما بينهما من الكائنات والفاسدات يُحْيِي ويظهر بلطفه متى تعلق ارادته وَيُمِيتُ ويعدم ويخفى بقهره متى جرت مشيئته وَما لَكُمْ ايها المؤمنون الموقنون بتوحيد الله مِنْ دُونِ اللَّهِ الواحد الأحد الفرد الصمد الذي ليس معه شيء ولا دونه حي مِنْ وَلِيٍّ يتولى أموركم وَلا نَصِيرٍ ينصركم عليها

وبالجملة لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ ووفقه على التوبة والندامة بعد ما صدر عنه ﷺ اذن المخالفين المستأذنين المعتذرين بالأعذار الكاذبة تغريرا له وتلبيسا عليه مع عدم علمه بحالهم وَقد تاب ايضا على الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ نحو تبوك حين خرج إليها فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ وايام القحط إذ ليس لهم في تلك السفر لا زاد ولا راحلة ولا ماء حيث تعاقب عشرة على بعير وقسم تمر بين اثنين في يوم وشرب الفظ والفرث من شدة العطش لذلك قد تمايل على المخالفة والمراجعة كثير من الناس مِنْ بَعْدِ ما كادَ وقرب يَزِيغُ ويميل عن المتابعة قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ من قلة التصبر وكثرة المقاسات والأحزان ثُمَّ تابَ الله عَلَيْهِمْ ووفقهم على التوبة مما اخطروا

320