تفسير المنتصر الكتانيالجزء 324 · ص 9 - 13

معنى قوله تعالى: (آيات لقوم يوقنون)

معنى قوله تعالى: (آيات لقوم يوقنون)

يقول تعالى: ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [الجاثية:4].

ففي ذلك آيات وعلامات ودلائل واضحات وبراهين ساطعات على قدرة الله ووحدانية الله وأنه القادر على كل شيء، ولذلك قالوا عن الحواميم: هن بساتين القرآن؛ لكثرة ما فيها من كلام عن التوحيد وعن أهل الجنة وعن أهل النار، وعن وصف أهل النار ووصف أهل الجنة، ووصف النار ووصف الجنة.

فهنا يعدد الله تعالى علينا آياته البينات وبراهين قدرته الساطعات، ثم يقول: ﴿آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [الجاثية:4] أيقنوا بالحق، وأيقنوا بالصدق، وأيقنوا بالله واحدًا، وأيقنوا بمحمد نبيًا ورسولًا، وأيقنوا بالقرآن كتاب صدق وكتاب حق من الله ﷻ.

9

تفسير قوله تعالى: (واختلاف الليل والنهار)

قال تعالى: ﴿وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الجاثية:5].

ومن الأدلة اختلاف الليل والنهار، فالليل قد يقع أربع عشرة ساعة، وقد يقع أقل منها، وكذلك النهار، وهناك ليل يأتي أطول من ذلك، ونهار يأتي أطول من ذلك، وهناك نهار يكون في شدة الحر، ونهار يأتي في شدة البرد، وهناك ليال تأتي في فصل الربيع وفصل الخريف، وهناك ليل بارد شديد البرودة، وليل حار شديد الحرارة، ونهار كذلك، كما تختلف أحوالهما والكون واحد، والدنيا واحدة، والخالق واحد ﷻ، فاختلاف الليل والنهار، واللغات والألوان، والأزمان والأمصار، كل ذلك بأمره، وكل ذلك بقدرته، وكل ذلك بإرادته.

وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ﴾ [الجاثية:5] الرزق هنا الماء؛ فبه تنبت المزروعات، وتنبت النباتات، وتنبت الأشجار، وتعيش الدواب فتعطيك من لحمها ومن جلدها ومن حليبها ومن سمنها.

يقول تعالى: ﴿وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ﴾ [الجاثية:5] أي: من مطر ﴿فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الجاثية:5] وقد كانت لا تنبت، وإذا بنا نرى النبت قد أخذ يهتز ويربو ويعلو، فتعطي الأرض الناس من ثمارها، ومن ورودها وأزهارها، ومن فواكهها، ومن الخيرات والأرزاق بسبب هذا المطر الذي أنزله الله ورزق به الإنسان والحيوان والطير، فمن الذي أنزل ذلك؟! ومن خلق ذلك؟! ومن رزقنا بذلك؟! لو فكر الإنسان في ذلك قليلًا لما احتاج إلى كثير علم ولا إلى كثير عقل، وسيفهم الحقائق كلها بلا تفهيم ولا تعب، وسيعلم خالق كل هذا هو الله الذي أحيانا وخلقنا ونوع الليالي والأيام، وخلق السماوات والأرض، وخلق الدواب، وأنزل الأمطار.

وقوله تعالى: ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾ [الجاثية:5] هذه الرياح منها رياح عقيمة لا تأتي بشيء، ورياح ملقحة تلقح الأزهار ذكرانها بإناثها فتعطي الطعم والثمر، ورياح تسقط الأوراق في الخريف، ورياح تأتي عاصفة تنقل الماء سحابًا من البحار، فينزله الله ماءً عذبًا موزعًا على الأرض يحيي به الأرض بعد موتها.

وقوله تعالى: ﴿آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الجاثية:5] أي: دلائل واضحات، وآيات بينات، على قدرة الله ﷻ وعلى وحدانيته وعلى أنه استغنى عن الشرك في الذات والصفة والأفعال، هو الذي يفعل كل شيء بمحض قدرته وإرادته ووحدانيته، لا يحتاج إلى أحد، وكل شيء يحتاج إليه.

10

تفسير قوله تعالى: (تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق)

قال تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [الجاثية:6].

قوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ﴾ [الجاثية:6] أي: تلك -يا رسول الله، ويا أيها المؤمن- آيات من آيات الله ذُكرت لك، فخلق السماوات والأرضين، وخلق الإنسان، وخلق الدواب، وإنزال الأمطار، واختلاف الليل والنهار، وتصريف الرياح، كل ذلك آيات بينات وعلائم واضحات ودلائل قاطعات على وحدانية الله.

وقوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ﴾ [الجاثية:6] أي: تلك آيات الله، وتلك قدرة الله، وتلك إرادة الله، وتلك الدلائل القاطعة على معرفة الله بوحدانيته وقدرته وأنه لا شريك له.

﴿نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ﴾ [الجاثية:6] نقرؤها عليك، وننزلها عليك بالحق الذي لا باطل فيه، والذي لا ينكره إلا مبطل، متلاعب، مشرك، بعيد عن النور والحق.

قال تعالى: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [الجاثية:6] فإذا لم يؤمنوا بهذه الآيات المتلوة نهارًا وليلًا؛ فما هي الآيات التي سيسمعونها، أو الآيات التي سيؤمنون بها، أو الآيات التي سيرونها الدلائل القاطعة التي تحتاج إلى إيمان وإلى استمساك وإلى معرفة.

﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [الجاثية:6]، فبعد هذا الذي تلاه الله في الكتاب، وقرأه رسول الله ﷺ آيات هي أعظم من هذه، وهي أشمل من هذه، وهي أقوى دليلًا من هذه؟! والاستفهام إنكاري توبيخي، أي: ليس بعد هذه الآيات آيات، ولا بعد هذه الأدلة أدلة، ولا بعد هذه البراهين براهين، ولا بعد القرآن كتاب الله كتاب يمكن أن يؤمنوا به، وقد كفروا بهذا القرآن، كفروا به متلوًا، وكفروا به مسموعًا، فما زادهم جماله وبيانه إلا الخسران والعصيان والتمرد.

فقوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [الجاثية:6] استفهام إنكاري صريح، أي: إذا لم يؤمنوا بهذه الآيات البينات فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بعد كلام الله ودلائل قدرة الله، ورسل الله وما أتوا به من بينات، وبأي دليل، وبأي كتاب، وبأي رسول سيؤمنون بعد هذا إذا أنكروه وكفروا به؟!

11

تفسير قوله تعالى: (ويل لكل أفاك أثيم)

قال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ [الجاثية:7].

أي: الويل له في جهنم من صديد ودماء المعذبين والمعذبات، ومن صديد الفواجر في النار، فهذا دعاء عليه بأن يكون الويل شرابه ونهره الذي يعيش عليه في النار، والمعنى يا ويل هؤلاء، أي: يا ما أعظم مقامهم ذلًا وهوانًا وعذابًا في النار.

و(أفاك) صيغة مبالغة، أي: كثير الإفك، كثير الكذب، كثير البهتان، يكذّب بالحق إذا جاء وكتابًا وسنة ورسولًا ودلائل واضحة، فويل لكل أفّاك أثيم.

(وأثيم): مرتكب للآثام، أي: مجرم، أي أن حياته كلها آثام، أي: ذنوب ومعاص، ومخالفات وتحد وتمرد على الله وعلى رسل الله وكتب الله.

12

تفسير قوله تعالى: (يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبرًا)

قال تعالى: ﴿يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الجاثية:8].

قوله ﷻ: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ﴾ [الجاثية:7 - 8] أي: هذا الذي له الويل من النار يسمع آيات الله تتلى عليه، ويسمع كتاب الله يُقرأ عليه، ويسمع بيان رسول الله في شرح وتذكير وبيان لكتاب الله.

﴿ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا﴾ [الجاثية:8]، ثم يصر على الكفر وعلى العناد، وعلى الآثام، وعلى الشرك، ويفجر وكأنه لم يسمع شيئًا؛ لإصراره على الكفر وعلى العصيان والآثام تعاظمًا على الله، وتكبرًا على رسول الله، وتعاليًا على خلق الله من المؤمنين، فيعرض عنها ويصر على حاله مع تكبر وطغيان وكأنه لم يسمع كتاب الله، ولم يسمع حديث رسول الله، ولم يسمع من الآيات قليلها ولا كثيرها.

قال تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الجاثية:8] أي: بشّر هذا الأثيم، وبشِّر هذا المتكبر المتعالي، وبشِّر هذا الذي يسمع كلام الله ثم يعرض عنه ويتكبر عن سماعه وعن الإفادة منه ويعرض كأنه لم يسمع ذلك، بشّره بِعَذَابٍ أَلِيمٍ، والبشرى هنا من باب الهزء به، وإلا فالبشرى تكون في العمل الطيب.

وقوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الجاثية:8] أي: بشره يوم القيامة بعذاب مؤلم، وبعذاب موجع، وبخلود في النار ليس لهم فيها إلا العذاب والهوان والويل.

13