شرح مقدمة التفسيرالجزء 1 · ص 15 - 27

الدرس الأول مدارس التفسير (2 من 2)

وهناك طريقة أخرى مطولة أحسبها أنا أنفع للمتعلمين لأنها وإن كانت مطولة والتفسير الذي يقطع معها قليل لكنها تضع أصولا لطالب العلم بالتفسير يمكنه معها إذا فهمها أن يقيس عليها وأن يطلب علم التفسير على منوالها:

وهي أن يؤخذ في فهم الآية بالمعنى العام أولا المعنى الإجمالي الذي يحتاجه طالب العلم في فهم المعنى العام للآية وهو الذي تعتني به بعض التفاسير الذي يسمى تفسير الإجمالي للآية.

ثم بعد ذلك يؤتى للتفسير التفصيلي للآية في فهم معانيها ومفرداتها وما فيها من البلاغة وتركيباتها؛ لأن في هذا من العلم بإعجاز القرآن، والعلم بأنواع من العلوم المهمة، العلم بالسنة، العلم بالعقيدة في تقرير التوحيد، العلم باللغة بالاشتقاق بالبلاغة بالنحو، ونحو ذلك من العلوم المهمة التي ربما لم يهتم بها طالب العلم إلا إذا سمعها من جهة التفسير.

لهذا نقول التفسير فيمن رام تسير القرآن ينبغي أن يكون مستحضرا فيه أن القرآن نزل هاديا للناس، والله جل وعلا جعل القرآن نورا والقرآن شفاء لما في الصدور وهدى للناس وبينات، فهو مبين وهو هاد وهو نور.

وعلى هذا ينبغي أن يكون المفسّر في تفسيره للقرآن ينظر إلى أن المقصود منه أ، يهدي للتي هي أقوم ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: 9]، وحال الناس في كل زمن مختلفة، فكل زمن الناس فيه بحاجة لهداية القرآن والقرآن يهدي للتي هي أقوم، والمفسر الذي يفسر القرآن أول ما يجب عليه أن ينظر إلى أن القرآن كتاب هداية، فيفسر القرآن ليهتدي به الناس.

فإذا كان الناس في مرض في نفوسهم بقلة تعبد مثلا كان تفسيره منظورا به إلى هذه الجهة.

إذا كان الناس في ضعف من الاهتمام بالعقيدة والتوحيد وعدم معرفة بتواطؤ الأدلة في ذلك، فإنه يعتني في تفسير القرآن ببيان حق الله جل وعلا وتوحيده وما كان عليه أهل الشرك من العبادات الباطلة، وهذا لاشك أنه في هذا الزمان أحوج ما نكون إليه.

15

كذلك إذا كان الناس في أمور في مجتمعهم أو في أنفسهم من منكرات فاشية ومن ضلالات فاشية أو تُفشى في الناس فيعتني المفسر ببيان مواقع الحجج على إبطال ذلك وإصلاح الناس وإصلاح المجتمع عن طريق تفسير القرآن؛ لأن القرآن نزل هاديا للناس وهو يهدي للتي هي أقوم.

ولاشك أن العناية بالتفسير غرض كل متعلم، وما أحسن ندم شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في آخر عمره على أنه لم يستغل طوال عمره بتفسير القرآن للناس نعم فسر القرآن في مواضع كثيرة، وما نقل عنه من تفسير القرآن هو كالشمس ضياء في وضوحه وبرهانه ودلالاته؛ لكن هو ندم على أنه لم يهدِ الناس عن طريق تفسير القرآن، وقد ذكر من ترجم له كابن عبد الهادي وغيره أنه مكث سنة كاملة يفسر سورة نوح وهي سورة قصيرة يفسر سورة نوح، مكث سنة كاملة يفسرها يوم الجمعة في مجلس له في التفسير، وهذا لا يكون له إلا على وجه التفسير المطول ليس التفسير الذي فيه بيان معاني الكلمات وحسب؛ بل التفسير المطول الذي يعرض فيه المفسر لما يحتاجه الناس من العلم بالتفسير، وهذا ولاشك هو أمثل الطرق لأن المقصود هداية الناس بالتفسير، وأما إسماع الناس التفسير فإن القرآن طويل، وتفسيره يأخذ أعمارا خاصة إذا لاحظنا أنه في مثل هذا الزمان لا يصبر الناس على دروس يومية في التفسير وإنما إذا صبروا صَبروا على درس واحد في الأسبوع أو اثنين في الأسبوع، وهذا لا يمكن معه أن يفسر القرآن كاملا إلا أن يُقرأ كتاب مختصر في التفسير ويعلق عليه تعليقات يسيرة فإنه ربما ختم في بضع سنين.

هذا العلم بالتفسير الذي كان عند شيخ الإسلام رحمه الله تعالى وورثه لأصحابه رحمهم الله تعالى على هذه الطريقة، هذا يحتاجه الناس ولاشك فالقرآن هو الشفاء وهو الهداية، من رام الهدى في غيره أضله الله، ولكن الشأن في فهم معاني القرآن، هل كل يفسر....

16

هذا له مدرسة كبيرة هي مدرسة تفسير القرآن بالرأي؛ ويُعني بالرأي في هذا الموضع عند أهل التفسير الاستنباط والاجتهاد، فمعنى تفسير القرآن بالرأي تفسيره بالاجتهاد، والرأي رأيان رأي ممدوح ورأي مذموم:

أما الرأي الممدوح فهو تفسير القرآن بالاستنباط وبالاجتهاد على وَفق الأصول المعتبرة في الاستنباط والاجتهاد، وفسر الصحابة كما ذكرت لكم بالاستنباط، هناك شروط لمن يفسر القرآن بالاجتهاد والاستنباط، وهذه الشروط جماعها:

أولا أن يكون عالما بالقرآن حافظا له، يعني مستظهرا لآياته عالما بمواقع حججه، مستحضرا لكثير من القراءات المختلفة فيه؛ لأن القراءات المختلفة تفسير لبعض القرآن كما في قراءة مثلا كما في قوله تعالى ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ فإنه في القراءة الأخرى ﴿وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطَّهَّرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ﴾ [البقرة: 222] فهذه تفسير لقوله ﴿حَتَّىَ يَطْهُرْنَ﴾، ﴿حَتَّىَ يَطَّهَّرْنَ﴾ قراءة أخرى تفسير لقوله ﴿يَطْهُرْنَ﴾ .

فإذن العلم بالقرآن بحفظه واستظهاره ومعرفة مواقع حججه، هذا شرط أول فيمن يريد أن يفسّر القرآن بالاستنباط والاجتهاد.

أيضا أن يكون عالما بالسنة إما بالقوة القريبة؛ يعني بالبحث أو بالملكة أن يكون حافظا للسنة ونحو ذلك أو بالبحث ... (1)

يكون عالما كيف يعلم ما بينت السنة من القرآن وكيف يُثبت ذلك يعني أن يكون عارفا بطريقة إثبات السنن وهو المعروف عند أهل العلم بعلم مصطلح الحديث وعلم الرجال، فلابد للمفسر -المفسر بالاستنباط والاجتهاد- أن يكون عالما بالسنة بالبحث بالحفظ أو بالبحث وعالما بطريقة إثبات السنن عن طريق علم مصطلح الحديث والجرح والتعديل وقواعد ذلك.

  • (1) انتهى الوجه الأول من الشريط الأول.
17

كذلك من الشروط أن يكون عالما بلغة العرب؛ يعني عنده معرفة بلغة العرب في مفرداتها وفي نحوها وفي علم المعاني بخصوصه من علم البلاغة ونحو ذلك من علوم اللسان العربي الشريف. وهذه لابد منها للمفسر؛ لأن من فسر القرآن بالاستنباط وبالاجتهاد وهو جاهل باللغة فإن تفسيره من قبل الرأي المذموم الذي ورد فيه النهي.

كذلك يحتاج المفسر أن يكون عالما بأصول الفقه؛ لأن أصول الفقه هي أصول الاستنباط، وأصول الاستنباط يحتاجها المفسر كثيرا، فكثير من مواضع الاجتهاد والاستنباط إنما تكون عن طريق أصول الفقه، أرأيت مثلا مجيء الخاص بعد العام، أو مجيء المبيَّن بعد المجمل، أو مجيء المقيد بعد المطلق، أو مجيء النص أو مجيء الظاهر أو الحقيقة أو نحو ذلك التي كلها من مباحث أصول الفقه، فمن لم يكن ضابطا لأصول الفقه فإنه لا يحسن له بل يذم إذا تعاطى التفسير بالاجتهاد فيه.

في علوم أخر ذكرها أهل العلم ثم ختامها وواسطة عقدها أن يكون عالما بكلام أهل السنة في توحيد الله جل وعلا، عالما بالاعتقاد الحق الذي دلت عليه النصوص من الكتاب والسنة وأجمع عليه سلف الأمة؛ لأن هذا الاعتقاد الذي هو حق لا مرية فيه لابد أن يفسر القرآن على وفقه، فمن كان جاهلا بذلك جهلا بسيطا فإنه إذا فسر القرآن في آيات الاعتقاد والقرآن كما هو معلوم توحيد كله فإنه يَضل وربما يُضل، ومن كان عنده الجهل المركب في هذا الباب وفي هذا العلم الذي هو العلم بالتوحيد علم الاعتقاد بأن كان يعتقد خلاف الحق من أصحاب الأقوال الزائغة والأقوال المبتدعة فإن هذا يَحرم عليه أن يفسر القرآن على وفق آرائه المبتدعة الضالة التي ما كانت على وفق نصوص الكتاب والسنة، وإنما كانت على وفق تقديم العقل على النقل كما هي أصول أهل البدع بأجمعهم.

هذه العلوم لابد منها لمن يستنبط معاني القرآن.

الرأي الثاني الرأي المذموم وهو قسمان:

18

أن يفسر القرآن برأي عن جهالة أو أن يفسر القرآن برأيٍ باطل إما باعتقاد له أو نحلة له ونحو ذلك كتفاسير أهل البدع، تفاسير أهل البدع للقرآن هي كلها من قبيل الرأي المذموم الذي جاءت به عدة أحاديث تنهى عنه وتتوعد من فسر القرآن برأيه بأن يتبوأ مقعده من النار.

هذه الخلاصة ومقدمة لما سنتعاطاه في هذه الدروس من التفسير.

وفي مقدمة التفسير أو في أصول التفسير سنقرأ إن شاء الله تعالى مقدمة شيخ الإسلام في أصول التفسير، مع بيان ما اشتملت عليه من العلوم النافعة المتصلة بتفسير القرآن.

وأما في التفسير نفسه فسنبتدئ إن شاء الله تعالى بتفسير سورة الفاتحة فإذا أتممناها، إما أن تختاروا كتابا في التفسير، وإما أن تختاروا تفسيرا للقرآن على منوال ما ستسمعون إن شاء الله تعالى من تفسير سورة الفاتحة، ونرجئ الاختيار إلى الدرس القادم إن شاء الله تعالى.

أسأل الله جل وعلا وأن ينفعني وإياكم بالقرآن، وأن يرفعنا به وأن يجعله حجة لنا وأن يجعله مظللا لنا يوم القيامة.

وأسأله جل وعلا أن يوفقني وإياكم للسداد في القول في تفسير القرآن وفي فهمه إنه أكرم مسؤول.

اللهم إنا نسألك بصيرة في قلوبنا وبصيرة في أقوالنا وبصيرة في أعمالنا، ربنا لا تكلنا لأنفسنا طرفة عين فإنه لا حول لنا ولا قوة إلا بك، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

[الأسئلة]

السؤالان الأولان يسألان عن تفسير في ظلال القرآن لسيد قطب.

س1/ وهذا يقول: كما تلاحظ الحضور فيهم مبتدئون في الطلب ولو استخدمنا طريقة التفسير المطولة فستكون شاقة عليهم.

- أخشى أن تكون شاقة على السائل أيضا-

وسوف تطول مدة التفسير جدا خصوصا وأن الدرس مدته قصيرة جدا ويوم واحد.

ج/ على كل حال إن أخذنا بالطريقة المطولة فلنا فيها سلف، وقد فسر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى سورة نوح في سنة، نحن لو فسرنا مثل سورة نوح في شهر ما أظن تكون مطولة.

19

وأما الطريقة المختصرة فالتفضيل بينها وبين الطريقة المطولة أتركها لكم بعد إسماعكم إن شاء الله تعالى تفسير سورة الفاتحة.

س2/ يقول: لو غُيّر وقت الدرس إلى مغرب السبت أو مغرب الاثنين؛ لأن مغرب الأحد يوافق درس سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز حفظه الله تعالى ونحن محتاجون لمثل هذا الدرس في التفسير.

ج/ الواقع أن تغيير هذا اليوم بالنسبة لي لا يمكن؛ لأن كل يوم بعد المغرب عندي درس في الجهة التي أسكن فيها، وقد تباحثنا في هذا الأمر مع الأخ الشيخ سعد حفظه الله، ورُئي أنه لا أنسب من هذا اليوم.

ولاشك أنه مما يحز على النفس؛ بل يعظم على النفس أن يكون فينا الشيخ عبد العزيز بن باز حفظه الله وأن يُقبل الشباب وطلاب العلم على مثل هذا الدرس أو على أمثاله، فإن العلم إنما يؤخذ عن الأكابر وهذه سنة العلم؛ لكن كثر طلب العلم وكثر الشباب واحتاجوا إلى دروس مختلفة، اُرتكب شيء من المفسدة في ذلك وإلا فإن الأصل أن الدرس وطلب العلم يكون عند الأكابر عند أكابر العلماء لأنهم هم الحقيقون بالعلم الذين يفهمون العلم ويفهمون أدلته ويبينونه على وَفق ما عُلِّموه أو على وفق ما اجتهدوا فيه وهم أهل لذلك كله.

لكن لا يمكن إما أن نترك هذا الدرس ولو كان الحضور جميعا أو الأغلب فيهم أنهم سيحضرون درس الشيخ عبد العزيز حفظه الله لما عُقد هذا الدرس أصلا؛ لكن رئي أن كثيرين من الشباب لا يحضرون الدرس أصلا، فمجيء هذا الدرس في وقت درس الشيخ بما نتج من البحث مع الإمام وفقه الله وجد أنه لا بأس به، وإلا فإن في النفس حسرة من ذلك؛ لكن الشكوى على الله جل وعلا.

س3/ ما اسم كتاب شيخ الإسلام في أصول التفسير؟

ج/ اسمه مقدمة في أصول التفسير هي التي سنبدأ بها إن شاء الله تعالى من الدرس القادم.

س4/ ما رأيكم في الكتب التالية: التحرير والتنوير، في ظلال القرآن، أيسر التفاسير.

20

ج/ السؤال عن التفاسير ربما يطول لعله يكون أسئلة عن علم أخص من السؤال عن التفاسير لأني ذكرت لكم مدارس التفسير المختلفة.

س5/ هذا سؤال مهم يقول ذكرت أن من مدارس تفسير أهل السنة تفسير الإمام البغوي، فما تعليلكم لاضطرابه في بعض آيات الصفات؟

ج/ هو لم يضطرب، ربما نقل تفسيرا ظاهره التأويل؛ لكن يحمل على أنه تفسير باللازم، وهذا ربما وقع في تفسير ابن كثير وتفاسير بعض أهل السنة فإنهم يذكرون المعنى المراد الذي يلزم من المعنى الأصلي، مثلا في قوله تعالى ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [فصلت: 11]، يقول ﴿اسْتَوَى﴾ بمعنى قصد، ومعلوم أن الاستواء في اللغة وفي تفاسير السلف لا يكون بمعنى القصد؛ لكن هنا فسروا استوى بمعنى قصد لأنه عُدي بـ ﴿إِلَى﴾ والتعدية بـ ﴿إِلَى﴾ أفادت أنّ ﴿اسْتَوَى﴾ مضمّنة معنى فعل آخر يناسب التعدية بـ ﴿إِلَى﴾، ﴿اسْتَوَى إِلَى﴾ استوى معناها في اللغة في تفاسير السلف على، ﴿اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ يعني استوى على السماء، فلم فسرت بالقصد هنا؟ فإن هذا التفسير لا يعد تأويلا لأنه تفسير باللازم لأن المعنى الأصلي معروف وإنما هذا المعنى الثاني؛ يعني لأن الكلمة استوى مثلا مضمنة مع المعنى الأصلي معنى قصَد، فَهُم لم يذكروا المعنى الأصلي لظهروه، وإنما ذكروا المعنى الثاني لأنه هو الذي يُحتاج إليه؛ لأن التعدية بحرف (إلى) مثلا في هذا الموضوع يدل على أن المحتاج إليه لم عُديت بـ ﴿إِلَى﴾، وهذا يسمى تفسير باللازم، والتفسير هذا لا ينفي المعنى الأول ولا يعد تأويلا، وإنما هو تفسير بلازم الإثبات.

فإذن يكون تفسير ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ بقصد هذا تفسير باللازم.

21

والفرق بين التفسير باللازم والتفسير بالمطابقة هذا سيأتي إن شاء الله مفصلا في قاعدة شيخ الإسلام أو في المقدمة؛ وهو أن اللفظ له دلالات: دلالة بالمطابقة، ودلالة بالتضمن، ودلالة التزام، وهذا اللازم هو خارج عن اللفظ عن مطابقته وعما تضمنه ولكن قد يكون مضمنا إذا كان معدًّى بحرف يناسب الفعل الذي ضمن فيه مثل ﴿اسْتَوَى إِلَى﴾ استوى إلى إذا كانت بمعنى على فهي تكون معداة بـ: على. يعني (على) التي هي حرف جر كما قال جل وعلا ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: 5]، ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: 59] استوى تعدى بـ (على)، ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ [المؤمنون: 28]، هذا بمعنى العلو، فإذا أُريد بأن يكون مع العلو معنى آخر ضُمِّن اللفظ الأول معنىً -معنى فعل آخر- ودُلّ عليه بتعديته بحرف جر يناسب المعنى الذي ليس بمطابقة اللفظ مثل هنا ﴿اسْتَوَى إِلَى﴾ لما عدى بحرف الجر (إلى) علمنا أنه ضُمن معنى قصد.

وهذا التفسير فيه إثبات للمعنى الأول فيكون المعنى (على) على السماء قاصدا إلى السماء، فليس نفي للمعنى الأول فيكون تأويلا أو تحريفا للكلم عن مواضعه وإنما فيه إثبات للمعنى الأول وإثبات معنى ثان دل عليه المقام.

22

وهذا له نظائر التضمين له نظائر مثلا في قوله جل وعلا في سورة الحج ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: 25]، قال ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ﴾ معلوم أن كلمة (أراد) تتعدى بنفسها يقال: أراد كذا، أراد الخير، أراد الشر، ﴿فَمَن يُرِدِ اللهُ أَن يَهْدِيَهُ﴾ يعني من يرد الله هدايته، تتعدى بنفسها عدى أراد بحرف جر الذي هو الباء ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ﴾ لو كانت أراد بمعنى أراد المعروف لكانت التعدية بدون الباء: ومن يريد فيه إلحادا بظلم؛ لكن لما عداه بالباء دلّنا على أن أراد مع معناها الأصلي ضُمنت معنى فعل آخر يناسب هذا الحرف الذي عُدي به والي يناسب الباء هو الهم؛ لأنه يقال همّ بكذا، ولهذا كثيرون من أهل التفسير يقولون إن معنى قوله ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ﴾ يعني من هم فيه بإلحاد، وهذا من خصائص مكة كما قرره ابن القيم مفصلا في أول الهدي النبوي يعني أول زاد المعاد، وهذا له نظائر.

فإذن ليس كل ما يكون ظاهره -في تفسير البغوي أو غيره- يكون ظاهره ليس تفسيرا للصفة بما هو معناها مطابقة أنه يكون تأويلا ومخالفة لمنهج السلف، لا، أحيانا يكون تفسيرا باللازم.

وهذا من العلم المهم أن يعرف، ويأتي إن شاء الله التنبيه عليه في مواضعه.

س6/ فيه ثلاثة أسئلة عن كتاب في ظلال القرآن، وسؤال عن كتاب التحرير والتوير، وسؤال عن أيسر التفاسير؟

ج/ أما كتاب التحرير والتنوير فهو كتاب اعتنى به صاحبه بالبلاغة، ومؤلفه هو ابن عاشور أحد علماء تونس المشهورين في اللغة الحفاظ، وله مؤلفات في البلاغة، منها موجز في البلاغة نفيس جدا له مطبوع في تونس قديما وطبق قواعد البلاغة في تفسير القرآن؛ لكنه ما فرق في البلاغة لين البلاغة العربية السلفية وبين البلاغة المعتزلية الخلفية؛ فإن البلاغة قسمان:

23

منها بلاغة، يعني النظر في علوم اللغة في القرآن على وَفق ما وضع من قواعد البلاعة ويكون هذا صحيحا، وهذا إذا كان على وفق علوم العرب وما قرره السلف وما قرر في العقائد فهذا لاشك من العلم النافع الغزير.

ومنها أشياء مما أحدثه الناس بعد ذلك ولا يُحتاج إليها أصلا.

فهو خلط هذا؛ يعني طبق قواعد البلاغة وأسس البلاغة وتفصيلات البلاغة في القرآن وهو كتاب نافع للمتخصصين، أما طالب العلم المبتدئ، فلا يذهب إليه ولا يطّلع عليه؛ لأن فيه كثيرا من التأويلات والتحريفات التي في جنسه من كتب من لم يستق من عين عقيدة السلف رحمهم الله تعالى.

وكتاب أيسر التفاسير للجزائري هو كتاب مختصر وعليه بعض الملاحظات؛ لكن في الجملة لا بأس به، في الجملة لا بأس به وعليه بعض الملاحظات لاحظها عليه العلماء، ما يحتاج نمثل بأمثلة، موجودة الملاحظات، وهو في الجملة كتاب نافع سليم من البدع؛ لكن ربما نقل أشياء أو ظن أشياء من الحق وهي من أقوال البدع أو من أقوال أهل العصر في المحدثات وتشبيه ما في القرآن من أخبار بما في العصر من مستجدات ووسائل ونحو ذلك.

أما كتاب في ظلال القرآن فهو كتاب دعوي، ولا يصح أن يُنسب إلى كتب التفاسير وإنما هو كما ذكر صاحبه في مقدمة كتابه أنه مشاعر له وتدبُّر في الآيات، فليس من كتب التفاسير؛ لأنه لم يفسر الآية على وفق تفاسير الذين اعتنوا بالتفسير، وإن كان يسمى تفسيرا في هذا العصر؛ لأنه كثرت كتب التفاسير التي على منواله.

24

هو كتاب رام صاحبه فيه أن يضع قواعد ومرجعا للدعاة ولمن يتأثرون بطريقته على القرآن الكريم، وكتابه في مواضع أحسن العبارة جدا مما يُستفاد منه، وفي مواضع أخر أساء العبارة لما فيه من تأويلات وما فيه من متابعة للمعتزلة أو متابعة للأشاعرة، وهو ليس عنده أمر واضح بل ربما انتقد السلف في اهتمامهم ببعض مسائل الاعتقاد كما ذكر في أول سورة الأنفال عند قوله ﴿زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال: 2]، فإنه ظنّ أن مبحث أو ذكر أن مبحث زيادة الإيمان ونقصانه أنه مباحث علم الكلام، وهذا في أمثاله من المآخذات الكبيرة عليه، هذا في مسائل الصفات.

وهناك فيه مسائل أخر كمسائل التكفير فإن عند مؤلفه وهو السيد قطب إبراهيم رحمه الله تعالى عنده كثير من الغلو في هذه المسائل، ففي سورة الأنعام مثلا عند قوله تعالى ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: 121]، تكلّم بكلام على أن مجرّد طاعة الكفار يكون مشركا، ولهذا من تلمذ لكتابه هذا واقتصر عليه ربما خرج لأفكار من نحو هذه.

وفي أمثال ذلك من مثل كلامه على أن النساء اللاتي يتابعن ما تُخرجه-على حسب قوله- آلهة الأزياء في فرنسا. يقول: لم يعلم النساء أولئك -يعني به مصممي الأزياء في فرنسا في الكاتالوجات هذه المعروفة- يقول: لم يعلم أولئك النساء أنهن اتخذن أولئك المصممين آلهة؛ لأنهن أطعن أولئك المصممين في تحريم الحلال وفي تحليل الحرام، فليسن ما حرم الله طاعة لأولئك فأطعن النساء أطعن آلهة الأزياء. وسمى أولئك آلهة، وهذه لاشك أنه من الغلو ونحو ذلك.

فالكتاب فيه مواضع مفيدة، وفيه مواضع كثيرة جدا فيها أنواع من الانحراف عن جادة معتقد السلف.

25

ولهذا الذي ليس عنده علم بالتفسير لا يحسن به أن يقرأ مثل هذا الكتاب والذي ليس متحصنا في عقيدة لا يحسن به أن يقرأ مثل هذا الكتاب، إلا إن اختار له أحد من أهل العلم فيه موضعا معينا أحسن فيه وأجاد، هذا ربما كان سائغا؛ ولكن في كتب أئمة السلف وفي التفاسير النافعة ما يغني عنه، وفي كلام علمائنا وأهل الحق الذين بيّنوا ما يجب بيانه من معاني كلام الله جل وعلا أو من مسائل الدعوة أو نحو ذلك فيه كفاية عن مثل هذا التفسير.

فالمقصود من هذا أن الواجب أن يعتني طالب العلم بالتفسير بتفاسير السلف؛ لأنه يريد أن يعلم علما نافعا واضحا لا إشكال فيه لمعاني كلام الله جل وعلا، فكيف يعرّض نفسه للهلكة بإقباله على كتب مختلفة، ربما لم يحسن استخراج ما خالف فيها أصحابها منهج السلف الصالح رضوان الله عليهم.

لهذا في هذه البلاد كان العلماء من قديم يمنعون التفاسير الضالة مثل تفسير الفخر الرازي مثلا أو مثل تفاسير الأشاعرة ونحوها تمنع من نحو عشرين ثلاثين سنة بعد ثلاثين يعني من عشرين سنة فأكثر أو نقول خمس وعشرون سنة فأكثر كانت تمنع تفاسير مثل تفسير الفخر الرازي لا يباع أصلا، وقد ذكر لي بعض علمائنا أنه لما كان يدرس التفسير على -يعني في الكليات- وكان يدرسهم الشيخ عبد الرزاق عفيفي حفظه الله ذكروا له أنه: لِمَ لا نرجع إلى تفسير الفخر الرازي ولتفسير فلان ولتفسير فلان؟ فقال لهم كلمة من بصير حاذق ناقد قال: علماؤكم أرادوا لكم السلامة في دينكم، وتلكم الكتب فيها شوك وأنتم لا تحسنون الابتعاد عن الشوك، ولا استخراج الشوك. هذه كلمة معبرة نفيسة منه رحمه الله، مثل تفاسير الأشاعرة الكبيرة ما كانت تباع عندنا من قديم.

26

ولهذا ينبغي على أهل العلم أن ينبهوا طلاب العلم على العلم النافع المستقى من كلام أئمة السلف وتفاسير السلف فيها كفاية، وإذا احتيج إلى غيرها لمسألة فيه أو لبلاغة أو لبيان أو نحو ذلك فينبغي أن يكون القارئ على أشد الحذر من التأثر بتلك الكتب.

س/ الشيخ: التفاسير كثيرة يعني لو تسألون عن كل تفسير فيه أكثر من مائة تفسير.

سؤال عن فتح البيان للصديق حسن خان، ما رأيكم في تفسير الجلالين؟

ج/ يعني الكتب كتب التفسير كثيرة فصعب أن نجيب عن هذه الأسئلة لأنني إذا أجبت أنا بإجابة مختصرة تناسب المقام ربما ما أعطيناك فكرة كافية عن تلكم التفاسير، وإذا أطلنا فيها لم يناسب المقام وربما صار فيه تضييق على بعض الأسئلة الأخرى، ولهذا حبذا لو لم يسأل عن كتب التفسير، إذا كانت فيه مسائل معينة في قواعد التفسير في أصول التفسير وكان ثم علم فيها أجيب عنها إن شاء الله تعالى.

وفقني الله جل وعلا وإياكم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

««(

أعدّ هذه المادّة: سالم الجزائري

27