تفسير المنتصر الكتانيالجزء 269 · ص 9 - 12

معنى قوله تعالى: (ولا تزر وازرة وزر أخرى)

معنى قوله تعالى: (ولا تزر وازرة وزر أخرى)

قال تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الزمر:7] من عدل الله ﷻ وكرمه أنه لا يعاقب أحدًا بذنب أحد، والوازرة: مرتكب الوزر، والوزر: الإثم نفسه.

فلا تؤخذ نفس بذنب غيرها، بل من أذنب فذنبه على نفسه، لا يذنب الولد بذنب أبيه ولا بذنب ابنه، ولا الصاحب بصاحبته، ولا الصاحبة بصاحبها، فكل مسئول عن نفسه، وهذه قاعدة عامة في دستور الإسلام.

فأولاد المشركين إيمانهم لهم، وكفرهم لهم، وكفر آبائهم وشرك آبائهم لا يضرهم.

وقد أمرنا الله بأن نربي أولادنا على الإيمان والتوحيد، قال رسول الله ﷺ: (مروا أبناءكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع).

فإذا مات الأبوان ولم يربيا وليدهما على الصلاة وهو ابن سبع، ولم يضرباه عليها وهو ابن عشر، ثم شبَّ على ترك الصلاة يكون الذنب عليه، إذ يعذب تارك الصلاة من الولد والبنت، ويعذب الأبوان، ولا يعذب الأبوان بذنب ولديهما ولكنهما أمرا أن يعلماه الصلاة ويضرباه عليها فلم يفعلا، وبذلك يكون قد جنيا على أنفسهما حيث تركا ما أمرهما الله بأن يفعلاه مع أولادهما.

وكذلك العلماء إذا لم يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر، سئلوا عن ذلك وحوسبوا، لا لأنهم يتحملون أوزار غيرهم ولكنهم أمروا بأن يفعلوا ذلك تهديدًا للناس وتعليمًا فلم يفعلوا.

وقد ذم الله اليهود من قبل فقال عنهم: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة:78 - 79].

جعل الله عدم أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر ذنبًا في حد ذاته، فلعنهم بذلك وعاقبهم، فالله سبحانه يقص علينا قصص بني إسرائيل لنحذر أن نسير على منهجهم حتى لا نقع فيما وقعوا فيه.

فإذا وقعنا عوقبنا عقوبتهم، وهذا الذي حدث، إذ خرجنا عن أمر الله وخالفناه، وخرجنا عن طاعة الله وطاعة رسوله، فسلط الله علينا هؤلاء الأعداء عقوبة منه، لأننا تركنا الله وكتابه وتركنا نبيه وسنته، خاصة ونحن أخذنا ندعو بدعوة الفلاسفة واليهود والملاحدة أمثال ماركس ولينين، والبهائية والوجودية والاشتراكية، وجميع الفرق الضالة المضلة.

فنحن عندما نترك الاقتداء برسول الله وخلفائه الراشدين وأئمتنا الهادين المهديين، ونسعى لطاعة اليهود وللعمل على أديانهم ومذاهبهم نكون قد استحققنا العقوبة من الله، وتزداد العقوبة عندما يظهر بعضنا العبودية لهم والتعلق بهم والتفاخر باتباعهم والعمل على ألوهيتهم وعلى طاعتهم أكثر من طاعة الله ورسوله، وتلك لعنة لعن الله بها من فعلها وسعى لها ورضيها وعمل لها ودعا إليها.

فالراضي بالمنكر والساكت سواء، والساكت عن الحق شيطان.

9

معنى قوله تعالى: (ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم)

قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [الزمر:7].

وبعد هذه الحياة وأوامر الله لنا ونواهيه، وأوامر رسول الله لنا ونواهيه؛ يكون الموت، وبعد الموت نعرض على الله فيحاسبنا وينبئنا بما عملت أيدينا، يوم تشهد على الإنسان يده وفخذه ولسانه، حتى إذا أنكر أو كذب شهدت عليه أعضاء الجسد بأنه فعل كذا وكذا.

فقوله: (ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ)، أي: نرجع إلى ربنا يوم القيامة، يوم العرض على الله.

قوله: (فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) أي: فيخبرنا بأعمالنا، وقد كلف الله بنا ملكين: ملكًا عن اليمين يكتب الحسنات، وملكًا عن اليسار يكتب السيئات، ويعطى الإنسان كتابه، فأما الصالح فبيمينه، وأما الضال فبيساره، وفي تلك الساعة يعلم هل هو من أهل الجحيم أو من أهل الجنة.

قال تعالى: (إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) أي: عليم بما خفي من أعمالنا ونياتنا وأقوالنا وخواطر نفوسنا، فما تحدث به نفسك وما يخطر ببالك من خواطر ولم ينطق بها لسانك ولم يكتبها منك قلم، فالله عليم بها.

فما في صدورنا مما انطوت عليه وأخفته، من الخواطر والضمائر والأسرار يعلمها الله، يعلم من أضمر خيرًا ومن أضمر شرًا، ولكن الله ﷻ لا يعاقب الإنسان إلا بما صنع وقال، إلا أن يكون منافقًا يظهر الكفر ولا ينطق بالإيمان، فإن نفاق العقيدة هو الشرك، بل هو أقبح من الشرك، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء:145].

10

تفسير قوله تعالى: (وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيبًا إليه)

قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ [الزمر:8].

يقول الله ﷻ: ومنكم أيها الناس من يدعو الله قائمًا إذا أصابه الضر أو البلاء من فقر ومرض وغيره، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا﴾ [يونس:12].

فمن الناس من إذا أصابه ضر في نفس أو روح أو ما يتعلق به أخذ في الدعاء والضراعة إلى الله، حتى إذا استجاب الله له إذا به يغير ويبدل.

قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ﴾ [الزمر:8].

أي: إذا جعل الله له ما يتخوله ويتملكه ويتصرف فيه بأن أكرمه وعافاه؛ بادر بالكفر والجحود والعصيان، ونسي ما كان يقوله من قبل من دعاء وضراعة.

وهذا المعنى يقول عنه عليه الصلاة والسلام مفسرًا: (اعرف الله تعالى في الرخاء يعرفك في الشدة).

من عرف الله في الرخاء أي: عبده ودعاه وخافه ورجاه وهو في رخاء وعافية، وهذا الذي تعرف إلى الله في الرخاء يعرفه الله في الشدة، أي: إذا أصابته شدة من ضر أو حادث أو مرض فإن الله يتعرف إليه عندما يقول: رب أزل ما بي، لا باب إلا بابك ولا رب إلا أنت، ولا كاشف للداء إلا أنت يا رب، هذا الذي تعرف إلى الله في الرخاء كان حقًا على الله أن يتعرف إليه في الشدة.

فقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ﴾ [الزمر:8] أي: حتى إذا خوله وملكه وأنعم عليه بنعمة نسي دعاءه الأول ورجاءه الأول وضراعته الأولى، وهذا عمل المنافق الكاذب الذي يؤمن على حرف.

فإذا هو رزق قال: أنا مؤمن، وإذا هو امتحن نسي الله ودعاءه والعبادة له، وما أكثر الناس في هذا.

في هذه الآيات أسباب نزول ولكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

وقد حدث هذا من أشخاص ونزلت الآيات بسببهم؛ ولكنها عامة في لفظها.

ولذلك من أراد أن يستجيب الله دعاءه ويكشف ما به من ضر، فليذكر الله وهو صحيح البدن، حتى إذا ابتلي وفتن بقي على دعائه وضراعته فيوشك أن يقبل الله دعاءه، ويوشك أن يستجيب الله لضراعته ورجائه.

قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الزمر:8] هذا قد اتخذ مع الله أندادًا، والأنداد: جمع ند، أي: شركاء، وهم عنده في رتبة الله ومنزلته، وهو تمام الشرك وقبيح الوثنية.

ويقول الله لهذا المشرك: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ [الزمر:8].

فهؤلاء وهم في حال الضر والمرض يدعون ويرجون، حتى إذا كشف عنهم الغم والهم نسوا الضراعة والعبادة واتخذوا مع الله أندادًا وشركاء.

يقول الله: قل له يا محمد: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا﴾ [الزمر:8] وماذا عساك أن تعيش؟ فقد عاش نوح مئات السنين وجاء بعده آلاف السنين، ومع ذلك كأنه لم يعش ساعة.

قوله تعالى: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا﴾ [الزمر:8] فالحياة الدنيا كلها متاع قليل.

قال تعالى: ﴿إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ [الزمر:8] ولو لم يمت بعد ولم يدخلها، ولكن المتوقع كالواقع، أليس الصبح بقريب؟ بلى، قريب.

وهكذا يقال لهذا الكافر: مهما كفرت وأصررت على الكفر، فأنت من أصحاب النار ولم تتمتع بالحياة إلا قليلًا، وهيهات هيهات أن ينفعك هذا القليل، فهو في مرض متصل وذل متسلسل وبعد ذلك النار، فهو يمشي على رجليه في دار الدنيا، ومع ذلك هو محسوب من أهل النار.

11

جزاء القانتين لله في الآخرة

يضرب الله الأمثال فيقول: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الزمر:9].

يقول تعالى: ﴿أَمَّنْ﴾ [الزمر:9] وهي قراءة حفص وقراءة ورش: (أَمَنْ).

آناء الليل: جمع آن، أي: ساعات الليل من أوله ومن وسطه ومن آخره.

فقوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ [الزمر:9] أي: أمن هو مطيع لله خاشع له، متهجد في وقت النوم والراحة، والناس نيام وهو بين سجود وقيام، وبين ذكر وتلاوة وتكبير وتهليل، يفعل ذلك خوفًا من عذاب الله، يرجو رحمة ربه، أهذا خير وأفضل أم ذاك الذي يكون ساجدًا ولا قائمًا؟

12