صفوة التفاسيرالجزء 3 · ص 18 - 32

59

59

المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى حال السعداء الأبرار وما لهم في الجنة من النعيم المقيم، أعقبه بذكر حال الأشقياء الفجار وما لهم من الخزي والدمار، على طريقة القرآن في الترغيب والترهيب، وختم السورة الكريمة بيان أدلة البعث بعد الموت، والحساب والجزاء.

اللغَة: ﴿وامتازوا﴾ تميزوا وانفصلوا، والتمييزُ: الفرق بين أمرين ﴿جِبِلًاّ﴾ بكسر الميم خلقًا

18

جمع جِبلَّة ومنه «والجبِلَّة الأولين» مشتق من جبل اللهُ الخلق أي خلقهم ﴿لَطَمَسْنَا﴾ الطمسُ: إذهابُ الشيء وأثره جملةً كأنه لم يوجد ﴿اصلوها﴾ ادخلوها وذوقوا سعيرها ﴿لَمَسَخْنَاهُمْ﴾ المسخ: التحويل من صورة إلى صورة منكرة ﴿نُّعَمِّرْهُ﴾ التعمير: إطالة العمر حتى يبلغ سن الشيخوخة ﴿نُنَكِّسْهُ﴾ التنكيس: قلب الشيء رأسًا على عقب يقال: نكستُ الشيء نكسًا إذا قبلته على رأسه ومنه ﴿ثُمَّ نُكِسُواْ على رُءُوسِهِمْ﴾ [الأنبياء: 65] ﴿رَمِيمٌ﴾ الرميم: البالي المفتَّت يقال رمَّ العظم أي بلى فهو رميم.

سَبَبُ النّزول: روي «أن» أُبي بن خلَف «من صناديد كفار قريش جاء بعظم بالٍ إلى النبي ﷺ َ ففتَّه بيده ثم قال: أتزعم يا محمد أن الله يُحيي هذا بعدما رمَّ؟ فقال له النبي ﷺ َ نعم يحييه، ثم يبعثك ويدخلك النار فأنزل الله تعالى ﴿أَوَلَمْ يَرَ الإنسان أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحيِي العظام وَهِيَ رَمِيمٌ﴾» .

التفسِير: بعد أن بيَّن تعالى حال السعداء ذكر حال الأشقياء فقال ﴿وامتازوا اليوم أَيُّهَا المجرمون﴾ أي تميزوا وانفصلوا يا معشر الكفرة المجرمين عن عبادي المؤمنين، انفردوا عنهم وكونوا جانبًا قال القرطبي: يقال لهم هذا عند الوقوف للسؤال، وحين يؤمر بأهل الجنة إلى الجنة ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يابنيءَادَمَ﴾ الاستفهام للتوبيخ والتقريع، وهو تبويخٌ للكفرة المجرمين أي ألم أوصكم وآمركم يا بني آدم على ألسنة رسلي ﴿أَن لاَّ تَعْبُدُواْ الشيطان﴾ أي ألاّ تطيعوا الشيطان فيما دعاكم إليه من معصيتي؟ ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ تعليلٌ للنهي أي لأنه عدوٌ لكم ظاهر العداوة، فكيف يطيع الإِنسان عدوه؟ ﴿وَأَنِ اعبدوني﴾ أي وأمرتكم بأن تعبدوني وحدي، بتوحيدي وطاعتي وامتثال أمري ﴿هذا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ أي هذا هو الدين الصحيح، والطريق الحقُّ المستقيم ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًاّ كَثِيرًا﴾ تأكيد للتعليل أي ولقد أضلَّ الشيطان خلقًا منكم كثيرين، وأغواهم عن سلوك طريق الحقَّ قال الطبري: أي صدَّ الشيطان منكم خلقاُ كثيرًا عن طاعتي حتى عبده ﴿أَفَلَمْ تَكُونُواْ تَعْقِلُونَ﴾ أي أفما كان لكم عقل يردعكم عن طاعة الشيطان ومخالفة أمر ربكم؟ وهو توبيخ آخر للكفرة الفجار. . ثم بشرهم بما ينتظرهم من العذاب فقال ﴿اذه جَهَنَّمُ التي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ أي هذه نار جهنم التي أوعدكم بها الرسل وكذبتم بها قال الصاوي: هذا خطاب لهم وهم على شفير جهنم، والمقصود منه زيادة التبكيث والتقريع ﴿اصلوها اليوم بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ أي ذوقوا حرارتها وقاسوا أنواع عذابها اليوم بسبب كفركم في الدنيا، وهو أمر إهانةٍ وتحقير مثل قوله

﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ العزيز الكريم﴾ [الدخان: 49] ثم أخبر تعالى عن فضيحتهم يوم القيامة على رءوس الأشهاد فقال ﴿اليوم نَخْتِمُ على أَفْوَاهِهِمْ﴾ أي في هذا اليوم يوم القيامة نختم على أفواه الكفار ختمًا يمنعها عن الكلام ﴿وَتُكَلِّمُنَآ أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ أي تنطق عليهم جوارحهم أيديهم وأرجلهم

19

بأعمالهم القبيحة روى ابن جرير الطبري عن أبي موسى الأشعري أنه قال «يُدعى الكافر والمنافق يوم القيامة للحساب فيعرض عليه ربه عمله فيجحده ويقول: أي ربِّ وعزتك لقد كتب عليَّ هذا الملك ما لم أعمل، فيقول الملك: أما عملت كذا في كذا في مكان كذا فيقول: لا وعزتك أي رب ما عملته، فإذا فعل ذلك خُتم على فيه وتكلمت أعضاؤه ثم تلا ﴿اليوم نَخْتِمُ على أَفْوَاهِهِمْ﴾ وفي الحديث» يقول العبد يا ربِّ ألم تجرني من الظلم؟ فيقول بلى، فيقول العبد فإِني لا أجيز على نفسي إلا شاهدًا مني، فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك شهيدًا، وبالكرام الكاتبين شهودًا، ثم يختم على فيه ويقال لجوارجه انطقي، فتنطق بأعملاه ثم يُخلى بينه وبين الكلام فيقول: بُعدًا لكنِّ وسحقًا فعنكن كنت أناضل «﴿وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا على أَعْيُنِهِمْ فاستبقوا الصراط فأنى يُبْصِرُونَ﴾ أي ول شئنا لأعميانهم فابتدروا طريقهم ذاهبين كعادتهم فكيف يبصرون حنيئذٍ؟ قال ابن عباس: المعنى لو نشاء لأعميناهم عن الهدى فلا يهتدون أبدًا إلى طريق الحقِّ، وهو تهديد لقريش ﴿وَلَوْ نَشَآءُ لَمَسَخْنَاهُمْ على مَكَانَتِهِمْ﴾ أي لو نشاء لمسخناهم مسخًا يقعدهم في مكانهم ﴿فَمَا استطاعوا مُضِيًّا وَلاَ يَرْجِعُونَ﴾ أي إذا مسخوا في مكانهم لم يقدروا وأن يذهبوا ولا أن يرجعوا، وهو تهديد آخر للكفرة المجرمين، ثم ذكر تعالى دلائل قدرته على مسخ الكفار يتطاول الأعمار فقال ﴿وَمَن نُّعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الخلق﴾ أي ومن نُطِل عمره نقبله في أطوار منتكسًا في الخلق فيصير كالطفل لا يعلم شيئًا قال قتادة: يصير إلى حال الهرم الذي يشبه حال الصبا، فطولُ العمر يصيِّر الشباب هَرَمًا، والقوة ضعفًا، والزيادة نقصًا ﴿أَفَلاَ يَعْقِلُونَ﴾؟ أي أفلا يعقلون أن من قدر على ذلك قادر على إعمائهم أو مسخهم؟ قال ابن جزي: والقصدُ من ذلك الاستدلال على قدرته تعالى على مسخ الكفار، كما قدر على تنكيس الإنسان إذا هرم ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشعر وَمَا يَنبَغِي لَهُ﴾ أي وما علمنا محمدًا الشعر، ولا يصح ولا يليق به أن يكون شاعرًا قال القرطبي: هاذ ردٌّ على الكفار في قولهم إنه شاعر، وإن ما أتى به من قبيل الشعر، فالرسول ﷺ َ ليس بشاعر، والقرآن ليس بشعر، لأن الشعر كلام مزخرف موزون، مبني على خيالات وأوهام واهية، حتى قيل» أعذبه أكذبه «فأين ذلك من القرآن العزيز الذي تنزَّه عن مماثلة كلام البشر!! وقد أكثر الناسُ في ذم الشعر ومدحه، وإِنما الإِنصاف ما قاله الشافعي رحمه الله» الشعر كلامٌ، والكلام منه حسنٌ، ومنه قبيح «﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ﴾ أي ما هذا الذي تلوه محمد إلا عظة وتذكيرٌ من الله نجل وعلا لعباده، وقرآن واضح ساطع لا يلتبس به الشعر بحالٍ من الأحوال ﴿لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا﴾ أي لينذر بهذا القرآن من كان حي القلب مستنير البصيرة، وهو المؤمنون لأنهم المنتفعون به ﴿وَيَحِقَّ القول عَلَى الكافرين﴾ أي وتجب كلمة العذاب على الكافرين لأنهم كالأموات لا يعقلون ما يخاطبون به قال البيضاوي: وجعلهم في مقابلة من كان حيًا إشعارًا بأنهم لكفرهم، وسقوط حجتهم، وعدم تأملهم، أمواتٌ في الحقيقة.

. ثم ذكَّرهم تعالى بنعمه، وأعاد

20

ذكر دلائل القدرة والوحدانية ليستدلوا على وجوده جلَّ وعللا من آثاره فقال ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعامًا﴾ الهمزة للإِنكار والتعجيب أي أولم ينظروا نظر اعتبار، ويتفكروا فيما أبدعته أيدينا من غير واسطة، وبلا شريك ولا معين مما خلقناه لهم ولأجلهم من الأنعام وهي الإِبل والبقر والغنم، فيستدلوا بذلك على وحدانيتنا وكمال قدرتنا؟ ﴿﴿فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾ أي فهم متصرفون فيها كيف يشاءون تصرف المالك بماله ﴿وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ﴾ قال ابن كثير: المعنى جعلهم يقهرونها وهي ذليلةٌ لهم لا تمتنع منه، بل لو جاء صغير إلى بعيرٍ لأناخه، ولو شاء لأقامه وساقه وهو ذليل منقاد معه، وكذا لو كان القطار مائة بعير لسار الجميع بسير الصغير، فسبحان من سخر هذا لعباده﴾ ! ﴿فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾ أي فمن هذه الأنعام ما يركبونه في الأسفار، ويحملون عليه الأثقال كالإِبل التي هي سفن البر، ومنها ما يأكلون لحمه كالبقر والغنم ﴿وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ﴾ أي ولهم فيها منافع عديدة غير الأكل والركوب كالجلود والأصواف والأوبار، ولهم فيها مشارب أيضًا يشربون من ألبانها ﴿مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَآئِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾ [النحل: 66] ﴿أَفَلاَ يَشْكُرُونَ﴾ أي أفلا يشكرون ربهم على هذه النعم الجليلة؟ والغرضُ من الآيات تعديدُ النعم وإِقامةُ الحجة عليهم. . ثم وبخهم وعنفهم في عبادة ما لا يسمع ولا ينفع من الأوثان والأصنام، وذلك نهاية الغيّ والضلال فقال ﴿واتخذوا مِن دُونِ الله آلِهَةً لَّعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ﴾ أي وعبد المشركون آلهة من الأحجار رجاء أن يُنصروا بها وهي صماء بكماء، لا تسمع الدعاء ولا تستجيب للنداء ﴿لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ﴾ أي لا تستطيع هذه الآلهة المزعومة نصره بحالٍ من الأحوال، لا بشفاعة ولا بنصرةٍ أو أعانة ﴿وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مُّحْضَرُونَ﴾ أي وهؤلاء المشركون كالجند والخدم لأصنامهم في التعصب لهم، والذبِّ عنهم، وفدائهم بالروح والمال، مع أنهم لا ينفعوهم أيَّ نفع قال قتادة: المشركون يغضبون للآلهة في الدنيا، وهي لا تسوق إليه خيرًا ولا تدفع عنه شرًا، إنما هي أصنام والمشركون كأنهم خدام وقال القرطبي: المعنى إنهم قد رأوا هذه الآيات من قدرتنا، ثم اتخذوا من دوننا آلهة لا قدرة لها على فعل شيء أصلًا، والكفار يمنعون منهم ويدفعون عنهم، فهم لهم بمنزلة الجند، والأصنام لا تستطيع أن تنصرهم.

﴿فَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ﴾ أي لا تحن يا محمد على تكذيبهم لك، واتهامهم بأنك شاعرٌ أو ساحر، وهذه تسليةٌ للنبي عليه السلام، وهنا تمَّ الكلام ثم قال تعالى ﴿إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ أي نحن أعلم بما يخفونه في صدورهم، وما يظهرونه من أقوالهم وأفعالهم، فنجازيهم عليه، وكفى بربك أنه على كل شيء شهيد. . ثم أقام الدليل القاطع، والبرهان الساطع، على البعث والنشور فقال ﴿أَوَلَمْ يَرَ الإنسان أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ﴾ استفهامٌ إِنكاريٌ للتوبيخ والتقريع أي أولم ينظر هذا الإِنسان الكافر نظر اعتبار، ويتفكر في قدرة الله فيعلم أنّا خلقناه من شيءٍ مهينٍ حقير هو النطفة «المني» الخارج من مخرج النجاسة؟ ﴿فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ﴾ أي فإذا هو شديد الخصومة والجدال بالباطل، يخاصم ربه وينكر قدرته، ويكذب بالبعث والنشور، أفليس الإِله الذي قدر على خلق

21

الإِنسان من نطفة، قادر على أن يخلقه مرة أُخرى عند البعث؟ قال المفسرون: نزلت في «أُبي بن خلف» «جاء بعظم رميم، وفتَّته في وجه النبي الكريم وقال ساخرًا: أتزعم يا محمد أنَّ الله يُحيينا بعد أن نصبح رفاتًا مثل هذا؟ فقال ﷺ َ له: نعم يبعثك ويدخلك النار» ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ أي وضرب لنا هاذ الكافر المثل بالعظم الرميم، مستبعدًا على الله إعادة خلق الإِنسان بعد موته وفنائه، ونسي أنا أنشأناه من نطفةٍ ميتة وركبنا فيه الحياة، نسي خلقه العجيب وبدأه الغريب، وجوابه من نفسه حاضر ﴿قَالَ مَن يُحيِي العظام وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ أي وقال هذا الكافر: من يحيي العظام وهي بالية أشدَّ البلى، متفتتةٌ متلاشية؟ قال الصاوي: أي أورد كلامًا عجيبًا في الغرابة هو كالمثل، حيث قاسَ قدرتنا على قدرة الخلق ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الذي أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أي قل يا محمد تخريسًا وتبكيتًا لهذا الكافر وأمثاله: يخلقها ويحييها الذي أوجدها من العدم، وأبدع خلقها أول مرة من غير شيء، فالذي قدر على البداءة، قادر على الإعادة ﴿وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ أي يعلم كيف يخلق ويُبدع، فلا يصعب عليه بعث الأجساد بعد الفناء ﴿الذي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشجر الأخضر نَارًا﴾ أي الذي جعل لكم بقدرته من الشجر الأخضر نارًا تحرق الشجر، لا يمتنع عليه فعل ما أراد، ولا يعجزه إحياء العظام البالية وإعادتها خلقًا جديدًا وقال أبو حيان: ذكر تعالى لهم ما هو أغرب من خلق الإِنسان من النطفة، وهو إبراز الشيء من ضده، وذلك أبدع شيء وهو اقتداح النار من الشيء الأخضر، ألا ترى الماء يطفىء النار ومع ذلك خرجت مما هو مشتمل على الماء، والأعراب تُوري النار من المرخ والعُفار، وفي أمثالهم «في كل شيء نار، واستمجد المرخ والعُفار» ولقد أحسن القائل:

جمعُ النقيضين من أسرار قدرته ... هذا السَّحابُ به ماءٌ به نارٌ

﴿فَإِذَآ أَنتُم مِّنْه تُوقِدُونَ﴾ أي فإذا أنتم تقدحون النار من هذا الشرج الأخضر ﴿أَوَلَيْسَ الذي خَلَقَ السماوات والأرض بِقَادِرٍ على أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم﴾؟ أي أوَليس الذي خلق السموات والأرض مع كبر جرمهما، وعظم شأنهما قادر على أن يخلق أجساد بني آدم بعد فنائها؟ ﴿بلى وَهُوَ الخلاق العليم﴾ أي بلى هو القادر على ذلك، فهو الخلاَّق المبدع في الخلق والتكوين، العليم بكل شيء ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ أي لا يصعب عليه جل وعلا شيء لأن أمره بين الكاف والنوت، فمتى أراد تعالى شيئًا وجد، بدون تعب ولا جهد، ولا كلفة ولا عناء ﴿فَسُبْحَانَ الذي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي تنزَّه وتمجد عن صفات النقص الإلهُ العظيم الجليل، الذي بيده المُلك الواسع، والقدرة التامة على كل الأشياء ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي وإليه وحده مرجع الخلائق للحساب والجزاء. . ختم تعالى السورة الكريمة بهذا الختم الرائع، الدال على كمال القدرة، وعظمةِ الملك والسلطان، الذي تفرد به خالق الأكوان.

22

البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة وجوهًا من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:

1 - طباق السلب ﴿أَن لاَّ تَعْبُدُواْ الشيطان ... وَأَنِ اعبدوني﴾ فالأول سلب، والآخر إيجاب.

2 - الاستفهام الإِنكار للتوبيخ والتقري ﴿أَفَلَمْ تَكُونُواْ تَعْقِلُونَ﴾؟ ﴿أَفَلاَ يَشْكُرُونَ﴾؟ .

3 - الطباق بين ﴿مُضِيًّا وَيَرْجِعُونَ﴾ ﴿يُسِرُّونَ وَيُعْلِنُونَ﴾ وهو من المحسنات البديعية.

4 - التشبيه البليغ ﴿وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مُّحْضَرُونَ﴾ أي كالجند في الخدمة والدفاع، حذفت أداة التشبيه ووجه الشبه فأصبح بليغًا.

5 - ذكر العام بعد الخاص ﴿وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ﴾ بعد قوله ﴿فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ﴾ الآية وفائدته تفخيم النعمة، وتعظيم المنة.

6 - المقابلة ﴿لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا﴾ الآية قابل بين الإِنذار والإِعذار، وبين المؤمنين والكفار ﴿وَيَحِقَّ القول عَلَى الكافرين﴾ وهو من ألطف التعبير.

7 - الاستعارة التمثيلية ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعامًا﴾ الأنعام تخلق ولا تعمل، ولكنه شبه اختصاصه بالخلق والتكوين بمن يعمل أمرًا بيديه ويصنعه بنفسه، واستعار لفظ العمل للخلق بطريق الاستعارة التمثليلة.

8 - صيعة المبالغة ﴿خَصِيمٌ مُّبِينٌ﴾ . . ﴿الخلاق العليم﴾ .

9 - الاستعارة التمثيلية ﴿أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ شبه سرعة تأثير قدرته تعالى ونفاذها في الأشياء بأمر المطاع من غير توقف ولا امتناع، فإِذا أراد شيئًا وجد من غير إبطاءٍ ولا تأخير، وهو من لطائف الاستعارة.

فَائِدَة: الملكوت صيغة مبالغة من المُلك، ومعناه الملك الواقع التام مثل الجبروت والرحموت للمبالغة.

تنبيه: قال العلامة ابن كثير: «ما ثبت عنه ﷺ َ أنه تمثل يوم الخندق بأبيات ابن رواحة» اللهم لولا أنت ما اهتدينا «وما ثبت أنه قال يوم حنين وهو راكب على بغلته» أنا النبي لا كذب: أنا ابن عبد المطلب «وقوله» هل أنت إلا أصبعٌ دميت: وفي سبيل الله ما لقيت «الخ إنما وقع اتفاقًا من غير قصد إلى قول الشعر، بل جرى هذا على لسانه ﷺ َ عفوًا وكل هذا لدينا في قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشعر وَمَا يَنبَغِي لَهُ﴾ ا. هـ. فتدبره فإِنه نفيس.

23

الصافات

1

اللغَة: ﴿الزاجرات﴾ الزجر: الدفع عن الشيء بقوةٍ أو صياح، والزجرة: الصيحةُ من قولك: زجر الراعي الغنم إذا صاح عليها فرجعت لصوته ﴿مَّارِدٍ﴾ عاتي متمرد ﴿ثَاقِبٌ﴾ محرق شديد النفاذ ﴿وَاصِبٌ﴾ دائم لا ينقطع ﴿لاَّزِبٍ﴾ ملتزق بعضه ببعض ﴿مَّعِينٍ﴾ شراب نابع من العيون ﴿غَوْلٌ﴾ الغول: كل ما يغتال العقل ويفسده قال أبو عبيدة: الغول ما يغتال العقل ويذهبه وأنشد قول ابن إياس:

25

ومازالتِ الخمر تغتالنا ... وتذهب بالأول فالأول

﴿بِكَأْسٍ﴾ قال أهل اللغة: العرب تقول للإِناء إِذا كان فيه خمر كأس، فإِذا لم يكن فيه خمرا قالوا: إِناء وقدح قال الشاعر:

وكأسٍ شربتُ على لذةٍ ... وأُخرى تداويتُ منها بها

﴿يُنزَفُونَ﴾ يسكرون يقال: نُزف الرجل فهو نزيف ومنزوف إذا سكر قال الشاعر:

لعمري لئن أنزفتمو أو صحوتمو ... لبئس النَّدامى كنتم آل أبجرا

التفسِير: ﴿والصافات صَفَّا﴾ افتتح تعالى هذه السورة بالقسم ببعض مخلوقاته، إظهارً لعظم شأنها، وكبر فوائدها، وتنبيهًا للعباد على جلاله قدرها والمعنى: أقسم بهذه الطوائف من الملائكة، الصافات قوائهما في الصلاة، أو أجنحتها في ارتقاب أمر الله قال ابن مسعود: هم الملائكة تصف في السماء في العبادة والذكر صفوفًا، وفي الحديث «ألا تصفُّون كما تصف الملائكة عند ربهم؟ قلنا: وكيف يا رسول الله؟ قال: يُتمون الصفوف المتقدمة، ويتراصون في الصف» أقسم تعالى بالملائكة تنبيهًا على جلالة قدرهم، وكثرة عبادتهم، فهم مع عظيم خلقهم ورفعة شأنهم لا ينفكون عن عبادة الله، يصطفون للعبادة كاصطفاف المؤمنين في الصلاة، مع الخشوع والخضوع للعزيز الجبار، الذي دانت له الخلائق، وخضعت لجلال هيبته الرقاب، بما فيهم حَمَلة العرش والملائكة الأطهار ﴿فالزاجرات زَجْرًا﴾ أي الملائكة التي تزجر السحاب، يسوقونه إلى حيث شاء الله، من الزجر بمعنى السوق والحث ﴿فالتاليات ذِكْرًا﴾ وصفٌ ثالثُ للملائكة الأبرار، إشادةً بذكر محاسنهم ومناقبهم العلوية أي وأقسمُ بالملائكة التالين لآيات الله على أنبيائه وأوليائه، مع التسبيح والتقديس والتحميد والتمجيد ﴿إِنَّ إلهكم لَوَاحِدٌ﴾ هذا هو المقسم عليه أي إن إلهكم الذي تعبدونه أيها الناس إله واحدٌ لاشريك له، قال مقاتل: إِن الكفار بمكة قالوا: أجعل الآلهة إلهًا واحدًا؟ وكيف يسع هذا الخلق إله فرد؟ فأقسم الله بهؤلاء تشريفًا، ثم بيَّن تعالى معنى وحدانيته وألوهيته فقال ﴿رَّبُّ السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ أي هو تعالى خالق السموات والأرض ومالكهما وما بينهما من المخلوقات والموجودات، فإن وجودهما وانتظامهما على هذا النمط البديع، من أوضح الدلائل على وجود الله ووحدانيته ﴿وَرَبُّ المشارق﴾ أي وهو رب مشارق الشمس ومغاربها في الشتاء والصيف قال الطبريب: واكتفى بذكر المشارق عن المغارب لدلالة الكلام عليه ثم أخبر عن قدرته بتزيين السماء بالكواكب، بعد أن أخبر عن وحدانيته فقال ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السمآء الدنيا بِزِينَةٍ الكواكب﴾ أي زينا السماء القريبة منكم بالكواكب المنيرة المضيئة، التي تبدو وكأنها جواهر تتلألأ ﴿وَحِفْظًا مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ﴾ أي وللحفظ من كل شيطان عاتٍ متمرد، خارج عن طاعة الله قال قتادة: خلقت النجومُ

26

لثلاث: رجومًا للشياطين، ونورًا يُهتدى بها، وزينةً للسماء الدنيا وقال أبو حيان: خصَّ السماء الدنيا بالذكر لأنها هي التي تُشاهد بالأبصار، وفيها وحدها يكون الحفظ من الشياطين ﴿لاَّ يَسَّمَّعُونَ إلى الملإ الأعلى﴾ أي لا يقدرون أن يستمعوا إلى الملائكة الذين هم في العالم العلوي، وقيل المعنى: لئلا يتسمَّعوا إلى الملأ الأعلى ﴿وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ﴾ أي ويُرجمون بالشهب من كل جهةٍ يقصدون السماء منها ﴿دُحُورًا﴾ أي طردًا لهم عن السماع لأخبار السماء قال الطبري: أي مطرودين، من الدحر وهو الدَّفعُ والإِبعاد ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ وَاصِبٌ﴾ أي ولهم في الآخرة عذاب موصول لا ينقطع ﴿إِلاَّ مَنْ خَطِفَ الخطفة﴾ أي إلاَّ من اختلص شيئًا مسارقةً ﴿فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ أي فلحقه شهاب مضيءٌ، نافذ بضوئه وشعاعه فأحرقه قال المفسرون: قد يخطف الشيطان المارد خطفةً سريعة مما يدور في الملأ الأعلى، فيتبعه شهابٌ يلاحقه في هبوطه فيصيبه ويحرقه حرقًا قال القرطبي: وليست الشهب التي يرجم بها الشياطين من الكواكب الثواب، لأن الثابتة تجري ولا تُرى حركتها، وهذه الشهب تُرى حركاتها ﴿فاستفتهم﴾ أي فسلْ يا محمد هؤلاء المنكرين للبعث ﴿أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَم مَّنْ خَلَقْنَآ﴾ أي أيهم أقوى بُنيةً وأشد خلْقًا هل هم أم السموات والأرض وما بينهما من الملائكة والمخلوقات العظيمة العجيبة؟ ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ﴾ أي من طينٍ زخوٍ لا قوة فيه قال الطبري: وإِنما وصفه باللزوب لأنه ترابٌ مخلوطٌ بماء، وكذلك خُلِق ابنُ آدم من ترابٍ وماء، ونار وهواء، والترابٌ إِذا خُلط بماءٍ صار طينًا لازبًا، والغرضُ من الآية إِقامةُ البرهان على إعادة الإِنسان، فالذي خلقه من العدم وخلق هذه الخلائق، قادرٌ على إعادة الأجسام بعد الفناء ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ أي بل عجبتَ يا محمد من تكذيبهم للبعث مع رؤيتهم آثار قدرة الله الباهرة، وهم يسخرون منك ومما تقول لهم في ذلك قال أبو السعود: المعنى عجبتَ من قدرة الله تعالى على هذه الخلائق العظيمة وإِنكارهم للبعث، وهم يسخرون من تعجبك وتقريرك للبعث ﴿وَإِذَا ذُكِّرُواْ لاَ يَذْكُرُونَ﴾ أي وإِذا وُعظوا بالقرآن وخوّفوا به، لا يتعظون ولا يتدبرون ﴿وَإِذَا رَأَوْاْ آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾ أي وإِذا رأوا آية باهرة، أو معجزة قاهرة تدل على صدقكك كانشقاق القمر، وتكليم الشجر والحجر، يبالغون في السخرية أو يدعون غيرهم للسخرية والاستهزاء ﴿وقالوا إِن هاذآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ أي ما هذا الذي جئتنا به يا محمد إلا سحر واضح بيِّن قال في البحر: والإِشارة ب «هذا» إلى ما ظهر على يديه عليه السلام من الخارق المعجز ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ الاستفهام للإِنكار والاستهزاء أي أئذا أصبحت أجسادنا بالية، وتفتَّت أجزاؤها إلى تراب وعظام سوف نبعث؟ ﴿أَوَ آبَآؤُنَا الأولون﴾ أي أو آباؤنا الأولون كذلك سيُبعثون؟ قال الزمخشري: أي أيبعث أيضًا آباؤنا؟ وهذا زيادة في استبعاد الأمر، يعنون أنهم أقدم، فبعثُهم أبعدُ وأبطل ﴿قُلْ نَعَمْ وَأَنتُمْ دَاخِرُونَ﴾ أي قل لهم نعم تُبعثون وأنتم صاغرون ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ أي وما هي إلا صيحة

27

واحدة ينفخ فيها إسرافيل في الصور للقيام من القبور ﴿فَإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ﴾ أي فإِذا هم قيامٌ في أرض المحشر ينظر بعضهم إلى بعض قال القرطبي: الزجرةُ: الصيحةُ وهي النفخةُ الثانية، وسميت زجرة لأن مقصودها الزجر، كزجر الإِبل، والخيل عند السَّوق.

. ثم أخبر تعالى عن حسرتهم وندامتهم عند معاينتهم مأهوال القيامة فقال ﴿وَقَالُواْ ياويلنا هذا يَوْمُ الدين﴾ أي يا هلاكنا وخسارتنا هذا يوم الجزاء والحساب!! فتقول لهم الملائكة على سبيل التوبيخ والتقريع ﴿هذا يَوْمُ الفصل الذي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ أي هذا يوم الفصف بين الخلائق الذي كنتم تنكرونه وتكذبون به قال البيضاوي: الفصلُ: القضاءُ والتفريق بين المحسن والمسيء ﴿احشروا الذين ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ أي اجمعوا الظالمين وأشباههم من العصاة والمجرمين، كل إنسان مع نظرائه قال القرطبي: الزاني مع الزاني، وشارب الخمر مع شارب الخمر، والسارق مع السارق وقال ابن عباس: اجمعوا الظالمين ونساءهم الكافرات، وعنه المراد به أشباههم من العصاة ﴿وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله﴾ أي وما كانوا يعبدون من الأوثان والأصنام، وذلك زيادةً في تحسيرهم وتخجيلهم ﴿فاهدوهم إلى صِرَاطِ الجحيم﴾ أي فعرفوهم طريق الجحيم ووجهوهم إليها، وفي لفظ ﴿اهدوهم﴾ تهكم وسخرية، فإذا لم يهتدوا في الدنيا إلى الصراط المستقيم، فليهتدوا اليوم إلى صراط الجحيم ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ﴾ أي احبسوهم عند الصراط لأنهم سيسألون عن جميع أقوالهم وأفعالهم، ثم يقال لهم على سبيل التقريع والتوبيخ ﴿مَا لَكُمْ لاَ تَنَاصَرُونَ﴾ أي ما لكم لا ينصر بعضكم بعضًا وأنتم هنا جميعًا؟ وكلكم في حاجة إلى الناصر والمعين؟ قال المفسرون: هذا إشارة إلى قول أبي جهل يوم بدر «نحن جميعٌ منتصر» وأصل ﴿تناصرون﴾ تتناصرون حذفت إحدى التاءين تخفيفًا، قال تعالى ﴿بَلْ هُمُ اليوم مُسْتَسْلِمُونَ﴾ أي بل هم اليوم أذلاء منقادون، عاجزون عن الانتصار، سواء منهم العابدون والمعبودون ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ﴾ أي أقبل الرؤساء والأتباع يتلاومون ويتخاصمون قال أبو السعود: وسؤالهم إنما هو سؤال توبيخ بطريق الخصومة والجدال ﴿قالوا إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ اليمين﴾ أي قال الأتباع منهم للمتبوعين: إِنكم كنتم تأتوننا من قبل الحقِّ، وتزينون لنا الباطل، وتصدوننا عن اتباع طريق الهدى قال الطبري: أي كنتم تأتوننا من قبل الدين والحق، فتخدعوننا بأقوى الوجوه، قال: واليمين في كلام العرب: القوه والقدرة كقول الشاعر:

إِذا ما رايةٌ رفعت لمجدٍ ... تلقَّاها عرابةُ باليمين

وقيل: المراد تأتوننا بطريق الوسوسة عن يميننا كما هو المعتاد في حالة الوسوسة بالأسرار

28

غالبًا ﴿قَالُواْ بَلْ لَّمْ تَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي يقول لهم الرؤساء: لم نحملكم نحن على الضلال ولم نمنعكم من الإِيمان، بل كفرتم ولم تؤمنوا باختياركم قال ابن كثير: أي ليس الأمر كما تزعمون، بل كانت قلوبكم منكرةً للإِيمان، قابلةً للكفر والعصيان ﴿وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ﴾ أي ما كان لنا عليكم من قوة وقدرة نقهركم بها عن متابعتنا ﴿بَلْ كُنتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ﴾ أي بل فيكم فجور وطغيان واستعداد للعصيان، فلذلك استجبتم لنا واتبعتمونا ﴿فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَآ﴾ أي فوجب علينا جميعًا وعيد الله لنا بالعذاب ﴿إِنَّا لَذَآئِقُونَ﴾ أي فإِنا لذائقو هذا العذاب لا محالة ﴿فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ﴾ أي فزينا لكم الباطل، ودعوناكم إلى الغيّ لأننا كنا على غيٍّ وضلال، قال تعالى مخبرًا عن حالهم ﴿فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي العذاب مُشْتَرِكُونَ﴾ أي فإِنهم يوم القيامة مشتركون في العذاب، كما كانوا مشتركين في الغواية، ولكنْ كما قال تعالى ﴿وَلَن يَنفَعَكُمُ اليوم إِذ ظَّلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي العذاب مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف: 39] ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بالمجرمين﴾ أي مثل هذا الفعل بهؤلاء نفعل بالأشقياء المجرمين، ثم بيَّن تعالى السبب فقال ﴿إِنَّهُمْ كانوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إله إِلاَّ الله يَسْتَكْبِرُونَ﴾ أي إذا قيل لهم قولوا ﴿لاَ إله إِلاَّ الله﴾ يتكبَّرون ويتعظَّمون ﴿وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لتاركوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ﴾؟ أي ويقولون عندما يُدعون إلى التوحيد: أنترك عبادة الأوثان لقول شاعرٍ مجنون؟ يعنون بذلك رسول الله ﷺ َ قال تعالى ردًا عليهم ﴿بَلْ جَآءَ بالحق وَصَدَّقَ المرسلين﴾ أي ليس الأمرَ كما يفترون بل جاءهم محمد بالتوحيد والإِسلام الذي هو الحقُّ الأبلج، وجاء بمثل ما جاء به الرسل قبله قال أبو حيان: جمع المشركون بين إِنكار الوحدانية، وإِنكار الرسالة، ثم خلطوا في كلامهم بقولهم «شاعر مجنون» فإن الشاعر عنده من الفهم والحذق ماينظم به المعاني الغريبة، ويصوغها في قالب الألفاظ البديعة، ومن كان مجنونًا لا يصل إلى شيء من ذلك، فكلامهم تخليط وهذيان ﴿إِنَّكُمْ لَذَآئِقُو العذاب الأليم﴾ أي إنكم أيها المجرمون لمعذبون أشد العذاب ﴿وَمَا تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي لا تُعاقبون إلا جزاء مثل عملكم قال الصاوي: لأن الشريكون جزاؤه بقدره، بخلاف الخير فجزاؤه بأضعاف مضاعفة. . ولمّا ذكر شئًا من أحوال الكفار وعذابهم، ذكر شيئًا من أحوال المؤمنين ونعيمهم، على طريقة القرآن في الموازنة بين الفريقين ترغيبًا وترهيبًا فقال ﴿إِلاَّ عِبَادَ الله المخلصين﴾ الاستثناء منقطع أي لكنْ عباد الله المُخلَصين الموحدين، فإِنهم لا يذوقون العذاب، ولا يناقشون الحساب، بل يتجاوز الله عن سيئاتهم، يُجزون الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف.

. ثم أخبر عن جزائهم فقال ﴿أُوْلَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَّعْلُومٌ﴾ أي أولئك الأخيار الأبرار لهم رزقهم في الجنة صباحًا ومساءً كما قال تعالى ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: 62] وقال أبو السعود: معلوم الخصائص من حسن المنظر، ولذة الطعم، وطيب الرائحة، ثم فسر الرزق بقوله: ﴿فَوَاكِهُ وَهُم مُّكْرَمُونَ﴾ أي فواكهُ متنوعة من جميع ما يشتهون، وهم في الجنة معزَّزون مكرَّمون، وخصَّ الفواكه بالذكر لأن كل ما يؤُكل في الجنة إِنما هو على سبيل التفكه والتلذذ ﴿فِي جَنَّاتِ النعيم﴾ أي في رياضٍ وبساتين يتنعمون فيها ﴿على سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ﴾ أي على أسرَّة مكلَّلة بالدر والياقوت، تدور بهم كيف شاءوا قال مجاهد: ﴿مُّتَقَابِلِينَ﴾ أي لا ينظر بعضُهم إلى قفا بعض تواصً وتحابيًا ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ﴾ لما ذكر الطعام أعقبه بذكر الشراب أي يطوف عليهم خدم الجنة بكأسٍ من الخمر من نهر جارٍ خارج من عيون الجنة قال الصاوي: وصف به حمر الجننة لأنه يجري كالماء النابع وقال ابن عباس: كل كأسٍ في القرآن فهي الخمر، والمعين هي الجارية ﴿بَيْضَآءَ لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ﴾ أي هذه الخمر بيضاء ذات لذةً للشاربين، يلتذ بها من شربها قال الحسن: خمر الجنة أشد بياضًا من اللبن ﴿لاَ فِيهَا غَوْلٌ وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ﴾ أي ليس فيها ما يغتال عقولهم فيفسدها، ولا هم يسكرون بشربها كما تفعل خمر الدنيا قال ابن كثير: نزَّه الله سبحانه خمر الجنة عن الآفات التي هي في خمر الدنيا، من صداع الرأس، ووجع البطن، وذهاب العقل، فخمر الجنة طعمها طيب كلونها، والمراد بالغول هنا صُداع الرأس قاله ابن عباس، وقال قتادة: هو صداع الرأس ووجع البطن وتلك أجمل أوصاف الشراب، التي تحقق لذة الشُّرَّاب، وتنفي أكداره وأضراره، فلا خُمار يصدر الرءوس، ولا سكر ولا عربدة يُذهب لذة الاستمتاع كما هي الحال في خمرة الدنيا ﴿وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ الطرف﴾ أي وعندهم الحور العين، العفيفات اللواتي قصرن أعينهن على النظر إلى أزواجهن، فلا ينظرن إلى غيرهم حياءً وعفةً، قال ابن عباس: ﴿قَاصِرَاتُ الطرف﴾ أي عفيفات لا ينظرن إلى غير أزواجهن ﴿عِينٌ﴾ أي وهنَّ مع العفة واسعات جميلات العيون قال الطبري: أي نُجل العيون جمع عيناء وهي المرأة الواسعة العين مع الحسن والجمال، وهي أحسن ما تكون من العيون ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ﴾ أي كأنهن اللؤلؤ المكنون في أصدافه قاله ابن عباس واستشهد بقوله تعالى ﴿وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثَالِ اللؤلؤ المكنون﴾ [الواقعة: 2223] وقال الحسن: ﴿المكنون﴾ المصون الذي لم تمسَّه الأيدي. . والغرضُ أنهنَّ مع هذا الجمال الباهر، مصونات كالدُّر في أصدافه، مع رقةٍ لطفٍ ونعومة ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ﴾ لا تبتذله الأيدي ولا العيون، والعربُ تشبّه المرأة بالبيضة لصفائها وبياضها قال أبو حيان: ذكر تعالى في هذه الآيات أولًا الرزق وهو ما تلذذ به الأجسام، وثانيًا الإِكرام وهو ما تتلذذ به النفوس، ثم ذكر المحل وهو جنات النعيم، ثم لذة التآنس والاجتماع ﴿على سُرُرٍ﴾

29

﴿مُّتَقَابِلِينَ﴾ وهو أتم للسرور وآنس، ثم ذكر المشروب وهو الخمر التي تدار عليهم بالكؤوس ولا يتناولونها بأنفسهم، ثم ختم باللذة الجسدية أبلغ الملاذ وهي التآنس بالنساء ثم أخبر تعالى عما يتحدث به أهل الجنة للأنس والسور، وهم على موائد الشراب يتلذذون بكل ممتع، وينعمون بتجاذب أطراف الحديث فقال ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ﴾ أي جلسوا يتحدثون عما جرى لهم في الدنيا، يتذاكرون نعيمهم وحال الدنيا وثمرة الإِيمان ﴿قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ﴾ أي قال قائل من أهل الجنة إني كان لي في الدنيا صديقً وجليس ينكر البعث ﴿يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ المصدقين﴾ أي يقول لي أتصدِّق

30

بالبعث والجزاء؟ ﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ﴾؟ أي هل إذا متنا وأصبحنا ذراتٍ من التراب وعظامًا نخرة، أئنا لمحاسبون ومجزيون بأعمالنا؟ يقول ذلك على وجه التعجب والتكذيب والاستبعاد ﴿قَالَ هَلْ أَنتُمْ مُّطَّلِعُونَ﴾؟ أي قال ذلك المؤمن لإِخوانه في الجنة: هل أنتم مطَّلعونن إلى النار لننظر كيف حال ذلك القريب؟ قال تعالى ﴿فاطلع فَرَآهُ فِي سَوَآءِ الجحيم﴾ أي فنظر فأبصر صاحبه الكافر في وسط الجحيم يتلظى سعيرها ﴿قَالَ تالله إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ﴾ أي فخاطبه المؤمن شامتًا وقال له: واللهِ لقد قاربت أن تهلكني بإِغوائك ﴿وَلَوْلاَ نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ المحضرين﴾ أي ولولا فضلُ الله عليَّ بتثبيتي على الإِيمان، لكنتُ معك في النار محضرًا ومعذبًا في الجحيم، ثم يخاطبه مستهزءًا ساخرًا كما كان ذلك الكافر يستهزىء به في الدنيا ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ إِلاَّ مَوْتَتَنَا الأولى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾؟ أي هل لا تزال على اعتقادك بأننا لن نموت إلا موتةً واحدة، وأنه لا بعث ولا جزاء ولا حساب ولا عذاب؟ وهو أسلوب ساخر لاذع يظهر فيه التشفي من ذلك القرين الكافر، والتحدث بنعمة الله عليه قال تعالى ﴿إِنَّ هذا لَهُوَ الفوز العظيم﴾ أي إن هذا النعيم الذي ناله أهل الجنة لهو الفوز العظيم ﴿لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ العاملون﴾ أي لمثل هذا الجزاء الكريم يجب أن يعمل العاملون ويجتهد المجتهدون.

قال المفسرون: أشارت الآيات الكريمة إلى قصة شريكين كان لهما ثمانية آلاف درهم، فكان أحدهما يعبد الله ويقصِّر في التجارة والنظر إلى أمور الدنيا، وكان الآخر مقبلًا على تكثير ماله، فانفصل من شريكه لتقصيره، وكان لكما اشترى دارًا أو جارية أو بستانًا أو نحو ذلك عوضه على المؤمن وفخر عليه بكثرة ماله، وكان المؤمن إذا سمع ذلك يتصدَّق بنحوٍ من ذلك ليشتري له به قصرًا في الجنة، فإذا لقيه صديقه قال ما صنعت بمالك؟ قال: تصدقت به لله! فكان يسخر منه ويقول: أئنك لمن المصدِّقين؟ فكان أمرها ما قصَّ الله علينا في كتابه العزيز.

البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة وجوهًا من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:

1 - الطباق ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ لأن السخرية في مقابلة التعجب.

2 - التأكيد بإِن واللم ﴿إِنَّ إلهكم لَوَاحِدٌ﴾ ومقتضى الكلام يقتضيه لإِنكار المخاطبين للوحدانية.

3 - الأسلوب التهكمي ﴿فاهدوهم إلى صِرَاطِ الجحيم﴾ وردت الهداية بطريق التهكم، لأن الهداية تكون إلى طريق النعيم لا الجحيم.

4 - الإِيجاز بالحذف ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إله إِلاَّ الله﴾ أي قولوا لا إ له إلا الله، وحذف لدلالة السياق عليه.

5 - الالتفات من الغيبة إلى الخطاب ﴿إِنَّكُمْ لَذَآئِقُو العذاب الأليم﴾ والأصل إنهم لذائقو وإنما التفت لزيادة التقبيح والتشنيع عليهم.

6 - الكناية ﴿قَاصِرَاتُ الطرف﴾ كنَّى بذلك عن الحور العين لأنهم عفيفات لا ينظرن إلى غير أزواجهن.

31

7 - التشبيه المرسل والمجمل ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ﴾ حذف منه وجه الشبه فأصبح مجملًا.

8 - مراعاة الفواصل وهو المحسنات البديعية مثل ﴿شِهَابٌ ثَاقِبٌ، عَذابٌ وَاصِبٌ، طِينٍ لاَّزِبٍ﴾ إلى آخر.

اللغَة: ﴿فالزاجرات﴾ الزجر: الدفع عن الشيء بقوةٍ أو صياح، والزجرة: الصيحةُ من قولك: زجر الراعي الغنم إذا صاح عليها فرجعت لصوته ﴿مَّارِدٍ﴾ عاتي متمرد ﴿ثَاقِبٌ﴾ محرق شديد النفاذ ﴿وَاصِبٌ﴾ دائم لا ينقطع ﴿لاَّزِبٍ﴾ ملتزق بعضه ببعض ﴿مَّعِينٍ﴾ شراب نابع من العيون ﴿غَوْلٌ﴾ الغول: كل ما يغتال العقل ويفسده قال أبو عبيدة: الغول ما يغتال العقل ويذهبه وأنشد قول ابن إياس:

ومازالتِ الخمر تغتالنا ... وتذهب بالأول فالأول

﴿بِكَأْسٍ﴾ قال أهل اللغة: العرب تقول للإِناء إِذا كان فيه خمر كأس، فإِذا لم يكن فيه خمرا قالوا: إِناء وقدح قال الشاعر:

وكأسٍ شربتُ على لذةٍ ... وأُخرى تداويتُ منها بها

﴿يُنزَفُونَ﴾ يسكرون يقال: نُزف الرجل فهو نزيف ومنزوف إذا سكر قال الشاعر:

لعمري لئن أنزفتمو أو صحوتمو ... لبئس النَّدامى كنتم آل أبجرا

التفسِير: ﴿والصافات صَفَّا﴾ افتتح تعالى هذه السورة بالقسم ببعض مخلوقاته، إظهارً لعظم شأنها، وكبر فوائدها، وتنبيهًا للعباد على جلاله قدرها والمعنى: أقسم بهذه الطوائف من الملائكة، الصافات قوائهما في الصلاة، أو أجنحتها في ارتقاب أمر الله قال ابن مسعود: هم الملائكة تصف في السماء في العبادة والذكر صفوفًا، وفي الحديث «ألا تصفُّون كما تصف الملائكة عند ربهم؟ قلنا: وكيف يا رسول الله؟ قال: يُتمون الصفوف المتقدمة، ويتراصون في الصف» أقسم تعالى بالملائكة تنبيهًا على جلالة قدرهم، وكثرة عبادتهم، فهم مع عظيم خلقهم ورفعة شأنهم لا ينفكون عن عبادة الله، يصطفون للعبادة كاصطفاف المؤمنين في الصلاة، مع الخشوع والخضوع للعزيز الجبار، الذي دانت له الخلائق، وخضعت لجلال هيبته الرقاب، بما فيهم حَمَلة العرش والملائكة الأطهار ﴿فالزاجرات زَجْرًا﴾ أي الملائكة التي تزجر السحاب، يسوقونه إلى حيث شاء الله، من الزجر بمعنى السوق والحث ﴿فالتاليات ذِكْرًا﴾ وصفٌ ثالثُ للملائكة الأبرار، إشادةً بذكر محاسنهم ومناقبهم العلوية أي وأقسمُ بالملائكة التالين لآيات الله على أنبيائه وأوليائه، مع التسبيح والتقديس والتحميد والتمجيد ﴿إِنَّ إلهكم لَوَاحِدٌ﴾ هذا هو المقسم عليه أي إن إلهكم الذي تعبدونه أيها الناس إله واحدٌ لاشريك له، قال مقاتل: إِن الكفار بمكة قالوا: أجعل الآلهة إلهًا واحدًا؟ وكيف يسع هذا الخلق إله فرد؟ فأقسم الله بهؤلاء تشريفًا، ثم بيَّن تعالى معنى وحدانيته وألوهيته فقال ﴿رَّبُّ السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ أي هو تعالى خالق السموات والأرض ومالكهما وما بينهما من المخلوقات والموجودات، فإن وجودهما وانتظامهما على هذا النمط البديع، من أوضح الدلائل على وجود الله ووحدانيته ﴿وَرَبُّ المشارق﴾ أي وهو رب مشارق الشمس ومغاربها في الشتاء والصيف قال الطبريب: واكتفى بذكر المشارق عن المغارب لدلالة الكلام عليه ثم أخبر عن قدرته بتزيين السماء بالكواكب، بعد أن أخبر عن وحدانيته فقال ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السمآء الدنيا بِزِينَةٍ الكواكب﴾ أي زينا السماء القريبة منكم بالكواكب المنيرة المضيئة، التي تبدو وكأنها جواهر تتلألأ ﴿وَحِفْظًا مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ﴾ أي وللحفظ من كل شيطان عاتٍ متمرد، خارج عن طاعة الله قال قتادة: خلقت النجومُ لثلاث: رجومًا للشياطين، ونورًا يُهتدى بها، وزينةً للسماء الدنيا وقال أبو حيان: خصَّ السماء الدنيا بالذكر لأنها هي التي تُشاهد بالأبصار، وفيها وحدها يكون الحفظ من الشياطين ﴿لاَّ يَسَّمَّعُونَ إلى الملإ الأعلى﴾ أي لا يقدرون أن يستمعوا إلى الملائكة الذين هم في العالم العلوي، وقيل المعنى: لئلا يتسمَّعوا إلى الملأ الأعلى ﴿وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ﴾ أي ويُرجمون بالشهب من كل جهةٍ يقصدون السماء منها ﴿دُحُورًا﴾ أي طردًا لهم عن السماع لأخبار السماء قال الطبري: أي مطرودين، من الدحر وهو الدَّفعُ والإِبعاد ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ وَاصِبٌ﴾ أي ولهم في الآخرة عذاب موصول لا ينقطع ﴿إِلاَّ مَنْ خَطِفَ الخطفة﴾ أي إلاَّ من اختلص شيئًا مسارقةً ﴿فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ أي فلحقه شهاب مضيءٌ، نافذ بضوئه وشعاعه فأحرقه قال المفسرون: قد يخطف الشيطان المارد خطفةً سريعة مما يدور في الملأ الأعلى، فيتبعه شهابٌ يلاحقه في هبوطه فيصيبه ويحرقه حرقًا قال القرطبي: وليست الشهب التي يرجم بها الشياطين من الكواكب الثواب، لأن الثابتة تجري ولا تُرى حركتها، وهذه الشهب تُرى حركاتها ﴿فاستفتهم﴾ أي فسلْ يا محمد هؤلاء المنكرين للبعث ﴿أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَم مَّنْ خَلَقْنَآ﴾ أي أيهم أقوى بُنيةً وأشد خلْقًا هل هم أم السموات والأرض وما بينهما من الملائكة والمخلوقات العظيمة العجيبة؟ ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ﴾ أي من طينٍ زخوٍ لا قوة فيه قال الطبري: وإِنما وصفه باللزوب لأنه ترابٌ مخلوطٌ بماء، وكذلك خُلِق ابنُ آدم من ترابٍ وماء، ونار وهواء، والترابٌ إِذا خُلط بماءٍ صار طينًا لازبًا، والغرضُ من الآية إِقامةُ البرهان على إعادة الإِنسان، فالذي خلقه من العدم وخلق هذه الخلائق، قادرٌ على إعادة الأجسام بعد الفناء ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ أي بل عجبتَ يا محمد من تكذيبهم للبعث مع رؤيتهم آثار قدرة الله الباهرة، وهم يسخرون منك ومما تقول لهم في ذلك قال أبو السعود: المعنى عجبتَ من قدرة الله تعالى على هذه الخلائق العظيمة وإِنكارهم للبعث، وهم يسخرون من تعجبك وتقريرك للبعث ﴿وَإِذَا ذُكِّرُواْ لاَ يَذْكُرُونَ﴾ أي وإِذا وُعظوا بالقرآن وخوّفوا به، لا يتعظون ولا يتدبرون ﴿وَإِذَا رَأَوْاْ آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾ أي وإِذا رأوا آية باهرة، أو معجزة قاهرة تدل على صدقكك كانشقاق القمر، وتكليم الشجر والحجر، يبالغون في السخرية أو يدعون غيرهم للسخرية والاستهزاء ﴿وقالوا إِن هاذآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ أي ما هذا الذي جئتنا به يا محمد إلا سحر واضح بيِّن قال في البحر: والإِشارة ب «هذا» إلى ما ظهر على يديه عليه السلام من الخارق المعجز ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ الاستفهام للإِنكار والاستهزاء أي أئذا أصبحت أجسادنا بالية، وتفتَّت أجزاؤها إلى تراب وعظام سوف نبعث؟ ﴿أَوَ آبَآؤُنَا الأولون﴾ أي أو آباؤنا الأولون كذلك سيُبعثون؟ قال الزمخشري: أي أيبعث أيضًا آباؤنا؟ وهذا زيادة في استبعاد الأمر، يعنون أنهم أقدم، فبعثُهم أبعدُ وأبطل ﴿قُلْ نَعَمْ وَأَنتُمْ دَاخِرُونَ﴾ أي قل لهم نعم تُبعثون وأنتم صاغرون ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ أي وما هي إلا صيحة واحدة ينفخ فيها إسرافيل في الصور للقيام من القبور ﴿فَإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ﴾ أي فإِذا هم قيامٌ في أرض المحشر ينظر بعضهم إلى بعض قال القرطبي: الزجرةُ: الصيحةُ وهي النفخةُ الثانية، وسميت زجرة لأن مقصودها الزجر، كزجر الإِبل، والخيل عند السَّوق.

. ثم أخبر تعالى عن حسرتهم وندامتهم عند معاينتهم مأهوال القيامة فقال ﴿وَقَالُواْ ياويلنا هذا يَوْمُ الدين﴾ أي يا هلاكنا وخسارتنا هذا يوم الجزاء والحساب!! فتقول لهم الملائكة على سبيل التوبيخ والتقريع ﴿هذا يَوْمُ الفصل الذي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ أي هذا يوم الفصف بين الخلائق الذي كنتم تنكرونه وتكذبون به قال البيضاوي: الفصلُ: القضاءُ والتفريق بين المحسن والمسيء ﴿احشروا الذين ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ أي اجمعوا الظالمين وأشباههم من العصاة والمجرمين، كل إنسان مع نظرائه قال القرطبي: الزاني مع الزاني، وشارب الخمر مع شارب الخمر، والسارق مع السارق وقال ابن عباس: اجمعوا الظالمين ونساءهم الكافرات، وعنه المراد به أشباههم من العصاة ﴿وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله﴾ أي وما كانوا يعبدون من الأوثان والأصنام، وذلك زيادةً في تحسيرهم وتخجيلهم ﴿فاهدوهم إلى صِرَاطِ الجحيم﴾ أي فعرفوهم طريق الجحيم ووجهوهم إليها، وفي لفظ ﴿اهدوهم﴾ تهكم وسخرية، فإذا لم يهتدوا في الدنيا إلى الصراط المستقيم، فليهتدوا اليوم إلى صراط الجحيم ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ﴾ أي احبسوهم عند الصراط لأنهم سيسألون عن جميع أقوالهم وأفعالهم، ثم يقال لهم على سبيل التقريع والتوبيخ ﴿مَا لَكُمْ لاَ تَنَاصَرُونَ﴾ أي ما لكم لا ينصر بعضكم بعضًا وأنتم هنا جميعًا؟ وكلكم في حاجة إلى الناصر والمعين؟ قال المفسرون: هذا إشارة إلى قول أبي جهل يوم بدر «نحن جميعٌ منتصر» وأصل ﴿تناصرون﴾ تتناصرون حذفت إحدى التاءين تخفيفًا، قال تعالى ﴿بَلْ هُمُ اليوم مُسْتَسْلِمُونَ﴾ أي بل هم اليوم أذلاء منقادون، عاجزون عن الانتصار، سواء منهم العابدون والمعبودون ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ﴾ أي أقبل الرؤساء والأتباع يتلاومون ويتخاصمون قال أبو السعود: وسؤالهم إنما هو سؤال توبيخ بطريق الخصومة والجدال ﴿قالوا إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ اليمين﴾ أي قال الأتباع منهم للمتبوعين: إِنكم كنتم تأتوننا من قبل الحقِّ، وتزينون لنا الباطل، وتصدوننا عن اتباع طريق الهدى قال الطبري: أي كنتم تأتوننا من قبل الدين والحق، فتخدعوننا بأقوى الوجوه، قال: واليمين في كلام العرب: القوه والقدرة كقول الشاعر:

إِذا ما رايةٌ رفعت لمجدٍ ... تلقَّاها عرابةُ باليمين

وقيل: المراد تأتوننا بطريق الوسوسة عن يميننا كما هو المعتاد في حالة الوسوسة بالأسرار غالبًا ﴿قَالُواْ بَلْ لَّمْ تَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي يقول لهم الرؤساء: لم نحملكم نحن على الضلال ولم نمنعكم من الإِيمان، بل كفرتم ولم تؤمنوا باختياركم قال ابن كثير: أي ليس الأمر كما تزعمون، بل كانت قلوبكم منكرةً للإِيمان، قابلةً للكفر والعصيان ﴿وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ﴾ أي ما كان لنا عليكم من قوة وقدرة نقهركم بها عن متابعتنا ﴿بَلْ كُنتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ﴾ أي بل فيكم فجور وطغيان واستعداد للعصيان، فلذلك استجبتم لنا واتبعتمونا ﴿فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَآ﴾ أي فوجب علينا جميعًا وعيد الله لنا بالعذاب ﴿إِنَّا لَذَآئِقُونَ﴾ أي فإِنا لذائقو هذا العذاب لا محالة ﴿فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ﴾ أي فزينا لكم الباطل، ودعوناكم إلى الغيّ لأننا كنا على غيٍّ وضلال، قال تعالى مخبرًا عن حالهم ﴿فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي العذاب مُشْتَرِكُونَ﴾ أي فإِنهم يوم القيامة مشتركون في العذاب، كما كانوا مشتركين في الغواية، ولكنْ كما قال تعالى ﴿وَلَن يَنفَعَكُمُ اليوم إِذ ظَّلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي العذاب مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف: 39] ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بالمجرمين﴾ أي مثل هذا الفعل بهؤلاء نفعل بالأشقياء المجرمين، ثم بيَّن تعالى السبب فقال ﴿إِنَّهُمْ كانوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إله إِلاَّ الله يَسْتَكْبِرُونَ﴾ أي إذا قيل لهم قولوا ﴿لاَ إله إِلاَّ الله﴾ يتكبَّرون ويتعظَّمون ﴿وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لتاركوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ﴾؟ أي ويقولون عندما يُدعون إلى التوحيد: أنترك عبادة الأوثان لقول شاعرٍ مجنون؟ يعنون بذلك رسول الله ﷺ َ قال تعالى ردًا عليهم ﴿بَلْ جَآءَ بالحق وَصَدَّقَ المرسلين﴾ أي ليس الأمرَ كما يفترون بل جاءهم محمد بالتوحيد والإِسلام الذي هو الحقُّ الأبلج، وجاء بمثل ما جاء به الرسل قبله قال أبو حيان: جمع المشركون بين إِنكار الوحدانية، وإِنكار الرسالة، ثم خلطوا في كلامهم بقولهم «شاعر مجنون» فإن الشاعر عنده من الفهم والحذق ماينظم به المعاني الغريبة، ويصوغها في قالب الألفاظ البديعة، ومن كان مجنونًا لا يصل إلى شيء من ذلك، فكلامهم تخليط وهذيان ﴿إِنَّكُمْ لَذَآئِقُو العذاب الأليم﴾ أي إنكم أيها المجرمون لمعذبون أشد العذاب ﴿وَمَا تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي لا تُعاقبون إلا جزاء مثل عملكم قال الصاوي: لأن الشريكون جزاؤه بقدره، بخلاف الخير فجزاؤه بأضعاف مضاعفة. . ولمّا ذكر شئًا من أحوال الكفار وعذابهم، ذكر شيئًا من أحوال المؤمنين ونعيمهم، على طريقة القرآن في الموازنة بين الفريقين ترغيبًا وترهيبًا فقال ﴿إِلاَّ عِبَادَ الله المخلصين﴾ الاستثناء منقطع أي لكنْ عباد الله المُخلَصين الموحدين، فإِنهم لا يذوقون العذاب، ولا يناقشون الحساب، بل يتجاوز الله عن سيئاتهم، يُجزون الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف.

. ثم أخبر عن جزائهم فقال ﴿أُوْلَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَّعْلُومٌ﴾ أي أولئك الأخيار الأبرار لهم رزقهم في الجنة صباحًا ومساءً كما قال تعالى ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: 62] وقال أبو السعود: معلوم الخصائص من حسن المنظر، ولذة الطعم، وطيب الرائحة، ثم فسر الرزق بقوله: ﴿فَوَاكِهُ وَهُم مُّكْرَمُونَ﴾ أي فواكهُ متنوعة من جميع ما يشتهون، وهم في الجنة معزَّزون مكرَّمون، وخصَّ الفواكه بالذكر لأن كل ما يؤُكل في الجنة إِنما هو على سبيل التفكه والتلذذ ﴿فِي جَنَّاتِ النعيم﴾ أي في رياضٍ وبساتين يتنعمون فيها ﴿على سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ﴾ أي على أسرَّة مكلَّلة بالدر والياقوت، تدور بهم كيف شاءوا قال مجاهد: ﴿مُّتَقَابِلِينَ﴾ أي لا ينظر بعضُهم إلى قفا بعض تواصً وتحابيًا ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ﴾ لما ذكر الطعام أعقبه بذكر الشراب أي يطوف عليهم خدم الجنة بكأسٍ من الخمر من نهر جارٍ خارج من عيون الجنة قال الصاوي: وصف به حمر الجننة لأنه يجري كالماء النابع وقال ابن عباس: كل كأسٍ في القرآن فهي الخمر، والمعين هي الجارية ﴿بَيْضَآءَ لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ﴾ أي هذه الخمر بيضاء ذات لذةً للشاربين، يلتذ بها من شربها قال الحسن: خمر الجنة أشد بياضًا من اللبن ﴿لاَ فِيهَا غَوْلٌ وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ﴾ أي ليس فيها ما يغتال عقولهم فيفسدها، ولا هم يسكرون بشربها كما تفعل خمر الدنيا قال ابن كثير: نزَّه الله سبحانه خمر الجنة عن الآفات التي هي في خمر الدنيا، من صداع الرأس، ووجع البطن، وذهاب العقل، فخمر الجنة طعمها طيب كلونها، والمراد بالغول هنا صُداع الرأس قاله ابن عباس، وقال قتادة: هو صداع الرأس ووجع البطن وتلك أجمل أوصاف الشراب، التي تحقق لذة الشُّرَّاب، وتنفي أكداره وأضراره، فلا خُمار يصدر الرءوس، ولا سكر ولا عربدة يُذهب لذة الاستمتاع كما هي الحال في خمرة الدنيا ﴿وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ الطرف﴾ أي وعندهم الحور العين، العفيفات اللواتي قصرن أعينهن على النظر إلى أزواجهن، فلا ينظرن إلى غيرهم حياءً وعفةً، قال ابن عباس: ﴿قَاصِرَاتُ الطرف﴾ أي عفيفات لا ينظرن إلى غير أزواجهن ﴿عِينٌ﴾ أي وهنَّ مع العفة واسعات جميلات العيون قال الطبري: أي نُجل العيون جمع عيناء وهي المرأة الواسعة العين مع الحسن والجمال، وهي أحسن ما تكون من العيون ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ﴾ أي كأنهن اللؤلؤ المكنون في أصدافه قاله ابن عباس واستشهد بقوله تعالى ﴿وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثَالِ اللؤلؤ المكنون﴾ [الواقعة: 2223] وقال الحسن: ﴿المكنون﴾ المصون الذي لم تمسَّه الأيدي. . والغرضُ أنهنَّ مع هذا الجمال الباهر، مصونات كالدُّر في أصدافه، مع رقةٍ لطفٍ ونعومة ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ﴾ لا تبتذله الأيدي ولا العيون، والعربُ تشبّه المرأة بالبيضة لصفائها وبياضها قال أبو حيان: ذكر تعالى في هذه الآيات أولًا الرزق وهو ما تلذذ به الأجسام، وثانيًا الإِكرام وهو ما تتلذذ به النفوس، ثم ذكر المحل وهو جنات النعيم، ثم لذة التآنس والاجتماع ﴿على سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ﴾ وهو أتم للسرور وآنس، ثم ذكر المشروب وهو الخمر التي تدار عليهم بالكؤوس ولا يتناولونها بأنفسهم، ثم ختم باللذة الجسدية أبلغ الملاذ وهي التآنس بالنساء ثم أخبر تعالى عما يتحدث به أهل الجنة للأنس والسور، وهم على موائد الشراب يتلذذون بكل ممتع، وينعمون بتجاذب أطراف الحديث فقال ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ﴾ أي جلسوا يتحدثون عما جرى لهم في الدنيا، يتذاكرون نعيمهم وحال الدنيا وثمرة الإِيمان ﴿قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ﴾ أي قال قائل من أهل الجنة إني كان لي في الدنيا صديقً وجليس ينكر البعث ﴿يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ المصدقين﴾ أي يقول لي أتصدِّق بالبعث والجزاء؟ ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ﴾؟ أي هل إذا متنا وأصبحنا ذراتٍ من التراب وعظامًا نخرة، أئنا لمحاسبون ومجزيون بأعمالنا؟ يقول ذلك على وجه التعجب والتكذيب والاستبعاد ﴿قَالَ هَلْ أَنتُمْ مُّطَّلِعُونَ﴾؟ أي قال ذلك المؤمن لإِخوانه في الجنة: هل أنتم مطَّلعونن إلى النار لننظر كيف حال ذلك القريب؟ قال تعالى ﴿فاطلع فَرَآهُ فِي سَوَآءِ الجحيم﴾ أي فنظر فأبصر صاحبه الكافر في وسط الجحيم يتلظى سعيرها ﴿قَالَ تالله إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ﴾ أي فخاطبه المؤمن شامتًا وقال له: واللهِ لقد قاربت أن تهلكني بإِغوائك ﴿وَلَوْلاَ نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ المحضرين﴾ أي ولولا فضلُ الله عليَّ بتثبيتي على الإِيمان، لكنتُ معك في النار محضرًا ومعذبًا في الجحيم، ثم يخاطبه مستهزءًا ساخرًا كما كان ذلك الكافر يستهزىء به في الدنيا ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ إِلاَّ مَوْتَتَنَا الأولى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾؟ أي هل لا تزال على اعتقادك بأننا لن نموت إلا موتةً واحدة، وأنه لا بعث ولا جزاء ولا حساب ولا عذاب؟ وهو أسلوب ساخر لاذع يظهر فيه التشفي من ذلك القرين الكافر، والتحدث بنعمة الله عليه قال تعالى ﴿إِنَّ هذا لَهُوَ الفوز العظيم﴾ أي إن هذا النعيم الذي ناله أهل الجنة لهو الفوز العظيم ﴿لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ العاملون﴾ أي لمثل هذا الجزاء الكريم يجب أن يعمل العاملون ويجتهد المجتهدون.

قال المفسرون: أشارت الآيات الكريمة إلى قصة شريكين كان لهما ثمانية آلاف درهم، فكان أحدهما يعبد الله ويقصِّر في التجارة والنظر إلى أمور الدنيا، وكان الآخر مقبلًا على تكثير ماله، فانفصل من شريكه لتقصيره، وكان لكما اشترى دارًا أو جارية أو بستانًا أو نحو ذلك عوضه على المؤمن وفخر عليه بكثرة ماله، وكان المؤمن إذا سمع ذلك يتصدَّق بنحوٍ من ذلك ليشتري له به قصرًا في الجنة، فإذا لقيه صديقه قال ما صنعت بمالك؟ قال: تصدقت به لله! فكان يسخر منه ويقول: أئنك لمن المصدِّقين؟ فكان أمرها ما قصَّ الله علينا في كتابه العزيز.

البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة وجوهًا من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:

1 - الطباق ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ لأن السخرية في مقابلة التعجب.

2 - التأكيد بإِن واللم ﴿إِنَّ إلهكم لَوَاحِدٌ﴾ ومقتضى الكلام يقتضيه لإِنكار المخاطبين للوحدانية.

3 - الأسلوب التهكمي ﴿فاهدوهم إلى صِرَاطِ الجحيم﴾ وردت الهداية بطريق التهكم، لأن الهداية تكون إلى طريق النعيم لا الجحيم.

4 - الإِيجاز بالحذف ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إله إِلاَّ الله﴾ أي قولوا لا إ له إلا الله، وحذف لدلالة السياق عليه.

5 - الالتفات من الغيبة إلى الخطاب ﴿إِنَّكُمْ لَذَآئِقُو العذاب الأليم﴾ والأصل إنهم لذائقو وإنما التفت لزيادة التقبيح والتشنيع عليهم.

6 - الكناية ﴿قَاصِرَاتُ الطرف﴾ كنَّى بذلك عن الحور العين لأنهم عفيفات لا ينظرن إلى غير أزواجهن.

7 - التشبيه المرسل والمجمل ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ﴾ حذف منه وجه الشبه فأصبح مجملًا.

8 - مراعاة الفواصل وهو المحسنات البديعية مثل ﴿شِهَابٌ ثَاقِبٌ، عَذابٌ وَاصِبٌ، طِينٍ لاَّزِبٍ﴾ إلى آخر.

اللغَة: ﴿فالزاجرات﴾ الزجر: الدفع عن الشيء بقوةٍ أو صياح، والزجرة: الصيحةُ من قولك: زجر الراعي الغنم إذا صاح عليها فرجعت لصوته ﴿مَّارِدٍ﴾ عاتي متمرد ﴿ثَاقِبٌ﴾ محرق شديد النفاذ ﴿وَاصِبٌ﴾ دائم لا ينقطع ﴿لاَّزِبٍ﴾ ملتزق بعضه ببعض ﴿مَّعِينٍ﴾ شراب نابع من العيون ﴿غَوْلٌ﴾ الغول: كل ما يغتال العقل ويفسده قال أبو عبيدة: الغول ما يغتال العقل ويذهبه وأنشد قول ابن إياس:

ومازالتِ الخمر تغتالنا ... وتذهب بالأول فالأول

﴿بِكَأْسٍ﴾ قال أهل اللغة: العرب تقول للإِناء إِذا كان فيه خمر كأس، فإِذا لم يكن فيه خمرا قالوا: إِناء وقدح قال الشاعر:

وكأسٍ شربتُ على لذةٍ ... وأُخرى تداويتُ منها بها

﴿يُنزَفُونَ﴾ يسكرون يقال: نُزف الرجل فهو نزيف ومنزوف إذا سكر قال الشاعر:

لعمري لئن أنزفتمو أو صحوتمو ... لبئس النَّدامى كنتم آل أبجرا

التفسِير: ﴿والصافات صَفَّا﴾ افتتح تعالى هذه السورة بالقسم ببعض مخلوقاته، إظهارً لعظم شأنها، وكبر فوائدها، وتنبيهًا للعباد على جلاله قدرها والمعنى: أقسم بهذه الطوائف من الملائكة، الصافات قوائهما في الصلاة، أو أجنحتها في ارتقاب أمر الله قال ابن مسعود: هم الملائكة تصف في السماء في العبادة والذكر صفوفًا، وفي الحديث «ألا تصفُّون كما تصف الملائكة عند ربهم؟ قلنا: وكيف يا رسول الله؟ قال: يُتمون الصفوف المتقدمة، ويتراصون في الصف» أقسم تعالى بالملائكة تنبيهًا على جلالة قدرهم، وكثرة عبادتهم، فهم مع عظيم خلقهم ورفعة شأنهم لا ينفكون عن عبادة الله، يصطفون للعبادة كاصطفاف المؤمنين في الصلاة، مع الخشوع والخضوع للعزيز الجبار، الذي دانت له الخلائق، وخضعت لجلال هيبته الرقاب، بما فيهم حَمَلة العرش والملائكة الأطهار ﴿فالزاجرات زَجْرًا﴾ أي الملائكة التي تزجر السحاب، يسوقونه إلى حيث شاء الله، من الزجر بمعنى السوق والحث ﴿فالتاليات ذِكْرًا﴾ وصفٌ ثالثُ للملائكة الأبرار، إشادةً بذكر محاسنهم ومناقبهم العلوية أي وأقسمُ بالملائكة التالين لآيات الله على أنبيائه وأوليائه، مع التسبيح والتقديس والتحميد والتمجيد ﴿إِنَّ إلهكم لَوَاحِدٌ﴾ هذا هو المقسم عليه أي إن إلهكم الذي تعبدونه أيها الناس إله واحدٌ لاشريك له، قال مقاتل: إِن الكفار بمكة قالوا: أجعل الآلهة إلهًا واحدًا؟ وكيف يسع هذا الخلق إله فرد؟ فأقسم الله بهؤلاء تشريفًا، ثم بيَّن تعالى معنى وحدانيته وألوهيته فقال ﴿رَّبُّ السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ أي هو تعالى خالق السموات والأرض ومالكهما وما بينهما من المخلوقات والموجودات، فإن وجودهما وانتظامهما على هذا النمط البديع، من أوضح الدلائل على وجود الله ووحدانيته ﴿وَرَبُّ المشارق﴾ أي وهو رب مشارق الشمس ومغاربها في الشتاء والصيف قال الطبريب: واكتفى بذكر المشارق عن المغارب لدلالة الكلام عليه ثم أخبر عن قدرته بتزيين السماء بالكواكب، بعد أن أخبر عن وحدانيته فقال ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السمآء الدنيا بِزِينَةٍ الكواكب﴾ أي زينا السماء القريبة منكم بالكواكب المنيرة المضيئة، التي تبدو وكأنها جواهر تتلألأ ﴿وَحِفْظًا مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ﴾ أي وللحفظ من كل شيطان عاتٍ متمرد، خارج عن طاعة الله قال قتادة: خلقت النجومُ لثلاث: رجومًا للشياطين، ونورًا يُهتدى بها، وزينةً للسماء الدنيا وقال أبو حيان: خصَّ السماء الدنيا بالذكر لأنها هي التي تُشاهد بالأبصار، وفيها وحدها يكون الحفظ من الشياطين ﴿لاَّ يَسَّمَّعُونَ إلى الملإ الأعلى﴾ أي لا يقدرون أن يستمعوا إلى الملائكة الذين هم في العالم العلوي، وقيل المعنى: لئلا يتسمَّعوا إلى الملأ الأعلى ﴿وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ﴾ أي ويُرجمون بالشهب من كل جهةٍ يقصدون السماء منها ﴿دُحُورًا﴾ أي طردًا لهم عن السماع لأخبار السماء قال الطبري: أي مطرودين، من الدحر وهو الدَّفعُ والإِبعاد ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ وَاصِبٌ﴾ أي ولهم في الآخرة عذاب موصول لا ينقطع ﴿إِلاَّ مَنْ خَطِفَ الخطفة﴾ أي إلاَّ من اختلص شيئًا مسارقةً ﴿فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ أي فلحقه شهاب مضيءٌ، نافذ بضوئه وشعاعه فأحرقه قال المفسرون: قد يخطف الشيطان المارد خطفةً سريعة مما يدور في الملأ الأعلى، فيتبعه شهابٌ يلاحقه في هبوطه فيصيبه ويحرقه حرقًا قال القرطبي: وليست الشهب التي يرجم بها الشياطين من الكواكب الثواب، لأن الثابتة تجري ولا تُرى حركتها، وهذه الشهب تُرى حركاتها ﴿فاستفتهم﴾ أي فسلْ يا محمد هؤلاء المنكرين للبعث ﴿أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَم مَّنْ خَلَقْنَآ﴾ أي أيهم أقوى بُنيةً وأشد خلْقًا هل هم أم السموات والأرض وما بينهما من الملائكة والمخلوقات العظيمة العجيبة؟ ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ﴾ أي من طينٍ زخوٍ لا قوة فيه قال الطبري: وإِنما وصفه باللزوب لأنه ترابٌ مخلوطٌ بماء، وكذلك خُلِق ابنُ آدم من ترابٍ وماء، ونار وهواء، والترابٌ إِذا خُلط بماءٍ صار طينًا لازبًا، والغرضُ من الآية إِقامةُ البرهان على إعادة الإِنسان، فالذي خلقه من العدم وخلق هذه الخلائق، قادرٌ على إعادة الأجسام بعد الفناء ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ أي بل عجبتَ يا محمد من تكذيبهم للبعث مع رؤيتهم آثار قدرة الله الباهرة، وهم يسخرون منك ومما تقول لهم في ذلك قال أبو السعود: المعنى عجبتَ من قدرة الله تعالى على هذه الخلائق العظيمة وإِنكارهم للبعث، وهم يسخرون من تعجبك وتقريرك للبعث ﴿وَإِذَا ذُكِّرُواْ لاَ يَذْكُرُونَ﴾ أي وإِذا وُعظوا بالقرآن وخوّفوا به، لا يتعظون ولا يتدبرون ﴿وَإِذَا رَأَوْاْ آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾ أي وإِذا رأوا آية باهرة، أو معجزة قاهرة تدل على صدقكك كانشقاق القمر، وتكليم الشجر والحجر، يبالغون في السخرية أو يدعون غيرهم للسخرية والاستهزاء ﴿وقالوا إِن هاذآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ أي ما هذا الذي جئتنا به يا محمد إلا سحر واضح بيِّن قال في البحر: والإِشارة ب «هذا» إلى ما ظهر على يديه عليه السلام من الخارق المعجز ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ الاستفهام للإِنكار والاستهزاء أي أئذا أصبحت أجسادنا بالية، وتفتَّت أجزاؤها إلى تراب وعظام سوف نبعث؟ ﴿أَوَ آبَآؤُنَا الأولون﴾ أي أو آباؤنا الأولون كذلك سيُبعثون؟ قال الزمخشري: أي أيبعث أيضًا آباؤنا؟ وهذا زيادة في استبعاد الأمر، يعنون أنهم أقدم، فبعثُهم أبعدُ وأبطل ﴿قُلْ نَعَمْ وَأَنتُمْ دَاخِرُونَ﴾ أي قل لهم نعم تُبعثون وأنتم صاغرون ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ أي وما هي إلا صيحة واحدة ينفخ فيها إسرافيل في الصور للقيام من القبور ﴿فَإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ﴾ أي فإِذا هم قيامٌ في أرض المحشر ينظر بعضهم إلى بعض قال القرطبي: الزجرةُ: الصيحةُ وهي النفخةُ الثانية، وسميت زجرة لأن مقصودها الزجر، كزجر الإِبل، والخيل عند السَّوق.

. ثم أخبر تعالى عن حسرتهم وندامتهم عند معاينتهم مأهوال القيامة فقال ﴿وَقَالُواْ ياويلنا هذا يَوْمُ الدين﴾ أي يا هلاكنا وخسارتنا هذا يوم الجزاء والحساب!! فتقول لهم الملائكة على سبيل التوبيخ والتقريع ﴿هذا يَوْمُ الفصل الذي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ أي هذا يوم الفصف بين الخلائق الذي كنتم تنكرونه وتكذبون به قال البيضاوي: الفصلُ: القضاءُ والتفريق بين المحسن والمسيء ﴿احشروا الذين ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ أي اجمعوا الظالمين وأشباههم من العصاة والمجرمين، كل إنسان مع نظرائه قال القرطبي: الزاني مع الزاني، وشارب الخمر مع شارب الخمر، والسارق مع السارق وقال ابن عباس: اجمعوا الظالمين ونساءهم الكافرات، وعنه المراد به أشباههم من العصاة ﴿وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله﴾ أي وما كانوا يعبدون من الأوثان والأصنام، وذلك زيادةً في تحسيرهم وتخجيلهم ﴿فاهدوهم إلى صِرَاطِ الجحيم﴾ أي فعرفوهم طريق الجحيم ووجهوهم إليها، وفي لفظ ﴿اهدوهم﴾ تهكم وسخرية، فإذا لم يهتدوا في الدنيا إلى الصراط المستقيم، فليهتدوا اليوم إلى صراط الجحيم ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ﴾ أي احبسوهم عند الصراط لأنهم سيسألون عن جميع أقوالهم وأفعالهم، ثم يقال لهم على سبيل التقريع والتوبيخ ﴿مَا لَكُمْ لاَ تَنَاصَرُونَ﴾ أي ما لكم لا ينصر بعضكم بعضًا وأنتم هنا جميعًا؟ وكلكم في حاجة إلى الناصر والمعين؟ قال المفسرون: هذا إشارة إلى قول أبي جهل يوم بدر «نحن جميعٌ منتصر» وأصل ﴿تناصرون﴾ تتناصرون حذفت إحدى التاءين تخفيفًا، قال تعالى ﴿بَلْ هُمُ اليوم مُسْتَسْلِمُونَ﴾ أي بل هم اليوم أذلاء منقادون، عاجزون عن الانتصار، سواء منهم العابدون والمعبودون ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ﴾ أي أقبل الرؤساء والأتباع يتلاومون ويتخاصمون قال أبو السعود: وسؤالهم إنما هو سؤال توبيخ بطريق الخصومة والجدال ﴿قالوا إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ اليمين﴾ أي قال الأتباع منهم للمتبوعين: إِنكم كنتم تأتوننا من قبل الحقِّ، وتزينون لنا الباطل، وتصدوننا عن اتباع طريق الهدى قال الطبري: أي كنتم تأتوننا من قبل الدين والحق، فتخدعوننا بأقوى الوجوه، قال: واليمين في كلام العرب: القوه والقدرة كقول الشاعر:

إِذا ما رايةٌ رفعت لمجدٍ ... تلقَّاها عرابةُ باليمين

وقيل: المراد تأتوننا بطريق الوسوسة عن يميننا كما هو المعتاد في حالة الوسوسة بالأسرار غالبًا ﴿قَالُواْ بَلْ لَّمْ تَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي يقول لهم الرؤساء: لم نحملكم نحن على الضلال ولم نمنعكم من الإِيمان، بل كفرتم ولم تؤمنوا باختياركم قال ابن كثير: أي ليس الأمر كما تزعمون، بل كانت قلوبكم منكرةً للإِيمان، قابلةً للكفر والعصيان ﴿وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ﴾ أي ما كان لنا عليكم من قوة وقدرة نقهركم بها عن متابعتنا ﴿بَلْ كُنتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ﴾ أي بل فيكم فجور وطغيان واستعداد للعصيان، فلذلك استجبتم لنا واتبعتمونا ﴿فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَآ﴾ أي فوجب علينا جميعًا وعيد الله لنا بالعذاب ﴿إِنَّا لَذَآئِقُونَ﴾ أي فإِنا لذائقو هذا العذاب لا محالة ﴿فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ﴾ أي فزينا لكم الباطل، ودعوناكم إلى الغيّ لأننا كنا على غيٍّ وضلال، قال تعالى مخبرًا عن حالهم ﴿فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي العذاب مُشْتَرِكُونَ﴾ أي فإِنهم يوم القيامة مشتركون في العذاب، كما كانوا مشتركين في الغواية، ولكنْ كما قال تعالى ﴿وَلَن يَنفَعَكُمُ اليوم إِذ ظَّلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي العذاب مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف: 39] ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بالمجرمين﴾ أي مثل هذا الفعل بهؤلاء نفعل بالأشقياء المجرمين، ثم بيَّن تعالى السبب فقال ﴿إِنَّهُمْ كانوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إله إِلاَّ الله يَسْتَكْبِرُونَ﴾ أي إذا قيل لهم قولوا ﴿لاَ إله إِلاَّ الله﴾ يتكبَّرون ويتعظَّمون ﴿وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لتاركوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ﴾؟ أي ويقولون عندما يُدعون إلى التوحيد: أنترك عبادة الأوثان لقول شاعرٍ مجنون؟ يعنون بذلك رسول الله ﷺ َ قال تعالى ردًا عليهم ﴿بَلْ جَآءَ بالحق وَصَدَّقَ المرسلين﴾ أي ليس الأمرَ كما يفترون بل جاءهم محمد بالتوحيد والإِسلام الذي هو الحقُّ الأبلج، وجاء بمثل ما جاء به الرسل قبله قال أبو حيان: جمع المشركون بين إِنكار الوحدانية، وإِنكار الرسالة، ثم خلطوا في كلامهم بقولهم «شاعر مجنون» فإن الشاعر عنده من الفهم والحذق ماينظم به المعاني الغريبة، ويصوغها في قالب الألفاظ البديعة، ومن كان مجنونًا لا يصل إلى شيء من ذلك، فكلامهم تخليط وهذيان ﴿إِنَّكُمْ لَذَآئِقُو العذاب الأليم﴾ أي إنكم أيها المجرمون لمعذبون أشد العذاب ﴿وَمَا تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي لا تُعاقبون إلا جزاء مثل عملكم قال الصاوي: لأن الشريكون جزاؤه بقدره، بخلاف الخير فجزاؤه بأضعاف مضاعفة. . ولمّا ذكر شئًا من أحوال الكفار وعذابهم، ذكر شيئًا من أحوال المؤمنين ونعيمهم، على طريقة القرآن في الموازنة بين الفريقين ترغيبًا وترهيبًا فقال ﴿إِلاَّ عِبَادَ الله المخلصين﴾ الاستثناء منقطع أي لكنْ عباد الله المُخلَصين الموحدين، فإِنهم لا يذوقون العذاب، ولا يناقشون الحساب، بل يتجاوز الله عن سيئاتهم، يُجزون الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف.

. ثم أخبر عن جزائهم فقال ﴿أُوْلَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَّعْلُومٌ﴾ أي أولئك الأخيار الأبرار لهم رزقهم في الجنة صباحًا ومساءً كما قال تعالى ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: 62] وقال أبو السعود: معلوم الخصائص من حسن المنظر، ولذة الطعم، وطيب الرائحة، ثم فسر الرزق بقوله: ﴿فَوَاكِهُ وَهُم مُّكْرَمُونَ﴾ أي فواكهُ متنوعة من جميع ما يشتهون، وهم في الجنة معزَّزون مكرَّمون، وخصَّ الفواكه بالذكر لأن كل ما يؤُكل في الجنة إِنما هو على سبيل التفكه والتلذذ ﴿فِي جَنَّاتِ النعيم﴾ أي في رياضٍ وبساتين يتنعمون فيها ﴿على سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ﴾ أي على أسرَّة مكلَّلة بالدر والياقوت، تدور بهم كيف شاءوا قال مجاهد: ﴿مُّتَقَابِلِينَ﴾ أي لا ينظر بعضُهم إلى قفا بعض تواصً وتحابيًا ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ﴾ لما ذكر الطعام أعقبه بذكر الشراب أي يطوف عليهم خدم الجنة بكأسٍ من الخمر من نهر جارٍ خارج من عيون الجنة قال الصاوي: وصف به حمر الجننة لأنه يجري كالماء النابع وقال ابن عباس: كل كأسٍ في القرآن فهي الخمر، والمعين هي الجارية ﴿بَيْضَآءَ لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ﴾ أي هذه الخمر بيضاء ذات لذةً للشاربين، يلتذ بها من شربها قال الحسن: خمر الجنة أشد بياضًا من اللبن ﴿لاَ فِيهَا غَوْلٌ وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ﴾ أي ليس فيها ما يغتال عقولهم فيفسدها، ولا هم يسكرون بشربها كما تفعل خمر الدنيا قال ابن كثير: نزَّه الله سبحانه خمر الجنة عن الآفات التي هي في خمر الدنيا، من صداع الرأس، ووجع البطن، وذهاب العقل، فخمر الجنة طعمها طيب كلونها، والمراد بالغول هنا صُداع الرأس قاله ابن عباس، وقال قتادة: هو صداع الرأس ووجع البطن وتلك أجمل أوصاف الشراب، التي تحقق لذة الشُّرَّاب، وتنفي أكداره وأضراره، فلا خُمار يصدر الرءوس، ولا سكر ولا عربدة يُذهب لذة الاستمتاع كما هي الحال في خمرة الدنيا ﴿وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ الطرف﴾ أي وعندهم الحور العين، العفيفات اللواتي قصرن أعينهن على النظر إلى أزواجهن، فلا ينظرن إلى غيرهم حياءً وعفةً، قال ابن عباس: ﴿قَاصِرَاتُ الطرف﴾ أي عفيفات لا ينظرن إلى غير أزواجهن ﴿عِينٌ﴾ أي وهنَّ مع العفة واسعات جميلات العيون قال الطبري: أي نُجل العيون جمع عيناء وهي المرأة الواسعة العين مع الحسن والجمال، وهي أحسن ما تكون من العيون ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ﴾ أي كأنهن اللؤلؤ المكنون في أصدافه قاله ابن عباس واستشهد بقوله تعالى ﴿وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثَالِ اللؤلؤ المكنون﴾ [الواقعة: 2223] وقال الحسن: ﴿المكنون﴾ المصون الذي لم تمسَّه الأيدي. . والغرضُ أنهنَّ مع هذا الجمال الباهر، مصونات كالدُّر في أصدافه، مع رقةٍ لطفٍ ونعومة ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ﴾ لا تبتذله الأيدي ولا العيون، والعربُ تشبّه المرأة بالبيضة لصفائها وبياضها قال أبو حيان: ذكر تعالى في هذه الآيات أولًا الرزق وهو ما تلذذ به الأجسام، وثانيًا الإِكرام وهو ما تتلذذ به النفوس، ثم ذكر المحل وهو جنات النعيم، ثم لذة التآنس والاجتماع ﴿على سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ﴾ وهو أتم للسرور وآنس، ثم ذكر المشروب وهو الخمر التي تدار عليهم بالكؤوس ولا يتناولونها بأنفسهم، ثم ختم باللذة الجسدية أبلغ الملاذ وهي التآنس بالنساء ثم أخبر تعالى عما يتحدث به أهل الجنة للأنس والسور، وهم على موائد الشراب يتلذذون بكل ممتع، وينعمون بتجاذب أطراف الحديث فقال ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ﴾ أي جلسوا يتحدثون عما جرى لهم في الدنيا، يتذاكرون نعيمهم وحال الدنيا وثمرة الإِيمان ﴿قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ﴾ أي قال قائل من أهل الجنة إني كان لي في الدنيا صديقً وجليس ينكر البعث ﴿يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ المصدقين﴾ أي يقول لي أتصدِّق بالبعث والجزاء؟ ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ﴾؟ أي هل إذا متنا وأصبحنا ذراتٍ من التراب وعظامًا نخرة، أئنا لمحاسبون ومجزيون بأعمالنا؟ يقول ذلك على وجه التعجب والتكذيب والاستبعاد ﴿قَالَ هَلْ أَنتُمْ مُّطَّلِعُونَ﴾؟ أي قال ذلك المؤمن لإِخوانه في الجنة: هل أنتم مطَّلعونن إلى النار لننظر كيف حال ذلك القريب؟ قال تعالى ﴿فاطلع فَرَآهُ فِي سَوَآءِ الجحيم﴾ أي فنظر فأبصر صاحبه الكافر في وسط الجحيم يتلظى سعيرها ﴿قَالَ تالله إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ﴾ أي فخاطبه المؤمن شامتًا وقال له: واللهِ لقد قاربت أن تهلكني بإِغوائك ﴿وَلَوْلاَ نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ المحضرين﴾ أي ولولا فضلُ الله عليَّ بتثبيتي على الإِيمان، لكنتُ معك في النار محضرًا ومعذبًا في الجحيم، ثم يخاطبه مستهزءًا ساخرًا كما كان ذلك الكافر يستهزىء به في الدنيا ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ إِلاَّ مَوْتَتَنَا الأولى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾؟ أي هل لا تزال على اعتقادك بأننا لن نموت إلا موتةً واحدة، وأنه لا بعث ولا جزاء ولا حساب ولا عذاب؟ وهو أسلوب ساخر لاذع يظهر فيه التشفي من ذلك القرين الكافر، والتحدث بنعمة الله عليه قال تعالى ﴿إِنَّ هذا لَهُوَ الفوز العظيم﴾ أي إن هذا النعيم الذي ناله أهل الجنة لهو الفوز العظيم ﴿لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ العاملون﴾ أي لمثل هذا الجزاء الكريم يجب أن يعمل العاملون ويجتهد المجتهدون.

قال المفسرون: أشارت الآيات الكريمة إلى قصة شريكين كان لهما ثمانية آلاف درهم، فكان أحدهما يعبد الله ويقصِّر في التجارة والنظر إلى أمور الدنيا، وكان الآخر مقبلًا على تكثير ماله، فانفصل من شريكه لتقصيره، وكان لكما اشترى دارًا أو جارية أو بستانًا أو نحو ذلك عوضه على المؤمن وفخر عليه بكثرة ماله، وكان المؤمن إذا سمع ذلك يتصدَّق بنحوٍ من ذلك ليشتري له به قصرًا في الجنة، فإذا لقيه صديقه قال ما صنعت بمالك؟ قال: تصدقت به لله! فكان يسخر منه ويقول: أئنك لمن المصدِّقين؟ فكان أمرها ما قصَّ الله علينا في كتابه العزيز.

البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة وجوهًا من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:

1 - الطباق ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ لأن السخرية في مقابلة التعجب.

2 - التأكيد بإِن واللم ﴿إِنَّ إلهكم لَوَاحِدٌ﴾ ومقتضى الكلام يقتضيه لإِنكار المخاطبين للوحدانية.

3 - الأسلوب التهكمي ﴿فاهدوهم إلى صِرَاطِ الجحيم﴾ وردت الهداية بطريق التهكم، لأن الهداية تكون إلى طريق النعيم لا الجحيم.

4 - الإِيجاز بالحذف ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إله إِلاَّ الله﴾ أي قولوا لا إ له إلا الله، وحذف لدلالة السياق عليه.

5 - الالتفات من الغيبة إلى الخطاب ﴿إِنَّكُمْ لَذَآئِقُو العذاب الأليم﴾ والأصل إنهم لذائقو وإنما التفت لزيادة التقبيح والتشنيع عليهم.

6 - الكناية ﴿قَاصِرَاتُ الطرف﴾ كنَّى بذلك عن الحور العين لأنهم عفيفات لا ينظرن إلى غير أزواجهن.

7 - التشبيه المرسل والمجمل ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ﴾ حذف منه وجه الشبه فأصبح مجملًا.

8 - مراعاة الفواصل وهو المحسنات البديعية مثل ﴿شِهَابٌ ثَاقِبٌ، عَذابٌ وَاصِبٌ، طِينٍ لاَّزِبٍ﴾ إلى آخر.

32