تفسير المنتصر الكتانيالجزء 125 · ص 9 - 11

معنى قوله تعالى: (وجعل بينهما برزخًا وحجرًا محجورًا)

معنى قوله تعالى: (وجعل بينهما برزخًا وحجرًا محجورًا)

قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان:53] هذا هو المغزى وهذه هي التتمة، حيث جعل تعالى بين هذا الماء والآخر حاجزًا، ومنع هذا أن يفسده ملح البحر، ومنع الآخر أن يُفسده حلاوة الماء وفراته، ذلك لأن الإنسان في الأرض يحتاج إلى هذا وذاك، فالماء الحلو لشرابنا ولزرعنا وطبخنا وحوائجنا -نحن الأحياء- على الأرض، وأما مياه البحر المالحة فلولا وجودها في الأرض لأنتن الكون، ولمات الناس اختناقًا بالجيف الكثيرة المتراكم بعضها على بعض.

وكثيرًا ما نسمع أن الأجواء في المحلات الفلانية اختلطت وفسدت، لكثرة المعامل وكثرة المداخن، فيتسمم الجو، فيحتاج الإنسان إلى الانتقال عن ذلك المكان أو يمرض، وكثيرًا ما تنتشر الأمراض في العاملين في تلك الأماكن نتيجة هذا الذي يحدث في الجو.

فمياه البحر كثيرة، وهي محيطة بالأرض بملوحتها، فتنقي الأرض من نتنها وأوساخها وقاذوراتها، فالإنسان في حاجة شديدة إليها، وكذلك سائر خلق الله.

يقول تعالى: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا﴾ [الفرقان:53] البرزخ: الحاجز والمانع، فهو يمنعهما من الاختلاط ﴿وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان:53] أي: مانعًا وحاجزًا يمنع اختلاط هذا بهذا، فهذا في عذوبته إلى الأبد، وذاك في ملوحته إلى الأبد، وذاك من قدرة الله التي انفرد بها وحده ﷻ.

9

تفسير قوله تعالى: (وهو الذي خلق من الماء بشرًا فجعله نسبًا وصهرًا)

قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ [الفرقان:54].

جعل الله ﷻ من الماء الإنسان، وجعل منه الخلق، فالإنسان مخلوق من النطفة، والنطفة ماء، وهو المني، فالمني ماء خلق منه البشر، وقد كان أول خلق الإنسان من تراب، ثم خلقت حواء من ضلع من أضلاع آدم، وخلق عيسى من أم بلا أب، وخلق سائر الخلق من نطفة لا بد من صبها من الذكر في رحم الأنثى، فيختلط ماؤه وماؤها فيخرج هذا الجنين وهذا الخلق البديع الذي هو أنا وأنت وكل خلق الله من أولاد آدم.

يقول تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ [الفرقان:54] فيربط بعض الخلق ببعض، فأنا ابن أبي، وتزوجت من أسرة أخرى، فصارت مصاهرة، ونشأ عن ذلك السلالة، فبنتك لذاك وبنت ذاك لك، وهكذا انتشر الخلق وتوزّع بين نسب وصهر.

والنسب: هو الذي يرث اسمك واسم أبيك وأسرتك، والصهر: ما لا يتصّل بك بذلك، فأبناؤها يرثون أسماءنا وأسماء أسرتنا، وبناتنا تتصل أسماء أولادهن بأزواجهن، فهذا صهر وذاك نسب، يقول الشاعر: بنونا بنو أبنائنا وبناتنا بنوهن أبناء الرجال الأباعد فهذا نسب وهذا صهر، وحرّم الله بالنسب سبعًا، وحرّم بالصهر سبعًا، وذلك في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء:23] إلى آخر الآية.

يقول تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ [الفرقان:54]، فمن الذي يقدر على ذلك؟ إنه الله خالق الأكوان، وخالق كل شيء.

فما من سماء ولا أرض ولا ليل ولا نهار ولا حركة ولا سكون إلا وهو من خلق الله، ومع كل هذه الدلائل العقلية القاطعة يعرض الكافر ويستكبر.

10

تفسير قوله تعالى: (ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم)

قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ [الفرقان:55].

مع كل هذه الآيات البيّنات الواضحات لا تزال تجد على مر الدهور والأزمان كفّارًا مشركين يعبدون ما لا ينفعهم ولا يضرهم، بل إن المعبودات من إنس أو جن أو جماد أعجز من أن تنفع نفسها أو تضر ﴿لا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلا ضَرًّا﴾ [الرعد:16]، فلا يملكون لأنفسهم أي شيء يمكن أن يعود بالفائدة عليهم فضلًا عن غيرهم.

يقول تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الفرقان:55] أي: يعبدون غير الله مع الله ﴿مَا لا يَنفَعُهُمْ﴾ [الفرقان:55] ما لو عبدوه فلا نفع فيه، ولو تركوه فلا ضرر منه، فيعبدون حيوانات ويعبدون أناسي وجنًا وملائكة لا تضرهم لو تركوا عبادتها، ولا تنفعهم لو بقوا على عبادتها، ولكن يزيدون بذلك كفرًا وجحودًا وضلالًا ولعنة وبُعدًا عن الله.

قال تعالى: ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ [الفرقان:55] أي: مساعدًا في عصيان ربه للشيطان ومتعاونًا مع الشيطان.

11