المعجزات والغيبيات بين بصائر التنزيلالجزء 1 · ص 192 - 197

تأويل (الأوتاد) بالأهرامات

تأويل (الأوتاد) بالأهرامات

الحادي عشر: تأويل (الأوتاد) بالأهرامات:

عند قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ﴾ (10: الفجر) قال الشيخ محمد عبده2: "إن أظهر أقوال المفسرين فيها ملائمةً للحقيقة أنّ الأوتاد هي المباني العظيمة الثابتة.. وما أجمل التعبير عما ترك المصريون من الأبنية الباقية بالأوتاد، فإنها هي

  • 1 انظر محاسن التأويل ج 17 ص 6144، وتفسير الفجر بالصبح إذا تنفس قاله أبو السعود العمادي المتوفى سنة 951؟ في تفسيره إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ج 5 ص 260 طبعة صبيح.
    2 انظر تفسيره لسورة الفجر من جزء (عم يتساءلون) ط الشعب.
192

الأهرام، ومنظرها في عين الرائي في منظر الوتد المغروز في الأرض، بل إن شكل هياكلهم العظيمة شكل الأوتاد المقلوبة.. وهذه هي الأوتاد التي يصح نسبتها إلى فرعون على أنها معهودة للمخاطبين".

هذا ما قاله الشيخ رحمه الله؛ فلننظر هل أصاب؟

1- وصف الله فرعون بهذه الصفة في سورة الفجر، وفي قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الأَوْتَادِ﴾ (12: ص)، ووردت كلمة الأوتاد في وصف الجبال في قوله تعالى: ﴿أَلمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ مِهَادا وَالجِبَال أَوْتَادًا﴾ (7: النبأ)، وإذا كان هذا هو استعمال الكلمة في القرآن فما معناها في اللغة؟

2- الوتد لغة1: "قطعة من خشب أو حديد تثبت في الأرض أو الجدار؛ يشد بها حبل هو زمام لدابة أو طنب لخيمة.. ويقال: الجبال أوتاد الأرض على التشبيه، لأنها تثبت بها وتحفظها من الميدان والاضطراب". وأما ابن فارس2 فقال: "الواو والتاء والدال: كلمة واحدة: هي الوتد يقال وتده ووتد الأذن الذي باطنها كأنه وتد" وأضاف الفيروزأبادي3 "وأوتاد الأرض جبالها، ومن البلاد رؤساؤها، ومن الفم أسنانه، ووتد الوتد يتده وتدا: ثبته"، وجاء من المجازي عند الزمخشري4 "وتد بالمكان وهو واتد: لا يبرح ثابت".

3- وأما أقوال المفسرين في معنى الأوتاد فهي5:

أ - ذو الأوتاد: ذو البناء المحكم، كان كثير البنيان، والبنيان يسمى أوتادا.

ب - ذو الجنود الكثيرة، فسميت الجنود أوتادا، لأنهم يقوون أمره كما يقوي الوتد البيت، وقال ابن قتيبة: "العرب تقول: هم في عز ثابت الأوتاد، يريدون دائما شديدا"، وقريب من هذا الرأي من فسرها بأنه ذو القوة والبطش، أو لأن كثرة الجنود تقتضي كثرة الخيام والمضارب والأوتاد.

  • 1 انظر معجم ألفاظ القرآن الكريم إعداد مجمع اللغة العربية ص 621.
    2 انظر معجم المقاييس ج 6 ص 83، والوتد: بفتح التاء وكسرها.
    3 انظر القاموس المحيط ج 1 ص 356.
    4 انظر أساس البلاغة ص 1004.
    5 انظر في معاني الأوتاد تفسير القرطبي ج 15 ص 144، 145، ج 20 ص 48، والكشاف للزمخشري ج 3 ص 335، تفسير ابن كثير ج 4 ص 508، تفسير البيضاوي ص 568.
193

ج- إن المقصود بالأوتاد: أوتاد الحديد التي كان يشد إليها من يعذبهم، فقيل كان يربط الرجل كل قائمة من قوائمه في وتد، ثم يرسل عليه صخرة عظيمة.

1- تأول الشيخ محمد عبده للأوتاد بالأهرامات علاوة على مناقضته لما تقدم؛ فإنه يقتضي قيام دليل تاريخي، على أن فرعون الذي أرسل إليه الكليم عليه السلام بنى هرما من هذه الأهرامات، أو دفن في واحد منها حتى تصح نسبتها إليه، وهذا الدليل التاريخي غير قائم ولا ثابت.

2- يشم من وصف الشيخ للأهرامات بأنها هياكل عظيمة نزعة مفاخرة.. وهذه الأهرامات وإن كانت عظيمة بالمقياس المادي، فهي ليست كذلك في الميزان الإسلامي.

194

الدابة التي تكلم الناس والتأويلات المتهافتة

الثاني عشر: الدابة التي تكلم الناس والتأويلات المتهافتة:

حول قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ القَوْلُ عَليْهِمْ أَخْرَجْنَا لهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآياتِنَا لا يُوقِنُونَ﴾ (82: النمل)، وجدنا لبعض المفسرين تعسفا في التفسير، ووجدنا عند غيرهم شططا في التأويل، وأخذ كل صاحب هوى يحمل الآية على هواه، أو يحمل ألفاظها مشتهاه، وهاك بسط القول:

194

خروج الدابة وظهور الأرواح

1- خروج الدابة وظهور الأرواح:

حاول الشيخ طنطاوي جوهر- جريا على مسلكه في التأويلات، واتباعا لنهجه في تحميل ألفاظ الآيات النظريات المحدثات- عقد الصلة بين خروج الدابة وبين خرافة ظهور الأرواح، فقال1: "يقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ القَوْلُ عَليْهِمْ﴾ أي شارف الوقوع، وهو قرب قيام الساعة، وحقت كلمة العذاب على نوع الإنسان، فجهلوا بالمعنويات، وعكفوا على الماديات، وكذبوا الديانات، وشكوا في الآيات، وأصبحوا لا شرف لهم في حكوماتهم ولا أفرادهم، ومردوا على الكذب والنفاق، وازدادوا بالعلم عمى، وبالفلسفة ظلما، أخرج لهم من الأرض من يطرق الموائد ويحركها، ويمسك الأقلام في أيديهم، ويكتب لهم، ويتراءى لهم في أشكال وأزياء مختلفة، ووجوه نورية، فتراه أبصارهم، ويسمعون كلامه، وطورا يبصرون أشكالا، وتارة يقرؤون خطوطا، وآونة يسمعون صريرا وصوتا شديدا، كالرعد القاصف، وقد يحسون ببرودة تمر عليهم، ثم تتحرك الأيدي بالكتابة2، فكان في عمله

  • 1 انظر (الجواهر في تفسير القرآن الكريم المشتمل على عجائب بدائع المكونات وغرائب الآيات الباهرات) للشيخ طنطاوي جوهري ج 13 ص 251، 252 ط: 3
    2 كان الشيخ طنطاوي متعدد المعارف، متطلعا للجديد، وقد خدعته (الروحية الحديثة) الوافدة من الغرب، فكان ممن يشهدون جلساتها كما قرأنا عنه، والعبارات المذكورة تصف ما يخادع به دعاة الروحية من يشهدون جلساتهم، وهي مزاعم قريبة مما كانت تدعيه بعض الجمعيات الروحية، وهي دعاوى ليست من الحقيقة في شيء ونقول بذلك عن خبرة ومدارسة، لا عن تقليد ومشايعة.
194

أشبه بمن يدب على الأرض من الإنسان في تعقله وعمله، وبما يجري فوقها من الدواب في حركاتها وأعمالها الأخرى، فهذا يشير له معنى قوله تعالى: ﴿أَخْرَجْنَا لهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ﴾، وهذه الدابة تبين للناس حقائق، وتدرس لهم حكمة وتريهم أنهم غافلون جاهلون ضالون، فيجلس أمامها أكبر الضالين، وأعظم الفاسقين وأشد الغافلين، ومن يدعي أنه ملك مقاليد العلم، وبرع في الحكمة الهادية، فيخر ساجدا لربه، خاضعا لخالقه، موقنا أن روحه ستبقى بعد موته، فهذا معنى تكلمهم.. الخ، وقرأ ابن مسعود: (تكلمهم بأن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون)، وهذا هو الحاصل الآن بعينه، وهذه معجزة القرآن، وحكمة ثابتة للفرقان، فإن الآلاف المؤلفة من البشر اليوم في أنحاء العالم يوقنون إذا تحققوا مذهب الأرواح، وليس الإيمان بكاف، بل اليقين هو أكمل الإيمان، فتعجب من الآية، وانظر كيف كان هذا مظهرها، وهي مسألة ظهور الأرواح والقرآن يشير إليها.." ا؟

ولما أحسّ الشيخ أنه أبعد النجعة عن الحقيقة، وسلك التعسف سبيلا إلى فهم الآية، عاد يقول: "إني لم أقل إن هذا هو المعنى، ولكن أقول: إنه رمز له1 وإشارة، فالآية باقية على ظاهر معناها ترمز إلى ما ذكرنا، فالدابة باقية على المعنى الأصلي، نكل علمها إلى الله تعالى2، وتكون رمزا لهذا، فهذا قسم من أقسام الكناية في علم البيان3، فاللفظ على حاله يشير لما اقترب منه كما وضحه الإمام الغزالي في قوله ﷺ: "لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة"؛ فقد جعلهما على حالهما، ورمز بهما إلى الشهوة والغضب4، فافهم فإذا فهمت هذا قطعت جهيزة قول كل خطيب، وقطع لسان كل معترض بعدك، فقد سدت في وجهه أبواب الجدال ﴿وَكَفَى اللهُ المُؤْمِنِينَ القِتَال﴾ "ا؟.

195

خروج الدابة وأبطولة (الرجعة)

2- أ- خروج الدابة وأبطولة (الرجعة):

الرجعة من العقائد الأصيلة للشيعة كما هو معروف، ولقد كانت آية الدابة من بين الآيات التي يتخذون منها مستندا يدعمون به معتقدهم في الرجعة، وفي هذا المعنى قال

  • 1 سلك الشيخ في تفسيره هذا المسلك الرمزي، ولقد كانت (الرمزية) سلاحا من أخبث أسلحة (الباطنية) لحرب الإسلام وتعطيل أحكامه، والعبث بشرائعه، ولقد استعملت هذا السلاح الغادر (ربائب) الباطنية من الفرق الزائفة كالبهائية والقاديانية.
    2 أن نكل علم الغيب إلى الله: قاعدة جليلة ليت الشيخ اتبعها ووقف عندها.
    3 هذا لا يسلم له، فمن الذي قال إن الدابة يكنى بها عن الأرواح.
    4 لست أدري كيف تدل كلمة (الكلب والصورة) على الشهوة والغضب، وإذا كان هناك من صريح نصوص القرآن والسنة المطهرة ما ينهيان عن رذيلتي الشهوة والغضب، فلماذا هذا الشطط في التأويلات، وعجيب أن يقول بهذه التأويلات من كتب (فضائح الباطنية) ليكشف عوارها، ويهتك أسرارها..ولكن هل قطعت حبال الود بين الباطنية والتصوف؟.
195

الطبرسي1 المفسر الشيعي في قوله تعالى: ﴿أَخْرَجْنَا لهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ﴾ تخرج من بين الصفا والمروة فتخبر المؤمن بأنه مؤمن، والكافر بأنه كافر، وعند ذلك يرتفع التكليف، ولا تقبل التوبة وهو - يعني خروجها- علم2 من أعلام الساعة، وقيل لا يبقى مؤمن إلا مسحته، ولا يبقى منافق إلا حطمته، تخرج ليلة جمع3 والناس يسيرون إلى منى..

ثم روى الطبرسي عن محمد بن كعب القرظي أنه قال: "سئل عليٌّ - صلوات الرحمن عليه - عن الدابة فقال: (أما والله ما لها ذنب، وأن لها لحية".

ثم قال الطبرسي: "وفي هذا إشارة إلى أنها من الإنس".

ثم ذكر أن ابن عباس وحذيفة يقولان: "إنها من دواب الأرض".

ثم قال الطبرسي: وروي عن وهب أنه قال: وجهها وجه رجل، وسائر خلقها خلق الطير.

ثم عقب الطبرسي على هذه الرواية قائلا: "ومثل هذا لا يعرف إلا من النبوة الإلهية، وقد روي عن علي عليه السلام أنه قال: "إنه صاحب العصا والميسم"4، وروى علي بن إبراهيم بن هاشم5 في تفسيره عن أبي عبد الله6 عليه السلام قال: قال رجل لعمار بن ياسر: يا أبا اليقظان: "آية في كتاب الله أفسدت قلبي"7 قال عمار: وأية آية هي؟ فذكر له الرجل الآية، وسأله عن دابة الأرض؟ فقال عمار: والله ما أجلس ولا آكل ولا أشرب حتى أريكها، فجاء عمار مع الرجل إلى أمير المؤمنين، وهو يأكل تمرا وزبدا، فقال: يا أبا اليقظان هلم، فجلس عمار يأكل معه، فتعجب الرجل منه، فلما قام عمار، قال الرجل: سبحان الله!! حلفت أنك لا تأكل ولا تشرب حتى ترينها، قال عمار: أريتكها إن كنت تعقل، وروى العياشي هذه القصة بعينها عن أبي ذر رحمه الله.

ثم ذكر الطبرسي الآية التالية لآية الدابة وهي قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ (83: النمل)، ثم قال الطبرسي8: "واستدل بهذه الآية على صحة الرجعة، من ذهب إلى ذلك من الإمامية، بأن قال: إن دخول (من) في الكلام يوجب التبعيض، فدل على أن اليوم المشار إليه في الآية

  • 1 هو أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي انظر تفسيره (مجمع البيان في تفسير القرآن) ج 20 ص 248، 251 ط مكتبة الحياة بيروت 1380؟.
    2 بفتح العين واللام أي العلامة.
    3 هي ليلة النحر سميت بذلك لاجتماع الحجيج فيها بعد الإفاضة من عرفات، ويوم جمع هو يوم عرفة.
    4 إشارة إلى ما ورد في بعض الروايات من أن الدابة تحمل عصا وميسما، انظر ابن كثير ج 3 ص 375، 376.
    5 مفسر شيعي معروف بالغلو والتطرف.
    6 يعني الحسين ﵇.
    7 تنزه كتاب الله عن ذلك.
    8 انظر تفسيره ج 20 ص 251.
196

يحشر فيه قوم1 دون قوم، وليس ذلك صفة يوم القيامة الذي يقول في سبحانه: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَد﴾ (47: الكهف)، وقد تظاهرت الأخبار عن أئمة الهدى من آل محمد ﷺ في أن الله تعالى سيعيد عند قيام المهدي2 قوما ممن تقدم موتهم من أوليائه وشيعته؛ ليفوزوا بثواب نصرته ومعونته، ويبتهجوا بظهور دولته، ويعيد أيضا قوما من أعدائه لينتقم منهم، وينالوا بعض ما يستحقونه من العذاب في القتل على أيدي شيعته، والذل والخزي بما يشاهدون من علو كلمته، ولا يشك عاقل في أن هذا مقدور لله تعالى 3، غير مستحيل في نفسه، وقد فعل الله ذلك في الأمم الخالية، ونطق القرآن بذلك في عدة مواضع مثل قصة عزير وغيره، على ما فسرناه في موضعه" ا؟.

197