صفوة التفاسيرالجزء 3 · ص 57 - 69

55

55

المنَاسَبَة: لمّا ذكر تعالى مآل السعداء المتقين، ثنَّى بذكر حال الأشيقاء المجرمين، ثم ذكر الأدلة على صدق رسالة محمد ﷺ َ وختم السورة الكريمة بذكر قصة آدم وإِبليس وامتنعه عن السجود لآدم، تحذيرًا للبشر من عدوهم الأكبر ومن وساوسه وإِغوائه.

اللغَة ﴿غَسَّاقٌ﴾ الغسَّاق: ما يخرج من لحوم الكفرة من الصديد والقيح والنتن ﴿زَاغَتْ﴾ مالت ﴿سِخْرِيًّا﴾ بكسر السين وهو الهزء والسخرية ﴿مُّقْتَحِمٌ﴾ الاقتحام: ركوب الشدة والدخول فيها ومنه اقتحام المخاطر ﴿سَوَّيْتُهُ﴾ أتممت خلقه على أكمل الوجوه ﴿العالين﴾ المتكبرين، وعلا في الأرض: تكبر وتجبر ﴿رَجِيمٌ﴾ مرجوم بالكواكب والشهب.

التفسِير: ﴿هذا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ ﴿هذا﴾ خبرٌ لمبتدأ محذوف تقديره الأمرُ هذا وهي بمنزلة أما بعد، ثم قال ﴿وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ أي وإِنَّ للكافرين الذين كذبوا الرسل، لشرَّ منقلب يصيرون إليه في الآخرة ثم فسَّر هذا المصير بقوله ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ المهاد﴾ أي جهنم يذقونها ويصلون سعيرها، وبئست جهنم فراشًا ومهادًا لهم قال ابن الجزي: لما تمَّ ذكر أهل الجنة ختمه بقوله ﴿هذا﴾ ثم ابتدأ بذكر وصف أهل النار، وعنى بالطاغين الكفار ﴿هذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾ أي هذا هو العذاب الأليم فليذوقوه وهو الحميم أي الماء الحار المحرق، والغسَّاق وهو ما يسيل من صديد أهل النار قال الطبري: في الآية تقديم وتأخير أي هذا حميم وغساق فليذقوه، والحميمُ الذين أُغلي حتى انتهى حره، والغسَّاق ما يسيل من جلودهم من الصديد والدم ﴿وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ أي وعذابٌ أخر من هذا العذاب المذكور كالزمهرير، والسموم، وأكل الزقوم له منه أنواع وأصناف. . ثم حكى ما يقال للرؤساء الطاغين إذا دخلوا النار فقال ﴿هذا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ لاَ مَرْحَبًا بِهِمْ﴾ أي تقول لهم خزنة جهنم: هذا جمع كثيف قد اقتحم معكم النار، ودخلوها بصحبتكم كما اقتحموا معكم في الجهل والضلال، لا أهلًا ولا مرحبًا بهم ﴿إِنَّهُمْ صَالُواْ النار﴾ أي إِنهم ذائقو النار، وداخلوها كما دخلتموها أنتم قال الرازي: والاقحتامُ ركوبُ الشدة والدخولُ فيها، وهذا من كلام خزنة جهنم لرؤساء الكفرة عن أتباعهم، والعرب تقول لمن يدعون له: مرحبًا أي أتيتَ رحبًا في البلاد لا

57

ضيِّقًا، ثم يدخلون عليها كلمة «لا» في دعاء السوء ﴿قَالُواْ بَلْ أَنتُمْ لاَ مَرْحَبًا بِكُمْ﴾ أي قال الأتباع للرؤساء الطغاة الذين أضلوهم بل أنتم لا أهلًا بكم ولا مرحبًا قال المفسرون: عندما يدخل الأتباع جهنم تتلقاهم الرؤساء بقولهم ﴿لاَ مَرْحَبًا بِكُمْ﴾ ألا تلقون هنا رحبًا ولا خيرًا وهذه تحية أهل النار كما قال تعالى ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف: 38] فعند ذلك يقول لهم الداخلون ﴿بَلْ أَنتُمْ لاَ مَرْحَبًا بِكُمْ﴾ وهذا على حد قول القائل «تحيةُ بينهِم ضربٌ وجيع» فكذلك أهل النار يتلقون بعضهم باللعنات والشتائم بدل التحايا والسلام، ثم يعلِّل الأتباع ذلك بقولهم ﴿أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ القرار﴾ أي أنتم قدمتم لنا هذا العذاب وكنتم السبب في ضلالنا، فبئس المنزل والمستقر لنا ولكم نار جهنم ﴿قَالُواْ رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هذا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النار﴾ هذا أيضًا من كلام الأتباع دعوا الله أن يضاعف العذاب لرؤسائهم الذين أوجبوا لهم العذاب فهو كقولهم

﴿رَبَّنَا هؤلاء أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِّنَ النار﴾ [الأعراف: 38] والضعفُ زيادة المثل قال البيضاوي: وقال الأتباع أيضًا ﴿رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هذا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا﴾ أي مضاعفًا وذلك أن يزيد على عذابه مثله فيصير ضعفين ﴿وَقَالُواْ مَا لَنَا لاَ نرى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِّنَ الأشرار﴾؟ أي وقال الطغاة من رؤساء الكفر وأئمة الضلال: ما لنا لا نرى في النار هؤلاء الذين كنا نعدُّهم في الدنيا من الأشرار؟ يعنون بهم المؤمنين قال ابن عباس: يريدون أصحاب محمد ﷺ َ يقول أبو جهل: أين بلال، أين صهيب، أين عمار؟ أولئك في الفردوس ﴿واعجبًا لأبي جهل﴾ مسكين، أسلم ابنه عكرمة، وابنته جويرية، وأسلمت أُمه، وأسلم أخوه وكفر هو قال ابن كثير: هذا إِخبار عن الكفار في النار، أنهم يفتقدون رجالًا كانوا يعتقدون أنهم على الضلالة وهم المؤمنون، يقول أبو جهل: ما لي لا أرى بلالًا وعمارًا وصهيبًا وفلانًا وفلانًا؟ وهذا ضربُ مثل وإلا فكل الكفار هذا حالهم، يعتقدون أن المؤمنين يدخلون النار، فلما دخلها الكفار افتقدوهم فلم يجدوهم، ثم قالوا ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الأبصار﴾؟ أي يؤنبون أنفسهم قائلين: أجعلنا هؤلاء المؤمنين في الدنيا هزءًا وسخرية؟ أم هم معنا في النار ولكن لا نراهم؟ قال البيضاوي: إنكار على أنفسهم وتأنيبُ لها في الاستسخار من المؤمنين، كأنهم قالوا: ليسوا ههنا في النار؟ أم مالت عنهم أبصارنا فلا نراهم؟ قال تعالى ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النار﴾ أي إن هذا الذي أخبرناك به يا محمد من أقوال أهل النار وتخاصمهم، لهو الحقُّ الذي لا بدَّ وأن يتكلموا به، فنحن نخبرك عن قول الرؤساء ﴿لاَ مَرْحَبًا بِهِمْ﴾ وقول الأتباع ﴿بَلْ أَنتُمْ لاَ مَرْحَبًا بِكُمْ﴾ من باب الخصومة ﴿قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ مُنذِرٌ﴾ هذا شروع في بيان مهمة الرسول ﷺ َ وفي إثبات الوحدانية، والمعاد، والجزاء أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين: إِنما أنا

58

رسولٌ من رب العالمين، أُنذركم وأخوفكم من عذابه إن لم تؤمنوا، ولستُ بساحرٍ ولا شاعر ولا كاهن ﴿وَمَا مِنْ إله إِلاَّ الله الواحد القهار﴾ أي وليس لكم ربٌ ولا معبود إلا الواحد الأحد، الغالب على خلقه، القاهر لكل شيء ﴿رَبُّ السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ أي خالق جميع ما في الكون من الخلائق والعجائب، والمتصرف فيها بالإِيجاد والإِعدام ﴿العزيز الغفار﴾ أي الغالب على أمره الذي لا يُغلب، المبالغ في المغفرة لمن شاء من العباد قال الرازي: لما ذكر أنه ﴿قهار﴾ وهذا مشعر بالترهيب والتخويف، أردفه بما يدل على الرجاء والترغيب وذلكرثلاث صفات دالة على الرحمة، والفضل والكرم وهي: «الرب، العزيز، الغفار» فكونه ربًا مشعر بالتربية والإِحسان، وكونه عزيزًا مشعرٌ بأنه قادر على كل شيء ولا يعجزه شيء، وكونه غفارًا مشعر بالترغيب وأنه يرجى فضله وثوابه، فلو بقي الإِنسان على الكفر سبعين سنة، ثم تاب فإن الله سبحانه يغفر له برحمته جميع ذنوبه، ويمحو اسمه من ديوان المذنبين، ويوصله إلى درجات الأبرار ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ أي قل لهم يا محمد: إن هذا القرآن الذي جئتكم به هو نبأ هام وأمر عظيم الشأن، أنتم عنه غافلون لا تلتفون إليه ولا تعلمون قدره ﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بالملإ الأعلى إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ أي من أين لي العلم باختلاف الملائكة في شأن خلق آدم لولا الوحي المنزل عليَّ؟ قال ابن جزي: والقصدُ الاحتجاج على نبوة محمد ﷺ َ لأنه أخبر بأمور لم يكون بعلمها قبل ذلك، والإشارة الى اختصام الملائكة هو ما جاء في قصة آدم حين قال تعالى لهم

﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرض خَلِيفَةً﴾ [البقرة: 30] حسبما تضمنته قصته في مواضع من القرآن ﴿إِن يوحى إِلَيَّ إِلاَّ أَنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ أي ما يوحى إليَّ إلا لأني رسولٌ مرسل إليكم لأنذركم عذاب الله، ومعنى النذير المنذر المخوّف من عذاب الله، ثم شرع تعالى في ذكر قصة آدم فقال ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن طِينٍ﴾ أي اذكر حين أعلم ربك الملائكة أنه سيخلق إِنسانًا من طين وهو آدم عليه السلام ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ﴾ أي فإذا أتممتُ خلقه وفنخت فيه الروح فاسجدوا إكرامًا له وإِعظامًا قال القرطبي: وهذا سجود تحية لا سجود عبادة ﴿فَسَجَدَ الملائكة كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ أي فسجد جميع الملائكة خضوعهًا له وتعظيمًا لأمر الله بالسجود له ﴿إِلاَّ إِبْلِيسَ استكبر وَكَانَ مِنَ الكافرين﴾ أي لكن إبليس استكبر عن طاعة الله وأبى السجود لآدم فصار من الكافرين قال ابن كثير: امتثل الملائكة كلهم سوى إبليس، ولم يكن منهم جنسًا كان من الجن، فخانه طبعه وجبلته فاستنكف عن السجود لآدم، وخاصم ربه عز وجل فيه، وادعى أنه خيرٌ من آدم، فكفر بذلك وطرده الله عن باب رحمته، ومحل أنسه، وحضرة قدسه ﴿قَالَ ياإبليس مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾؟ أي: قال له ربه: ما الذي صرفك وصدَّك عن السجود لمن خلقته بذاتي من نغير واسطة أب وأم؟ قال القرطبي: أضاف

59

خلقه إلى نفسه تكريمًا لآدم وإن كان خالق كل شيء، كما أضاف إلى نفسه الروح، والبيت، والناقة، المساجد، فخاطب الناس بما يعرفونه ﴿أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ العالين﴾؟ أي استكبرتَ الآن عن السجود أم كنت قديمًا من المتكبرين على ربك؟ وهذا على وجهة التوبيخ له لاستنكافه عن السجود ﴿قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ﴾ أي قال اللعينُ أنا خير من آدم وأشرف وأفضل ﴿خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ أي لأنني مخلوق من النار، وآدم مخلوق من الطين، والنار خيرٌ من الطين، فكيف يسجد الفاضل للمفضول؟ ﴿قَالَ فاخرج مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾ أي اخرج من الجنة فإِنك لعين مطرود من كل خيرٍ وكرامة ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لعنتي إلى يَوْمِ الدين﴾ أي وأنت مبعدٌ عن رحمتي إلى يوم الجزاء والعقوبة ثم تلقى ما هو أفضع وأشنع من اللعنة ﴿قَالَ رَبِّ فأنظرني إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ أي أخرني وأمهلني إلى اليوم الذي تبعث فيه الخلائق من القبور قال أبو السعود: أراد بذلك أن يجد فسحةً لإِغوائهم، ويأخذ منهم ثأره، وينجو من الموت بالكلية إذ لا موتَ بعد البعث فأجابه الله بأنه مؤخر إلى وقت النفخة الأولى لا إلى وقت العبث الذي طلبه ﴿قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ المنظرين إلى يَوْمِ الوقت المعلوم﴾ أي إِنك من الممهلين إلى وقت النفخة الأولى حيث يموت الناس وتنتهي مهمتك ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المخلصين﴾ أي قال اللعين: أُقسم بعزتك لأُضلنَّ بني آدم أجمعين، إلا الذين أخلصتهم لعبادتك وعصمتهم مني ﴿قَالَ فالحق والحق أَقُولُ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ أي قال تعالى أقسم بالحقِّ ولا أقول إلا الحقَّ لأملأن جنهم منك ومن أتباعك قال السُّدي: هو قسم أقسم الله به، وجمله «والحقَّ أقول» اعتراضية لتأكيد القسم ﴿قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَآ أَنَآ مِنَ المتكلفين﴾ أي قل لهم يا محمد: لا أسألكم على تبليغ الرسالة أجرًا، ولست من الذين يتصنعون ويتحليون حتى انتحل النبوة وأتقوَّل القرآن ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ﴾ أي ما هاذ القرآن إلا عظة وذكرى للإٍِنس والجن والعقلاء ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينِ﴾ أي لتعملنَّ خبره وصدقة عن قريب، وهذا وعيدٌ وتهديد قال الحسن البصري: يا ابن آدم عند الموت يأتيك الخبر اليقين.

البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة وجوهًا من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:

1 - المقابلة بين المؤمنين والمفسدين، وبين المتقين والفجار ﴿أَمْ نَجْعَلُ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات كالمفسدين فِي الأرض أَمْ نَجْعَلُ المتقين كالفجار﴾ [ص: 28] وهذا من ألطف أنواع البديع.

2 - الكناية ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بالسوق والأعناق﴾ [ص: 33] كنَّى عن العقر والذبح بالمسح وهي كناية بليغة.

3 - الطباق بين

﴿فامنن أَوْ أَمْسِكْ﴾ [ص: 39] لأنها بمعنى أعط من شئت، وامنع من شئت.

4 - مراعاة الأدب ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الشيطان﴾ [ص: 41] أسند الضرر إلى الشيطان أدبًا، والخير والشر بيد الله تعالى.

5 - الاستعارة التصريحية ﴿أُوْلِي الأيدي والأبصار﴾ [ص: 45] استعار الأيدي للقوة في العبادة والأبصار للبصيرة في الدين.

60

6 - المقابلة الرائعة ﴿هذا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ جَنَّاتِ عَدْنٍ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ الأبواب﴾ [ص: 49 50] ثم قابل ذلك بقوله ﴿هذا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ المهاد﴾ وياله من تصوير رائع!

7 - التأكيد بمؤكدين ﴿فَسَجَدَ الملائكة كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ فقد أكده أولًا بلفظ كل ثم بلفظ أجمعون.

8 - مراعاة الفواصل وهي من خصائل القرآن ﴿وَقَالُواْ مَا لَنَا لاَ نرى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِّنَ الأشرار أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الأبصار إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النار﴾ فمثل هذا البيان الرائع والجرس العذب، يسري في النفس سريان الروح في الجسد، وأقسم بالله أنني أشعر بهزة في نفسي كلما قرأتُ القرآن، لما له من وقع عذب على السمع، وأحيانًا أجدني أتمايل طربًا بدون شعور، أكثر مما يتمايل المغرمون بالأنغام، وما ذلك إلا لروعة البيان شفي هذا القرآن، وصدق رسول الله حين قال «إن من البيان سحرًا» .

61

الزمر

1

اللغَة: ﴿زلفى﴾ قربى ومنه ﴿وَأُزْلِفَتِ الجنة لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الشعراء: 90] أي قرّبت لهم ﴿يُكَوِّرُ﴾ التكوير: اللَّفُ والليُّ يقال: كوَّر العمامة أي لفَّها ﴿خَوَّلَهُ﴾ أعطاه وملَّكه ﴿قَانِتٌ﴾ مطيع خاضع عابد {}

63

﴿أَندَادًا﴾ أوثانًا وأصنامًا ﴿ظُلَلٌ﴾ جمع ظُلَّة وهي ما يُظل الإِنسان من سقف ونحوه ﴿الطاغوت﴾ من الطغيان وهو مجاوزة الحدِّ والمراد بالطاغوت كل ما عُبد من دون الله من وثن أو بشر أو حجر ﴿أنابوا﴾ رجعوا ﴿غُرَفٌ﴾ منازل رفيعة عالية في الجنة، والغرفة: المنزلة والمكانة السامية ومنه ﴿أولئك يُجْزَوْنَ الغرفة بِمَا صَبَرُواْ﴾ [الفرقان: 75] .

التفسِير: ﴿تَنزِيلُ الكتاب مِنَ الله العزيز الحكيم﴾ أي هذا القرآن تنزيلٌ من الله جل وعلا ﴿العزيز﴾ أي القادر الذي لا يُغلب ﴿الحكيم﴾ أي الذي يفعل كل شيء بحكمةٍ وتقدير وتدبير ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الكتاب بالحق﴾ أي نحن أنزلنا عليك يا محمد القرآن العظيم متضمنًا الحق الذي لا مرية فيه، والصدق الذي لا يشوبه باطل أو هزل ﴿فاعبد الله مُخْلِصًا لَّهُ الدين﴾ أي فاعبد الله وحده مخلصًا له في عبادتك، ولا تقصد بعملك ونيتك غير ربك ﴿أَلاَ لِلَّهِ الدين الخالص﴾ أي ألا فانتبهوا أيها الناس: إن الله تعالى لا يقبل إلا مكان خالصًا لوجهه الكريم لأنه المتفرد بصفات الألوهية، المطَّلع على السرائر الضمائر، ومعنى «الخالص» الصافي من شوائب الشرك والرياء ﴿والذين اتخذوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ﴾ أي وهؤلاء المشركون الذين عبدوا من دونه الأوثان يقولون ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى الله زلفى﴾ أي ما نعبد هذه الآلهة والأصنام إلا ليقربونا إلى الله قربى ويشفعوا لنا عنده قال الصاوي: كان المشركون إذا قيل لهم: من خلقكم؟ ومن خلق السمواتِ والأرض؟ من ربكم ورب آبائكم الأولين؟

فيقولون: الله، فيقال لهم: فما معنى عبادتكم الأصنام؟ فيقولون: لتقربنا إلى الله زلفى وتشفع لنا عنده ﴿إِنَّ الله يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ أي يحكم بين الخلائق يوم القيامة فيما اختلفوا فيه من أمر الدين، فيدخل المؤمنين الجنة، والكافرين النار ﴿إِنَّ الله لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ أي لا يوفق للهدى، ولا يرشد للدين الحق من كان كاذبًا على ربه، مبالغًا في كفره، وفي الآية إشارة إلى كذبهم في تلك الدعوى ﴿لَّوْ أَرَادَ الله أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ أي لو شاء الله اتخاذ ولد على سبيل الفرض والتقدير ﴿لاصطفى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ﴾ أي لاختارمن مخلوقاته ما يشاء ولدًا على سبيل التبني إذ يستحيل أن يكون ذلك في حقه تعالى بطريق التولد المعروف ولكنه لم يشأ ذلك لقوله ﴿وَمَا يَنبَغِي للرحمن أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [مريم: 92] وقوله ﴿مِمَّا يَخْلُقُ﴾ أي من المخلوقات التي أنشأها واخترعها ﴿سُبْحَانَهُ هُوَ الله الواحد القهار﴾ أي تنزه جل وعلا وتقدس عن الشريك والولد، لأنه هو الإِله الواحد الأحد، المنزَّه عن النظير والمثيل، القاهر لعباده بعظمته وجلاله قال في التسهيل: نزَّه تعالى نفسه من اتخاذ الولد، ثم وصف نفسه بالواحد لأن الوحدانية تنافي اتخاذ الولد، لأنه لو كان له ولدٌ لكان من جنسه ولا جنس له لأنه واحد، ووصف نفسه بالقهار ليدل على نفي الشركاء والأنداد، لأن كل شيء مقهور تحت قهره تعالى، فكيف يكون شريكًا له؟ ثم ذكر تعالى دلائل قدرته وحدانيته وعظمته، فقال: ﴿خَلَقَ السماوات والأرض بالحق﴾ أي خلقهما على أكمل الوجوه وأبدع الصفات، بالحق الواضح والبراهن الساطع ﴿يُكَوِّرُ الليل عَلَى النهار وَيُكَوِّرُ النهار عَلَى الليل﴾ أي يغشي الليل على النهار، ويغشي النهار على الليل، وكأنه يلفُّ عليه لفَّ اللباس على

64

اللابس قال القرطبي: وتكويرُ الليل على النهار تغشيتُه أياه حتى يُذهب ضوءه، ويغشي النهار على الليل فيذهب ظلمته وهذا منقول عن قتادة وهو معنى قوله تعالى: يُغشي الليلَ النهار يطلبه حيثيًا ﴿وَسَخَّرَ الشمس والقمر﴾ أي ذلَّلهما لمصالح العباد ﴿كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ أي كلٌ منهما يسير إلى مدة معلومة عند الله تعالى، ثم ينقضي يوم القيامة حين تكور الشمس وتنكدر النجوم ﴿أَلا هُوَ العزيز الغفار﴾ أي هو جل وعلا كامل القدرة لا يغلبه شيء، عظيم الرحمة والمغفرة والإِحسان قال الصاوي: صُدِّرت الجملة بحرف التنبيه «ألا» للدلالة على كمال الاعتناء بمضمونها كأنه قال: تنبهوا يا عبادي فإني أنا الغالب على أمري، والستَّار لذنوب خلقي فأخلصوا عبادتكم ولا تشركوا بي أحدًا.

﴿خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ أي خلقكم أيها الناس من نفسٍ واحدة هي آدم، وهذا من جملة أدلة وحدانيته، وانفراده بالعزة والقره، وجمع صفات الألوهية ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ أي ثم خلق من آدم وحواء ليحصل التجانس والتناسل قال الطربي: المعنى: ﴿خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ يعني آدم (ثم خلق منها زوجها) يعني حواء خلقها من ضلعٍ من أضلاعه ﴿وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ الأنعام ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ أي وأوجد لكم من الأنعام المأكولة وهي الإِبل، والبقر، والغنم، والمعز، ثمانية أزواج من كل نوعٍ ذكرًا وأنثى قال قتادة: من الإِبل اثنين، ومن البقر اثنين، ومن الضأن اثنين، ومن المعز اثنين، كلُّ واحدٍ زوج، وسميت أزواجًا لأن الذكر زوج الأنثى، والأنثى زوج الذكر قال المفسرون: والإِنزالُ عبارةٌ عن نزول أمره وقضائه ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِّن بَعْدِ خَلْقٍ﴾ أي يخلقكم في بطون أمهاتكم أطوارًا، فإِن الإِنسان يكون نطفة، ثم علقة، ثم مضغة إلى أن يتم خلقه، ثم ينفخ فيه الروح فيصير خلقًا آخر ﴿فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاَثٍ﴾ هي البطن، والرحم، والمشيمة، وهو الكيس الذي يغلفُ الجنين ﴿ذلكم الله رَبُّكُمْ﴾ أي ذلكم الخالق المبدع المصوّر هو الله ربُّ العالمين، ربكم وربُّ آبائكم الأولين ﴿لَهُ الملك﴾ أي له الملك والتصرف التام، في الإِيجاد والإِعدام ﴿لا إله إِلاَّ هُوَ﴾ أي لا معبود بحقٍ إلا الله ولا ربَّ لكم سواه ﴿فأنى تُصْرَفُونَ﴾؟ أي فيكف تنصرفون عن عبادته إلى عبادة غيره؟ ثم بعد أن ذكَّرهم بآياته ونعمه، حذَّرهم من الكفر والجحود لفضله وإحسانه فقال ﴿إِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنكُمْ﴾ أي إن تكفروا أيها الناس بعدما شاهدتم من آثار قدرته وفنون نعمائه، فإِن الله مستغنٍ عنكم وعن إيمانكم وشكركم وعبادتكم ﴿وَلاَ يرضى لِعِبَادِهِ الكفر﴾ أي لا يرضى الكفر لأحدٍ من البشر قال الرازي: أشار تعالى إلى أنه وإِن كان لا ينفعه إيمان، ولا يضره كفران، إلا أنه لا يرضى بالكفر بمعنى أنه لا يمدح صاحبه ولا يثيبه عليه وإن كان واقعًا بمشيئته وقضائه {}

65

﴿وَإِن تَشْكُرُواْ يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ أي وإن تشكروا ربكم يرضى هذا الشكر منكم، لأجلكم ومنفعتكم لا لانتفاعه بطاعتكم قال أبو السعود: عدم رضائه بكفر عباده لأجل منفعتهم ودفع مضرَّتهم، رحمة بهم لا لتضرره تعالى بذلك، ورضاه بشكرهم لأجلهم ومنفعتهم لأنه سبب فوزهم بسعادة الدارين، ولهذا فرَّق بين اللفظين فقال «ولا يرضى لعباده الكفر» وقال هنا «يرضه لكم» لأن المراد بالأول تعميم الحكم ثم تعليله بكونهم عباده ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى﴾ أي ولا تحمل نفسٌ ذنب نفسٍ أخرى، بل كلٌ يؤاخذ بذنبه ﴿ثُمَّ إلى رَبِّكُمْ مَّرْجِعُكُمْ﴾ أي ثم مرجعكم ومصيركم إليه تعالى ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي فيحاسبكم ويجازيكم على أعمالكم ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور﴾ أي يعلم ما تكنه السرائر وتخفيه الضمائر، وفيه تهديدٌ وبشارة للمطيع ﴿وَإِذَا مَسَّ الإنسان ضُرٌّ﴾ أي وإذا أصاب الإِنسان الكافر شدة من فقر ومرضٍ وبلاء ﴿دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ﴾ أي تضرع إلى ربه في إزالة تلك الشدة، مقبلًا غليه مخبتًا مطيعًا ﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ﴾ أي ثم إذا أعطاه نعمةً منه وفرَّج عنه كربته ﴿نَسِيَ مَا كَانَ يدعوا إِلَيْهِ مِن قَبْلُ﴾ أي نسي الضرب الذي كان يدعو ربه لكشفه وتمرَّد وطغى ﴿وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادًا لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ﴾ أي وجعل لله شركاء في العبادة ليصد عن دين الله وطاعته ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا﴾ أمرٌ للتهديد أي تمتع بهذه الحياة الدنيا الفانية، وتلذَّذ فيها وأنت على كفرك، عمرًا قيلًا وزمنًا يسيرًا ﴿إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النار﴾ أي فمصيرك إلى نار جهنم، وأنت من المخلدين فيها ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَآءَ اليل سَاجِدًا وَقَآئِمًا﴾ استفهام حذف جوابه لدلالة الكلام عليه أي أم من هو مطيع عابد في ساعات الليل يتعبد ربه في صلاته ساجدًا وقائمًا كمن أشرك بالله وجعل له أندادًا؟ قال القرطبي: بيَّن تعالى أن المؤمن ليس كالكافر الذي مضى ذكره ﴿يَحْذَرُ الآخرة وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ أي حال كونه خائفًا من عذاب الآخرة، راجيًا رحمة ربه وهي الجنة، هل يستوي هذا المؤمن التقي مع ذلك الكافر الفاجر؟ لا يستون عند الله، ثم ضرب مثلاُ فقال ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الذين يَعْلَمُونَ والذين لاَ يَعْلَمُونَ﴾؟ أي هل يتساوى العالم والجاهل؟ فكما لا يتسوي هذان كذلك لا يستوي المطيع والعاصي ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الألباب﴾ أي إنما يعتبر ويتعظ أصحاب العقول السليمة قال الإِمام الفخر: واعلم أن هذه الآية دالة على أسرار عجيبة، فأولها أنه بدأ فيها بذكر العمل، وختم فيها بذكر العلم، أما العمل فهو القنوت، والسجود، والقيام، وأما العلم ففي قوله ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الذين يَعْلَمُونَ والذين لاَ يَعْلَمُونَ﴾؟ وهذا يدل على أن كمال الإنسان محصورٌ في هذين المقصودين، فالعمل هو البداية، والعلم والمكاشفة هو النهاية، وفي الكلام حذف تقديره أمَّن هو قانتٌ كغيره؟ وإنما حسن هذا الحذف لدلالة الكلام عليه، لأنه تعالى ذكر قبل هذه الآية الكافر، ثم مثَّل بالذين يعلمون، وفيه تنبيه عظيم على فضيلة العلم ﴿قُلْ ياعباد الذين آمَنُواْ اتقوا رَبَّكُمْ﴾ أي قل يا محمد لعبادي المؤمنين يجمعوا بين الإِيمان وتقوى الله وهي البعدُ عن محارم الله قال المفسرون: نزلت في جعفر بن أبي طالب وأصحابه حين عزوا على الهجرة إلى أرض الحبشة والغرضُ منها التأنيس لهم والتنشيط إلى

66

الهجرة ومعنى التقوى: امتثال الأوامر، واجتناب النواهي، وكأن العبد بذلك يجعل بينه وبين النار وقاية ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هذه الدنيا حَسَنَةٌ﴾ أي لمن أحسن العمل في هذه الدنيا حسنة عظيمة في الآخرة وهي الجنة دار الأبرار ﴿وَأَرْضُ الله وَاسِعَةٌ﴾ أي وأرض الله فسيحة فهاجروا من دار الكفر إلى دار الإِيمان، ولا تقيموا في أرضٍ لا تتمكنون فيها من إقامة شعائر الله ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصابرون أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أي إنما يعطى الصابرون جزاءهم بغير حصر، وبدون عدد أو وزن قال الأوزاعي: ليس يوزن لهم ولا يكال إنما يغرف غرفًا ﴿قُلْ إني أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ الله مُخْلِصًا لَّهُ الدين﴾ أي قل يا محمد أُمرت بإِخلاص العبادة لله وحده لا شريك له قال المفسرون: وإنما خص الله تعالى الرسول بهذا الأمر لينبه على أنَّ غير بذلك أحق فهو كالترغيب للغير ﴿وَأُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ المسلمين﴾ أي وأُمرت أيضًا بأن أكون أولَ المسلمين من هذه الأمة قال القرطبي: وكذلك كان، فإِنه أول من خالف دين آبائه وخلع الأصنام وحكمها، وأسلم وجهه لله وآمن به ودعا إليه ﴿قُلْ إني أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ أي وأخاف إن عصيبت أمره أن يعذبني يوم القيامة بنار جهنم قال الصاوي: والمقصود منها زجر الغير عن المعاصي، لأنه ﷺ َ إذا كان خائفًا مع كمال طهارته وعصمته فغيره أولى، وذلك سنة الأنبياء والصالحين حيث يخبرون غيرهم بما اتصفوا به ليكونوا مثلهم ﴿قُلِ الله أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِينِي﴾ أي قل لهم يا محمد لا أعبد إلا الله وحده، مخلصًا له طاعتي وعبادتي من كل شائبة، وليس هذا بتكرار لأن الأول إخبار بأنه ﷺ َ مأمور بالعبادة، والثاني إخبار بخوفه من عذاب الله إن عصى أمره، والثالث إخبار بامتثاله الأمر مع إفادة الحصر كأنه يقول: أعبد الله ولا أعبد أحدًا سواه ﴿فاعبدوا مَا شِئْتُمْ مِّن دُونِهِ﴾ صيغة أمر على جهة التهديد والوعيد أي اعبدوا ما شئتم من دون الله من الأوثان والأصنام فسوف ترون عاقبة كفركم كقوله

﴿اعملوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: 40] ﴿قُلْ إِنَّ الخاسرين الذين خسروا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ القيامة﴾ أي حقيقة الخسران الذين خسروا أنفسهم وأهليهم، حيث صاروا إلى نار مؤبدة يصلون سعيرها يوم القيامة، فهؤلاء هم الخاسون كل الخسران قال ابن عباس: إنَّ لكل رجلٍ منزلًا وأهلًا وخدمًا في الجنة، فإن أطاع اللهَ أُعطي ذلك، وإن كان من أهل النار حُرم ذلك، فخسر نفسه وأهله ومنزله ﴿أَلاَ ذَلِكَ هُوَ الخسران المبين﴾ أي ألا فانتبهوا أيها القوم ذلك هو الخسرانُ الواضح الذي ليس بعده خسرانٌ! قال أبو حيان: بالغ في بيان الخسران بأداة التنبيه «ألاَ» وبالإِشارة إليه «ذلك» وتأكيده بأداة الحصر «هو» وتعريفه بأل ووصفه بأنه بيّن ﴿الخسران المبين﴾ أي الواضح لمن تأمله أدنى تأمل، ثم ذلك خسرانهم في الدنيا ذكر حالهم ومآلهم في الآخرة فقال ﴿لَهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ النار وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ أي تغاشهم نار جنهم من فوقهم ومن تحتهم، وتحيط بهم من جميع جوانبهم، ومعنى الظللٍ أطباقٌ من نار جنهم، وتسميتها ظُللًا تهكمٌ بهم، لأنها محرقة والظلةُ تقي من الحر ﴿ذَلِكَ يُخَوِّفُ الله بِهِ عِبَادَهُ﴾ أي ذلك العذاب الشديد الفظيع، إنما يقصه

67

تعالى ليخوف به عباده، لينزجروا عن المحارم والمآثم ﴿ياعباد فاتقون﴾ أي يا أوليائي خافوا عذابي ولا تتعرضوا لما يوجب سخطي، قال الزمخشي: وهذه عظة من الله تعالى لعباده ونصيحة بالغة. . والحكمة من ذكر أحوال النار تخويف المؤمنين منها ليتقوها بطاعة ربهم ﴿والذين اجتنبوا الطاغوت أَن يَعْبُدُوهَا﴾ لما ذكر وعيد عبده الأوثان، ذكر وعد أهل الفضل والإِحسان، ممن احترز عن الشرك والعصيان، ليكون الوعد مقرونًا بالوعيد، فيحصل كمال الترغيب والترهيب والمعنى: والذين انتهوا عن عبادة الأوثان وطاعة الشيطان، وتباعدوا عنها كل البعد قال أبو السعود: «الطاغوت» البالغ أقصى غاية الطغيان كالرحموت والعظموت، والمراد به الشيطان وصف به للمبالغة ﴿وأنابوا إِلَى الله﴾ أي رجعوا إلى طاعة الله وعبادته ﴿لَهُمُ البشرى﴾ أي له البشرى السارة من الله تعالى بالفوز العظيم بجنات النعيم ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ الذين يَسْتَمِعُونَ القول فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ أي فبشِّر عبادي المتقين الذين يستمعون الحديث والكلام فيتبعون أحسن ما فيه قال ابن عباس: هو الرجل يسمع الحسن والقبيح، فيتحدث بالحسن وينكف عن القبيح فلا يتحدث به.

. وهذا ثناء من الله تعالى عليهم بنفوذ بصائرهم، وتمييزهم الأحسن من الكلام، فإذا سمعوا قولًا تبصَّروه وعملوا بما فيه، وأحسنُ الكلام كلام الله وخير الهدي هديُ محمد ﷺ َ وإنما وضع الظاهر ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾ بدل الضمير (فبشرهم) تشريفًا لهم وتكريمًا بالإِضافة إليه سبحانه ﴿أولئك الذين هَدَاهُمُ الله﴾ أي أولئك المتصفون بتلك الصفات الجليلة هم الذين هداهم الله لما يرضاه، ووفقهم لنيل رضاه ﴿وأولئك هُمْ أُوْلُواْ الألباب﴾ أي أولئك هم أصحاب العقول السليمة، والفطر المستقيمة ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العذاب﴾ أي أفمن وجبت له الشقاوة من الله تعالى، وجوابه محذوفٌ دلَّ عليه ما بعده أي هل تقدر على هدايته؟ لا ثم قال تعالى ﴿أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي النار﴾؟ أي هل تستطيع يا محمد أن تنقذ من هو في الضلال والهلاك؟ قال القرطبي: كان النبي ﷺ َ يحرص على إِيمان قومه وقد سبقت لهم من الله الشقاوة فنزلت الآية، وقال بان عباس: يريد «أبا لهب» وولده ومن تخلَّف من عشيرة النبي ﷺ َ عن الإِيمان، وكرر الاستفهام «أفأنت» تأكيدًا لطول الكلام والمعنى: أفمن حقَّ عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذه؟ ﴿لكن الذين اتقوا رَبَّهُمْ﴾ أي لكنْ المؤمنين الأبرار، المتقون للهِ في الدنيا، المتمسكون بشريعته وطاعته ﴿لَهُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ﴾ أي لهم في الجنة درجات عالية وقصورٌ شاهقة بعضها فوق بعض مبنية من زبرجدٍ وياقوت ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار﴾ أي تجري من تحت قصورها وأشجارها أنهار الجنة من غير أخدود ﴿وَعْدَ الله لاَ يُخْلِفُ الله الميعاد﴾ أي وعدهم الله بذلك وعدًا مؤكدًا لا يمكن أن يتخلف لأنه وعد العزيز التقدير.

تنبيه: قال الزمخشري: أفاد قوله تعالى ﴿يَسْتَمِعُونَ القول فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ أن المؤمنين

68

ينبغي أن يكونوا نُقَّادًا في الدين، يميزن بين الحسن والأحسن، والفاضل والأفضل، ويدخل تحته المذاهب واختيار أثبتها دليلًا، وأبينها أمارة، وألا يكونوا في مذهبهم كما قال القائل «ولا تكن مثل عيرٍ قيد فانقادا» .

69