تحقيق الوصال بين القلب والقرآنالجزء 1 · ص 8 - 15

القرآن مخرجنا

القرآن مخرجنا

فإذا كان القرآن قد صنع الجيل الأول، فإنه قادر بإذن الله أن يصنع أجيالًا ربانية جديدة، وأن يخرج الأمة - بإذن الله- من أزمتها، ويعيد لها مكانتها.

وليس هذا الكلام من قبيل الأماني والأحلام بل هو حقيقة أكدها التاريخ، وأخبرنا بها رسول الله ﷺ، ففي حديث حذيفة بن اليمان حين أخبره رسول الله ﷺ بما سيحدث من اختلاف وفرقة بعده. قال حذيفة: فقلت: يا رسول الله فما تأمرني إن أدركت ذلك، قال: «تعلَّم كتاب الله عز وجل، واعمل به فهو المخرج من ذلك».

قال حذيفة: فأعدت عليه ثلاثًا، فقال ﷺ ثلاثًا: «تعلَّم كتاب الله عز وجل واعمل به فهو النجاة» (1).

وخطب ﷺ في مرجعه من حجة الوداع فقال: «إنما أنا بشر، يوشك أن يأتيني رسول ربي فأُجيبه، وإني تارك فيكم الثقلين: أولهما كتاب الله، فيه الهدى والنور، من استمسك به وأخذ به كان على الهدين ومن أخطأه ضل» (2)

وعندما حدثت فتنة مقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه ذهب عبد الرحمن بن أبزى إلى أُبي بن كعب رضي الله عنه ليسأله: أبا المنذر ما المخرج؟ قال: كتاب الله، ما استبان لك فاعمل به وانتفع، وما اشتبه عليك فكله إلى عالمه (3).

وفي الحديث الذي رواه الحارث الأعور قال: دخلت المسجد فإذا الناس يخوضون في الأحاديث فدخلت على على رضي الله عنه فقلت: يا أمير المؤمنين، أما ترى الناس يخوضون في الأحاديث؟ فقال: فقد فعلوها؟ قلت: نعم، قال: أما إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنها ستكون فتن» قلت: فما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: «كتاب الله تعالى، فيه خبر ما قبلكم ونبأ ما بعدكم وحكم ما بينكم هو الفصل ليس بالهزل .. الحديث» (4).

أين السنة؟!

وليس معنى القول بأن القرآن هو المخرج التقليل من شأن السنة النبوية، بل العكس فالقرب الحقيقي من القرآن سيزيدنا حبًا للسنة، ويعيننا على العمل بما تدل عليه.

فالسنة تشرح القرآن وتبين ما أُجمل فيه ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: 44].

وليس أدل على أهمية التمسك بالسنة مع القرآن من قوله ﷺ: «تركت فيكم شيئين، لن تضلوا بعدهما: كتاب الله، وسنتي، ولن يتفرقا حتى يردا علىَّ الحوض» (5).

مع الأخذ في الاعتبار أن القرآن ينفرد بإعجازه ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: 88].

فالقرآن الكريم أعظم معجزة نزلت من السماء، والسر الأعظم لإعجازه يكمن في قوة تأثيره على القلوب، فإن كانت المعجزات السابقة حِسِّية تشاهد بالأبصار، فإن معجزة القرآن تشاهد بالبصائر، ويشعر بها كل من يتعرض لها.

نعم، هناك أوجه إعجاز متعددة للقرآن (الإعجاز البياني والإعجاز التشريعي والإعجاز الغيبي والعلمي) إلا أن سر إعجازه الأعظم - كما يقول الإمام الخطابي - هو: «صنيعه بالقلوب، وتأثيره في النفوس.

فإنك لا تسمع كلاما - غير القرآن - منظورًا أو منثورًا إذا قرع السمع خلص منه إلى القلب من اللذة والحلاوة في حال، ومن الروعة والمهابة في أخرى ما يخلص منه إليه.

ويستطرد الخطابي قائلًا:

  • (1) رواه أبو داود، والنسائي، والحاكم في المستدرك وصححه ووافقه الذهبي.
  • (2) رواه مسلم (6177).
  • (3) مختصر قيام الليل لمحمد بن نصر المروزي ص 174.
  • (4) رواه الترمذي والدارمي وغيرهما، وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (1776).
  • (5) صحيح، رواه الحاكم، وصححه الألباني في صحيح الجامع ح (2937).
8

تستبشر به النفوس، وتنشرح له الصدور، حتى إذا أخذت حظها منه عادت مرتاعة قد عراها من الوجيب والقلق، وتَغَشَّاها من الخوف والفَرَق .. ما تقشعر منه الجلود، وتنزعج له القلوب .. يحول بين النفس وبين مُضمراتها وعقائدها الراسخة فيها.

فكم من عدو للرسول ﷺ من رجال العرب وفتَّاكها، أقبلوا يريدون اغتياله وقتله، فسمعوا آيات القرآن، فلم يلبثوا حين وقعت في مسامعهم أن يتحولوا عن رأيهم الأول، وأن يركنوا إلى مسالمته، ويدخلوا في دينه، وصارت عداوتهم موالاة، وكفرهم إيمانًا (1) ..

إن تأثير القرآن على القلوب لا يوجد له نظير، ومن ثمَ فإن من يُحسن التعرض له سيكون من أكثر الناس حبا للسُّنة، وحرصا على تطبيقها، وكيف لا والطاقة المتولدة من كثرة التأثر بآيات القرآن ستدفعه لتطبيق كل ما يستطيع تطبيقه مما يُحبه الله ورسوله.

القرآن والأعمال الصالحة الأخرى

وليس المقصد كذلك من كلامنا عن القرآن التقليل من شأن بقية الأعمال الصالحة الأخرى، فكل طاعة، وكل عمل صالح له وظيفة في تشييد بنيان الإيمان في قلب المسلم، ولكن المقصد هو وضع القرآن في حجمه الصحيح بالنسبة لتلك الأعمال.

فكما أن للحج أعمالًا كثيرة كالسعي والطواف ورمي الجمار، إلا أن أهم عمل في الحج هو الوقوف بعرفة، فبه يتحقق أهم مقصود للحج من إظهار الذل والانكسار والتَبَؤُّس والافتقار لله عز وجل، لذلك قال ﷺ: «الحج عرفة» (2).

وكما أن للتوبة أعمالًا كثيرة كالإقلاع عن الذنب، ورد المظالم، والاستغفار، إلا أن أهم عمل للتوبة هو الندم، وبدونه لن تتحقق التوبة .. قال ﷺ: «الندم توبة» (3).

كذلك القرآن بالنسبة للإيمان، فكما أن كل طاعة، وكل عمل صالح من شأنه أن يزيد الإيمان كالصيام والصدقة وغيرهما إلا أن القرآن يُمثل العمود الفقري للإيمان، وبدونه لا يمكن للقلب أن يستعيد عافيته بصورة كاملة، وتُبث الروح في جنباته .. إنه كالماء فيه حياة لكل من شرب منه.

وفي هذا المعنى يقول ابن القيم:

وكل من القلب والبدن محتاج أن يتربى فينمو ويزيد حتى يكمل ويصلح .. وكما أن البدن محتاج أن يرقى بالأغذية المصلحة له، والحمية عما يضره، فلا ينمو إلا بإعطائه ما ينفعه ومنعه مما يضره، فكذلك القلب: لا يزكو، ولا ينمو، ولا يتم صلاحه إلا بذلك ..

ولا سبيل له إلى الوصول لذلك إلا من القرآن، وإن وصل إلى شيء منه من غيره .. فهو شيء يسير لا يحصل له به تمام المقصود (4) ..

من هنا ندرك مغزى قول عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه:

لو بات رجل ينفق دينارًا دينارًا، ودرهمًا درهمًا، ويحملُ على الجياد في سبيل الله، حتى يصبح متقبلًا منه، وبت أتلو كتاب الله حتى أصبح متقبلا مني لم أحب أن لي عمله بعملي (5).

وكان عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ضعيف البنية، وكان يُقل من صيام التطوع، فسئل عن سبب إقلاله من الصوم. فقال: إنه يضعفني عن قراءة القرآن، وقراءة القرآن أحب إلىَّ منه (6).

وإن تعجب فعجبٌ قول الضحاك بن مزاحم: لولا تلاوة القرآن لسرني أن أكون مريضا. فقيل له: لِمَ؟ قال: لأن المرض يرفع عني الحرج ويُكفر عني الذنوب، ويجرى لي مثل صالح ما كنت أعمل (7).

  • (1) التعبير القرآني والدلالة النفسية ص 108، 109 نقلا عن البيان في إعجاز القرآن للخطابي ص64.
  • (2) صحيح، رواه الإمام أحمد، والحاكم، وصححه الألباني في صحيح الجامع ص (3172).
  • (3) أخرجه ابن ماجة وابن حبان والحاكم وصححه.
  • (4) إغاثة اللهفان 1/ 76.
  • (5) أورده الغافقي في لمحات الأنوار ص 55، وابن أبي شيبة في مصنفه (10/ 508).
  • (6) فضائل القرآن لأبي عبيد ص 62.
  • (7) ابن أبي شيبة (13/ 580) كتاب الزهد (2399).
9

فهو يعلم أن أثر التلاوة لا يعدله شيء من إيمان وأمان وسكينة كما قال عبد الله بن مسعود: إن هذا القرآن مأدبة الله فمن دخل فيه فهو آمن (1).

هل أدرك المسلمون قيمة القرآن؟!

فإن كان القرآن كذلك فهل أدرك المسلمون قيمته، وهل أحسنوا الانتفاع به؟!

هل تعاملوا معه على حقيقته كمصدر متفرد لزيادة الإيمان ومن ثمَّ التغيير؟!

للأسف لم يحدث هذا، بل حدث العكس، فلقد انصب اهتمام الغالبية منهم - إلا من رحم ربي - على الناحية الشكلية للقرآن، ولم يواكب ذلك اهتمام بتدبره والتأثر به، والاغتراف من منابع الإيمان التي تتفجر من كل آية من آياته، لتستمر الأمة في ضعفها وعجزها عن النهوض من كبوتها، وكيف لا وقد هُجر أهم وأعظم مصدر للإمداد الإيماني.

ومما يزيد الأمر صعوبة أن الكثيرين لا يعترفون بذلك، بل يعتبرون أن الاهتمام بالقرآن يعني الإكثار من قراءته بفهم أو بدون فهم، ويعني كذلك تخريج أكبر قدر من حُفَّاظ ألفاظه في أقل وقت ممكن .. فازداد القرآن يُتما، وأصبح حاضرًا وغائبًا .. موجودًا ومهجورًا.

صار حاضرًا بلفظه على ألسنة الُقَّراء والحفاظ، لكنه غائب بروحه وأنواره عن القلوب، وأثره الإيجابي في السلوك.

صار موجودا بشكله من خلال المطابع والإذاعات والمدارس والكليات والمسابقات، لكنه مهجور في حقيقته وتأثيره على القلوب، وتغييره للأخلاق والسلوك.

فإن قلت هلموا إلى القرآن ننتفع به، قيل لك: وماذا علينا أن نفعل مع القرآن أكثر مما نفعل، فأغلب بيوت المسلمين - إن لم تكن كلها - تحتوي على نسخة أو عدة نسخ من المصحف، والكثير من الأسر تجد فيها من يحفظ قدرًا من القرآن، والإذاعات التي تبث آياته ليل نهار في ازدياد مستمر!!.

من هنا تكمن صعوبة الأمر، فمع تَيسُّر القرآن للجميع إلا أن الشعور بالاحتياج إليه كمصدر لا غنى عنه لتوليد الإيمان وبث الروح إلى القلب يكاد يكون غير موجود.

إن حالنا ينطبق مع حال من يحتاج احتياجًا ماسًا إلى الماء ليروى ظمأه، فيبحث عنه لاهثًا في كل مكان على الرغم من كونه موجودًا بين أمتعته وفي متناول يده، لكنه لا يصدق ذلك.

وانطبق حالنا مع قول الشاعر:

ومن العجائب والعجائب جمة ... قرب الدليل وما إليه وصول

كالعيس في البيداء يقتلها الظما ... والماء فوق ظهورها محمول

الرسول ﷺ يشكونا

ومما يلفت الانتباه أن رسولنا ﷺ قد اشتكانا لله عز وجل بخصوص هذا الوضع الشاذ الذي نفعله مع القرآن: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: 30].

ولو تأملنا هذه الشكوى لوجدنا أمرًا عجيبًا: فلو كانت الآية لم تتضمن كلمة «اتخذوا» أي كانت بمعنى: يا رب إن قومي هجروا القرآن لكان المراد بها أناسًا أبعدوا القرآن تمامًا عن حياتهم، فلا تجد فيها أي مساحة لقراءته أوسماعه أو إذاعته.

لكن وجود كلمة «اتخذوا» مع كلمة «مهجورا» أعطت لمفهوم الهجر بُعدًا آخر، ودلت على أن الشكوى تخص أناسًا تعاملوا مع القرآن، وبذلوا فيه مجهودا؛ فكلمة اتخذوا تدل على ذلك، إلا أنهم في نفس الوقت - رغم هذا المجهود - قد هجروا القرآن، وذلك حين اهتموا بشكله ولفظه، وهجروا أهم جانب فيه ألا وهو تأثيره المتفرد على القلوب ليحول ما فيها من ظلمات الهوى إلى نور الإيمان ﴿قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ - يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: 15، 16].

  • (1) رواه الدارمي (3323).
10

فحين اكتفينا بالتعامل مع القرآن بالألسنة والحناجر، ولم نجتهد في الوصول بالقرآن إلى العقول والقلوب فإننا بذلك قد حرمنا أنفسنا من أهم جانب فيه، ومن سر إعجازه الأعظم .. فكانت المحصلة أننا اتخذنا القرآن مهجورا؛ لينتج عن ذلك الهجر هبوطنا لهذا الدرك، ليصدق فينا قول رسول الله ﷺ: «إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا، ويضع به آخرين» (1).

فما الحل في هذه الإشكالية؟!

مشكلتنا إيمانية، وحلها غاية في السهولة وهو حُسن الإقبال على القرآن .. والقرآن بين أيدينا، جاهز لتغييرنا، وإمدادنا بإيمان متدفق ليس له حدود، ومن ثم القضاء على الوهن والضعف الذي أصابنا وجعلنا معرة الأمم.

ومع ذلك الحل المُيسَّر لجميع أفراد الأمة إلا أن الكثير من أبنائها غير مصدق لهذه الحقيقة، ويرى أن هذا الكلام فيه مبالغة، وأن غاية الجهد والخدمة للقرآن هو الإكثار من الكتاتيب والمدارس والكليات لتخريج أكبر قدر من حُفَّاظ حروفه في أقل وقت ممكن، وحث الناس على كثرة قراءته والاجتهاد في ختمه مرات ومرات - وبخاصة في شهر رمضان - لنيل أكبر قدر من الحسنات فقط.

فإن ذكرتهم بأهمية التدبر والتأثر بالقرآن قال بعضهم: نريد أكبر قدر من الحسنات .. نريد دخول الجنة؛ والتدبر يعطلنا عن كثرة القراءة.

وقال البعض الآخر: فلتكن هناك ختمة للقراءة السريعة التي تهتم بتحصيل أكبر قدر من الحسنات دون فهم أو تأثر، وختمة للفهم والتأثر، ولا بأس - على حد قولهم - من أن نمكث مع ختمة التدبر سنوات وسنوات.

كل هذا وغيره يتردد بين الكثير من المسلمين، مما جعل أمر العودة الحقيقية إلى القرآن، والانتفاع به لحل مشكلتنا الإيمانية من الصعوبة بمكان.

ولكن حيث أنه لا بديل للأمة عن هذا الحل، فلا بد أن يستمر ويستمر التذكير بقيمة القرآن، وبالهدف الأسمى لنزوله، والذي لو اتضح أمامنا بصورة جلية، وأصبح إيمانًا مستقرًا في قلوبنا، فإنه - بلا شك - سيولد داخلنا الدافع القوي للإقبال على القرآن بصورة صحيحة لنلتمس منه الهدى والنور، أو بمعنى آخر، سيتحول اهتمامنا نحو تحقيق الهدف الذي من أجله نزل القرآن، وسنطوع الوسائل المختلفة - من قراءة وسماع وحفظ - لتحقيق هذا الهدف، فالإيمان بالقرآن والثقة الكبيرة فيه كمصدر متفرد للهداية والإيمان والتغيير هو نقطة البداية الصحيحة نحو العودة الحقيقية إليه، والانتفاع به.

فكما يقول الإمام البخاري: لا يجد طعمه إلا من آمن به (2).

ويقول مالك بن دينار: أقسم لكم لا يؤمن عبد بهذا القرآن إلا صدع قلبه (3).

فالذي يؤمن بالقرآن لا يسعه إ أن يتعامل معه تعاملا صحيحًا ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [البقرة: 121].

فإن قلت: ولكننا نؤمن بالقرآن ومع ذلك لا نجد طعمه ولا تأثيره.

ليس المقصد من الإيمان بالقرآن هو مجرد الإيمان بأنه «كلام الله، المنزل على محمد ﷺ، المتعبد بتلاوته» (4). بل المقصد بالإضافة لهذا الإيمان: الإيمان بقيمته وعظيم شأنه، وأنه نزل من السماء ليهدي الناس إلى الله، ويأخذ بأيديهم إليه ..

  • (1) رواه مسلم (1894).
  • (2) التبيان في أقسام القرآن لابن القيم ص 205.
  • (3) الدر المنثور للسيوطي 6/ 298.
  • (4) مباحث في علوم القرآن لمناع القطان ص 21.
11

بهذا الإيمان تعامل الصحابة مع القرآن، يقول عبد الله بن عمر رضي الله عنه: لقد عشنا برهة من الدهر وأحدنا يُؤتى الإيمان قبل القرآن، وتنزل السورة على محمد ﷺ، فيُتَعلم حلالها وحرامها، وآمرها وزجرها، وما ينبغي أن يقف عنده منها، ثم لقد رأيت رجالا يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان، فيقرأ من بين فاتحته إلى خاتمته، ما يدري ما آمره ولا زاجره، ولا ما ينبغي أن يقف عنده، وينثره نثر الدقل (1) - وفي رواية: (وكل حرف منه ينادي: أنا رسول الله إليك لتعمل بي وتتعظ بمواعظي) (2).

ويؤكد على هذا المعنى الصحابي جُندب بن عبد الله رضي الله عنه بقوله:

كنا مع النبي ﷺ ونحن غلمان حَزاورة (3) فتعلمنا الإيمان قبل القرآن، ثم تعلمنا القرآن فازددنا إيمانًا (4).

فإن قلت بأن هؤلاء قد أدركوا قيمة القرآن لأنهم سمعوا شيئًا لم يكونوا يألفونه .. سمعوه غضًا طريًا، فأنصتوا إليه مشدوهين، فامتلك عليهم مشاعرهم، وأحدث فيهم أثره البالغ.

نعم، هذا كلام صحيح كسبب من الأسباب التي أوصلتنا لهذا الوضع الغريب، فلقد ورثنا القرآن فيما ورثناه عن آبائنا، وورثنا نفس طريقة التعامل معه، كما ألفنا سماع نغمته منذ نعومة أظافرنا، فتعودنا عليه، فلم يعد يؤثر فينا كما أثر في الأجيال الأولى .. هذا بالإضافة إلى أسباب أخرى سيأتي بيانها - أدت مجتمعة إلى انزواء القرآن في ركن بعيد من عقولنا، وبيوتنا، وحياتنا.

وكأني بالقرآن ينادي علىَّ وعليك ويقول:

«هل أستحق منك هذه المعاملة مع أن هدفي إسعادك، وإدخال السرور والبهجة على قلبك ومساعدتك على مواجهة الحياة بحلوها ومرها؟!

أأكون في بيتك وتهجرني كل هذا الهجر؟!

أحين أكون بين يديك لا يصير نصيبي منك إلا حنجرتك؟!

أتسمع آياتي تتلى ولا تنصت لها؟!

أتدري ماذا سأقول لربك يوم القيامة؟!

هيا بادر قبل فوات الأوان، واجعلني حجة لك لا عليك».

الإيمان بالقرآن هو البداية

من هنا نقول بأن نقطة البداية الصحيحة في طريق الانتفاع بالقرآن هي زيادة الإيمان والثقة فيه كمصدر متفرد للهداية والشفاء والتغيير، ويمكن بعون الله أن يتم هذا من خلال التعرف على السبب الأسمى لنزول القرآن، وبالأثر الذي يُحدثه في القلوب، والتعرف على نماذج واقعية أحدث فيها القرآن أثره، وبث فيها روحه، والتعرف كذلك على الأسباب التي أدت بنا إلى ضعف الإيمان بالقرآن، فصرنا كما قال ابن عمر رضي الله عنه: «ولقد رأيت رجالًا يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان، فيقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته، ما يدري ما آمره ولا زاجره، ولا ما ينبغي أن يقف عنده، وينثره نثر الدقل».

وبعد التعرف على الأسباب المختلفة التي أوصلتنا لهذه الحالة، علينا أن نتعرف على الوسائل المعينة على الانتفاع بالقرآن، لنبدأ بها مهمة تحقيق الوصال بين القلب والقرآن.

وفي الصفحات القادمة تبدأ بعون الله وفضله رحلة تعميق الإيمان بالقرآن، والتي تنطلق من التعرف على السبب الرئيس لنزول القرآن، والذي إن اتضح في الأذهان، واستقر مدلولة في القلوب، فسيكون له أعظم الأثر في تغيير نظرتنا للقرآن، وطريقة تعاملنا معه، ومن ثم الانتفاع الحقيقي به.


  • (1) الدقل: ردئ التمر.
  • (2) رواه الحاكم في المستدرك 1/ 91، وقال صحيح على شرط الشيخين.
  • (3) حزاورة جمع حزير أي ممتلئ القوة.
  • (4) رواه ابن ماجه والبيهقي، وانظر فضائل القرآن للمستغفري 1/ 275.
12

الفصل الثاني حبل الودّ

13

حبل الود

خلق الله عز وجل مخلوقات كثيرة، لكنه - سبحانه - قد اختص منها مخلوقًا واحدًا خلقه لنفسه، ونفخ فيه من روحه، وكرمه، وأحسن خلقه، وأسجد لأبيه الملائكة، وأعد له الجنة لتكون دارًا للنعيم الأبدي، وذلك بعد أن يجتاز اختبارًا يسيرًا على الأرض، جوهره هو عبادته - سبحانه - بالغيب.

جاء في الأثر: يا ابن آدم خلقت كل شيء لك، وخلقتك لنفسي، فلا تشتغل بما خلقته لك عما خلقتك له (1).

ومما لا شك فيه أن الله عز وجل يريد لعباده جميعًا الخير، فما من مولود يولد إلا ويريد الله له الفلاح والنجاح في امتحان الدنيا، ومن ثمَّ دخول الجنة والتنعم فيها ﴿وَاللهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: 221].

أما من يدخل النار فهو الذي يأبى ويُصر على عدم دخول الجنة، وإلا فماذا تقول عن موقف هؤلاء المشركين من دعوة الإسلام؟! ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: 32].

ومع هذا الإصرار في طلب العقوبة إلا أن الله عز وجل لم يستجب لطلبهم، ولم يَعْجل بعجلتهم، لأنه سبحانه يريد لهم الخير، لذلك فهو يحلم عليهم، ويصبر على كفرهم وظلمهم لأنفسهم، ويعطيهم الفرصة تلو الفرصة لعلهم ينتبهون قبل فوات الأوان ﴿وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُّسَمًّى﴾ [طه: 129].

عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي ﷺ قال: «لما خلق الله الخلق، كتب في كتابه، فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي تغلب غضبي» (2).

ويكفي في تأكيد هذا المعنى ما حدث لأصحاب القرية المذكورة في سورة «يس» الذين شردوا عن الله فأرسل سبحانه لهم رسولين يذكرانهم بحقيقة وجودهم في الدنيا، وضرورة العودة إلى الله قبل فوات الأوان.

فكيف كان استقبال أصحاب القرية لهما؟!

كذبوا الرسولين واستهزؤوا بهما، وسخروا منهما.

فماذا فعل الله عز وجل بهم بعد هذا التكذيب؟!

أرسل إليهم رسولًا ثالثًا .. ففعلوا معه مثل ما فعلوا بأخويه ﴿وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ - إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ - قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ﴾

﴿تَكْذِبُونَ﴾ [يس: 13 - 15].

فجاءهم رجل من بينهم يعرفونه ويعرفهم .. جاءهم من أقصى المدينة ليؤكد لهم صدق الرسل الثلاثة، فقتلوه ليستدعوا بذلك غضب الله وعقوبته، بعد حلمه وصبره العظيم عليهم، وجاء الأمر بعقابهم لأنهم مجرمون لا يريدون الإيمان، ويصرون على ذلك إصرارًا شديدًا رغم كل الآيات البينات التي أرسلها الله لهم، فكانت العقوبة ﴿إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾ [يس: 29].

وبعد بيان القرآن الوافي لحال هؤلاء المكذبين وكيف أنهم هم الذين استدعوا العقوبة بإجرامهم إلا أننا نفاجأ بالتعقيب الإلهي على نهاية هؤلاء بقوله تعالى: ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [يس: 30].

  • (1) أورده الحافظ ابن رجب في شرح حديث «إن أغبط أوليائي عندي» - انظر مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي ص 2/ 749.
  • (2) رواه مسلم (6903)، وقال النووي والغلبة هنا: كثرة الرحمة، وشمولها، كما يقال: غلب على فلان الكرم والشجاعة إذا كثرا منه. انظر صحيح مسلم بشرح النووي 17/ 71.
14

فالله عز وجل يتأسف عليهم، وعلى المصير الذي آلوا إليه، مع أنهم هم الذين فعلوا ذلك بأنفسهم، وأصروا واستكبروا استكبارًا، إلا أن هذا لم يمنع من أن يتأسف الله -سبحانه - عليهم .. ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ﴾.

نعم - أخي - هذا هو ربك الرحيم الودود الذي لا يرضى لعبد من عباده الضلال والكفر ﴿وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر: 7].

لكنه - سبحانه - كتب على نفسه أن يترك للبشر حرية الاختيار، وأن يعبدوه بإرادتهم، فلا يجبرهم على فعل طاعة، أو ترك معصية، وإلا صاروا مثل بقية المخلوقات، وفي نفس الوقت فإنه سبحانه يريد لهم جميعًا الخير ودخول الجنة لذلك فهو لا يُعَجِّل بعقوبتهم إذا ما عصوه، بل يحلم ويحلم لعلهم يرجعون إليه في يوم من الأيام ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ [فاطر: 45].

ألا يكفيك في تأكيد هذا المعنى أن الله عز وجل يرى الناس تكفر به، وتجعل له ندًا، وولدًا وهو مع ذلك يرزقهم ويعطيهم؟!

قال عبد الله بن قيس: قال رسول الله ﷺ: «ما أحد أصبر على أذى يسمعه من الله تعالى، إنهم يجعلون له ندًا، ويجعلون له ولدًا، وهو مع ذلك يرزقهم ويعافيهم ويعطيهم» (1).

وعن شهر بن حوشب رضي الله عنه: حملة العرش ثمانية: أربعة منهم يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك، لك الحمد على حلمك بعد علمك، وأربعة يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك، لك الحمد على عفوك بعد قدرتك (2).

الرحمة الواسعة

في يوم من الأيام شاهد رسول الله ﷺ والصحابة الكرام امرأة تسعى ملهوفة تبحث عن ابنها الذي ضل عنها، فلما وجدته أَخَذته فألزقته بطنها، ثم أرضعته، فقال رسول الله ﷺ لأصحابه بعد رؤيتهم لهذا المشهد المؤثر: «أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار؟» قالوا: لا والله. فقال: «لله أرحم بعباده من هذه بولدها» (3).

نعم، الله عز وجل أرحم بعباده من هذه بولدها، ومن كل والد بولده.

أرأيت كيف يتعامل الأب مع أبنائه، وكيف يحبهم ويتعب من أجل راحتهم .. أرأيت كيف يفرح بنجاحهم، ويحزن على إخفاقهم، ولا ينقطع رباط الود والشفقة بينه وبينهم مهما طال الزمن، حتى وإن شرد بعضهم، وانحرف عن جادة الطريق، فإنه لا يتخلى عنه، بل يعمل جاهدًا على إعادته لصوابه مستخدمًا أساليب الترغيب والترهيب. فإن أبي إلا السير في طريق الظلام، فإن الأب - وإن بدا غاضبًا عليه - إلا أن حبل الود لا ينقطع أبدًا، فهو يدعو له، ويتمنى لحظة توبته، وينتظر منه أي بادرة خير يُقبل بها عليه حتى يُبادره بأضعافها.

فإن كان هذا هو حب الأب لأبنائه، فإن حب الله عز وجل لعباده أشد وأشد، ومما يؤكد هذه الحقيقة: فرحه سبحانه بتوبة العاصين والشاردين، بل والكافرين.

تأمل معي قوله ﷺ: «لله أشد فرحًا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه فَأَيِس منها، فأتى شجرة فاضطجع في ظلها، وقد أَيِس من راحلته، فبينما هو كذلك إذ هو بها، قائمة عنده، فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح» (4).

وقال ﷺ: «لله أفرح بتوبة عبده من العقيم الوالد، ومن الضال الواجد، ومن الظمآن الوارد» (5).

  • (1) رواه مسلم (7013).
  • (2) تفسير القرآن العظيم لابن كثير 4/ 64.
  • (3) رواه البخاري (5999)، ومسلم (6912).
  • (4) رواه مسلم (6895).
  • (5) رواه ابن عساكر في أماليه عن أبي هريرة.
15