الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبيةالجزء 1 · ص 49 - 56

سورة البقرة (2): آية 115

سورة البقرة (2): آية 115

سورة البقرة (2): آية 116

سورة البقرة (2): آية 117

سورة البقرة (2): آية 118

وَلا يقتصر على المنع بل سَعى واجتهد فِي خَرابِها وتخريبها ليستأصلها ويخرجها عما تعد له مطلقا أُولئِكَ البعداء المشركون ما كانَ وما صح وجاز لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها اى المساجد لنجاستهم وخباثة طينتهم وان دخلوها أحيانا لحاجة فلا بد لهم ان لا يدخلوها إِلَّا خائِفِينَ خاضعين متذللين مستوحشين بحيث لم يتوجهوا يمنة ويسرة استحياء من الله بل منكسين رؤسهم على الأرض الى ان يخرجوا قل يا أكمل الرسل نيابة عنا لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ قتل واجلاء وسبى وذلة وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ حرمان عن الكمال الإنساني بكفرهم وظلمهم

وَقل للمؤمنين يا أكمل الرسل تسلية لهم وتفريحا لا تغتموا عن منعهم عنها وسعيهم في تخريبها ولا تحصروا توجهكم الى الله في الأمكنة المخصوصة بل لِلَّهِ المتجلى في الآفاق الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ هما كنايتان عن طرفي العالم فَأَيْنَما تُوَلُّوا وتوجهوا نحوه فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ اى ذاته إذ هو سبحانه بذاته منتهى عموم الأماكن والجهات مع انه خال عن جميعها محيط بكلها منزه عنها مطلقا إِنَّ اللَّهَ المتعالي عن مطلق التحديد والتقدير واسِعٌ أجل من ان يحيط به القلوب الا من وسعه الله بسعة رحمته كما اخبر سبحانه بقوله لا يسعني ارضى ولا سمائي بل يسعني قلب عبدى المؤمن عَلِيمٌ لا يغيب عن علمه شيء وحيث اتجهتم نحوه وتوجهتم اليه قد علمه سبحانه قبل توجهكم بل توجهكم انما هو منه فلا يتوجه اليه الا هو لا اله الا هو كل شيء هالك الا وجهه

ومن غاية جهلهم بالله الواسع العليم الذي لا يسعه الأرض والسماء ولا يحيطون بشيء من علمه الا بما شاء انهم حصروه سبحانه في شخص وخيلوه جسما واثبتوا له لوازم الأجسام وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا كعيسى وعزير عليهما السلام سبحانه وتعالى الصمد الفرد الذي شانه انه لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا احد عن ان يتخذ صاحبة وولدا بَلْ لَهُ مظاهر ما فِي السَّماواتِ وَكذا مظاهر ما في الْأَرْضِ يظهر عليها ويتجلى لها إظهارا لكمالاته المرتبة على صفاته المندرجة في ذاته ونسبته تعالى الى جميع المظاهر في التكوين والخلق على السواء من غير تفاوت وعيسى وعزير عليهما السلام ايضا من جملة المظاهر ولا شك ان مرجع جميع المظاهر والمجالى الى الظاهر والمتجلى إذ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ خاضعون منقادون معترفون على ما هم عليه قبل ظهورهم من العدم

مقرون بانه بَدِيعُ اى مبدع السَّماواتِ وَالْأَرْضِ من العدم بلا سبق مادة ومدة وَمن بدائع ابداعه انه إِذا قَضى وأراد أن يوجد ويظهر أَمْرًا من الأمور التي في خزائن علمه ولوح قضائه وكتابه المبين فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ إمضاء لحكمه وانفاذا لمقتضى ارادته كُنْ فَيَكُونُ بلا تراخ ولا مهلة بحيث لا يسع حرف التعقيب ايضا الا لضرورة التعبير والتقريب فالالفاظ بمعزل عن أداء سرعة نفوذ قضائه

وَلما ظهر واشتهر ان القرآن ناسخ لجميع الكتب السالفة مع كونه مصدقا لها ناطقا بان الكل منزلة من عند الله على الرسل الماضين الهادين الى طريق الحق وان حكم الناسخ ماض نافذ وحكم المنسوخ قد مضى ولم يبق اثره مع ان كلا منهما كلام الله المؤدى لحكمه حسب الزمانين قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ولا يعرفون ظهور الله وتجلياته سبحانه بحسب أسمائه الحسنى وصفاته العليا في كل آن وشأن لا كشان لا نقبل هذا الحكم ولا نؤمن به لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ مشافهة بان هذا ناسخ راجح وذاك منسوخ مرجوح أَوْ تَأْتِينا على يدي من يدعى الرسالة آيَةٌ ملجئة تدل على هذا الحكم بلا احتمال آخر وبعد ما لم يكن لا هذا ولا ذاك لا نقبله ولا نؤمن به ولا تستبعد منهم يا أكمل الرسل أمثال هذا القول الباطل إذ كَذلِكَ اى مثل ذلك الذي سمعت منهم

49

سورة البقرة (2): آية 119

سورة البقرة (2): آية 120

سورة البقرة (2): آية 121

سورة البقرة (2): آية 122

قالَ الَّذِينَ كفروا للأنبياء الماضين مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ هذا وهكذا بلا تفاوت واختلاف بل قد تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ المنكرة المخمرة بهذه الأباطيل الزائغة المموهة سابقا ولاحقا مع انا قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ المنزلة الدالة على توحيدنا لِقَوْمٍ ذوى قلوب صافية عن كدر الإنكار يُوقِنُونَ بها سرائر الآيات الظاهرة على الآفاق والأنفس وهم لأنهما هم في كدر الإمكان والإنكار لا يرجى منهم الايمان والإقرار

إِنَّا من مقام عظيم جودنا قد أَرْسَلْناكَ يا أكمل الرسل ملتبسا بِالْحَقِّ بَشِيرًا نحو طريق الحق وَنَذِيرًا عن طرق الباطل وَان لم يبشروا ولم ينذروا بعد ما بلغت إليهم التبشير والإنذار لا تُسْئَلُ أنت عَنْ أعراض أَصْحابِ الْجَحِيمِ المجبولين على الكفر والعناد في اصل قطرتهم بل نحن نسئل عنهم وعن اسباب اعراضهم وانصرافهم في يوم الجزاء فنجازيهم على مقتضى أعمالهم

وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصارى ابدا بمجرد المؤانسة واظهار المحبة وإرخاء العنان إياهم حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ التي ادعوا حقيتها بل قد حصروا الحقية والهداية عليها قُلْ لهم يا أكمل الرسل كلاما على وجه التذكير وإمحاض النصح إِنَّ هُدَى اللَّهِ الذي يهدى به عباده هُوَ الْهُدى النازل من عنده الا وهو دين الإسلام فاتبعوه ليهتدوا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ يا أكمل الرسل أنت ومن تبعك بعد ما ايستم أنتم عن اتباعهم بكم أَهْواءَهُمْ الباطلة بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ من لدنا على هدايتك وإهداء من تبعك ما لَكَ وقت تعلق مشية الله بمقتك وهلاكك مِنَ غضب اللَّهِ الهادي للكل الى سواء السبيل مِنْ وَلِيٍّ يحفظك من الضلال وَلا نَصِيرٍ يدفع عنك النكال

ثم قال سبحانه الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ واصطفيناهم من بين الأمم بإرسال الرسل وهم يَتْلُونَهُ اى الكتاب متأملين متدبرين لما يشتمل عليه من الأوامر والنواهي والمعارف والحقائق مراعين حَقَّ تِلاوَتِهِ بلا تحريف ولا تبديل أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وبما فيه من الاحكام والآيات والاخبار وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ بتحريفه وتبديله الى ما تهوى أنفسهم فَأُولئِكَ المحرفون المغيرون كتاب الله لمصلحة نفوسهم هُمُ الْخاسِرُونَ المقصورون على الخسران المؤبد والحرمان المخلد وهم الذين قد خسروا أنفسهم في الدنيا والآخرة بسبب تحريف كتاب الله وتبديله ثم لما خاطب سبحانه بنى إسرائيل أولا بايفاء العهد الذي هو شعار اهل الايمان وما يتعلق بايفاء العهد من الرجوع اليه سبحانه والايمان بكتبه ورسله وعدم المبادرة الى الكفر وعدم استبدال آيات الله الدالة على ذاته علما وعينا وحقا بالمزخرفات الفانية التي لا مدار لها أصلا وعدم لبس الحق الظاهر المكشوف المحقق بالباطل الموهوم المعدوم وباقام الصلاة وإيتاء الزكاة المنبئين عن التوجه الفطري والرجوع الحقيقي الأصلي بالركوع والسجود والخشوع على وجه التذلل والانكسار الى ان يصل العبد بإتيانه الى مقام الفناء في ذاته سبحانه بل الى فناء الفناء لينعكس البقاء الحقيقي ثم عير سبحانه تعييرا فوق تعيير على الناسين نفوسهم في الغفلة من غير توجه ورجوع ثم امر سبحانه خلص عباده باستعانة الصبر المورث للتمكين والصلاة المشعرة بالتوجه التام المسقط لجميع المعاصي والآثام لتصفية ذواتهم ثم خاطبهم سبحانه ثانيا وأوصاهم بشكر نعم تفضيلهم وتكريمهم على بنى نوعهم بأنواع الكرامات الدينية والدنياوية ثم حذرهم وخوفهم عن يوم الجزاء على وجه المبالغة والتأكيد لتصفية اوصافهم المتعلقة لأمور معاشهم في النشأة الاولى

ثم لما ذكر سبحانه كفرانهم وطغيانهم وعدم انقيادهم بالكتب والرسل وتكذيبهم الأنبياء وقتلهم إياهم من خباثة

50

سورة البقرة (2): آية 123

سورة البقرة (2): آية 124

سورة البقرة (2): آية 125

طينتهم ودنائة طبعهم وقساوة قلبهم وشدة عداوتهم مع المؤمنين وسوء صنيعهم مع الأنبياء الماضين كرر خطابه سبحانه إليهم ثالثا بما سبق ثانيا مبالغة وتأكيدا تلطيفا وامهالا كي يتنبهوا ومع ذلك لم يتنبهوا لخبث طينتهم فقال يا بَنِي إِسْرائِيلَ المعرضين عنى بأنواع الاعراضات والمعترضين على آياتي بأصناف الاعتراضات قد مضى ما مضى اذْكُرُوا واشكروا عموم نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ بمقتضى فضلي وإحساني إليكم وَلا سيما نعمة الجاه والتفضيل على جميع البرايا أَنِّي بحولي وطولى قد فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ من بنى نوعكم وامتثلوا لامرى ولا تتجاوزوا عن حكمى واحذروا عن قهري وانتقامي

وَاتَّقُوا يَوْمًا صفته انه لا تَجْزِي ولا تحمل نَفْسٌ مطيعة عَنْ نَفْسٍ عاصية شَيْئًا قليلا من أوزارها وَمع ذلك لا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ فدية حتى تخلص بها عن بطش الله وَايضا لا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ من شفيع حميم حتى يخفف عذابها لأجلها وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ من غيرهم في تحمل العذاب بل ما يحمل رزاياهم الا مطاياهم ومع هذه المبالغة والتأكيد قليلا منهم يؤمنون بخلاف الملة الحنيفية البيضاء الخليلية فإنهم بأجمعهم يرجى منهم الايمان بوحدانية الله ان أقاموا الصلاة اليه مخلصين الا المصلين الذينهم في صلاتهم ساهون بما يلهيهم من محبة المال والجاه عصمنا الله من ذلك

ثم لما ذكر سبحانه قصة بنى إسرائيل وانعامه عليهم بأنواع النعم وكفرانهم لنعمه من خبث طينتهم أراد أن يذكر طيب طينة الملة الخليلية وصفاء عقائدهم وتحملهم على الاختبارات والابتلاءات الإلهية فقال وَإِذِ ابْتَلى اى واذكر يا أكمل الرسل وقت ابتلاء أبيك إِبْراهِيمَ رَبُّهُ الذي قد ابتلاه واختبر خلته بأنواع البلاء من عذاب النار والمنجنيق وذبح الولد والاجلاء من الوطن وغير ذلك من البليات النازلة عليه بِكَلِماتٍ صادرة من ربه حين أراد اختباره فَأَتَمَّهُنَّ على الوجه المأمور بلا فتور ولا قصور تتميما لرتبة الخلة والخلافة ثم لما اختبر سبحانه خلة خليله بأنواع المحن والبلاء اظهر مقتضيات خلته إياه بأنواع العطاء حيث قالَ سبحانه إِنِّي من غاية محبتي وخلتي معك ايها الخليل الجليل جاعِلُكَ لِلنَّاسِ الناسين التوجه والرجوع الى إِمامًا مقتدى لهم هاديا يهديهم الى طريق التوحيد ولما رأى ابراهيم عليه السلام انبساط ربه معه وإحسانه اليه واظهار الخلة له قالَ وَاجعل يا رب مِنْ ذُرِّيَّتِي ايضا ائمة الى يوم الدين قالَ سبحانه تلطفا له وامتنانا عليه ومن ذريتك ايضا الصالحين منهم لا الفاسقين إذ لا يَنالُ عَهْدِي الذي هو خلعة نيابتي وخلافتي الظَّالِمِينَ المتجاوزين عن مقتضى حدودي وعهودى

وَبعد ما جعلناه اماما للناس هاديا لهم الى طريق الحق هيأنا له طريق الهداية والإرشاد إِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ اى الكعبة المعدة للتوجه إلينا بترك المألوفات وقطع التعلقات من الأهل والمال والوطن والاجتناب عن التصرفات المانعة عن التوجه الحقيقي من الرفث والفسوق والجدال والقتل وغير ذلك من الأمور المتعلقة للحياة المستعارة مَثابَةً موضع ثواب لِلنَّاسِ ليتقربوا إلينا ويتوجهوا نحونا فيها وَأَمْنًا من جميع المخاوف الدينية إذا كان الطواف والزيارة على نية الإخلاص وَبعد ما جعلنا البيت مثابة للناس قلنا للزائرين لها والطائفين حولها اتَّخِذُوا ايها الزوار مِنْ مَقامِ خليلنا إِبْراهِيمَ مُصَلًّى موضع ميل وتوجه اقتداء له صلوات الرّحمن عليه وَبعد ما أمرنا الزوار بما أمرنا قد عَهِدْنا ووصينا إِلى خليلنا إِبْراهِيمَ وَذبيحنا إِسْماعِيلَ ابنه عليهما السلام أَنْ طَهِّرا بالمظاهرة والمعاونة بَيْتِيَ المعد للطهارة الحقيقية عن جميع الشواغل لِلطَّائِفِينَ الذين قصدوا الميل الى جنابنا ببذل المهج

51

سورة البقرة (2): آية 126

سورة البقرة (2): آية 127

سورة البقرة (2): آية 128

سورة البقرة (2): آية 129

وَالْعاكِفِينَ المقيمين ببابنا رجاء ان تنكشف لهم اسرار التكاليف التي كلفوا بها وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ اى الراكعين الساجدين إلينا على وجه التذلل والانكسار حتى يتحققوا بمقام العبودية

وَبعد ما امرناهما بطهارة البيت واقدرناهما على امتثال المأمور اذكر إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ منيبا إلينا داعيا راجيا في دعائه النفع العام رَبِّ اجْعَلْ بيتك هذا بَلَدًا آمِنًا ذا أمن وأمان للمتوجهين إليها والعاكفين ببابها عن العلائق المانعة عن التوجه المعنوي وَبعد ما توجهوا نحو بيتك ارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ المترتبة على سرائر تعيينه وتخصيصه ووجوب طوافه على المستطيعين المنهمكين في الشواغل المانعة عن التوجه الى الكعبة الحقيقية الممثلة عنها هذا البلد ولما دعا ابراهيم بهذا الدعاء المجمل المطلق لهم فصل سبحانه اجابة دعائه بقوله مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ اى المتوجهين الزائرين بِاللَّهِ الواحد الأحد تعبدا وانقيادا وَالْيَوْمِ الْآخِرِ المحقق الوقوع إذعانا وتصديقا فلهم ما دعوت لهم من انواع الإفضال والانعام جزاء لهم واجابة لدعائك إياهم ثم قالَ سبحانه وَمَنْ كَفَرَ منهم وجحد بعد ما وضح لهم طريق الحق فَأُمَتِّعُهُ متاعا قَلِيلًا من مفاخرة الأقران والاستكبار على الاخوان وتفرج البلدان ثُمَّ أَضْطَرُّهُ بعد الجحود والإنكار إِلى عَذابِ النَّارِ بل أشد منه الا وهو حرمانه عن الفوائد المترتبة على الطواف والزيارة المنبئة عن الوصول الى مرتبة العبودية المخلصة عن جهنم الإمكان الذي هو مصير اهل الكفر والطغيان وَبِئْسَ الْمَصِيرُ مصيرهم إذ لا نجاة لاحد منه عصمنا الله وعموم عباده منه بمنه وجوده

وَاذكر يا أكمل الرسل وقت إِذْ يَرْفَعُ ويحمل جدك إِبْراهِيمُ الاواه المنيب الْقَواعِدَ اى التكاليف الشاقة الناشئة مِنَ إنشاء الْبَيْتِ المعد للاهتداء الى كعبة الوصول من التجريد عن لوازم الحيوة ومقتضيات الأوصاف المترتبة عليها وترك المألوفات وقطع التعلقات العائقة عن الموت الإرادي الموصل الى مقر الوحدة المفنية للكثرة الموهومة المستتبعة للبعد والفراق عن فضاء التوحيد وَأبوك ايضا إِسْماعِيلُ الراضي بقضاء الله المرضى بعموم ما جرى عليه من البلاء واذكر ايضا دعائهما ومناجاتهما مع ربهما بعد ما احتملا المتاعب والمشاق بقولهما رَبَّنا يا من ربانا بأنواع المنح والعطايا التي ليست في وسعنا وقدرتنا تَقَبَّلْ مِنَّا ما اقدرتنا عليه إِنَّكَ أَنْتَ القادر المقتدر بجميع حاجاتنا السَّمِيعُ المجيب لعموم مناجاتنا قبل لقائنا إليك يا مولانا الْعَلِيمُ بنياتنا واخلاصنا فيها

رَبَّنا وَاجْعَلْنا بفضلك مُسْلِمَيْنِ لَكَ مفوضين جميع أمورنا إليك مخلصين فيها ربنا وَاجعل ايضا مِنْ ذُرِّيَّتِنا المنتسبين إلينا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ مطيعة لأمرك وَأَرِنا واكشف لنا ولهم مَناسِكَنا اى سرائر أعمالنا التي نعملها على مقتضى أمرك وتكليفك وَان أخطأنا وانصرفنا عما امرتنا به تُبْ عَلَيْنا واعف عما جرى علينا من لوازم بشريتنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرجاع للعباد العاصين الخاطئين عن خطاياهم الرَّحِيمُ بقبول توبتهم وان نقضوها مرارا وتابوا عنها تكرارا ثم لما كان الغالب عليهما عليهما السلام توحيد الصفات والأفعال دعوا ربهما متضرعين ان يبعث من ذريتهما من يغلب عليه توحيد الذات

فقالا رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ اى في الامة المسلمة المسلمة رَسُولًا مِنْهُمْ هاديا إلى توحيد الذات يَتْلُوا عَلَيْهِمْ أولا آياتِكَ الدالة على وحدة ذاتك ظاهرا وَثانيا يُعَلِّمُهُمُ ويفهمهم الْكِتابَ المبين لسرائر الآيات وَثالثا يكشف ويوضح لهم الْحِكْمَةَ التي هي عبارة عن سلوك طريق التوحيد الذاتي وَ

52

سورة البقرة (2): آية 130

سورة البقرة (2): آية 131

سورة البقرة (2): آية 132

سورة البقرة (2): آية 133

سورة البقرة (2): آية 134

سورة البقرة (2): آية 135

رابعا يُزَكِّيهِمْ ويطهرهم عن رؤية الغير في الوجود مطلقا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الغالب القاهر للاغيار الْحَكِيمُ في إيجادها وإظهارها على وفق مشيتك وارادتك

وَبعد ما قد جعلنا الخليل الجليل اماما مقتدى للأنام هاديا لهم الى دار السّلام مَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ اى من يعرض ويميل عن ملته الحنيفية الطاهرة عن الميل الى الآراء الباطلة المستتبعة لانواع الجرائم والآثام البيضاء المنورة لقلوب اهل التفويض والتسليم المبتنية على محض الوحى والإلهام إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ اى لا ينصرف عن ملته الغراء الا من ترك نفسه في ظلمة الإمكان من غير رجوع الى فضاء الوجوب ليتبع طريقه الموصل اليه وَالله لَقَدِ اصْطَفَيْناهُ وانتخبناه من بين الأنام فِي الدُّنْيا للرسالة والنبوة ليرشد عموم العباد الى طريق التوحيد وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ للتحقق والوصول الى ينبوع بحر الوجود التي هي الوحدة الذاتية لا على وجه الاتحاد والحلول بل بطريق التوحيد الذاتي المسقط لعموم الاعتبارات والإضافات واذكر يا أكمل الرسل وقت

إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ اختبارا له أَسْلِمْ اى توجه الى حسب علمك وكشفك منى قالَ على مقتضى علمه بربه أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ لأنه قد انكشف له ربه من ذرات الكائنات لذلك لم يخصصه ولم يقيده بمظهر دون مظهر

وَوَصَّى بِها اى بالتوحيد الذاتي إِبْراهِيمُ بَنِيهِ إرشادا لهم الى طريق الحق ووصى بها ايضا بنوه بنيه وَايضا قد وصى بها يَعْقُوبُ بنيه بما وصى به أبوه وجده وقال اى كل منهم لأبنائهم يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ اى دين الإسلام المشتمل على توحيد الذات والصفات والأفعال فَلا تَمُوتُنَّ اى فلا تكونن في حال من الأحوال عند الموت إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ موحدون بالتوحيد الذاتي ثم لما اعتقد اليهود ان يعقوب وبنيه كانوا هودا والنصارى قد اعتقدوهم نصارى أراد سبحانه ان يظهر فساد عقائدهم فقال اتسمعون ايها اليهود والنصارى يهودية يعقوب وبنيه ونصرانيتهم ممن انزل عليكم من الرسل والكتب

أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ حضراء وقت إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ لا هذا ولا ذاك بل كنتم مفترين عليهم جاهلين بحالهم اذكر لهم يا أكمل الرسل وقت إِذْ قالَ يعقوب حين اشرف على الموت لِبَنِيهِ إرشادا لهم ماذا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي يا بنى قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِلهًا واحِدًا أحدا صمدا فردا وترا لم يتخذ صاحبة ولا ولدا وَنَحْنُ لَهُ لا لغيره من الآلهة الباطلة مُسْلِمُونَ منقادون متوجهون قل يا أكمل الرسل للناس الذين بعثت فيهم قولا مطلقا ناشئا عن محض النصح والإرشاد خاليا عن المكابرة والعناد قالعا عرق عموم التقليدات والتخمينات الراسخة في قلوب العباد

تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ ومضت لَها ما كَسَبَتْ من العزائم الدينية وعليها ما اكتسبت من الجرائم المتعلقة به بحسب تلك الحال والزمان وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ من فوائد الايمان والإسلام وعليكم ما اكتسبتم من غوائل الكفر والطغيان حسب زمانكم هذا إذ كل منكم ومنهم لم يجز الا بما عمل وكسب وَلا تُسْئَلُونَ ولا تؤاخذون أنتم عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ من السيئات كما لا تثابون من حسناتهم بل كل امرئ بما كسب رهين

وَان قالُوا اى كل من الفريقين لكم كُونُوا هُودًا أَوْ نَصارى كي تَهْتَدُوا الى طريق الحق قُلْ لهم نحن لا نتبع آراءكم الفاسدة وأهواءكم الباطلة بَلْ نتبع مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا مائلا عن الآراء الباطلة مبرأ منها وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ بالله باعتقاد الوجود

53

سورة البقرة (2): آية 136

سورة البقرة (2): آية 137

سورة البقرة (2): آية 138

سورة البقرة (2): آية 139

سورة البقرة (2): آية 140

لغير الله في حال من الأحوال

بل قُولُوا لهم في مقابلة قولهم ايها المؤمنون المتبعون لملة ابراهيم إرشادا لهم واسماعا إياهم طريق الحق قد آمَنَّا بِاللَّهِ الواحد الأحد المتجلى في الآفاق بالاستحقاق بأسمائه الحسنى وصفاته العليا وَآمنا ايضا ما أُنْزِلَ إِلَيْنا بوسيلة رسولنا من الكتاب المبين لمصالحنا المتعلقة بمبدئنا ومعادنا في زماننا وَآمنا ايضا بجميع ما أُنْزِلَ إِلى متبوعينا الماضين إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ المورثين لملتنا وديننا وَكذلك قد آمنا بعموم ما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى من الكتب والآيات الدالة على توحيد الذات والصفات والأفعال وصدقنا جميع ما جاء به هؤلاء الرسل من عند الله وَبالجملة انا قد آمنا بجميع ما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لهداية الضالين من عباده الى توحيده لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ بالإيمان والإنكار بل نؤمن بجميعهم ونصدقهم لكونهم هادين الى توحيد الله وان تفاوتت طرقهم وَنَحْنُ لَهُ اى لتوحيد الحق مُسْلِمُونَ منقادون مسلمون متوجهون وان بين بطرق متعددة وكتب مختلفة بحسب الأعصار والأزمان المتوهمة من تجليات الذات حسب الأسماء والصفات

فَإِنْ آمَنُوا بعد ما سمعوا منكم هذه الأقوال الحقة بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ بعد سماعكم طريق الايمان من رسولكم فَقَدِ اهْتَدَوْا الى طريق التوحيد كما اهتديتم وَإِنْ تَوَلَّوْا واعرضوا عن أقوالكم صفحا واعراضا فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ اى ما هم الا في خلافهم وشقاقهم وعداوتهم الاصلية الجبلية ولا تبالوا بهم وبخلافهم وشقاقهم فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ المحيط بك يا أكمل الرسل وبهم المطلع على ما في سرائرهم وضمائرهم مؤنة خلافهم وشقاقهم وَلا تترددوا ايها المؤمنون في كفايته سبحانه إذ هُوَ السَّمِيعُ لأقوالهم الباطلة الكاذبة الْعَلِيمُ بكفرهم ونفاقهم الكامنة في قلوبهم ثم قولوا لهم بعد ما أظهروا الخلاف والشقاق ما جئنا به نحن من التوحيد الحاصل من متابعة الملة الحنيفية البيضاء

ليس الا صِبْغَةَ اللَّهِ المحيط بنا انما صبغ بها قلوبنا لنهتدي الى صفاء تجريده وزلال تفريده وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً حتى نتبعه إذ لا وجود لغيره ولا رجوع الا اليه وَإذا لم يكن لغيره وجود نَحْنُ لَهُ لا لغيره من العكوس والاظلال عابِدُونَ عائدون راجعون رجوع الظل الى ذي الظل والصور المرئية في المرآة الى الرائي ثم لما طال نزاع احبار اليهود مع المؤمنين ومجادلتهم مع الرسول عليه السلام امر سبحانه لحبيبه بان يتكلم معهم بكلام ناش عن لب الحكمة ومحض المصلحة

فقال قُلْ لهم يا أكمل الرسل كلاما دالا على توحيد الذات مسقطا لجميع الإضافات أَتُحَاجُّونَنا وتجادلوننا فِي اللَّهِ المظهر للكل من كتم العدم باشراق تجليات أوصافه فيه ورشه من نوره عليه وَالحال انه ليس له اختصاص ببعض دون بعض بل هُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ بإظهار ذواتنا وذواتكم من العدم وَبعد إظهاره إيانا لَنا أَعْمالُنا اى جزاء صالحها وفاسدها وَلَكُمْ ايضا أَعْمالُكُمْ الصالحة والفاسدة لا تسرى منكم إلينا شيء ولا منا إليكم شيء وَنَحْنُ المتبعون لملة ابراهيم لَهُ اى لله المظهر الظاهر بجميع الأوصاف والأسماء لا لغيره من الاظلال الهالكة المستهلكة في حدود ذواتها مُخْلِصُونَ متوجهون على وجه الإخلاص المنبئ عن المحبة المؤدية الى الفناء في ذاته جعلنا الله من خدام احبائه المخلصين أيسلم اليهود والنصارى ويذعنون بعد ما أوضحنا لهم انا على ملة ابراهيم دونهم

أَمْ يعاندون وتَقُولُونَ إِنَّ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطَ كانُوا هُودًا أَوْ نَصارى تابعين لملتنا فان كابروا وعاندوا وقالوا مثل هذا قُلْ لهم يا أكمل الرسل مستفهما موبخا على وجه التنبيه أَأَنْتُمْ

54

سورة البقرة (2): آية 141

سورة البقرة (2): آية 142

سورة البقرة (2): آية 143

أَعْلَمُ بحالهم أَمِ اللَّهُ النافى عنهم اليهودية والنصرانية بقوله ما كان ابراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مائلا عنهما ثم ذرهم في خوضهم يلعبون وَبعد ما ظهر عندهم حقية دين نبينا ﷺ وتحقق موافقته لملة أبيه ابراهيم بشهادة كتبهم ورسلهم مَنْ أَظْلَمُ وأجرأ على الله مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً ثابتة في كتب الله التي قد صحت وثبتت عِنْدَهُ انها منزلة مِنَ اللَّهِ المنزل للرسل والكتب مصدقا بعضها بعضا كتمانا ناشئا عن محض العداوة والشقاق سيما بعد جزمهم حقيتها ومع ذلك يتوهمون كتمانها من الله ايضا وَمَا اللَّهُ المحيط بمخائلهم ومخادعاتهم بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ من الكتمان والنفاق حفظا لجاههم وجاه آبائهم قل لمن تبعك يا أكمل الرسل تذكيرا لهم وتحذيرا

تِلْكَ أُمَّةٌ صالحة او طالحة قَدْ خَلَتْ ومضت لَها في النشأة الاخرى جزاء ما كَسَبَتْ من الحسنات والسيئات الصادرة منهم في النشأة الاولى وَلَكُمْ ايضا فيها جزاء ما كَسَبْتُمْ وَبالجملة أنتم لا تُسْئَلُونَ في يوم الجزاء عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ من الصالحات والفاسدات كما لا يسئلون أولئك عن أعمالكم بل كل منكم ومنهم مجزى بضيعته مقضي ببضاعته نعوذ بك من عدلك يا دليل الحائرين ثم لما كان الغالب على رسول الله ﷺ في أوائل حاله وسلوكه توحيد الصفات والأفعال الموروثين له عن آبائه الكرام صلوات الله عليهم وكان ﷺ تابعا لهم في قبلتهم التي كانوا عليها ايضا صورة وحين ظهر وانكشف له ﷺ توحيد الذات وغلبت عليه تجلياتها وإشراقها استغرق ووله بل قد فنى واضمحل وتلاشت فيها هويته وبعد ما أفاق وتنزل عن ولهه واستغراقه خص له سبحانه قبلة مخصوصة ووجهة معينة صورة لتكون آية دالة على قبلته الحقيقية المعنوية ثم لما امره سبحانه بتوجهها واستقبالها وهو في الصلاة الى القبلة التي كان عليها قبل الأمر وتحول نحوها فيها أخذ المنافقون في الغيبة واشتغلوا بالنفاق ونسبوه الى ما هو منزه عنه واغتنموا الفرصة لمقابلته وصمموا العزم لمجادلته أراد سبحانه ان ينبه نبيه بما هم عليه من النفاق والشقاق في امر القبلة على وجه الاخبار

فقال سَيَقُولُ السُّفَهاءُ المعزولون عن مقتضى العقل الجزئى المنشعب من العقل الكل المتفرع عن الاسم العليم مِنَ النَّاسِ المحجوبين بظلمة التعينات عن نور الوجود قولا ناشئا عن محض الغفلة والسفاهة على سبيل الاستهزاء وهو قولهم ما وَلَّاهُمْ واى شيء حولهم وصرفهم اى المؤمنين عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها من قبل مع انها قبلة من يدعون الانتساب إليهم والاقتداء بملتهم قُلْ لهم يا أكمل الرسل على وجه التنبيه والإرشاد بلسان التوحيد الذاتي بعد انكشافك به لِلَّهِ المنزه عن مطلق الأماكن والجهات المتجلى فيها الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ اى جميع مما يتوهم من الزمان والمكان والجهة والكل انما هي مظاهر ذاته ومجالي أسمائه وصفاته يَهْدِي بحبه الذاتي مَنْ يَشاءُ من عباده المتوجهين نحو جنابه إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ موصل الى وحدة ذاته من اى مكان كان وفي اى جهة وزمان وآن وشأن إذ هو محيط بكلها

وَكَذلِكَ اى مثل الصراط المستقيم الموصل الى وحدة ذاتنا المعتدل المتوسط بين الطرق قد جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطًا معتدلة قابلة للخلافة والنيابة في تولية الأمور بين عموم العباد لِتَكُونُوا شُهَداءَ قوامين بالقسط عَلَى النَّاسِ الغافلين عن التوجه إلينا وَكذلك أرسلنا إليكم رسولا منكم حتى يَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا حفيظا لكم يحفظكم ويمنعكم عن كلا طرفي الإفراط والتفريط في عموم ما صدر عنكم من الأمور فعليكم ان تلازموا وتداوموا لامتثال

55

سورة البقرة (2): آية 144

سورة البقرة (2): آية 145

ما جاء به رسولكم من عند ربكم لتكونوا هادين مهتدين اليه سبحانه على الصراط المستقيم وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ اى قبلتك يا أكمل الرسل الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها قبل هجرتك منها إِلَّا لِنَعْلَمَ اى نميز ونفصل مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ الهادي الى توحيد الذات مِمَّنْ يَنْقَلِبُ اى يعود ويرجع عَلى عَقِبَيْهِ اى توحيد الصفات والأفعال قبل الوصول الى توحيد الذات وَإِنْ كانَتْ الوصلة الى الوحدة الذاتية لَكَبِيرَةً ثقيلة شاقة إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ الى وحدة ذاته حيث وفقهم الى الايمان والإطاعة بمن يرشدهم ويهديهم اليه وَما كانَ اللَّهُ الحكيم المظهر لأشباحكم لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ بعد ما وفقكم اليه إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ الذين يؤمنون على وجه الإخلاص بالرسول الهادي لهم الى توحيد الذات ويصدقون بجميع ما جاء به من عنده لَرَؤُفٌ عطوف رَحِيمٌ مشفق يوصلهم الى غاية ما يظهر هم لأجله بفضله وطوله ثم لما انكشف له ﷺ توحيد الذات حقيقة ومعنى واستغرق فيها وتوجه نحوها منخلعا عن مقتضيات الأفعال والصفات مجردا عن لوازم الهويات مطلقا انتظر ﷺ الوحى والإلهام المطابق لهذا الانكشاف بحسب الصورة ايضا

فقال سبحانه قَدْ نَرى نطلع ونعلم حين انكشافك بوحدة ذاتنا تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ اى نحو عالم الأسماء والصفات التي هي منبع الوحى والإلهامات منتظرا للوحى المتضمن للتوجه الصوري فَلَنُوَلِّيَنَّكَ بعد انكشافك المعنوي قِبْلَةً صورية تَرْضاها أنت بها لكونها مناسبة لقبلتك المعنوية مشيرة إليها فَوَلِّ يا أكمل الرسل بعد ما عينا لك قبلة معينة وَجْهِكَ الذي به مواجهتك صورة شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ اى جهة المسجد الذي يحرم فيه التوجه الى غير الذات البحت الخالص عن عموم الإضافات والاعتبارات مطلقا وَلا تختص هذه الكرامة لك بل تسرى منك الى جميع من تبعك من المؤمنين حَيْثُ ما كُنْتُمْ أنت وهم من مراتب الوجود ومقامات الشهود وبعد ما سمعتم ما سمعتم من الكرامة الإلهية لكم فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ الفائضة لكم ايها المؤمنون المخلصون من ربكم شَطْرَهُ لتكونوا من زمرة المهتدين المنكشفين بوحدة ذاته سبحانه وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ من اليهود والنصارى لَيَعْلَمُونَ يقينا بشهادة كتبهم ورسلهم أَنَّهُ اى شأن انكشافك وتحققك يا أكمل الرسل بالتوحيد الذاتي الْحَقُّ الثابت المنزل مِنْ رَبِّهِمْ الذي رباهم بإعطاء العقل المميز بين الحق والباطل والمحق والمبطل ومع ذلك ينكرون لك ولدينك وكتابك عنادا ومكابرة وَمَا اللَّهُ المطلع على عموم ما جرى في صدور عباده بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ من الإخفاء والستر سيما بعد الوضوح والكشف

وَالله لَئِنْ أَتَيْتَ أنت يا أكمل الرسل الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ نازلة لك دالة على توحيد الذات الذي هو مقصدك الأقصى ومطلبك الأعلى ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ لشدة انهماكهم في الغفلة والضلال وَما أَنْتَ ايضا بعد ما انكشف لك الأمر يقينا بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ التي توجهوا إليها ظنا وتخمينا وَايضا ما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ لتفاوت ظنونهم وآرائهم وَالله لَئِنِ اتَّبَعْتَ أنت يا أكمل الرسل أَهْواءَهُمْ الباطلة مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ اليقيني المطابق لليقين العيني بل للحقى إِنَّكَ مع اصطفائنا إياك واجتبائنا لك إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ المعرضين عنا بعد ما وفقناك وأرشدناك الى الكعبة الحقيقية وهذا تهديد لرسول الله ﷺ بعد تمهيد وحث له ﷺ لدوام التوجه على ما انكشف له من توحيد الذات وتحريض للمؤمنين على متابعته ﷺ في دوام التوجه والميل اليه ومثله

56