الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبيةالجزء 1 · ص 505 - 512

سورة مريم (19): آية 72

سورة مريم (19): آية 72

سورة مريم (19): آية 73

سورة مريم (19): آية 74

سورة مريم (19): آية 75

سورة مريم (19): آية 76

سورة مريم (19): آية 77

شبهة وتخلف إذ قد أوجبها سبحانه على نفسه لحكمة ومصالح خص بها سبحانه ولم يفش سرها على احد

ثُمَّ بعد الورود والوصول نُنَجِّي ونخلص الَّذِينَ اتَّقَوْا عن محارمنا في النشأة الاولى اتقاء من سخطنا وطلبا لمرضاتنا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ الخارجين عن مقتضيات أوامرنا ونواهينا خالدين فِيها جِثِيًّا لا يمكنهم الخروج والتجاوز عنها أصلا بل صاروا مزدحمين فيها مضيقين معذبين بأنواع العذاب ابد الآباد

وَكيف لا يخلدون في النار أولئك الهالكون وهم قد كانوا من غاية غيهم وضلالهم ونهاية غفلتهم وقسوتهم إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ في نشأة الاختبار آياتُنا الدالة على وحدة ذاتنا وكمال قدرتنا على الانعام والانتقام مع كونها بَيِّناتٍ واضحات في الاعجاز بلا ريب وتردد قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا بعد ما عجزوا عن معارضتها وأفحموا عن المقابلة معها لِلَّذِينَ آمَنُوا متشبثين بما عندهم من المال والجاه والثروة والرياسة مفتخرين بها قائلين على سبيل التهكم أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أنحن الأغنياء المتلذذون بأنواع الذات المتمكنون بعموم الآمال والمرادات أم أنتم ايها الفقراء المحتاجون بما تقتاتون في يومكم هذا خَيْرٌ مَقامًا واشرف مرتبة وأعلى مكانا عند الله وَأَحْسَنُ نَدِيًّا مجلسا ومنزلا عنده ولولا انا أفضل وأخير منكم عند الله لما أعطانا ولما منع عنكم ثم لما افتخروا وتفضلوا على المؤمنين بما عندهم من حطام الدنيا وزخرفتها رد عليهم سبحانه وهددهم على الوجه الأبلغ الأتم

فقال على سبيل العبرة وَكَمْ اى كثيرا أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ اهل قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ واكثر من هؤلاء المفتخرين المعاندين أَثاثًا امتعة دنياوية وما يترتب عليها من الجاه والثروة والكبر والخيلاء وَاحسن رِءْيًا زينة وبهاء ثم لما لم يتذكروا بالآيات والنذر ولم يتفطنوا منها الى توحيد الحق وصفاته ولم يشكروا نعمه بل قد أصروا واستكبروا بما عندهم من المزخرفات الفانية فهلكوا واستؤصلوا

قُلْ لهم يا أكمل الرسل نيابة عنا كلاما ناشئا عن محض الحكمة المتقنة مَنْ كانَ منكم منغمسا منهمكا فِي الضَّلالَةِ مجبولا عليها فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ وليمهله مَدًّا مهلا طويلا وليمتعهم تمتيعا كثيرا رغدا وسيما حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ على ألسنة الرسل والكتب إِمَّا الْعَذابَ العاجل لهم في النشأة الاولى بان قد غلب المسلمون عليهم فقتلوهم واسروهم وضربوا الجزية عليهم مهانين صاغرين وَإِمَّا السَّاعَةَ بان تأتيهم بغتة فَسَيَعْلَمُونَ إذا بالعيان والمشاهدة مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكانًا درجة ومقاما عند الله وَأَضْعَفُ جُنْدًا واقل ناصرا ومعينا

وَبعد ما صار مآل الكفار وبالا عليهم ومنا لهم نكالا لهم يَزِيدُ اللَّهُ الهادي لعباده المؤمنين الَّذِينَ اهْتَدَوْا الى زلال عرفانه وتوحيده هُدىً هداية ورشدا باقيا ازلا وابدا بدل ما نقص عنهم من حطام الدنيا الفانية ومتاعها الزائلة الذاهبة وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ المقربة الى الله المستتبعة لانواع الفضل والثواب خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ يا أكمل الرسل ثَوابًا عائدة وَفائدة خَيْرٌ مَرَدًّا اى منقلبا ومآبا إذ مآل المال والجاه والثروة والسيادة الى الحسرة والخسران وانواع الخيبة والخذلان. ومآل العبادة الى الجنة والغفران والرحمة والرضوان.

ثم قال سبحانه وتعالى على سبيل التوبيخ والتقريع للكافر المستكبر أَفَرَأَيْتَ ايها المعتبر الرائي الطاغي الَّذِي كَفَرَ أنكر واعرض واستكبر بِآياتِنا الدالة على عظمة ذاتنا وكمالات أسمائنا وصفاتنا وَقالَ مقسما مبالغا على سبيل الاستهزاء والسخرية والله لَأُوتَيَنَّ أعطين في النشأة الاخرى ايضا ان فرض وجودها مالًا وَوَلَدًا مثل ما أعطيت في هذه النشأة هذا من

505

سورة مريم (19): آية 78

سورة مريم (19): آية 79

سورة مريم (19): آية 80

سورة مريم (19): آية 81

سورة مريم (19): آية 82

سورة مريم (19): آية 83

سورة مريم (19): آية 84

غاية اغتراره وذهوله ونهاية غفلته وغروره واعتقاده كبرا وخيلاء انه حقيق بهذه المرتبة حيثما كان فرد الله سبحانه عليه على ابلغ الوجوه

وآكدها بقوله أَطَّلَعَ الْغَيْبَ اى أيدعي هذا الطاغي التائه في تيه الجهل والغفلة علم الغيب واطلاع السرائر والخفايا أَمِ اتَّخَذَ وأخذ عِنْدَ الرَّحْمنِ اى من عنده على لسان نبي من أنبيائه او ملك من ملائكته عَهْدًا ليعطيه في الآخرة مالا وولدا إذ لا معنى للجزم بهذه الدعوى سيما ان يؤكد بالحلف الا بأحد هذين الطريقين

كَلَّا وحاشا ليس لهذا الجاهل الكذاب لا هذا ولا ذاك بل سَنَكْتُبُ نأمر الحفظة ان يكتبوا ما يَقُولُ هذا المسرف المغرور اغترارا بماله وجاهه وَنَمُدُّ لَهُ نزيد عليه يوم الجزاء مِنَ الْعَذابِ مَدًّا اى عذابا فوق العذاب أضعافا وآلافا بكفره وإصراره واغتراره على كفره وعتوه على اهل الايمان واستهزائه بهم

وَبعد ما نهلكه ونميته نَرِثُهُ ما يَقُولُ ويفتخر به من الأموال والأولاد وغيرها ونرث وننزعها عنه ونجرده منها بحيث لا يبقى معه شيء منها وَبالجملة يَأْتِينا يوم العرض والجزاء فَرْدًا صفرا خاليا بلا اهل ولا مال ولا ايمان ولا عمل وَمن غاية جهلهم بالله ونهاية غفلتهم عن حق قدره وقدر وحدته واستيلائه واستقلاله

قد اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً من تلقاء أنفسهم وعلى مقتضى اهويتهم الفاسدة لِيَكُونُوا اى آلهتهم لَهُمْ عِزًّا اى سببا لعزهم وتوقيرهم عند الله يشفعون لهم او يخففون عنهم عذابهم

كَلَّا ردع لهم عما اعتقدوا من الفوائد العائدة لهم من عبادة الأوثان والأصنام من الوصلة والوسيلة والشفاعة والتسبب للنجاة بل سَيَكْفُرُونَ وينكرون أولئك المعبودون يومئذ بِعِبادَتِهِمْ اى بعبادة الكفرة المشركين إياهم وَكيف يشفعون لهم حينئذ بل يَكُونُونَ اى معبوداتهم عَلَيْهِمْ ضِدًّا يضادون معهم يعادون بل يريدون مقتهم وازدياد عذابهم ثم لما تعجب ﷺ من قسوة قلوب الكفرة وشدة عمههم وسكرتهم في الغفلة ومن عدم تفطنهم وتنبههم بحقيقة آيات التوحيد مع وضوحها وسطوعها مع انهم من زمرة العقلاء المجبولين على فطرة المعرفة والإيقان سيما بعد ظهور الحق وعلو شأنه وارتفاع قدره برسالته ﷺ ونزول القرآن له واختتام امر البعثة والتشريع بظهوره وهم بعد منكرون مكابرون معاندون أشار سبحانه الى سبب غيهم وضلالهم وتماديهم فيه على وجه يزيح تعجبه ﷺ

فقال سبحانه مخاطبا له أَلَمْ تَرَ يا أكمل الرسل ولم تتفطن أَنَّا بمقتضى اسمنا المضل المذل قد أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ المضلين عَلَى الْكافِرِينَ الذين أردنا اضلالهم وإذلالهم في سابق علمنا ولوح قضائنا وسلطناهم عليهم بحيث تَؤُزُّهُمْ تهزهم وتحركهم وتغريهم بتسويلاتهم نحو المعاصي والآثام وتوقعهم بأنواع الفتن والاجرام وتحبب عليهم الشهوات واللذات النفسانية المستلزمة المستجلبة لانواع العقوبات المبعدة عن مطلق المثوبات وعن الفوز بعموم المرادات الاخروية أَزًّا تحريكا دائما بحيث صار قلوبهم المعدة بحسب الفطرة الاصلية للمعرفة والتوحيد مطبوعة بغشاوة عظيمة وغطاء كثيف لا يرجى انجلاؤها وصفاؤها أصلا لذلك لم يتفطنوا بظهور الحق بلوائح آياته ولوامع علاماته مع كمال وضوحها وانجلائها وشعشعتها

وبالجملة فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ يا أكمل الرسل بعد ما علمت حالهم بإهلاكنا إياهم وانتقامنا عنهم ولا تيأس من امهالنا وتأخيرنا إهلاكهم ان نمهل أخذهم وانتقامهم بل إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ بامهالنا إياهم أيام اجالهم وأوقاتها عَدًّا متى وصل وقتها وحل أخذناهم واستأصلناهم

506

سورة مريم (19): آية 85

سورة مريم (19): آية 86

سورة مريم (19): آية 87

سورة مريم (19): آية 88

سورة مريم (19): آية 89

سورة مريم (19): آية 90

سورة مريم (19): آية 91

سورة مريم (19): آية 92

سورة مريم (19): آية 93

سورة مريم (19): آية 94

بحيث قد أمنت أنت ومن معك من شرورهم وفسادهم اذكر لهم يا أكمل الرسل

يَوْمَ الحسرة والضجرة للكافرين وقت إذ نَحْشُرُ ونجمع فيه الْمُتَّقِينَ اى المؤمنين الذين يحفظون نفوسهم عن مطلق المناهي والمحظورات الموردة في الكتب الإلهية المنزلة على الرسل المبينين لها إِلَى الرَّحْمنِ وَفْدًا وافدين فرقة بعد فرقة ليجازوا بالرحمة والمغفرة ويستغرقوا بها جزاء ايمانهم وتقويهم ويتفضلوا بالرضوان تفضلا عليهم وزيادة كرامة لهم

وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ يومئذ سوق البهائم المجرمة الجانية نحو المحبس والسجن بالقهر والغضب التام والزجر المفرط إِلى جَهَنَّمَ التي هي أسوأ الأماكن واظلمها وأعمقها وِرْدًا ورود البهائم الى المحابس والأودية والاغوار بزجر تام من الضرب المؤلم والتصويت الشديد وغيرها وهم في تلك الحالة حيارى مضطرين مضطربين لا ينفعهم لا أعمالهم ولا معبوداتهم الباطلة ولا يشفعون لهم ولا ينقذونهم من النار كما زعموا

وكيف يشفعون لهم إذ هم يومئذ لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ لأنفسهم ليخففوا العذاب عنها متى أرادوا بل لا شفاعة لهم مطلقا إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ وحصل له عِنْدَ الرَّحْمنِ اى من عنده عَهْدًا إذنا بالشفاعة لمن أراد سبحانه إنقاذه بشفاعة ذلك الشفيع كشفاعة بعض الأنبياء لعصاة أممهم ان اذن لهم الرّحمن المستعان

وَكيف يحصل لهؤلاء الهالكين النجاة من نيران الحرمان والخلاص من سعير الخذلان والخسران مع جرمهم الذي هو أعظم الجرائم عند الله وأفحشها قالُوا مفرطين مفرطين في حق الله من غاية انهماكهم في الغفلة عنه وعن قدره ورتبته قد اتَّخَذَ الرَّحْمنُ المنزه عن وصمة الكثرة وشين النقصان المقدس عن سمة الحدوث والإمكان وَلَدًا مع انه هو من أقوى امارات الإمكان وعلامات الاستكمال والنقصان والله ايها المفترون على الله

لَقَدْ جِئْتُمْ بإثبات الولد له سبحانه شَيْئًا إِدًّا منكرا عظيما جدا ومفترى شنيعا فظيعا

الى حيث تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ ويتشققن مع متانة قوائمها وشدة التيامها مِنْهُ اى من سماع قولكم هذا ونسبتكم هذه هولا ورهبة من صولة قهر الله وسطوة غضبه وحلول عذابه وَكذا تَنْشَقُّ الْأَرْضُ خوفا ورهبة وَكذا تَخِرُّ وتسقط الْجِبالُ خرور خشية وهول هَدًّا خرورا وسقوطا وأصلا الى حد التفتت والتشتت والاندكاك التام بالمرة بحيث اضمحلت رسومها مطلقا كل ذلك من خوف سطوة صفاته الجلالية ومقتضيات أسمائه القهرية المنبعثة من الغيرة الإلهية الناشئة منه سبحانه وما ذلك الا بواسطة

أَنْ دَعَوْا واثبتوا لِلرَّحْمنِ المقدس المبرى ذاته عن لوازم الحدوث والإمكان

وَلَدًا وَما يَنْبَغِي وما يحق ولا يليق لِلرَّحْمنِ المتجلى في كل آن وشأن ولا يشغله شأن عن شأن أَنْ يَتَّخِذَ زوجة ويتسبب بها ليظهر وَلَدًا يستخلفه او يستظهر به ويستعين تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا

بل إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وما كل من الملائكة السماويين المهيمين المستغرقين بمطالعة جمال الله المستوحشين عن سطوة قهره وجلاله وَالْأَرْضِ اى ما كل من في عالم الطبيعة والهيولى من النفوس المتوجهة نحو مبدعها طوعا إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ الممهد الممد عليهم اظلال أسمائه وأوصافه العظمى المفيض عليهم من رشحات بحر وجوده بمقتضى فضله وجوده عَبْدًا متذللا مقهورا تحت تصرفه مصروفا حسب قدرته وارادته محاطا تحت حيطة حضرة علمه ولوح قضائه

الى حيث لَقَدْ أَحْصاهُمْ وفصلهم لا يشذ شيء من أحوالهم وأفعالهم وأقوالهم وحركاتهم وسكناتهم وجميع حالاتهم حتى اللمحة واللحظة والطرفة والخطرة من حيطة حضرة علمه وقبضة قدرته واختياره بل وَعَدَّهُمْ عَدًّا فردا

507

فردا وشخصا شخصا مع جميع العوارض المتعلقة بكل فرد وشخص ما داموا في هذه النشأة

وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْدًا منفردا مفروزا عن عموم الأعوان والأنصار وجميع الأصحاب والخلان.

ثم قال سبحانه إِنَّ المؤمنين المنتخبين الَّذِينَ آمَنُوا بالله وأيقنوا بوحدة ذاته واطاعوا لرسله المؤيدين من عنده وامتثلوا بعموم ما جاءوا به من الأوامر والنواهي المبينة في الكتب الإلهية المنزلة عليهم وَمع ذلك قد عَمِلُوا الصَّالِحاتِ من الفرائض والنوافل المقربة نحو الحق طلبا لمرضاته وابتغاء لوجهه الكريم سَيَجْعَلُ ويحدث لَهُمُ الرَّحْمنُ المتكفل لجزائهم واثابتهم حسب سعة رحمته وجوده ووفور لطفه ومرحمته وُدًّا مودة ومحبة في قلوب عموم المؤمنين حتى يحبوهم ويتخنوا نحوهم بلا سبق الوسائل والأسباب العادية الموجبة لمودة البعض للبعض من الانعام والإحسان وانواع العطية والإكرام مثل محبة عموم عباد الله للبدلاء المنسلخين عن مقتضيات اللوازم البشرية مطلقا جعلنا الله من خدامهم وتراب اقدامهم. ثم قال سبحانه امتنانا على حبيبه ﷺ واشارة الى عظم رتبة القرآن الجامع لجميع المعارف والاحكام بعد ما بين في هذه السورة من معظمات مهام الدين من العبر والتذكيرات والأخلاق والآداب

فَإِنَّما يَسَّرْناهُ اى القرآن بِلِسانِكَ يا أكمل الرسل وسهلناه لك وأنزلناه على لغتك لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ الذين يحفظون نفوسهم. عن مخالفة ما أمروا ونهوا عنه بشارة عظيمة عناية من الله إياهم وفضلا الا وهي تحققهم بمقام الرضاء والفوز بشرف اللقاء وَتُنْذِرَ بِهِ اى بوعيداته وبأنواع العذاب المذكورة فيه على العصاة المنحرفين عن جادة العدالة الإلهية قَوْمًا لُدًّا لدودا لجوجا مفرطين في اللداد والعناد مصرين على ما هم عليه من الفسق والفساد وَلا تبال يا أكرم الرسل بتماديهم في لددهم وعنادهم ولا تحزن من عتوهم وفسادهم

إذ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ اى قد أهلكنا كثيرا من الأقوام الماضية قد كانوا متمادين أمثالهم في الغي والضلال مصرين على المراء والجدال وبالجملة تأمل يا أكرم الرسل والتفت هَلْ تُحِسُّ وتشعر مِنْهُمْ اى من الأمم الهالكة مِنْ أَحَدٍ قد نجا وبقي سالما عن قبضة قدرتنا وسطوة قهرنا وغضبنا أَوْ هل تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا صوتا خفيا منهم تسمع أنت عن قبورهم ومدافنهم بل كلهم كأن لم يكونوا أصلا وبالجملة ما ذلك وأمثاله علينا بعزيز رب اختم عواقب أمورنا بالحسنى

سورة مريم (19): آية 95

سورة مريم (19): آية 96

سورة مريم (19): آية 97

سورة مريم (19): آية 98

خاتمة سورة مريم عليها السلام

عليك ايها السالك المدبر المتأمل في الأسماء الحسنى الإلهية والمستكشف عن رموز صفاته الثبوتية والسلبية والجمالية والجلالية واللطفية والقهرية وجميع الأوصاف المتقابلة والمتماثلة الإلهية ان تتعمق وتتأمل في معنى اسم الرّحمن الذي قد كرره سبحانه في هذه السورة مرارا كثيرة وتتدبر فيه كي تصل وتنكشف الى ان مبدء عموم ما ظهر وما بطن وكان ويكون انما هو هذا الاسم المشير الى سعة رحمة الله ووفور فضله وجوده على مظاهره ومصنوعاته إذ به استوى سبحانه على عروش عموم الكوائن والفواسد وبه ظهر الجميع من كتم العدم وبالجملة ما من موجود محقق محسوس او مقدر مخطور الا وهو في حيطة هذا الاسم وتحت تربيته وتصرفه بحيث لو انقطع إمداده عن العالم طرفة عين لم يبق للعالم ظهور ووجود أصلا ومتى تحققت معنى هذا الاسم العظيم وتيقنت بشموله واحاطته بجميع المظاهر شمول عطف ولطف فزت بحقيقة قوله سبحانه ان كل من في السموات والأرض

508

الا آتى الرّحمن عبدا وذقت حلاوته وحقيقته جعلنا الله ممن تحقق بمعاني أسمائه الحسنى واستكشف عن سرائر أوصافه الأسنى بفضله وسعة رحمته وجوده

سورة طه

فاتحة سورة طه

لا يخفى على ذوى البصائر المستكشفين عن مراتب الوجود بفيضان الكشف والشهود بلا ملاحظة الرسوم والحدود مثل اصحاب القيود ان للوجود البحت الخالص عن جميع الاعتبارات باعتبار ظهوره في مظاهر الاعداد مراتب كثيرة يقبل بسببها الإضافات الغير المحصورة فله باعتبار ظهوره في كل مرتبة من المراتب الكلية والجزئية اسماء كلية وجزئية يظهر في كل منها بواسطة اسم خاص من الأسماء. وأعلى المراتب التي هو مصدر جميعها ومال الكل اليه ومصيره المرتبة التي طويت دونها المراتب وقصرت عن دركها العقول وكلت عن وصفها الألسن وارتجت دونها طرق الوصول واضمحلت هناك السمات والعلامات وبطلت العبارات والاعتبارات وارتفعت الجهات والإشارات وتلك المرتبة هي المرتبة الاحدية الصمدية التي لا يمكن فيها توهم الكثرة لان الكثرة انما تنشأ من الاضافة والاضافة انما تتصور بين الاثنين فصاعدا ولا اثنينية هناك أصلا وهذه هي المرتبة الجامعة المحمدية التي قد انتهت إليها المراتب كلها عروجا كما ظهرت هي منها نزولا في بدأ الأمر لذلك أشار سبحانه في أول هذه السورة الى مرتبته ﷺ إرشادا لعباده وامتنانا لهم ليكون قبلة لكل طالب سالك الى جنابه وراغب ناسك نحو بابه وفي آخرها ايضا يشعر بان مرتبته ﷺ بداية عموم المراتب ونهايتها إذ هناك قد اتحد قوسا الوجوب والإمكان والغيب والشهادة ولما كانت مرتبته ﷺ مبدأ الكل ومنتهاه كان بمقتضى الرحمة العامة طالبا لهداية الكل ورجوعه إليها لذلك ناداه سبحانه على وجه يشعر بطلب هدايتهم الى مرتبته حيث قال عز وجل مخاطبا له ﷺ بعد ما تيمن باسمه الأعلى بِسْمِ اللَّهِ المتجلى بعموم أسمائه وصفاته المترتب عليها جميع مراتب الوجود في مرتبته الجامعة المحمدية التي منها ظهور الكل وإليها رجوعه الرَّحْمنِ بإظهار الكل منها في النشأة الاولى الرَّحِيمِ بإعادتها إليها في النشأة الاخرى

الآيات

سورة طه (20): آية 1

سورة طه (20): آية 2

سورة طه (20): آية 3

سورة طه (20): آية 4

سورة طه (20): آية 5

سورة طه (20): آية 6

طه يا طالب الهداية العامة على كافة البرايا

ما أَنْزَلْنا من مقام إرشادنا وتكميلنا عَلَيْكَ ايها المتوجه للسعادة الابدية المعرض عن الشقاوة مطلقا الْقُرْآنَ الفرقان بين الهداية والضلالة والسعادة والشقاوة المنافية لها لِتَشْقى اى ما أنزلناه لتكون أنت شقيا بنزوله بعد ما كنت سعيدا قبله كما توهم الكفار بل ما أنزلناه

إِلَّا تَذْكِرَةً للسعادة العظمى لك ولمن تبعك لا لكل احد منهم بل لِمَنْ يَخْشى من انذاراته وتخويفاته وامتثل بأوامره وأحكامه واجتنب عن مناهيه ومحظوراته إذ انزل القرآن عليك يا أكمل الرسل من عموم رحمتنا على كافة الخلق لذلك قد نزلناه

تَنْزِيلًا مِمَّنْ اى من اسمنا الذي به خَلَقَ الْأَرْضَ وأوجد العالم السفلى وَكذا أوجد به السَّماواتِ الْعُلى اى العالم العلوي

وذلك الاسم هو الرَّحْمنُ الذي قد ظهر واستقر بالرحمة العامة عَلَى الْعَرْشِ اى على عروش عموم الذرائر بحيث لا يخرج عن حيطته ذرة منها بل قد اسْتَوى على جميعها واستولى

إذ لَهُ الاستيلاء والاحاطة التامة على عموم ما ظهر فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ من الكائنات والفاسدات وَكذا على عموم ما ظهر بَيْنَهُما من الممتزجات الكائنة فيما بين السموات والأرض وَ

509

سورة طه (20): آية 7

سورة طه (20): آية 8

سورة طه (20): آية 9

سورة طه (20): آية 10

سورة طه (20): آية 11

سورة طه (20): آية 12

سورة طه (20): آية 13

سورة طه (20): آية 14

كذا على عموم ما هو كائن وسيكون تَحْتَ الثَّرى هذا باعتبار ظهوره واستيلائه على الآفاق الخارجة عنك

وَظهوره واستيلاؤه على نفسك فانه يستولى على ذاتك وافعالك وعموم احوالك واطوارك بحيث إِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ القول بالجهر منك الذي تعلمه أنت ايضا وغيرك بل يعلم السِّرَّ الذي لا يعلمه غيرك وَأَخْفى من السر الذي لا تعلمه أنت ايضا من مقتضيات استعداداتك قبل ان تخطر ببالك بل قبل ان تتعين أنت بشخصك وهذيتك هذه وإذا كان الحق محيطا مستوليا مستويا على عروش ما ظهر وما بطن فلا يكون الموجود الثابت المحقق في الوجود الا

اللَّهُ اى المسمى بهذا الاسم الجامع جميع مراتب العالم بحيث لا يخرج عن حيطته شيء أصلا إذ لا إِلهَ ولا موجود إِلَّا هُوَ اى هذا المسمى الوحدانى الذي لا تعدد فيه أصلا فيكون أحدا صمدا فردا وترا ولم يتخذ صاحبة ولا ولدا غاية ما في الباب انه لَهُ اى لهذا المسمى الْأَسْماءُ الْحُسْنى الكلية التي جزئياتها لا تعد ولا تحصى وباختلاف الأسماء حسب الشئون والنشأة الإلهية قد اختلفت الظهورات والتجليات عن المسمى الوحدانى وكما نبهناك يا أكمل الرسل على ظهوراتنا في الكائنات مجملا قد نبهناك عليها ايضا مفصلا

وَذلك انه هَلْ أَتاكَ وقد ثبت وتحقق عندك حَدِيثُ أخيك مُوسى الكليم وقصة انكشافه من النار التي احتاج إليها هو واهله في الليلة الشاتية المظلمة

اذكر يا أكمل الرسل وقت إِذْ رَأى موسى نارًا مطلوبة له لدفع المودة ولوجدان الطريق في الظلمة فَقالَ لِأَهْلِهِ المحتاجين إليها في تلك الليلة امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نارًا لَعَلِّي أو انس عندها مع انسان استخبره عن الطريق وحين رجوعي نحوكم آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ جذوة نار تصطلون بها أَوْ اتخذ منها سراجا أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً اى مع السراج المسرجة هدى طريقا موصلا الى مطلوبنا

فَلَمَّا أَتاها اى النار موسى مسرعا ليرجع إليهم دفعة نُودِيَ من جانب الشجرة الموقدة عليها النار ليقبل إليها وينكشف منها السر يا مُوسى المتحير في بيداء الطلب اطلبنى من هذه الشجرة الموقدة ولا تستبعد ظهوري فيها حتى انكشف لك منها

إِنِّي وان ظهرت على هذه الصورة المطلوبة لك ظاهرا أَنَا رَبُّكَ ومطلوبك الحقيقي حقيقة الذي قد ربيتك بأنواع اللطف والكرم وابتليتك بأنواع البلاء في طريق المجاهدة لتوجه الى فتعرفنى فالآن قد ارتفعت الحجب والقيود وتحققت بمقام الكشف والشهود فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ واسترح عن الطلب بعد وجدان الارب وتمكن في مقعد الصدق إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ عن رذائل الأغيار مطلقا طُوىً اى طويت عنك التوجه الى الغير

وَلم يبق لك احتياج الى الاستكمال والاستهداء وبعد وصولك الى مقام الكشف والشهود أَنَا اخْتَرْتُكَ واصطفيتك من بين المكاشفين للتكميل والرسالة على الناس الناسين التوجه الى بحر الحقيقة فعليك التوجه الى الاهتداء والتجنب عن الميل الى مطلق الهوى فَاسْتَمِعْ واقتصر في ارشادك ورسالتك لِما يُوحى إليك من مقام جودنا ولا تلتفت الى الأهواء الفاسدة حتى لا تضل أنت بنفسك ولا تضلهم عن السبيل فبلغ الى الناس نيابة عنى وحكاية منى

إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ الواحد الأحد الفرد الصمد المحيط بجميع مراتب الأسماء لا إِلهَ ولا جامع لجميع المراتب إِلَّا أَنَا بجميعها المحيط بكلها المستحق للاطاعة والانقياد فَاعْبُدْنِي أنت حق عبادتي فأحسن الأدب معى وتخلق باخلاقى وَأَقِمِ الصَّلاةَ وداوم بجميع الأعضاء والجوارح لِذِكْرِي اى توجه نحوي بعموم اعضائك وجوارحك لتذكرني بها وتشكرني

510

سورة طه (20): آية 15

سورة طه (20): آية 16

سورة طه (20): آية 17

سورة طه (20): آية 18

سورة طه (20): آية 19

سورة طه (20): آية 20

سورة طه (20): آية 21

سورة طه (20): آية 22

سورة طه (20): آية 23

سورة طه (20): آية 24

سورة طه (20): آية 25

بجميعها حتى انكشف لك من كل منها بحيث كنت سمعك وبصرك ويدك ورجلك الى غير ذلك من سائر جوارحك وآلاتك حتى قامت قيامتك الكبرى وقمت بين يدي المولى وتمكنت في جنة المأوى عند سدرة المنتهى التي ينتهى ويرتقى إليها عروجك في الصعود والارتفاع.

ثم قال سبحانه تعليما لعباده وحثا لهم على طلب الانكشاف التام إِنَّ السَّاعَةَ اى ساعة الانكشاف التام الذي لم يبق معه ودونه الطلب مثل انكشافك يا موسى آتِيَةٌ حاصلة حاضرة لكل احد من الناس دائما في كل آن لكن أَكادُ أُخْفِيها اى اقرب حسب حكمتى ان أخفى ظهورها لهم واطلاعهم عليها لِتُجْزى وتتمكن كُلُّ نَفْسٍ بمرتبة من المراتب الإلهية بِما تَسْعى اى بحسب ما تجتهد فيه وتكتسب من امتثال الأوامر واجتناب النواهي الجارية على السنة الرسل لئلا يبطل سرائر التكاليف واحكام الشرائع

وإذا كان الأمر كذلك فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها ولا يصرفنك عن الأمر بالانكشاف التام أعراض مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها تقليدا حتى يطلبها تحقيقا بل قد أنكرها واعرض عنها وَاتَّبَعَ هَواهُ المضل إياه في تيه البعد والحرمان فَتَرْدى أنت وتهلك بمتابعته في بيداء الجهل والخذلان

وَإذا اخترناك للرسالة العامة وهبنا لك شاهدي صدق على دعواك الرسالة لذلك قد سألناك أولا بقولنا لك ما تِلْكَ الخشبة التي حملتها بِيَمِينِكَ يا مُوسى المستكشف عن حقائق الأشياء يعنى هل تعرف فوائدها وعوائدها التي تترتبت عليها أم لا

قالَ موسى بمقتضى علمه بها هِيَ هذه الخشبة عَصايَ استعمالها في بعض الأمور وفي بعض الأحيان وبالجملة إذا عييت وتعبت أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَمتى احتجت لهش الورق واسقاطه من الشجر لرعى الغنم أَهُشُّ وأسقط بِها الورق من الشجر ليكون علفا عَلى غَنَمِي وَلِيَ فِيها غير ذلك مَآرِبُ أُخْرى بحسب المحال من الاستظلال ودفع الهوام ومقاتلة العدو وغير ذلك

قالَ سبحانه أَلْقِها من يدك يا مُوسى حتى تشهد آياتنا الكبرى

فَأَلْقاها امتثالا للأمر الوجوبي الإلهي فَإِذا هِيَ اى العصا حَيَّةٌ تَسْعى تمشى على بطنها مثل سائر الحيات فخاف موسى منها وضاق صدره من قلة رسوخه وعدم تمرنه بابتلاء الله واختباراته إذ قد كان هذا في أوائل حاله

قالَ سبحانه بعد ما ظهر امارات الوجل منه آمرا له خُذْها هي عصاك يا موسى المتحير الخائف وَلا تَخَفْ من صورتها الحادثة فانا من كمال قدرتنا سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا وصورتها الْأُولى التي هي في يدك قد استعنت بها في بعض أمورك وانما بدلنا صورتها لتنبه أنت على ان لنا القدرة التامة على احياء الجمادات التي هي ابعد بمراحل عن هداية الضالين من الأحياء

وَاضْمُمْ يَدَكَ ايضا إِلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ ذات شعاع محير للعقول والأبصار مِنْ غَيْرِ سُوءٍ مرض وحجاب يسترها وينقص من نورها لتكون لك آيَةً أُخْرى اجلى وأجل من الآية السابقة وانما أريناك من الآيات قبل ارسالك الى من أردنا ارسالك إليهم

لِنُرِيَكَ أولا مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى فيطمئن بها قلبك ويقوى ظهرك

اذْهَبْ ايها الهادي بهدايتنا وتوفيقنا نيابة عنا إِلى فِرْعَوْنَ الطاغي الباغي المضل المغوى المستغرق في بحر العتو والعناد إِنَّهُ طَغى وظهر علينا مستكبرا بقوله لضعفة عبادنا انا ربكم الأعلى فبلغ عنا انذاراتنا وتخويفاتنا وزد عليها من الدلائل العقلية والكشفية لعله يتنبه بها وينزجر بسببها عما عليه من العتو والعناد

وبعد ما سمع موسى خطاب الله إياه قالَ مشمرا الذيل الى الذهاب طالبا التوفيق من رب الأرباب رَبِّ يا من رباني بأنواع اللطف والكرم وأعطاني الآيتين العظيمتين لتكونا شاهدين

511

سورة طه (20): آية 26

سورة طه (20): آية 27

سورة طه (20): آية 28

سورة طه (20): آية 29

سورة طه (20): آية 30

سورة طه (20): آية 31

سورة طه (20): آية 32

سورة طه (20): آية 33

سورة طه (20): آية 34

سورة طه (20): آية 35

سورة طه (20): آية 36

سورة طه (20): آية 37

سورة طه (20): آية 38

سورة طه (20): آية 39

على صدقى في دعواي اشْرَحْ لِي صَدْرِي ووسع لي قلبي بحيث لا اخطر ببالي خوفا من العدو أصلا

وَمع ذلك يَسِّرْ وسهل لِي أَمْرِي هذا بحيث لا اضطرب في التبليغ ولا استوحش من جاه فرعون وشوكته

وَمتى شرعت لأداء الرسالة احْلُلْ وارفع عُقْدَةً مِنْ لِسانِي لكنة عارضة من مهابة العدو سيما هذا الطاغي المتجبر مع ان اللكنة خلقية لي

يَفْقَهُوا قَوْلِي وغرضي منه

وَبعد ما وفقتني لأداء رسالتك يا ربي اجْعَلْ لِي وَزِيرًا ظهيرا يصدقني في امرى ويعينني عليه ولا تجعل ظهيري من الأجانب لقلة شفقتهم وعطفهم على بل اجعل ظهيري يا ربي مِنْ أَهْلِي وأقربهم بي واولى بمعاونتى

هو هارُونَ إذ هو أَخِي الأكبر بمنزلة ابى في الشفقة ومتى جعلت أخي هارون ظهيري ووزيري

اشْدُدْ بِهِ وقوّ بسببه واحكم بإقامته يا معينى أَزْرِي ظهري

وَلا يتحقق تقويته على حقيقة الا بعد اشتراكه معى في امر الرسالة أَشْرِكْهُ بلطفك يا ربي فِي أَمْرِي ورسالتي بان تكشف أنت بلطفك عليه حقيقة الأمر والتوحيد كما كشفت لي ليكون هو ايضا من المكاشفين الموقنين بوحدانيتك ومن الممتثلين بأوامرك المجتنبين عن نواهيك

وانما سألتك يا ربي الإعانة بأخي كَيْ نُسَبِّحَكَ ونقدس ذاتك عما لا يليق بشأنك تقديسا

كَثِيرًا وَنَذْكُرَكَ ونناجى معك بذكر أسمائك الحسنى وصفاتك العظمى ذكرا كَثِيرًا وكيف لا نسبحك ونذكرك

إِنَّكَ بذاتك وأسمائك واوصافك قد كُنْتَ محيطا بِنا بَصِيرًا لعموم أحوالنا وبعد ما ناجى موسى مع ربه ما ناجى

قالَ تعالى رفقا له وامتنانا عليه لرجوعه نحوه بالكلية قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ ونعطيك عموم مسئولك وقد حصل لك جميع مطالبك لتوجهك علينا ورجوعك إلينا يا مُوسى

كيف وَلَقَدْ أنعمنا عليك من قبل حين لا ترقب لك ولا شعور بان مَنَنَّا عَلَيْكَ من وفور رحمتنا وشفقتنا لك مَرَّةً أُخْرى

وقت إِذْ أَوْحَيْنا وألقينا إِلى قلب أُمِّكَ ما يُوحى وما يلهم عند نزول البلاء على قلوب الأحباء ليتخلصوا عن ورطة الهلاك وذلك حين احاطة شرطة فرعون المأمورين من عنده لعنه الله بقتل أبناء بنى إسرائيل على بيت أمك ليقتلوك ظلما فاضطربت أمك وأيست من حياتك فالهمناها حينئذ

أَنِ اقْذِفِيهِ واطرحيه فِي التَّابُوتِ المصنوع من الخشب فاتخذت تابوتا ووضعتك فيه ثم ألهمناها ثانيا إذا وضعت فيه توكلي على خالقه وحافظه وفوضى امره اليه فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ يعنى النيل ولا تخافي من غرقه فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ البتة إذ من عادة الماء إلقاء ما فيه الى جانبه فإذا قرب من الساحل ورآه الناس يَأْخُذْهُ يأمر بأخذه عَدُوٌّ لِي يعنى فرعون المفرط بدعوى الألوهية لنفسه وَعَدُوٌّ لَهُ يعنى الوليد إذ هو من أبناء بنى إسرائيل وهو عدو لهم بل هو سبب عداوة جميعهم في الحقيقة وَبعد ما امر عدوك بأخذك والتقاطك من البحر يا موسى قد أَلْقَيْتُ من كمال قدرتي ووفور حولي وقوتي في نفس فرعون لعنه الله وزوجته آسية رضي الله عنها وجميع اهل بيته عَلَيْكَ على حفظك وحضانتك يا موسى مَحَبَّةً عظيمة في قلوبهم مع شدة عداوتهم معك وقد كانت تلك المحبة صادرة مِنِّي بارزة من هوياتهم منشعبة من محبتي إياك حفظا لك وإظهارا لكمال قدرتي بان أربيك في يد عدوك فتكون أنت سببا لهلاكه وَانما ألقيت في قلوبهم المحبة الصادرة الناشئة منى لِتُصْنَعَ ولتربى أنت وان كنت بيد العدو ظاهرا عَلى عَيْنِي اى اعيان أوصافي وأسمائي إذ الكل بعد ما انخلعوا عن اكسية هوياتهم الباطلة وتجردوا عن جلباب ناسوتهم العاطلة

512