صفوة التفاسيرالجزء 3 · ص 101 - 110

67

67

المنَاسَبَة: لا تزال الآيات الكريمة تتحدث عن دلائل القدرة والوحدانية، فبعد أن ذكر تعالى دلائل القدرة في الآفق أردفها بدلائل القدرة في الأنفس، ثم تحدث عن أحوال المشركين يوم القيامة، وختم السورة الكريمة بالوعيد والتهديد لأهل الكفر والضلال.

اللغَة: ﴿الأغلال﴾ القيود جمع غُلَّ وهو القيد يجمع اليد إلى العنق ﴿الحميم﴾ الماء الحار البالغ نهاية الحرارة ﴿يُسْجَرُونَ﴾ توقد بهم النار يقال: سجر التنور أوقده ﴿تَمْرَحُونَ﴾ تبطرون وتأْشرون ﴿مَثْوَى﴾ مأوى ومكان إقامة، من ثَوى بالمكان إذا أقام فيه ﴿خَلَتْ﴾ مضت.

التفسِير: ﴿هُوَ الذي خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ﴾ هذا بيانٌ للأجوار التي مرَّ خلق الإِنسان أي هو جل وعلا بقدرته الذي أوجدكم أيها الناس من العد، فخلق أصلكم آدم من تراب، ثم خلق ذريته من النطفة وهي المنيُّ، ثم من علقة وهي الدم الغليظ، إلى آخر تلك الأطوار ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ أي ثم بعد أن ينفصل الجنين من بطن الأم يكون طفلًا ﴿ثُمَّ لتبلغوا أَشُدَّكُمْ﴾ أي ثم لتبلغوا كمالكم في القوة والعقل، وهو سنُّ الأربعين ﴿ثُمَّ لِتَكُونُواْ شُيُوخًا﴾ أي ثم لتصبحوا في سنِّ الهرم والشيخوخة قال الإِمام الفخر: رتَّب تعالى عمر الإِنسان على ثلاث مراتب: الطفولة، وبلوغ الأشد، والشخوخة، وهذا ترتيب مطابق للعقل، فإِن الإِنسان في أول عمره يكون في النمَّاء والنشوء وهو المسمى بالطفولة، إلى أن يبلغ إلى كمال النشوء من غير أن يحصل له ضعف، وهذا بلوغ الأشد، ثم يبدأ بالتراجع ويبدأ فيه الضعف والنقص، وهذه مرتبة الشيخوخة ﴿وَمِنكُمْ مَّن يتوفى مِن قَبْلُ﴾ أي ومنكم من يُتوفى قبل أن يخرج إلى العالم وهو السِّقطُ وقال مجاهد: من قبلِ سنِّ الشيخوخة ﴿ولتبلغوا أَجَلًا مُّسَمًّى﴾ أي ولتصلوا إلى الزمان الذي حُدِّد لكل شخصٍ وهو الموتَ ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أي ولكي تعقلوا دلائل قدرته تعالى وتؤمنوا بأنه الواحد الأحد ﴿هُوَ الذي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ أي هو القادر جل وعلا على الإِحياء والإِماتة ﴿فَإِذَا قضى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فيَكُونُ﴾ أي فإِذا أراد أمرًا من الأمور فلا يحتاج إلى تعب وعناء، وإِنما يوجد فورًا دون تأخير قال أبو السعود:

101

وهذا تمثيلٌ لكمال قدرته، وتصوير لسرعة وجودها من غير أني كون هناك أمرٌ ومأمور. . ثم عاد إلى ذم المجادلين في آيات الله بالباطل فقال ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين يُجَادِلُونَ في آيَاتِ الله أنى يُصْرَفُونَ﴾ الاستفهام للتعجيب أي ألا ترى السامع وتعجبْ من حال هؤلاء المكابرين، الذين يجادلون في آيات الله الواضحة، كيف تُصرف عقولهم عن الهدى إلى الضلال؟ ثم بيَّنهم بقوله ﴿الذين كَذَّبُواْ بالكتاب وَبِمَآ أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا﴾ أي الذين كذبوا بالقرآن، وبسائر الكتب والشرائع السماوية ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ وعيدٌ وتهديد أي سوف يعلمون عاقبة تكذيبهم ﴿إِذِ الأغلال في أَعْنَاقِهِمْ والسلاسل﴾ أي حين يدخلون النار، وتربط أيديهم إلى أعناقهم بالأغلال والسلاسل ﴿يُسْحَبُونَ فِي الحميم ثُمَّ فِي النار يُسْجَرُونَ﴾ أي يسحبون بتلك السلاسل في الماء الحارِّ المسخّن بنار جهنم، ثم يُوقدون ويحرقون فيها قال ابن كثير: ومعنى الآية أن السلاسل متصلة بالأغلال وهي بأدي الزبانية، يسحبونهم على وجوههم تارةً إلى الحميم، وتارة إلى الجحيم كما قال تعالى

﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: 44] ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ مِن دُونِ الله﴾ أي ثم قيل لهم تبكيتًا: أين هم الأوثان والأصنام التي كنتم تعبدونها وتجعلونها شركاء لله؟ ﴿قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا﴾ أي فيقولون: غابوا عن عيوننا فلا نراهم ولا نستشفع بهم ﴿بَل لَّمْ نَكُنْ نَّدْعُواْ مِن قَبْلُ شَيْئًا﴾ أي بل لم نكن نعبد شيئًا قال المفسرون: جحدوا عبادتهم، وإنما فعلوا ذلك لحيرتهم واضطرابهم ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ الله الكافرين﴾ أي مثل إضلال هؤلاء المذكبين يضلُّ الله كل كافر ﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الأرض بِغَيْرِ الحق﴾ أي ذلكم العذاب بما كنتم تظهرونه في الدنيا من السرور بالمعصية وكثرة المال وإِنفاقه في المحرمات ﴿وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ أي وبسبب بطركم وأشركم وخيلائكم قال الصاوي: وهذاوإن كان ذمًا في الكفار، إلا أنه يجرُّ بذيله على كل من توسَّع في معاصي الله، فله من هذا الوعيد نصيب ﴿ادخلوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي ادخلوا من أبواب جهنم السبعة المقسومة لكم ماكثين فيها أبدًا ﴿فَبِئْسَ مَثْوَى المتكبرين﴾ أي بئست جهنم مقرًا وسكنًا للمستكبرين عن آيات الله، المعرضين عن دلائل الإِيمان والتوحيد، وإنما قال ﴿مَثْوَى المتكبرين﴾ ولم يقل فبئس مدخل المكبرين وهو مقتضى النظم، لأن الدخول لا يدوم، وإنما يدوم المثوى ولذا خصه بالذمِّ ﴿فاصبر إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ﴾ أي فاصبر يا محمد على تكذيب قومك لك، فإِن وعد الله بتعذيبهم كائنٌ لا محالة قال الصاوي: هذا تسلية من الله لنبيه ﷺ َ ووعدٌ حسن بالنصر له على أعدائه ﴿فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الذي نَعِدُهُمْ﴾ أي إنْ أريناك بعض الذي نعدهم من العذاب، وجواب الشرط محذوفٌ تقديره فذلك هو المطلوب، أو لتقرَّ به عينُك ﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ أي أو نتوفينَّك يا محمد قبل إنزال العذاب عليهم، فإِلينا مرجعهم يوم القيامة فننتقم منهم أشدَّ الانتقام، ثم أخبره تعالى بأنباء الرسل تسليةً له عليه السلام فقال ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ﴾ أي والله لقد بعثنا يا محمد رسلًا كثيرين قبلك، وأيدناهم بالمعجزات

102

الباهرة فجادلهم قومهم وكذبوهم فتأسَّ بهم في الصبر على ما ينالك قال القرطبي: عزَّاه تعالى بما لقيت الرسلُ من قبله ﴿مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ أي من هؤلاء الرسل من أخبرناك عن قصصهم مع قومهم، ومنهم من لم نخبرك عن قصصهم وأخبارهم ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ الله﴾ أي وما صحَّ ولا استقام لرسولٍ من الرسل أن يأتي قومه بشيء من المعجزات إلا بأمر الله، وهذا ردٌ على قريش حيث قالوا للنبي ﷺ َ اجعل لنا الصفا ذهبًا وغير ذلك من مقترحاتهم ﴿فَإِذَا جَآءَ أَمْرُ الله قُضِيَ بالحق﴾ أي فإِذا جاء الوقت المسمّى لعذابهم أهلكهم الله ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ المبطلون﴾ أي خسر في ذلك الحين المعاندون الذين يجادلون في آيات الله، ويقترحون المعجزات على سبيل التعنت، ثم ذكَّرهم تعالى بعمه فقال ﴿الله الذي جَعَلَ لَكُمُ الأنعام﴾ أي الله جلَّ وعلا الذي لا تصلح الألوهية إلا له، هو الذي سخَّر لكم هذه الأنعام «الإِبل والبقر والغنم» خلقها لكم ولمصلحتكم ﴿لِتَرْكَبُواْ مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ أي لتركبوا على ظهور بعض هذه الحيوانات، وتأكلوا من لحومها وألبانها، ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾ أي ولكم في هذه الأنعام منافع عديدة في الوبر والصوف والشعر، واللبن والزبد والسمن ﴿وَلِتَبْلُغُواْ عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ﴾ أي بحمل الأثقال في الأسفار البعيدة ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الفلك تُحْمَلُونَ﴾ أي وعلى هذه الإِبل في البر، وعلى السفن في البحر تُحملون، وإنما قرن بين الإِبل والسفن لما بينهما من شدة المناسبة حتى سميت الإِبل سفن البر ﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ أي ويريكم أيها الناس حججه وأدلته على وحدانيته في الآفاق والأنفس ﴿فَأَيَّ آيَاتِ الله تُنكِرُونَ﴾ توبيخٌ لهم على إنكارهم لوحدانيته مع ظهور آياته الكثيرة والمعنى أيَّ آية من تلك الآيات الباهرة والدلائل الكثيرة الساطعة تنكرون مع وضوحها وجلائها وكثرتها؟ فإن هذه الدلائل لظهورها لا تقبل الإِنكار ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأرض فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الذين مِن قَبْلِهِمْ﴾ الاستفهام إِنكاري أي أفلم يسر هؤلاء المشركون في أطراف الأرض ليعرفوا عاقبة المتكبرين المتمردين، وآثار الأمم السالفة قبلهم، ماذا حلَّ بهم من العذاب والدمار بسبب كفرهم وتكذيبهم؟ ﴿كانوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الأرض﴾ أي كانوا أكثر عددًا من أهل مكة، وأقوى منهم قوة، وآثارهم لا تزال باقية بعدهم من الأبنية والقصور والمباني الضخمة ﴿فَمَآ أغنى عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ أي فلم ينفعهم ما كانوا يكسبونه من الأبنية والأموال شيئًا، ولا دفع عنهم العذاب ﴿فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بالبينات﴾ أي فلما جاءتهم الرسل بالمعجزات الظاهرات، والآيات الواضحات ﴿فَرِحُواْ بِمَا عِندَهُمْ مِّنَ العلم﴾ أي فرح الكفار بما هم عليه من العلم الدنيوي، الخالي عن نور الهداية والوحي، فرح بطرٍ وأشر، وأغتروا بذلك العلم ﴿وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أي نزل بهم جزاء كفرهم واستهزائهم بالرسل والآيات ﴿فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا قالوا آمَنَّا بالله وَحْدَهُ﴾ أي فلما رأوا شدة العذاب وعيانوا أهواله وشدائده قالوا آمنا بالله الواحد الأحد ﴿وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ أي كفرنا بالأصنام والأوثان التي أشركناها في العبادة مع الله ﴿فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا﴾ أي فلم يكن ينفعهم ذلك الإِيمان حين شاهدوا العذاب لأنه إيمانٌ عن قسر وإلجاء ﴿سُنَّتَ الله التي قَدْ خَلَتْ فِي﴾

103

﴿عِبَادِهِ﴾ أي سنَّ الله ذلك سنةً ماضيةً في العباد، أنه لا ينفع الإِيمان إذا رأوا العذاب ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الكافرون﴾ أي وخسر في ذلك الوقت الكافرون بربهم، الجاحدون لتوحيد خالقهم.

البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهًا من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:

1 - الطباق بين ﴿الذنب. . والتوب﴾ وبين ﴿أَمَتَّنَا. . وَأَحْيَيْتَنَا﴾ وبين ﴿صَادِقًا. . وكَاذِبًا﴾ وبين ﴿غُدُوًّا. . وَعَشِيًّا﴾ وبين ﴿يُحْيِي. . وَيُمِيتُ﴾ وبين ﴿الأعمى. . والبصير﴾ .

2 - المقابلة ﴿ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ الله وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُواْ﴾ [غافر: 12] فقد قابل بين التوحيد والإِشراك، والكفر والإِيمان وكذلك توجد المقابلة بين قوله تعالى ﴿ياقوم إِنَّمَا هذه الحياة الدنيا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخرة هِيَ دَارُ القرار﴾ [غافر: 39] وهذه من المحسنات البديعية.

3 - المجاز المرسل ﴿وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ السمآء رِزْقًا﴾ [غافر: 13] أطلق الرزق وأراد المطر لأن الماء سبب في جميع الأرزاق، فهو من إِطلاق المسَّبب وإرادة السبب.

4 - الاستعارة اللطيفة ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأعمى والبصير﴾ [غافر: 58] استعار الأعمى للكافر، والبصير للمؤمن.

5 - المجاز العقلي ﴿والنهار مُبْصِرًا﴾ [غافر: 61] من إسناد الشيء إلى زمانه، لأن النهار زمنٌ للإِبصار.

6 - الكناية ﴿يُلْقِي الروح مِنْ أَمْرِهِ﴾ [غافر: 15] الروحُ هنا كناية عن الوحي، لأنه كالروح للجسد.

7 - صيغ المبالغة مثل: «كذَّاب، جبَّار، سمعي، بصير، عليم» الخ.

8 - الجناس الناقص ﴿تَفْرَحُونَ. . وتَمْرَحُونَ﴾ وكذلك ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [غافر: 64] .

9 - التأكيد بإِن واللم ﴿إِنَّ الساعة لآتِيَةٌ﴾ [غافر: 59] .

10 - صيغة الحصر ﴿مَا يُجَادِلُ في آيَاتِ الله إِلاَّ الذين كَفَرُواْ﴾ [غافر: 4] .

11 - جناس الاشتقاق ﴿أَرْسَلْنَا رُسُلًا﴾ .

12 - طباق السلب ﴿مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ .

13 - توافق رءوس الآيات مع السجن البديع، والكلام الذي يأخذ بالألباب، انظر روعة البيان، وتمعَّنْ قول القرآن وهو يتحدث عن مؤمن آل فرعون بذلك البيان الإلهي المعجز ﴿وياقوم مَا لي أَدْعُوكُمْ إِلَى النجاة وتدعونني إِلَى النار تَدْعُونَنِي لأَكْفُرَ بالله وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَاْ أَدْعُوكُمْ إِلَى العزيز الغفار﴾ [غافر: 4142] الخ الآيات الكريمة التي هي أجلى من عقود الجُمان.

104

فصلت

1

اللغَة: ﴿فصِّلتْ﴾ بُيِّنت ووُضِّحت ﴿أَكِنَّةٍ﴾ جمع كنان وهو الغطاء ﴿وَقْرٌ﴾ صمم وثقل يمنع سماع الكلام ﴿مَمْنُونٍ﴾ مقطوع من مننْتُ الجبل إِذا قطعته قال الشاعر:

إني لعمرُك ما بابي بذي غلقٍ ... أساعة نحسٍ تُتَّقى أم بأسعد

106

﴿صَرْصَر﴾ الصَّرْصر: الريح الباردة العاصفة مع الصوت الشديد ﴿نَّحِسَاتٍ﴾ مشئومات من النَّحس بمعنى الشؤم وهو ضدُّ السَّعد قال الشاعر: _

107

_سواءٌ عليه أيَّ حسنٍ أتيته _

107

_ أساعة نحسٍ تُتَّقى أم بأسعد_

107

_ ﴿أخزى﴾ أشد إهانةً وإِذلالًا من الخزي بمعنى الإِهانة ﴿الهون﴾ الإِهانة والذل.

التفسِير: ﴿حم﴾ الحروف المقطعة للتنبيه على إعجاز القرآن ﴿تَنزِيلٌ مِّنَ الرحمن الرحيم﴾ أي هذا القرآن المجيد منزَّل من الرحمن الرحيم، أنزله جل وعلا رحمة بعباده، وإِنما خصَّ هذين الإِسمين ﴿الرحمن الرحيم﴾ إشارة إلى أن نزوله من أكبر النعم، ولا شك أن القرآن نعمة باقية إلى يوم القيامة ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ أي كتابٌ جامع للمصالح الدينية والدنيوية، بُيِّنت معانيه، ووُضِّحت أحكامه، بطريق القصص والمواعظ والأحكام والأمثال، في غاية البيان والكمال ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ أي في حال كونه قرآنًا عربيًا، واضحًا جليًا نزل بلسان العرب ﴿لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أي لقومٍ يفهمون تفاصيل آياته، ودلائل إعجازه، فإِنه في أعلى طبقات البلاغة، ولا يتذوق أسراره إلا من كان عالمًا بلغة العرب ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ أي مبشرًا للمؤمنين بجنات النعيم، ومنذرًا للكافرين بعذاب الجحيم ﴿فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ﴾ أي فأعرض أكثر المشركين عن تدبير آياته مع كونه نتزل بلغتهم، فهم لا يسمعون سماع تفكر وتأمل قال أبو حيان: المعنى أعرض أكثر أولئك القوم مع كونهم من أهل العلم، ولكن لم ينظروا النظر التام بل أعرضوا، فهم لإِعراضهم لا يسمعون ما احتوى عليه من الحجج والبراهين وقال القرطبي: السورةُ نزلت تقريعًا وتوبيخًا لقريش في إعجاز القرآن، فهم لا يسمعون سماعًا ينتفعون به، ثم أخبر تعالى عن عتوهم وضلالهم فقال ﴿وَقَالُواْ قُلُوبُنَا في أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ﴾ أي وقالوا للرسول ﷺ َ حين دعاهم إلى الإِيمان: قلوبنا في أغطية متكاثفة، لا يصل إليها شيءٌ مما تدعونا إليه من التوحيد والإِيمان ﴿وَفِي آذانِنَا وَقْرٌ﴾ أي وفي آذاننا صممٌ وثقلٌ يمنعنا من فهم ما تقول قال الصاوي: شبهوا أسماعهم بآذانٍ فيها صمَمٌ، من حيث إنها تمدُّ الحقَّ ولا تميل إلى استماعه ﴿وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ أي وبيننا وبينك يا محمد حاجز يمنع أن يصل إلينا شيء مما تقول، فنحن معذورون في عدم اتباعك، لوجود المانع من جهتنا وجهتك ﴿فاعمل إِنَّنَا عَامِلُونَ﴾ أي اعملْ أنت على طريقتك، ونحن على طريقتنا، واستمرَّ على دينك فإنا مستمرون على ديننا ﴿قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يوحى إِلَيَّ أَنَّمَآ إلهكم إله وَاحِدٌ﴾ أي قل يا محمد لأولئك المشركين: لستُ إلا بشرًا مثلكم خصّني الله بالرسالة والوحي، وأنا داعٍ لكم إلى توحيد خالقكم وموجودكم، الذي قامت الأدلة العقلية والشرعية على وحدانيته ووجوده، فلا داعي إلى تكذيبي ﴿فاستقيموا إِلَيْهِ واستغفروه﴾ أي توجهوا إليه بالاستقامة على التوحيد والإِيمان، والإِخلاص في الأعمال، واسألوه المغفرة لسالف الذنوب ﴿وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ الذين لاَ يُؤْتُونَ الزكاة﴾ أي دمارٌ وهلاك للمشركين الذين لا يفعلون

107

الخير، ولا يتصدقون ولا ينفقون في طاعة الله قال القرطبي: قرَّعهم بالشح الذي يأنف منه الفضلاء، وفي الآية دلالة على أن الكافر يُعذَّب بمنع الزكاة مع عذابه على كفره وقال ابن عباس: المراد زكاة الأنفس والمعنى: لا يطهرون أنفهسم من الشرك بالتوحيد، ولا يقولون لا إله الله ﴿وَهُمْ بالآخرة هُمْ كَافِرُونَ﴾ أي كفروا بالبعث والنشور، وكذَّبوا بالحساب والجزاء قال الصاوي: وإنما خصَّ منع الزكاة وقرنه بالكفر بالآخرة، لأن المال شقيق الروح فإِذا بذله الإِنسان في سبيل الله كان دليلًا على قوته وثباته في الدين ﴿إِنَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ لما ذكر حال الكفار ووعيدهم، أردفه بذكر حال المؤمنين وما لهم من الوعد الكريم والمعنى الذين صدَّقوا الله ورسوله، وجمعوا بين الإِيمان والعمل الصالح، لهم في الآخةر أجرٌ غير مقطوع عند ربهم، بل هو دائم مستمر بدوام الجنة، ثم ذكر تعالى دلائل قدرته ووحدانيته فقال ﴿قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بالذي خَلَقَ الأرض فِي يَوْمَيْنِ﴾ الاستفهام للتوبيخ والتعجب أي كيف تكفرون بالله وهو الإِلهُ العليُّ الشأن، القادر على كل شيء، خالقُ الأرض في يومين؟ ﴿وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا﴾ أي تجعلون له شركاء وأمثالًا تعبدنها معه ﴿ذَلِكَ رَبُّ العالمين﴾ أي ذلك الخالق المبدع هو ربُّ العالمين كلهم، فكيف يجوز جعل الأصنام الخسيسة شركاء له في الإِلهية والمعبودية؟ قال الصاوي: الاستفهام ﴿أَإِنَّكُمْ﴾ للإِنكار والتشنيع عليهم المعنى: أنتم تعلمون أنه لا شريك له في العالم العلوي والسفلي، فكيف تجعلون له شريكًا؟ ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا﴾ أي جعل في الأرض جبالًا ثوابت لئلا تميد بالبشر ﴿وَبَارَكَ فِيهَا﴾ أي أكثر خيرها بما جعل فيها من المياه، والزروع، والضروع ﴿وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا﴾ أي قدَّر أرزاق أهلها ومعاشهم قال مجاهد: خلق فيها أنهارها وأشجارها ودوابها ﴿في أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ﴾ اي في تمام أربعة أيام كاملة مستوية بلا زيادة ولا نقصان، للسائلين عن مدة خلق الأرض وما فيها ﴿ثُمَّ استوى إِلَى السمآء وَهِيَ دُخَانٌ﴾ أي عمد إلى خلقها وقصد إلى تسويتها وهي بهيئة الدخان قال ابن كثير: والمراد بالدخان بخار الماء المتصاعد منه حين خلقت الأرض ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائتيا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ أي استجيبا لأمري طائعتين أو مكرهتين ﴿قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ﴾ أي قالت السموات والأرض أتينا أمرك طائعين قال الزمخشري: وهذا على التمثيل أي أنه تعالى أراد تكوينهما فلم يمتنعا عليه، وكانتا في ذلك كالمأمور المطيع إرا ورد عليه أمر الآمر المُطاع، والغرضُ تصوير أثر قدرته في المقدورات من غير أن يكون هناك خطاب وجواب، ومثله قول القائل: قال الحائطُ للمسمار لم تشقني؟ قل: سلْ من يدُقُّني، وروي عن ابن عباس قال قال الله تعالى

108

للسماء: أطلعي شمسك وقمرك ونجومك، وقال للأرض: شققي أنهارك وأخرجي شجرك وثمارك طائعتين أو كارهتين «قالتا أتينا أمرك طائعتين» واختاره ابن جرير ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سماوات فِي يَوْمَيْنِ﴾ أي صنعنَّ وأبدع خلقهن سبع سمواتٍ في وقت مقدَّر بيومين، فتمَّ خلق السموات والأرض في ستة أيام، ولو شاء لخلقهنَّ بلمح البصر، ولكنْ أراد أن يعلّم عباده الحلم والأناة ﴿وأوحى فِي كُلِّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا﴾ أي أوحى في كل سماء ما أراده، وما أمر به فيها قال ابن كثير: أي رتَّب في كل سماء ما تحتاج إليه من الملائكة وما فيها من الأشياء التي لا يعلمها إلا هو ﴿وَزَيَّنَّا السمآء الدنيا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا﴾ أي وزينَّا السماءَ الأولى القريبة منكم، بالكواكب المنيرة المشرقة على أهل الأرض، وحرسًا من الشياطين أن تستمع إل الملأ الأعلى ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ العزيز العليم﴾ أي ذلك المذكور من الخلق والإِيداع هو صنع الله، العزيز في ملكه، العليم بمصالح خلقه ﴿فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ أي حين جاءتهم الرسلُ من كل جوانبهم، واجتهدوا في هدايتهم من كل جهة، وأعملوا فيهم كل حيلة، فلم يروا منهم إلا العتوَّ والإِعراض ﴿أَلاَّ تعبدوا إِلاَّ الله﴾ أي بأن لا تعبدوا إلاّ اللهَ وحده ﴿قَالُواْ لَوْ شَآءَ رَبُّنَا لأَنزَلَ مَلاَئِكَةً﴾ أي فإن أعرضوا عن الإيمان بعد هذا البيان، فقل لهم: إني أخوفكم عذابًا هائلًا مثل هلاك عاد وثمود، وعبَّر بالماضي إشارةً إلى تحققه وحصوله ﴿إِذْ جَآءَتْهُمُ الرسل مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ أي ولو شاء ربُّنا إرسالَ رسولٍ لجعله ملكًا لا بشرًا ﴿فَإِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ إي فإنا كافرون برسالتكم، لا نتبعكم وأنتم بشرٌ مثلُنا، وفي قولهم ﴿بِمَآ أُرْسِلْتُمْ﴾ ضربٌ من التهكم والسخرية بهم ﴿فَأَمَّا عَادٌ فاستكبروا فِي الأرض بِغَيْرِ الحق﴾ هذا تفصيلٌ لما حلَّ بعاد وثمود من استحقاقٍ للتعظم والاستعلاء ﴿وَقَالُواْ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾؟ أي وقالوا اغترارًا بقوتهم لمّا خُوّفوا بالعذاب: لا أحد أقوى منا فنحن نستطيع أن ندفع العذاب عن أنفسنا بفضل قوتنا قال أبو السعود: كانوا ذوي أجسام طوال، وخلق عظيم، وقد بلغ من قوتهم أن الرجل كان ينزع الصخرة من الجبل فيقتلعها بيده ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ الله الذي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ جملة اعتراضية للتعجيب من مقالتهم الشنيعة والمعننى أغفلوا عن قدرة الله ولم يعلموا أن الله العظيم الجليل الذي خلقهم وخلق الكائنات، وهو أعظم منهم قوةً وقدرة؟ ﴿وَكَانُواْ بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ أي وكانوا بمعجزاتنا يجحدون قال الرازي: إنهم كانوا يعرفون أنها حقٌّ ولكنهم جحدوا كما يجحد المودعُ الوديعة ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ أي فأرسلنا على عاد ريحًا باردة شديدة البرد، وشديدة الصوت والهبوب، تُهلك بشدة صوتها وبردها ﴿في أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ﴾ أي في أيامٍ مشئومات غير مباركات ﴿لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الخزي فِي الحياة الدنيا﴾ أي لكي نذيقهم العذاب المخزي المذل في الدنيا قال الرازي: ﴿عَذَابَ الخزي﴾ أي عذاب الهوان والذل، والسبب أنهم استكبروا عن الإِيمان،

109

فقالب الله ذلك الاستكبار بإيصال الذل والهوان إليهم ﴿وَلَعَذَابُ الآخرة أخزى وَهُمْ لاَ يُنصَرُونَ﴾ أي ولعذابهم في الآخرة أعظم وأشدُّ إهانةٌ وخزيًا من عذاب الدنيا، وليس لهم ناصر يدفع عنهم ذلك العذاب ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فاستحبوا العمى عَلَى الهدى﴾ أي وأمَّا ثمود فبينا لهم طريق الهدى، ودللناهم على سبيل السعادة، فاختاروا الضلالة على الهداية، والكفر على الإِيمان ﴿فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ العذاب الهون﴾ أي فأخذتهم قارعة العذاب الموقع في الإِهانة والذل ﴿بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ أي بسبب إجرامهم وطغيانهم وتكذيبهم لنبيّ الله «صالح» قال ابن كثير: بعث الله عليهم صيحةً ورجفة وذلًا وهوانًا، وعذابًا ونكالًا، بتكذيبهم صالح وعقرهم الناقة ﴿وَنَجَّيْنَا الذين آمَنُواْ وَكَانُواْ يتَّقُونَ﴾ أي ونجينا صالحًا ومن آمن به من ذلك العذاب.

110